القرار الأوروبي بتحديد سقف لأسعار الغاز: الدلالات والتداعيات

د. أحمد سلطان

 

في وقت كشفت فيه شركة جازبروم الروسية عن تسجيل رقم قياسي تاريخي لإمدادات الغاز إلى الصين مع تجاوز الصادرات الالتزامات التعاقدية مع الشركة الوطنية الصينية بنسبة أكثر من حوالي 16%، وبعد أكثر من 4 أشهر وخوض دول الاتحاد الأوروبي جدلًا كبيرًا؛ توصل التكتل الأوروبي أمس إلى اتفاق تحديد سقف لأسعار الغاز الطبيعي ابتداءً من منتصف شهر فبراير من العام القادم 2023، وبذلك يمكن للاتحاد الأوروبي تطبيق ما يسمى بآلية تصحيح سوق الغاز، وهو إجراء مؤقت لمنع تقلبات الأسعار.

وهي خطوة يعتقد قادة الدول الأوروبية أنها تهدف إلى حماية الأسر والشركات الأوروبية من ارتفاع أسعار الغاز الذي عانت منه القارة منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية، مما أدى إلى بلوغ معدلات التضخم أعلى مستوياتها منذ سنوات طويلة.

الاتفاق عُدلت صيغته الأولى بسبب تحفظ تسع دول من التكتل الأوروبي، ويُنص على أنه سيتم تفعيل حد أقصى لسعر الطوارئ ولكن إذا تجاوزت أسعار الغاز 180 يورو (190 دولارًا) لكل ميجاوات/الساعة وذلك لمدة ثلاثة أيام عمل متتالية ومع اقتصار تنفيذ الاتفاق على مدي أسبوعين، وهو المعيار الأوروبي الرئيس لأسعار الغاز الطبيعي، وإذا كان السعر في نفس الفترة أعلى بمقدار 35 يورو (37.5 دولارًا) من السعر المرجعي للغاز الطبيعي المسال في الأسواق العالمية.

ولم يتوقف التكتل الأوروبي عند اتخاذ القرار فقط دون وضع آليات تضمن تنفيذه، وكذلك تضمن التزام جميع دول الاتحاد بهذا القرار؛ إذ انتهت اللجان المختصة داخل الاتحاد من وضع آليات تنفيذ القرار، وتشمل إقرار نصين آخرين عاجلين تم التوافق بشأنهما بين الدول الأوروبية غير أن إقرارهما رسميًا كان يتوقف على قرار حول تحديد سقف لأسعار الغاز وهما:

● شراء الغاز بصورة جماعية بمشاركة اتحادات شركات من أجل الحصول معًا على أسعار أفضل، بالإضافة إلى آليات تلقائية تضمن تأمين إمدادات للدول المهددة بأزمة طاقة.

● تسريع آليات منح التراخيص لإقامة بنى تحتية للطاقات المتجددة.

ولكن ما هي احتمالات تنفيذ هذا الاتفاق على أرض الواقع؟ وما هي أسباب رفض بعض الدول الأوروبية الالتزام به حتى الآن؟ ولماذا تغير موقف برلين من الرفض إلى القبول؟ وما هي تداعيات القرار على الأسواق العالمية؟

بشكل عام وبقراءة كاملة للقرار، إذا نظرنا إلى الوضع الكامل لمتوسط أسعار الغاز خلال عام 2022 سنجد أنه حوالي 135 يورو لكل ميجاوات/الساعة، وكانت الأسعار ترتفع في بعض الأوقات وبلغت ذروتها في شهر أغسطس عند حوالي 339 يورو لكل ميجاوات ساعة كما موضح بالشكل التالي.

وحاليًا، تصل العقود الآجلة للغاز إلى حوالي نصف قيمة السقف الأوروبي، فبلغت عقود الشهر الأقرب استحقاقًا في منصة تداول عقود الغاز الهولندية (تي.تي.إف) 110 يورو لكل ميجاوات/الساعة، وهذا بالمقارنة مع 95 يورو لكل ميجاوات/الساعة في عام 2021 وحوالي 14.20 يورو لكل ميجاوات/الساعة في عام 2020، وبالتالي من القرار يتضح أنها محاولة في حد ذاتها لا تتعلق بكامل الغاز الوارد إلى القارة الأوروبية.

وبما أن منصة تداول عقود الغاز الهولندية ترتبط بها العقود بما فيها طويلة الآمد بالموردين للقارة الأوروبية بما فيهم النرويج، نجد أن القرار هو محاولة للضغط على متوسط السعر الذي يصل لدول الاتحاد الأوروبي، وهذا نظام يهدف إلى ضمان قدرة التكتل على تقديم عروض أعلى من أسعار السوق لجذب الغاز الشحيح.

ونظرًا إلى حالة السوق، تُعد المجر من أكثر الدول في الاتحاد الأوروبي الرافضة تمامًا لفكرة وضع سقف لأسعار الغاز الروسي، أو حتى تخفيض الكميات المستوردة منه عبر خطوط الأنابيب. ونجد أن التغير المفاجئ في الموقف الألماني والموافقة حاليًا على الحد الأقصى للسعر جاء بعد أن ضمنت برلين قواعد أكثر صرامة لتعليق السياسة إذا تمخضت عن عواقب غير مقصودة، وأدخلت تعديلات على قانون آخر للاتحاد الأوروبي بشأن تصاريح الطاقة المتجددة، بالإضافة إلى ترك الاتحاد الأوروبي بابًا للرجوع في القرار في حالة ارتفاع الأسعار والتي من المتوقع خلال الفترة القادمة حتى في حال عودة العلاقات الأوروبية الروسية.

ذلك بالإضافة إلى افتتاح أول محطة إسالة في ألمانيا، مما يُشكل علامة فارقة في جهود برلين لتصبح أكثر استقلالًا في مجال الطاقة. وهنا يجب الإشارة إلى خطة ريباور إى يو (REPower EU) والتي أقرها من قبل الاتحاد الأوروبي بهدف خفض الاعتماد على الغاز الروسي وتوفير الطاقة.

تداعيات القرار

بشكل عام ووفقًا للقراءة السابقة، نستطيع إلقاء الضوء على أهم تداعيات تلك الخطوة خلال الفترة القادمة ومنها:

● الحد الأقصى يُطبق على جميع منصات تداول الغاز الافتراضية في الاتحاد الأوروبي، ولكنه سيؤثر أيضًا على تجارة الغاز الخاصة خارج بورصات الطاقة، مما سيؤدي إلى حالة من عدم اليقين في الأسواق العالمية للغاز الطبيعي، وبالتالي عودة مستويات أغسطس القياسية مرة أخري (339يورو لكل ميجاوات/ساعة).

● ستكون هناك تأثيرات على الشركات التي ضخت الغاز إلى مرافق التخزين الأوروبية بسعر حوالي 275 يورو لكل ميجاوات/ساعة، والآن أصبح بأسعار عند مستوي 188 يورو لكل ميجاوات/ساعة، وبالتالي من سيتحمل هذا الفرق السعري؟ (بالتأكيد المستهلك الأوروبي).

● زيادة الطلب بشكل كبير على الغاز الطبيعي، لأنه من الممكن أن يؤدي تقييد سعر كل واردات الغاز إلى تفضيل المنتجين زبائن آخرين.

● المسألة المتعلقة بالمدة وهي 3 أيام متتالية ستؤدي إلى حالة من عدم اليقين في الأسواق، وبالتالي زيادة عدد المضاربين والمزايدات، مع خلق حالة من التلاعب وعدم الاستقرار، بالإضافة إلى فتح نافذة للاحتكار.

● انحراف شحنات الغاز الطبيعي إلى القارة الآسيوية مما سيعقد الأزمة الأوروبية فيما يتعلق بإمدادات الغاز بعد مدة نفاد المخزونات الحالية (أي بعد 3 أشهر) وحتي في حالة عودة العلاقات مع موسكو لأن الحصة قد يتم توجيها إلى بكين بالكامل. والقارة لا تزال تواجه فجوة محتملة قدرها حوالي 27 مليار متر مكعب وذلك في عام 2023.

● فكرة سقف السعر قد تتسبب في توقف مزودي الخام عن بيع العقود الآجلة للغاز وذلك في منصة تداول عقود الغاز الهولندية، وبالتالي سيؤدي ذلك إلى ارتفاع مستويات الأسعار.

● قد يحد من قدرة التكتل الأوروبيى على جذب شحنات الغاز الطبيعي المسال العديد من الجهات المختلفة، أي قد يجعل من الصعب جذب إمدادات الغاز والتي تشتد الحاجة إليها.

● الرد الروسي المتوقع والسيناريو الأكثر تعقيدًا وهو قطع إمدادات الغاز عن دول التكتل الأوروبي بشكل كامل.

● توسيع دائرة الصراع ليس فقط مع موسكو، بل مع الدول المصدرة للغاز بما فيها الحليفة، وقد يتم إنشاء منصة إلكترونية لتحديد أسعار الغاز للمستهلكين الأوروبيين خلال الأشهر القادمة كرد على سقف الغاز الأوروبي.

● قد يؤدي إلى توقف المرافق العامة عن البيع والشراء، فيما يسمى بالتحوط، لإنتاجها من الغاز واستهلاكها ويدفعها أكثر نحو التداول خارج البورصة، وذلك دون الخضوع لسقف معين، مما يفاقم مخاطر الطرف المقابل، وبالتالي الخاسر الأكبر هو المستهلك الأوروبي في تلك المسألة.

● تسقيف الأسعار قد يُمثل عامل ضغط كبير على الاستقرار المالي في أسواق الطاقة الأوروبية، وقد يدفع المرافق الغازية إلى الصفقات الخاصة والتي تُعد الأكثر خطورة وذلك لتجنب السقف المقترح.

● الأسعار بشكل عام يحددها العرض والطلب، ولذلك هناك حالة من التخوف من أن يؤدي تحديد الأسعار إلى تهديد الإمدادات الأوروبية من خلال دفع شركاء موثوق بهم إلى وقف تسليم الغاز إلى الاتحاد الأوروبي لصالح جهات أخرى.

● مصداقية الاتحاد الأوروبي ستتأثر بشكل كبير فيما يتعلق بمسألة احترام مبدأ التنافسية وطبيعة سوق الغاز الطبيعي العالمية.

● وصول واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي المُسال إلى مستويات مرتفعة وقياسية، في الوقت الذي يجري فيه افتتاح محطات عائمة جديدة في ألمانيا لاستقبال الوقود بعد ساعد الشراء المدعوم حكوميًا أوروبا على جذب الشحنات بعيدًا عن بكين، ولكن الطقس الأكثر برودة في آسيا والانتعاش الاقتصادي القوي المحتمل بعد أن خففت بكين قيود كورونا، قد يجعلان ذلك أكثر صعوبة. ويوضح الشكل التالي مصدري الغاز المسال إلى الاتحاد الأوروبي.

● ضعف البنية التحتية لدول الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بعدد محطات الإسالة والذي يبلغ حوالي 24 محطة عاملة حاليًا، وحوالي 17 محطة من المخطط تشييدها خلال السنوات المقبلة كما هو موضح بالشكل التالي، مما يجعل حربها مع موسكو فيما يخص مسألة الغاز الطبيعي معقدة بشكل كبير.

● سوف يقلص الحوافز للحد من استهلاك الغاز، في الوقت الذي يتعين فيه على الدول خفض الاستهلاك والبحث على بدائل للإمدادات الروسية خلال فترة ما بعد الشتاء القادم.

الموقف الروسي

كانت موسكو تعتمد بشكل كبير على الاتحاد الأوروبي في صادرات الغاز الطبيعي (وجهة كانت بمثابة بوابة الاقتصاد الروسي)، ولكنها الآن بدأت تعويض حصتها السوقية المفقودة في القارة الأوروبية عن طريق شحن الغاز الطبيعي إلى القارة الآسيوية (إعادة توجيه للأسواق) وبالأخص الصين، حيث تزود موسكو حاليًا بكين بنحو 16% من وارداتها السنوية من الغاز عبر خطوط الأنابيب وسفن الغاز الطبيعي المسال.

ولكن مع التحسينات المخطط لها ستصبح موسكو المورد الرئيس للغاز إلى الصين، وبالتالي ستتمكن موسكو من ضخ حوالي 50 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي عبر خط قوة سيبيريا-2، وبذلك يصل إجمالي واردات الغاز من روسيا إلى الصين أكثر من 90 مليار متر مكعب عندما يصل كلا خطي قوة سيبيريا إلى طاقتهما الكاملة. حيث بشكل عام تستورد الصين حاليًا ما يقرب من حوالي 46% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي (حوالي 372 مليار متر مكعب سنويًا)، ومن هنا نستطيع القول إن الصين سوق ضخمة في استطاعتها استيعاب كميات الغاز الروسي والتي كانت توجه إلى القارة الأوروبية.

مجمل القول، وضع سقف للأسعار بدعة أوروبية جديدة ستؤدي إلى تعقيد أكبر في المشهد العالمي فيما يتعلق بملف الطاقة، والتكتل الأوروبي ما زال يلقي بأوراقه بينما قفزت تكاليف الطاقة في القارة العجوز لتصل إلى نحو تريليون دولار؛ وذلك بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، ولتعيش أعمق أزمة منذ عقود. وبكل تأكيد وبعد الشتاء الحالي، ستُضطر القارة إلى ضرورة إعادة تعبئة مخزونات الغاز والتي قاربت على النفاد في ظل توافر خيارات وكميات محدودة من الإمدادات الغازية من موسكو.

مما سيؤدي إلى اشتعال وزيادة حدة المنافسة على ناقلات الغاز الطبيعي المسال (LNG). وحتى مع تشغيل المزيد من محطات استيراد الغاز الطبيعي المُسال، فإنه من المتوقع أن تظل السوق الغازية محدودة، وسيصبح أمن الطاقة (الإمدادات و الأسعار) مهددًا حتى عام 2025، حتى تتوافر طاقة إنتاجية إضافية، سواء من منطقة شرق المتوسط أو قطر أو الولايات المتحدة الأمريكية أو أي مصادر أخرى، وهو ما يؤكد بأن المعاناة من ارتفاع الأسعار ستتواصل ولسنوات طويلة.

 

.

رابط المصدر:

https://marsad.ecss.com.eg/74638/

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M