الصمود والتكيُّف: انعكاسات عام من الحرب في أوكرانيا على الاقتصاد الروسي

كان عام 2022 من أصعب الأعوام في تاريخ روسيا الحديث على الصعيد الاقتصادي بدرجة أساسية. ولا يخفى أن الرهان الغربي من خلال فرض حزم عقوبات اقتصادية واسعة على روسيا، إثر هجومها على أوكرانيا في 24 فبراير 2022، كان يتركز على أن التراجع أو الانهيار الاقتصادي سوف يؤثر بدرجة بالغة في الجهد العسكري الروسي وفي الوضع الداخلي في البلاد. وفرْض العقوبات الغربية ضد روسيا عنى في الواقع دخول البلاد حرباً اقتصادية شاملة وصلت الذروة مع مرور عام على الحرب، من خلال فرض الحزمة الأوروبية العاشرة من العقوبات في فبراير 2023، وانتقال الغرب إلى تجميد ومصادرة الأصول السيادية لروسيا. لكن اللافت للنظر أن موسكو نجحت في تجاوز الاختبار الأقسى، وتمكّنت من تثبيت الوضع الاقتصادي في البلاد عند درجات معينة من الاستقرار، على الرغم من الانعكاسات المعيشية القاسية على المواطنين الروس.

 

تُسلِّط هذه الورقة الضوء على تداعيات العقوبات الغربية على الاقتصاد الروسي، والكيفية التي أثرت بها العقوبات في الوضع الجيواقتصادي لروسيا.

 

أبرز ملامح التطورات في قطاعات الاقتصاد الروسي

أ. الأصول وسعر العملة الروسية

عمدت البلدان الغربية إلى تجميد جزء كبير من احتياطيات النقد الأجنبي لروسيا الموضوعة في سندات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة بالدولار واليورو والجنيه الإسترليني، بمبلغ إجمالي بلغ نحو 300 مليار دولار أمريكي، وهذا يشمل أيضاً حسابات الأفراد والشركات الروسية الخاصة من بين الكيانات القانونية التي أُدرجَت على لوائح العقوبات، كما شمل إيصالات الإيداع (مشتقات الأسهم) للشركات الروسية في أسواق المال الغربية. وفاقم هذا الإجراء الصعوبات التي واجهتها البلاد على الصعيد الاقتصادي.

 

في الوقت ذاته، لوحظ أكبر تقلُّب في سوق الصرف الأجنبي في الفترة التي تلت الشروع في تطبيق العقوبات الغربية على روسيا، ما خلق حالة من الذعر وتوقعات بانهيار الاقتصاد الروسي. فقد ارتفع سعر صرف الدولار بشكل حاد إلى أكثر من 50% في أيام قليلة عن مستوى 78 روبلاً لكل دولار في فبراير 2022، ليصل بعد أسابيع معدودة إلى مستوى 121 روبلاً لكل دولار. ولكنْ مع حلول يونيو 2022، عندما أصبح من الواضح أن الاقتصاد الروسي نجح في مواجهة الصدمة الكبرى التي أحدثتها حزم العقوبات الغربية، بفضل سلسلة من الإجراءات التي حدّت من تداول العملات الأجنبية وفرضت قيوداً صارمة على الشركات والأفراد، انخفض الدولار إلى أدنى مستوى ليصل إلى نحو 50 روبلاً لكل دولار. واستخدمت روسيا هذا التراجع الحاد سياسياً لتأكيد قوة العملة الوطنية، وقدرة البلاد على مواجهة هزات كبرى. لكنْ سرعان ما تبين أن هذا المعدل المنخفض غير مربح للمصدّرين الروس وللميزانية على حد سواء، لذلك بحلول نهاية عام 2022 عادت العملة الروسية تدريجياً إلى مستوى 72-75 روبلاً مقابل الدولار، أي تقريباً إلى نفس المستويات التي كانت عليها قبل بدء الحرب.

 

ب. سوق الأسهم

السوق الثاني الأكثر تأثراً بالعقوبات الغربية هو سوق الأسهم الروسية، فقد انخفض مؤشر بورصة موسكو للأسهم المقوّمة بالروبل MICEX بنسبة 50% تقريباً، بحيث سجّل تراجعاً من 3450 نقطة إلى 1685 نقطة. وحدث هذا الانخفاض بسبب هروب المستثمرين الغربيين خوفاً من الوقوع تحت طائلة العقوبات، فضلاً عن حالة الذعر التي سيطرت على المستثمرين الروس. ومع ذلك تأثر هذا السوق أيضاً بواقع قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات والهزات، فمع حلول خريف 2022 كان لافتاً أن معظم الشركات الروسية المتداولة أسهمها في البورصة تحولت إلى جني أرباح، ما دفع المستثمرين الروس إلى التفاؤل مجدداً. ومع ذلك، تنبغي ملاحظة حصول تحول نوعي في طبيعة الاستثمارات، ففي الغالب غابت الاستثمارات الأجنبية في حين زادت الاستثمارات داخل السوق الروسية. وقد ارتفعت حصة مستثمري القطاع الخاص الروس في بورصة موسكو من 39% إلى 80%، وارتفع عدد المستثمرين الجدد من القطاع الخاص، وفقاً لبنك روسيا، بمقدار 1.4 مليون شخص. وعليه فقد شهدت البورصة تعافياً جزئياً مهماً ليصل مؤشر بورصة موسكو للأسهم المقوّمة بالروبل إلى مستوى 2134 نقطة، أي أن مستوى الانخفاض تراجع بقوة من  50% إلى نحو 38%.

 

ج. الصناعة الروسية

بلغ حجم الانخفاض في القطاع الصناعي الروسي خلال الأشهر التسعة التي أعقبت اندلاع الحرب نحو 0.6%، ويرجع ذلك بالدرجة الأولى إلى الهزة التي أصابت صناعة السيارات. ووفقاً لبيانات “روستات”، وهي المؤسسة المسؤولة عن تقديم المعطيات والمؤشرات الاقتصادية، فقد أُنتج خلال العام 2022، 450 ألف سيارة في روسيا، وهو ما يقل بنسبة 67% عن عام 2021. وتأثر هذا التوقف الحاد للإنتاج بشكل حاد بتعليق الإنتاج من قبل صانعي السيارات الغربيين وإعلانهم الانسحاب من روسيا، ونقص المكونات وقطع الغيار.

 

لكنْ مع حلول نهاية عام 2022، بدأت تظهر نتائج الخطوات التي اتخذتها السلطات الروسية لحل المشكلات المتعلقة بوقف أو تراجع معدلات الانتاج. وظهر ذلك على صعيدين: الأول تمثل بعودة الشركات التي تمتلك توكيلات السيارات الأجنبية، ولا سيما مرسيدس ورينو ونيسان، إلى بيع المنتجات في سوق روسيا. وحُلَّت مشكلة فقدان قطع غيار السيارات بثلاث طرق: الواردات الموازية من خلال بلدان ثالثة، وواردات نظائرها من الصين ودول جنوب شرق آسيا، وإنتاج بعض قطع الغيار البديلة داخل روسيا. كما شهدت قطاعات عديدة تراجعاً ملموساً في الصناعة، إذ انخفض إنتاج الأجهزة المنزلية بنسبة 40%، وإنتاج الأقمشة والمنسوجات بنسبة 24%، وإنتاج الألعاب بنسبة 16%، وإنتاج الخزف والسيراميك بنسبة 15%.

 

في المقابل شهدت عدة قطاعات صناعية نمواً لافتاً، بعد زيادة الاعتماد عليها بسبب غياب المنافسة الغربية. وبذلك فإن المساهمة الإيجابية الرئيسة في ديناميات نمو الإنتاج، وفقاً لوزارة التنمية الاقتصادية في عام 2022، كانت من قبل مجمع المعادن الذي حقق زيادة قدرها 7%، وكذلك صناعات نسخ الوسائط الإلكترونية بزيادة قدرها 160%، وصناعات الفحم بنسبة 53%، كما لوحظت زيادة إنتاج المواد الصيدلانية بنسبة 26%، ونمو إنتاج الصهاريج والخزانات المعدنية بنسبة 19%. ونما أيضاً إنتاج النفط والغاز النفطي في روسيا بنسبة 1.1% خلال عام بعد اندلاع الحرب، وذلك على الرغم من العقوبات والقيود الكبرى التي فرضت على هذا القطاع، بما في ذلك قيود سقف الأسعار التي فرضتها دول مجموعة السبع قبل حلول نهاية العام. وسُجِّلت زيادة في استخراج الفحم البني وتصنيعه بنسبة 20%.

 

وفي الوقت ذاته، تراجع إنتاج الغاز الطبيعي بنسبة 1.8%، ولكن بسبب ارتفاع الأسعار، إذ وصل إلى مستوى 3500 دولار لكل ألف متر مكعب في ذروة ملء منشآت تخزين الغاز في أوروبا، زادت شركات النفط والغاز بشكل كبير من إيراداتها وأرباحها. وعلى وجه الخصوص، تجاوز مستوى أرباح شركة “غازبروم” للنصف الأول من عام 2022 مستوى توقعات الربح لعام 2022 بأكمله، وهذا بسبب ارتفاع الأسعار وليس زيادة الصادرات.  وعلى صعيد المجمع الصناعي الزراعي فقد أظهر طفرة في الانتاج خلال عام بعد اندلاع الحرب ، محقِّقاً نمواً بنسبة 10%، وسجّل محصول الحبوب رقماً قياسياً بأكثر من 150 مليون طن.

 

تبدُّل خريطة شركاء روسيا التجاريين 

مع حلول نهاية عام 2022، أي بعد مرور عشرة شهور على اندلاع الحرب وما أعقبها من حزم العقوبات الغربية، اتضح حجم التبدل في خريطة شركاء روسيا الأساسيين. وتشير بيانات دائرة الجمارك الفيدرالية إلى أن الشركاء التجاريين الرئيسين لروسيا مع انتهاء عام 2022 هم الصين وتركيا وهولندا. وشملت لائحة البلدان الخمسة الأولى من حيث التجارة أيضاً ألمانيا وبيلاروسيا. فيما غابت الهند عن لائحة الشركاء الرئيسين برغم أنها أصبحت أحد المستهلكين الرئيسين لموارد الطاقة الروسية.

 

ووفقاً لبيانات دائرة الجمارك في عام 2022، فقد زاد حجم التجارة بين روسيا والصين بنسبة 28% مقارنة بالعام السابق، لكن الزيادة الكبرى كانت مع تركيا وبلغت نسبة 84%. وزادت أيضاً التجارة مع بيلاروسيا بنسبة 10%. في الوقت نفسه، انخفض حجم التبادل مع ألمانيا بنسبة 23%، وبنسبة 0.1% مع هولندا، برغم أن البلدين ظلا ضمن الشركاء الرئيسين.

 

وتتطابق البيانات في روسيا مع إحصاءات إدارة الجمارك الصينية، فوفقاً للبيانات الصادرة عن الأخيرة في يناير 2023 فإن حجم التجارة بين روسيا والصين زاد بنسبة 29% في عام 2022 ليبلغ مستوى قياسياً حجمه 190 مليار دولار، وبلغت قيمة الشحنات من الصين 76 مليار دولار، ومن روسيا 114 مليار دولار.

 

وفي ربيع عام 2022، توقفت السلطات في موسكو عن نشر إحصاءات التجارة الخارجية من أجل تجنُّب التقديرات غير الصحيحة ومنع المضاربة، ولكن يمكن الحصول على بيانات حول ميزان التجارة الخارجية لروسيا من مصادر أخرى. وعلى سبيل المثال، وفقاً لقاعدة بيانات الأمم المتحدة لإحصاءات تجارة السلع الأساسية (UN Comtrade) بلغ حجم التجارة الخارجية لروسيا في الأشهر العشرة الأولى من عام 2022 نحو 421.5 مليار دولار، وهو ما يقل بنسبة 20.4% عن الفترة نفسها من عام 2021. وقد تلقت الواردات الضربة الرئيسة، حيث انخفضت بنسبة 51.5%، بينما انخفضت الصادرات بنسبة 3%.

 

والعوامل الرئيسة التي أثرت في هيكل الصادرات والواردات في عام 2022، أي قيود العقوبات وديناميات أسعار الطاقة، سوف تستمر خلال عام 2023 كله. وعلى الأرجح، سوف تشهد روسيا انخفاضاً في متوسط ​​أسعار الغاز. كما تشير تقديرات إلى أن كازاخستان قد تسبق بيلاروسيا في عام 2023 على لائحة الشركاء التجاريين البارزين لروسيا. ويتوقع أن تواصل أحجام التجارة مع ألمانيا وهولندا انخفاضها السريع هذا العام، بينما ستنمو أكثر مع الصين وتركيا.

 

ومن المرجح أن تعزز تركيا دورها كنقطة عبور أساسية للواردات إلى روسيا، بينما ستظل الصين شريكاً تجارياً رئيساً. ويُتوقع أن تستمر كازاخستان والهند وكوريا الجنوبية تدريجياً في تحسين مواقعها في الترتيب. وفي نهاية العام الجاري، يمكن لهذه البلدان الانضمام إلى لائحة أكبر خمسة شركاء تجاريين لروسيا.

 

وعموماً سوف يستمر الاتجاه نحو انخفاض حجم التجارة الخارجية مع الدول “غير الصديقة” وزيادة أهمية الدول “الصديقة” بحسب توصيف الكرملين. وبالتالي، فإن مكانة هولندا في أكبر خمسة شركاء تجاريين لروسيا سوف تُحدَّد من خلال تطور موقف هذا البلد الذي كان مركزاً لصادرات النفط الروسية. ووفقاً لذلك، ستعتمد ديناميات التجارة مع هولندا في عام 2023 على سياسة عقوبات الطاقة وأسعار النفط. ومن المرجح أيضاً أن تعزز الهند، التي وسعت التجارة مع روسيا بشكل كبير في عام 2022 بفضل خصم أسعار الطاقة الروسية، مكانتها كواحدة من شركاء التجارة الخارجية المهمّين لروسيا.

 

استنتاجات

تسببت العقوبات المناهضة لروسيا في أزمة في الاقتصاد الروسي، ولكن في المقابل، وبسبب حقيقة أنه واقع تحت تأثير العقوبات، ازداد حجم التجارة مع الدول الآسيوية، التي تمكنت من تعويض مهم للتجارة مع أوروبا بسبب إعادة هيكلة سلاسل الإمداد. ونظراً لبدء عمليات استبدال الواردات يتكيُّف الاقتصاد الروسي مع الظروف الجديدة، وقد قلل بشكل كبير من التراجع الاقتصادي في أوائل عام 2022، وبحلول نهاية عام 2023 قد يبدأ في النمو.

 

وقد أسفر صمود الاقتصاد الروسي أمام حزم العقوبات الغربية عن استعادة الثقة الداخلية، ما ظهر من خلال عودة أسواق الأسهم إلى الانتعاش برغم تغيُّر هيكلية المستثمرين، والاعتماد بالدرجة الأولى على السوق الداخلية. كما ظهر أن القيود المفروضة على روسيا ساعدت في إنعاش الصناعة المحلية في بعض القطاعات بشكل كبير، مثل قطع الغيار للآليات والصناعة الزراعية وغيرها.

 

وأظهرت الهيكلية الجديدة لشركاء روسيا التجاريين أن بعض البلدان نجحت في استغلال الفرص المتاحة بسبب الأزمة الحالية، وهو ما يتضح من خلال الزيادة الكبرى في حجم التبادل مع تركيا، التي تبدو مرشحة أيضاً لأن تبقى ضمن الشركاء الرئيسين لروسيا خلال الفترة المقبلة بالرغم من العقوبات والقيود الغربية.

 

.

رابط المصدر:

https://epc.ae/ar/details/brief/alsumud-waltkyuf-aneikasat-amun-min-alharb-fi-uwkranya-ala-alaqtisad-alruwsi

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M