العلاقة بين فرنسا ولبنان عبر التاريخ وأثرها في الحماية الفرنسية

إعداد : محسن الكومي – المركز الديمقراطي العربي

  • هل تتعامل فرنسا مع لبنان كحامية للمارونيين كما كانت من قبل  أم أن لبنان  نصيبها في الإرث الإستعماري ؟

ملخص :

لبنان ذلك البلد العربي الأصيل ذا المساحة الصغيرة والذي يصاحبه هم كبير رغم قلة سكانه و صغر مساحته ولقد سجلت لبنان تاريخا متغيرا سريعا درجة أن يصعب على أي باحث أن يرصده بكافة تفاصيله  والتي أتسمت بسرعة الأحداث وديمومة التغيير ، فبعيدا عن تعدد المشارب أو الخريطة الطائفية وأثرها في لبنان ، فإن البحث يتجه إلى رصد مدى العلاقة بين فرنسا ولبنان وكيف نشأت والى ما أدت فلا يزال الحكم الفرنسي تواق إلى إستكمال حمايته للمارونيين حصيلته الإستعمارية الأولى  والتي لم ينس يوما مقوماتها ومقدراتها بل بالعكس يزداد شغفه بها يوما بعد يوم والتي كانت تحت إنتدابه لعهد قريب ، وبالنظر إلى ما آلت إليه الأوضاع بلبنان وخاصة بعد الحادث الاخير “تفجيرات مرفأ لبنان” وتداعيات الإهتمام الفرنسي بالوضع والذي كان دافعا لشكوك البعض في تفسير الإتحاه الفرنسي والذي نسجه ماكرون عندما بدا بالتغريد بالعربية الفصحى عن تعازيه وتقديره للوضع بلبنان بل زيارته في أقل من 24 ساعة من الحادث ودعوته لعقد المؤتمر الإفتراضي لدعم لبنان  وحيث أنها ليست المرّة الأولى التي يهرع فيها رئيس فرنسي لنجدة لبنان فهل تجدد فرنسا مطامع إرث قديم ؟ أم أنها صداقة عمر سابقة؟؟ إن فرنسا تلعب دورا أساسيا في ملف لبنان كونها متوائمة مع المزاج النصراني اللبناني وحامية معتقداته فهي أول من اطلقت لفظة “لبنان الكبير”  .

المقدمة :

أثارت تفجيرات مرفأ لبنان حزنا عميقا في نفوس العرب ، كونها جزءا أصيلا من تكوين نسيجنا العربي الواحد ، وفي ظل هذه الأحداث الدامية في ” قبلة الطباعة ودور النشر ” كما أحب أن أسميها دوما ، شغلتني هبة رئيس فرنسا ” ايمانويل ماكرون “لزيارة لبنان في اقل من 24 ساعة من الحادث  ، فهي لم تكن غريبة، بل “خطوة طبيعية” نظراً لتعامل فرنسا مع لبنان كأنه ضمن “النصيب الحقيقي” في بلاد الشرق .

فرنسا ذاك “الأم الحنون” كما يطلق عليها البعض ببيروت ، والبعض الآخر يعتبرها تسمية عار يلاحق اللبنانيين ، تسارع دوما الى إظهار نفسها فيما يخص مواقف لبنان ،وهذا يثير التساؤلات الدائمة ،ومما يلفت الإنتباه مؤخرا  زيارة الرئيس الفرنسي “إيمانيول ماكرون” و متابعته اللصيقة للحدث في وسط الشارع و كأنه يحقق فيما آلت إليه الأمور بل والأشد غرابة تعليق بعض الصحف العربية على زيارته بقولها الرئيس ماكرون يتفقد أثار الدمار الذي خلفه تفجير مرفأ بيروت وكأنها تتحدث عن أحد مسؤلي الحكومة اللبنانية ، وثارت التساؤلات من صديق الى أخر ومن متابع الى غيره ما هي درجة الحزن التي عند الفرنسيين هذه ؟؟ ولماذا اطفأ برج إيفل أنواره فور الحادث ولما يرحب بماكرون هكذا في الشارع البيروتي عموما

مشكلة البحث:

يدور البحث حول مناقشة مشكلة أساسية وهي مدى العلاقة الفرنسية اللبنانية  وكيف التقارب الواضح بين اللبنايين وبين فرنسا من جهة وإتجاه البعض للقومية العربية وهذا سيتضح من خلال الإجابة على ما هو مطروح وما هي الدوافع الفرنسية وراء هبتها تجاه مصائب ومشاكل لبنان ؟.

فروض البحث :

يناقش البحث فروضا عدة سعيا  للإجابة عن مشكلة البحث الرئيسة وهي مدى العلاقة الفرنسية اللبنانية  وقد إفترض البحث فروضا عدة ومنها:

  • دلائل السباق الاستعماري لبريطانيا وفرنسا في منطقة الشام
  • أثر التاريخ الفرنسي في التدخل بالشأن اللبناني .
  • تجدد جينات الحامي المخلص الفرنسي القديم في دم ماكرون وحاشيته .
  • التسابق الفرنسي للتواجد بعمق لبنان قبل البقية .
  • التقارب المسيحي الفرنسي من داخل لبنان وآثاره .

منهج البحث:

  • استخدم البحث المنهج التاريخي في رصد الوقائع والأحداث المختلفة سريعا بدءا من ما قبل الميلاد حتى وقتنا الحاضر.
  • اعتمد البحث ايضا على منهج الإستدلال واستنباط النتائج من خلال العرض لتاريخ التدخلات الفرنسية القديمة كونها أول دولة تمد يدها للمارون بلبنان وإعتبارها حامية لهم .

أهداف البحث :

يسعى البحث الى عدة أهداف رئيسة يحاول اثباتها وهي :

    • إثبات التدخلات الفرنسية
    • التدليل على علاقة المارونيين بفرنسا وأثره في ازكاء الطائفية
    • إظهار الصراع الانجليزي الفرنسي وأثره في تأجيج الطائفية بلبنان
    • توضيح لمسار الطائفية وأثره في المشاكل اللبنانية الحالية .

خطة البحث :

  • المبحث الأول : تداعيات زيارة ماركون
  • المبحث الثاني : تاريخ العلاقات الفرنسية اللبنانية
  • المبحث الثالث : تاريخ صراع الطائفية بلبنان .
  • المبحث الرابع : لبنان محطة  زعماء فرنسا التاريخية

اولا المبحث الأول :  تداعيات زيارة ماركون

وسط حالة من الفرح والسرور لدى بعض اللبنانيين بوصول مخلصهم “ماكرون” والذي يحلمون معه في إنتشال لبنان من أوضاعها ،  وإطلاقهم  حملة تطالبه بالإنقاذ السريع  والذي علق بدوره فور الحدث بتدوينة مفادها ” بحبك يا لبنان لبنان ليس وحيدا ” إزعانا لمرحلة جديدة قد يقودها الماكرونيون الجدد بلبنان ؟

لم تكن زيارة ماركون لتمر بهذه السهولة وخاصة أنها أتت على وجع أحرق قلوب الكل بلبنان وخارجها حيث نزل ماكرون ببيروت فاستقبله البعض استقبال البطل وطالبوه “بإنقاذهم” من الوضع الذي ينحدر نحو هوّة سحيقة سببها الإنفجار الهائل وهو الأكبر في تاريخ بيروت والذي نجم عنه تشريد قرابة 300 الف ،خلاف الجرحى والموتى، أما على الجانب الإقتصادي فقدرت قيمة الخسائر بنحو 15 مليار دولار،في حين أن البلد يئن من إنهيار اقتصادي يصارعه منذ فترة . وقد دعى  عشرات الآلاف إلى أهمية العودة للانتداب الفرنسي  ووقعوا خلال ساعات عريضة تدعو إلى عودته مرة أخرى، والتي صحبها تداول البعض صورة “مهيبة” لماكرون مصحوبة بعبارة” تعا وجيب الانتداب معك ([1])

واستمر تباين ردود الأفعال عقب هذه الزيارة سيما أنها أشارت لنزول ماكرون الى الشارع والتحامه  بالجماهير في خطوة توصف بالجريئة كونها في وسط الحدث وعلى مقربة منه في حين لم يستطع أن يقدم على فعلها سياسي لبناني واحد في أوج الأزمة ،وقد جسد  ماكرون مشاعر الحزن دبلوماسيا و أرتدى رابطة عنق سوداء على لبنان في حين ان رئيس لبنان نفسه  “العماد ميشل عون ” عند استقباله لماكرون بالمطار كان يرتدي رابطة زرقاء فاتحة اللون مما أثار حفيظة البعض ،  وقد ظهر عون بالصورة تابعا لماكرون وكأنه خائف من مساءلات الأخير تجاه الحادث ربما لأن حزب “عون”  نفسه أسس بباريس والتي امدته الأخيرة بكل المقومات ليكون ممثلا لها بالداخل اللبناني ولكن كانت النتائج والإصلاحات مخيبة للآمال، وأما عن تعليقات البعض عن زيارة ماكرون ، ففي الداخل الفرنسي انتقد جان لوك ميلينشون، زعيم حزب فرنسا المتمردة، زيارة ماكرون، وأعتبرها تدخلا سياسيا في الشأن اللبناني وشدد قائلاً، “أحذر من التدخلات السياسية فى لبنان”

وعقب انتهاء الزيارة توالت التغريدات المؤيدة من قبل الكثير ومنهم نجوم الفن، فوجهت الفنانة اللبنانية إليسا رسالة عبر حسابها على تويتر، قائلة: “شكرا إيمانويل ماكرون لدعم فرنسا للبنان نحن بلد يمزقه الفساد أولا وقبل كل شيء ، ونحن نثق بك أنت تعرف جيدًا ما نمر به([2])

وفي إتجاه فرنسي آخر صرح وزير الخارجية الفرنسي ” لو دريان ”  ( يعرف لبنان واللبنانيون أن بإمكانهم الاعتماد على فرنسا في الساعات الصعبة” إشارة الى دور فرنسا )

ثانيا المبحث الثاني :  تاريخ العلاقات الفرنسية اللبنانية

سعيا للوصول إلى جذور وطبيعة العلاقات الفرنسية اللبنانية كان لزاما أن نبحث في أروقة التاريخ للوصول الى العلاقة في عرض سريع موجز خشية سأم القاريء الكريم .

فخلال مطاردة المصريين للهكسوس في عهد الدولة الفرعونية الحديثة في مصر، ضم تحتمس الثالث للسيادة المصرية الساحل الشرقي للبحر المتوسط بالكامل، بالإضافة إلى المدن الفينيقية، مؤسسًا بذلك أول إمبراطورية في التاريخ تمتد من تركيا شمالا إلى الصومال جنوبا، والعراق شرقا، وليبيا غربا.[3] بعدها استقل الفينقيون وسكنوا سوريا ولبنان فترة من الزمن ليست بالقليلة وفي عام 64 قبل الميلاد حل الرومان محل الإغريق في لبنان والبلاد المحيطة به، والذين بقوا فيه حتى عام 636 للميلاد ، ومع إنتشار الديانة المسيحية منذ القرن الأول الميلادي وما يليه ، بطول سواحل البحر الأبيض المتوسط وما وراءها. كانت سوريا ولبنان من أوائل البلدان التي أعتنقت المسيحية. في بادئ الأمر، لم تعر الإمبراطورية الرومانية اهتماما بالمسيحيين أو قل تسامحت معهم، ثم اضطرت لاضطهادهم، وفي نهاية اتجهت للاعتراف بهم.

جانبا من التاريخ الإسلامي للبنان :

بعد أن فتحت لبنان والتي كانت تسمى “سواحل الشام سابقا”  في عهد الخلفاء الراشدين وكانت من نصيب دمشق بعد تقسيم عمر  حيث قسم بلاد الشام الى اربع مناطق عسكرية هي (دمشق وحمص والأردن وفلسطين ) وكانت لبنان تابعة لدمشق  حيث يقول المقدسي ( بيروت من مدن دمشق والمسافة بين دمشق وبيروت مسيرة يومين ) و كانت تحت ولاية يزيد بن أبي سفيان والذي توفي إثر طاعون”عمواس” والذي فتك ب 25 الف من المسلمين على رأسهم أبو عبيدة بن الجراح ويزيد بن ابي سفيان وشرحبيل بن حسنة وذلك عام 18 ه   وبعدها انتقلت الى ولاية معاوية ،وكان لها دور كبير جدا مثل جميع المدن الساحلية في الغزوات البحرية التي قادها المسلمون بالبحر المتوسط وكانت مهبطا لرباط كبار الصحابة والتابعين  وكان على رأسهم أبي الدرداء كونه أول من قدم للرباط بلبنان حيث نزل ببيروت بعد فتحها مباشرة حيث كانت موقعا لرباط الصحابة في عهد عمر ولما قدم سلمان وسأل أهل دمشق عن أبي الدرداء قالوا له انه برباطه فسأل اين ؟  قالوا ببيروت فخرج ورابط معه

وبعد الاستقرار الإسلامي بلبنان و طوال هذه المدة لم تنشأ علاقة بين فرنسا وبين لبنان  ولكن بدأت ملامح العلاقة عن طريق “الموارنة” [4] ليكون لويس التاسع هو أول من مد لهم العون الفرنسي  حيث كان أول صديق فرنسي لهم، إذ سار اليه  وفدٌ مؤلف من خمسة عشر ألف ماروني ومعهم المؤن والهدايا عندما نزل إلى البر في عكا ، وقد سلمهم بهذه المناسبة رسالة مؤرخة في 21/5/1250م فيها تصريح بأن فرنسا تتعهد بحمايتهم فقد جاء فيها: “ونحن مقتنعون بأن هذه الأمة التي تعرف باسم القديس مارون هي جزء من الأمة الفرنسية”.[5] احتل الموارنة مكانا مرموقا لدى الصليبين كأفضل طائفة مسيحية  ، في عام 1535 عقد معاهدة فرنسية عثمانية منحت خلالها فرنسا امتيازات ببلاد الشام وفي القلب منها لبنان [6]   وبهذه المعاهدة أنتزعت فرنسا  حقا في حماية الكاثوليك في لبنان. وترسخت الحماية الفرنسية إثر تعهدا للويس الرابع عشر  عام 1649، بشان حماية الكنيسة المارونية وجميع طوائفها، وجتء ذلك في رد على البطريرك : “ليكن معلوماً، أننا نضع تحت حمايتنا ورعايتنا بطريرك ورعايا وإكليروس المارونية المسيحية، الذين يعيشون ويعملون في جبل لبنان”

وقد جدَّد الملوك الفرنسيون اللاحقون هذا التعهد، حتى رسخت قواعده ، في القرن الثامن عشر،

وبإعتبار فرنسا أقوى دولة كاثولكية بأوروبا حيث أنها أول دولة حديثة تعترف بها الكنيسة ولذا أطلق على فرنسا “الأبنة الكبرى للكنيسة”  هذه الأبنة الكبرى انحازت واعتبرت نفسها حامية المارونيين وخاصة بلبنان  وازداد التقارب الماروني الفرنسي منذ هذا التاريخ   وفي ظل هذه الأثناء فقد الدروز سيطرتهم تماما وأوشك نجمهم على الأفول بالمنطقة وفي حملات نابليون وانتقاله من مصر الى بلاد الشام سارع المارونيون بمساعدته وقد خالفهم كالعادة في ذلك الدروز  استمر هذا التعاطف من الغرب مع الموارنة في الأجيال التالية ، وفي هذه الاوقات تعالت حركات التمرد وازداد الخلاف داخل لبنان  ولعبت القوى السياسية الخارجية دورا خطيرا في 1840 م والذي نتج عنه التعبئة وإثارة الخلاف بين الطوائف المختلفة ،  وفي العام 1860 تدخلت فرنسا مباشرة لحماية الموارنة بحملة عسكرية كبيرة، خلال المواجهات الطائفية الدامية بين الدروز والموارنة في جبل لبنان ، وبعد الحرب العالمية الأولى ومع تفكّك الدولة العثمانية، اعترفت الدول المنتصرة بحقّ فرنسا بأخذ لبنان حصةً لها، بعد تقسيم تركة الإمبراطورية في المنطقة بين الاستعمارين الفرنسي والإنكليزي، وفق اتفاقية سايكس بيكو[7] ، و ارسلت فرقة فرنسية بعد الحرب العالمية الأولى لإحتلال لبنان في عام 2018  والذي بقدومه أعلنت لبنان الكبرى مما أسعد النصارى كثيرا، بعدما ظلت منذ عام 1516 م تابعة للخلافة العثمانية حيث كانت  حتى عام 1864 تتالف من منطقيتين إداريتين شمالا تابعة لولاية طرابلس وجنوب تابعة لولاية صيدا واللتيا ألغيتا وحل محلهما ولاية بيروت [8] ، في مارس 1943 وزعت فرنسا مقاعد في البرلمان اللبناني بنسبة ستة إلى خمسة لصالح المسيحيين. وتم توسيع هذا لاحقًا ليشمل المكاتب العامة الأخرى. وكان يجب أن يكون الرئيس مسيحيًا مارونيًا ورئيس الوزراء مسلمًا سنيًا ورئيس مجلس النواب مسلمًا شيعيًا.[9] وفي يناير 1944 وافقت فرنسا على نقل السلطة إلى الحكومة اللبنانية وبالتالي منح الإقليم الاستقلال.

ثالثا المبحث الثالث:  تاريخ صراع الطائفية بلبنان

شكلت الإرساليات التبشيرية والثقافية  والمدارس الأجنبية،والتي سعت فرنسا وغيرها في تكوينها  إذ جعلت الولاء، أولاً، للطائفة، وليس للوطن! ثمّ لهذه الدولة الاستعمارية أو تلك. كذلك، المؤسسات التعليمية الوطنية الطائفية، التي كان معظمها يتلقى المساعدات الأجنبية، ويوفَد إليها أساتذة التعليم، كذلك. وكان تلاميذها يتقدمون لنيل الشهادات الأجنبية. وأغلبيتها الساحقة، كانت مسيحية، قدرت بنحو 650 مدرسة، عام 1900، موزعة كما يلي: 120 مدرسة إسلامية، مدرسة واحدة درزية، والباقية مدارس مسيحية (مارونية ـ أرثوذكسية ـ ملكية ـ بروتستانتية) .

كان التغلغل الثقافي، من طريق الإرساليات، وجهاً من وجوه الاستعمار. أدى إلى إرساء الطائفية وترسيخها في البنية الاجتماعية، حتى أصبحت عقيدة، لها أتباع ومدافعون، في جمعيات وأحزاب وتنظيمات، بل لها فلاسفة، يبررونها، ويعزون إليها وجود لبنان[10]، وشكلت فرنسا أكبر قاعدة من هذه الارساليات واكبر قواعد المدارس بلبنان ، وربما يرجع الى ذلك انتشار اللغة الفرنسية واعتبارها اللغة الرسمية بعد العربية هناك .

ولكن يظل عام 1860 عام التحول الفرنسي  في لبنان فقد تحولت الحماية المعنوية، إلى حماية حماية فرنسية صريحة، إثر نزول قوات فرنسية مؤلفة من ستة الاف جندي فرنسي دعما للمارونيين وقطع خط الرجعة على إنجلترا واستغلال ضعف الدولة العثمانية وقتها بدعوى حماية الموارنة والمسيحيين، ضد الدروز والمسلمين. والتي كان لها الأثر الفعال والقوي في تتابع الأحداث بعد ذلك ، ليبدأ عام 1861 ليكون من الأعوام الثقيلة الشاهدة على الفتنة والإضطربات  بين الموارنة والدروز[11] حيث نتج عن هذه الإضطرابات مقتل ثمانية عشر درزيا ومئة نصراني “ماروني” وكعادة المستعمرين في إزكاء الخلاف ورفع حدته أيدت بريطانيا الدروز ومدتهم بالسلاح بل قامت بتعليم أبناء شيوخ القبائل الدرزية بالمعاهد البريطانية[12] في حين أن فرنسا ما زالت تمارس التاييد للمارونيين وهذا ما قطع خط الرجعة وقطع الأمل في سد الهوة بين الدروز والمارون ، ففي الداخل الفرنسي ، ازداد الاهتمام بالمسألتين السورية واللبنانية، وواكب ذلك حملات دعاية لدعم النفوذ الفرنسي في المشرق. وجاءت تصريحات السياسيين الفرنسيين، خاصة خطبة رئيس الوزراء، ريموند بوانكاريه ، أمام مجلس الشيوخ الفرنسي، لتبرهن للبنانيين المسيحيين، أن فرنسا تمهد الطريق لاحتلال سورية ولبنان . مما دفع الموارنة إلى حثّها، جهاراً وسراً، على تعجيل احتلال لبنان، وإقامة دولة مسيحية فيه، تحت حماية فرنسية. وعملوا على إقناع المسيحيين الآخرين به، خاصة الروم الأرثوذكس المترددين. وبات كثير من المسيحيين اللبنانيين، يرون أنفسهم جزءاً من أُمّة، تطالب بدولة مستقلة، أقلية، تطالب بالحكم الذاتي والحماية الأجنبية.  ونتج عن هذه الفتنة والإضطربات أن تم تشكيل نظام جديد  فصلت على إثره لبنان عن سوريا وتم إنطوائه تحت سيطرة حكم مسيحي يعين من قبل السلطان العثماني وبموافقة القوى الأوروبية، ويعاونه مجلس إداري مكون من إثني عشر عضوا من مختلف الطوائف الدينية في لبنان، ومع هذا ظل الإنقسام بلبنان هو سيد الموقف حيث انجلترا تهب لمساعدة الدروز بينما  فرنسا على ما هي من تأييد للنصارى ، استمر هذه الوضع على هذه الشاكلة مما أثار ضجر البعض درجة أن أحد زعماء لبنان في رسالته الى صديقه راصدا ما نصه ( لقد أصبحت أمورنا في هذه الايام تابعة لانجلترا وفرنسا ،وأنه إذا ضرب أحدهم رفيقه تصير المسالة إنجليزية فرنسية ،وربما قامت انجلترا وفرنسا من أجل فنجان قهوة يهرق على الارض) [13].

الحرب الأهلية

يعد الثالث عشر من ابريل لعام   1975 هو اليوم الأحزن في تاريخ لبنان المعاصر إذ إنطلاق الشرارة الأولى للحرب الأهلية اللبنانية والتي سرعان ما عمت كامل الأراضي اللبنانية  لتوقع أكثر من 150 ألف قتيل خلال خمسة عشر عاما و20 ألف مفقود إضافة إلى تشريد ونزوح مئات الآلاف ، وبعيدا عن أسباب اندلاع الحرب والتي كانت من نتائجها أنقسام حاد بلبنان وظهور ميلشيا مسلحة قد تفوق في عددها العدد الأصلي للشعب اللبناني نفسه ، وبعدها تحولت الخلافات من فصائل مختلفة إلى خلافات في الفصيل الواحد ودعى ذلك للتدخل الدولي في لبنان .

تخلي فرنسا عن صديقتها القديمة أثناء الحرب الأهلية :

لم يكن لفرنسا أي دور في إنهاء الصراع الدائر بلبنان ولا تقديم أقل جهد للصديق القديم لإنقاذه من كبوته وصراعاته القاتلة ولا أي محاولة  لإنهاء الحرب الأهلية بلبنان ولم تكن لفرنسا أي أدوار تذكر في  عقد إتفاق”الطائف”  والذي عقد في 30 سبتمبر 1989 في مدينة الطائف ، سعيا لوقف النزيف المتصاعد  وأنهاء هذه  الحرب الأهلية اللبنانية، والذي ساهم بشكل كبير في إنهاء الصراعات الدائرة هناك وإيقاف نزيف الدم المستمر لخمس عشرة سنة ، وخلص الاتفاق الى  عدة مباديء أساسية كان أبرزها وحدة الشعب اللبناني ، الغاء الطائفية السياسية وأن تقسم مقاعد البرلمان مناصفة بين المسيحيين والمسلمين ،  أما توزيع السلطات فتم التوصل الى أن  رئيس الدولة من الطائفة المسيحية ورئيس مجلس الوزراء من مسلمي السنة ورئيس مجلس النواب من مسلمي الشيعة  ، وتم إقرار الجميع على بسط سيادة الدولة على جميع الاراضي اللبنانية وانه على جميع الفصائل تسليم اسلحتها للدولة خلال ستة أشهر من تاريخ توقيع الميثاق الوطني وإنتخاب رئيس الدولة ،  بالنظر الى خريطة الحياة السياسية وخاصة النيابية منها  تتميز الحياة السياسية في لبنان منذ بدايتها بالطائفية والعرقية. إذ يناهز عدد الأحزاب المُرخصة في البلاد الثمانين حزباً، على الرغم من عدد السُكان القليل نسبياً والذي لا يزيد حالياً في أغلب التقديرات عن 7 ملايين نسمة ،يصاحب ذلك رقعة جغرافية ضيقة حيث لا تزيد مساحة لبنان عن 11 ألف كم2 ، وبالعودة للتشكيل الأحزاب بلبنان نجد أن الكتلة المسيحية تعد أكبر الكتل حزبيا بعدد 18 حزب أشهرهم ” التيار الوطني الحر” والذي أسس بفرنسا ” ولعل هذا يوضح أثر العلاقات الفرنسية اللبنانية ”  ويرأسه الرئيس الحالي ميشل عون ورغم حداثة الحزب حيث أسس رسميا في 2005″  الا أنه يحظى بتمثيل 29 مقعد في البرلمان من أجمالي 128

رابعا المبحث الرابع :  لبنان محطة زعماء فرنسا التاريخية   

قد أوضح البحث أن تاريخ حكام فرنسا مع لبنان قديم منذ لويس التاسع ، وأن هذه العلاقة بين رؤوساء فرنسا وبيروت ما أنقطعت بدءا من تاريخ التقارب الفرنسي اللبناني حتى العصر الحديث فمعظم حكام فرنسا قبل الترشح للانتخابات الفرنسية أو بعد الفوز لابد من الطواف بقبلة لبنان ربما شراء لأصوات الفرنسيين ذوي الأصول اللبنانية أو إظهارا لقوتهم في التأكيد على أن لبنان مقاطعة تابعة لباريس أو تأكيدا منهم أنهم سائرون على نهج أسلافهم المستعمرين إرضاءا للناخب الفرنسي ، انتقلت فرنسا اذا بين بداية التسعينات وحتى العام 2004 من موقع الأمومة العاطفية المعنوية مع المسيحيين إلى التشاركية القائمة على البراجماتية ” المنفعة الشخصية “”  المادية لرغبتها في توزيع الأسهم والحصص لتعود فرنسا إلى المشرق من بوابته اللبنانية المميزة متخذة طريقا آخر غير الذي عهدته سابقا فتتحول من رعاية ” الورقة المسيحية ” الى الشأن الإقتصادي  ، وقد أستمرت حركة التجارة بين البلدين تنمو لتسجل  في عام 2016 إجمالي التجارة بينهما  934 مليون يورو، حيث تعد فرنسا واحدة من الشركاء التجاريين الرئيسيين للبنان وتصدر أكثر من 4500 شركة فرنسية إلى لبنان،  وفي عام 2015 بلغ إجمالي الاستثمارات الفرنسية المباشرة في لبنان 534 مليون يورو،  حيث تعمل ما يقرب من مائة شركة فرنسية في لبنان في قطاعات مختلفة مثل قطاعات الزراعة والاتصالات وتجارة التجزئة وصناعة البترول والخدمات المالية[14]

وعلى هذا لم تكن زيارة ماكرون السريعة للبنان فور الحادث بمستغربة وسط التاريخ الفرنسي اللبناني فنجد جاك شيراك قد سارع بزيارة فرنسا في عام 2005  ،ورعى شيراك خلال ولايته مؤتمرات باريس 1 و2 عام 2001 وباريس 3 عام 2007، لدعم لبنان اقتصادياً، ونجح بجمع مليارات الدولارات من الجهات المانحة[15])  لم يتوقف الدعم الفرنسي حتى عهد شيراك بل ظل ممتدا تبعا للأجندة الرئاسية لكل حكام فرنسا فنجد ساركوزي في  2008 يتجه الى لبنان على رأس وفد رفيع المستوى وذلك بعد فترة وجيزة من انتخابه رئيسا لفرنسا ،  وفي عام 2018 عقد مؤتمر “سيدر” لدعم لبنان دعت إليه واستضافته فرنسا والذي وصل إجمالي قروضه ومنحه وهباته أكثر من 11 مليار دولار  والتي أغلب الظن أنها لم تنجح في الإنتشال الإقتصادي للبنان من ازماتها حتى أتت أحداث المرفأ لتزيد الأمر تعقديا فوق رؤوس الشعب اللبناني.

وبعد الإستعراض السريع للملامح التاريخية للعلاقات الفرنسية اللبنانية وأبرز محطاتها يخلص البحث الى:

النتائج:

  • الطائفية أزمة لبنان القاتلة
  • الإتجاهات الفرنسية لا تتوقف نحو لبنان والشام
  • الأثر الواضح للموارنة في تاريخ العلاقة الفرنسية
  • لبنان المزار التاريخي لحكام فرنسا
  • انتقال العلاقات الفرنسية اللبنانية من طور الرعاية للطائفة المسيحية الى الدور البراجماتي لفرنسا
  • ظهور الأثر التاريخي لانجلترا وفرنسا في الطائفية بلبنان

التوصيات :

  • ضرورة التحكيم العربي المخلص بين الطوائف اللبنانية والبناء على مخرجات إتفاق الطائف
  • مواصلة السبق العربي الدائم دعما للشعب اللبناني
  • ضرورة التواجد العربي الموحد مع الشارع اللبناني
  • متابعة الجامعة العربية لمؤتمرات الدعم اللبناني والعمل على تطويرها
  • رقابة عمليات الإعمار داخل لبنان من جانب لجان مؤتمرات الدعم

الخاتمة :

بعد الإستعراض التاريخي للعلاقة بين لبنان وفرنسا وبعد محاولة كشف الدور الفرنسي والانجليزي في تأجيج نعرات الطائفية وأيضا تخلي فرنسا عن صديقتها القديمة وتركها في مهب ريح حرب قاتلة أودت بحياة الالاف ينبغى أن تفهم الفصائل اللبنانية معنى التعايش السلمي والرغبة في النفع العام وإقصاء الفردية ، وأن يتجهوا الى رأب الصدع فيما بينهم وأن يغلبوا مصلحة لبنان كونها فوق الجميع ، سلم الله لبنان وبلادنا العربية جميعا.

[1] موقع بي بي سي عربي ، انفجار بيروت: دلالات زيارة ماكرون ، 7/8/2020 “”

[2] .(موقع اليوم السابع الخميس نجوم لبنان يدعمون ماكرون بعد زيارته بيروت ويحذرونه من النخبة الفاسدة  6/8/2020

[3]

History of Egypt from the Earliest Time to the Persian Conquest, جيمس هنري برستد, p. 216, republished 2003,

[4] نسبة الى المارونية، طائفة من طوائف النصارى الكاثوليك الشرقيين والذين على خلاف دائم مع النصارى الأرثوذكس، والذين اتجهوا الى الكنيسة في روما وظلوا تابعين لها ، وقد أختار المارون  شمالي لبنان بعد تحكيمهم لمعاوية بن ابي سفيان ليفصل خلافهم مع اليعاقبة عام 659 م

[5] موقع صيد الفوائد،الندوة العالمية للشباب الاسلامي ، المارونية ،

  [6]  تاريخ لبنان الحديث،كمال الصلبيب ص 41 )

[7]  موقع  بي بي سي عربي ، انفجار بيروت: لماذا تهبّ “الأم الحنون” فرنسا لنجدة لبنان ،7/8/2020

[8]  تاريخ لبنان الحديث ، كمال الصليبي ، ص 11 ، دار النهار للنشر الطبعة السابعة 1991

[9]  بي بي سي نيوز ،   Lebanon profile – Timeline ، 25/4/2018

[10] أبعاد العلاقة التاريخية بين فرنسا وموارنة لبنان ،موقع يا بيروت

[11] الدروز : بدأت الحركة الدّرزيّة تتبلور مع حكم الخليفة الفاطمي السادس وهو الحاكم بأمر الله وذلك ما بين 996 و1021م وهي منحدرة من الحركة الإسماعيلية والتي أنشقوا عنها فيما بعد ، أتسمت الحركة الدرزية بكثير من الغموض والتي جعلت الباحثين يحتارون في توصيف أمرها ومما زاد حيرة الباحثين أن الدروز انفسهم  يعتقدون أن هناك علوما لا يعلمها الا الخلص من علمائهم فقط وهم  يرون أن جميع الأديان الإبراهيمية المُوحّدة هي مُوصلة إلى الله، وبالتالي فإن تبديل الدين من الإسلام إلى المسيحية أو العكس، أو من الدرزية إلى دين إبراهيمي آخر هو لغرض دنيوي وتكسّباً للمال بحسب رأيهم .

[12]  مرجع سابق ص 92

[13] تاريخ لبنان العام ،يوسف مزهر ، ص 604

[14]  ) Présentation du Liban (in French  28 أغسطس 2018 على موقع واي باك مشين.

[15] مرجع سابق   لماذا تهبّ “الأم الحنون” فرنسا لنجدة لبنان

 

رابط المصدر:

https://democraticac.de/?p=68944

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M