- يعتمد الرئيس السوري أحمد الشرع استراتيجية دمج واحتواء للمقاتلين الأجانب داخل مؤسسات الدولة السورية الجديدة، خصوصاً الجيش، باعتبارها وسيلة لضبطهم أمنياً ومنع تحولهم إلى تهديد مستقبلي.
- تتفاوت مواقف الفصائل الأجنبية من مسار الاندماج؛ فـ”الحزب التركستاني الإسلامي” انخرط بوضوح في بنية الجيش، بينما أبدت فصائل أوزبكية وفرنسية تحفظاً أو رفضاً، ما تسبب في توترات أمنية متكررة.
- لا تكمُن خطورة الفصائل الأجنبية الرافضة لسياسة الدمج في حجمها العسكري، بل في خطابها المتطرف وقدرتها على تعبئة الرافضين لهذه السياسة، بما قد يحولها إلى بؤرة معارضة راديكالية ضد حكم الشرع.
- يخلق ملف المقاتلين الأجانب في سورية تعقيدات داخلية وخارجية؛ داخلياً بسبب حساسية وجودهم لدى الأقليات وبعض السُّنة، وخارجياً بسبب تبايُن مواقف الولايات المتحدة والصين وفرنسا وتركيا ومصر من طريقة التعامل معهم.
- نجاح استراتيجية الشرع مشروط ببقاء الدعم الأمريكي وسيطرته على الفصائل الرئيسة؛ فإذا استمرت واشنطن في قبول خطة الدمج وظل الحزب التركستاني تحت السيطرة، تبقى المخاطر قابلة للإدارة، أما في حالة تعثُّر الدمج فإن هذا الملف قد يتحول إلى تهديد لاستقرار الحكم.
تشهد الساحةُ السورية بين الفينة والأخرى، اضطراباتٍ متقطعةً بين القوات المسلحة السورية وبين إحدى فصائل المقاتلين الأجانب، مما يعكس الصعوبات التي تواجهها استراتيجية حكومة الرئيس أحمد الشرع لاحتواء المقاتلين الأجانب ودمجهم ضمن المؤسسات الناشئة للدولة السورية الجديدة.
تستعرض هذه الورقة ملامح الجماعات الجهادية الأجنبية في سورية من حيث القوة والانتشار وأعداد مقاتليها، ومدى اندماجهم في المؤسسات العسكرية والأمنية السورية. ثم تتناول عناصر سياسة الاحتواء والدمج التي تتبعها حكومة الشرع، مُحللةً أسباب استمرار التوترات المرتبطة بهذا الملف وتداعياتها، وتناقش مساعي الحكومة السورية لتوظيف ملف المقاتلين الأجانب في علاقاتها الخارجية، ومقاربات الدول المعنية له. وتختتم الورقة بتقييم فرص نجاح هذه الاستراتيجية أو فشلها، وتحولها إلى مصدر يهدد بتقويض حكم الشرع واستقرار البلاد.
فصائل المقاتلين الأجانب في سورية: التنوع والانتشار
تَشكَّلت “جبهةُ النصرة” (التنظيم السلف لـ “هيئة تحرير الشام”) بوصفها تنظيماً جهادياً فرعياً لتنظيم “الدولة الإسلامية في سورية والعراق” (داعش)، ما جعلها تستقطب الكثير من “المهاجرين” الذين تدفقوا على سورية بين عامي 2012 و2015. واحتل العديد من الجهاديين الأجانب مواقع قيادية في الجبهة ولاحقاً في “هيئة تحرير الشام”. ولطالما شكّل المهاجرون أحد أعمدة قوة “هيئة تحرير الشام”، سواء أكانوا جزءاً من هيكلها التنظيمي أم انخرطوا في فصائل قريبة منها. ومثّل هؤلاء المقاتلون رأس الحربة في خلال المعارك والمواجهات ضد نظام الأسد ومسلحي حزب الله والمليشيات المدعومة إيرانياً، كما استخدمهم الشرع لتثبيت سيطرته على محافظة إدلب بعد عام 2015، وإخضاع الفصائل السورية المسلحة الموجودة في المحافظة لحكمه.
حافظت “هيئة تحرير الشام”، بالعموم، في خلال مراحل تطورها، من تنظيم يتبع لتنظيم “داعش” إلى تنظيم مبايع لتنظيم “القاعدة”، ولاحقاً بعد فك ارتباطها بالأخير، على علاقات متينة بقادة التنظيمات الجهادية الأجنبية الذين ظلوا، خلافاً لبعض التأثيرات الجانبية، على ولائهم الثابت للهيئة. وقد افتتح دخول الشرع دمشق بعد إسقاط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، مرحلةً جديدةً في هذه العلاقة، محددها الأول بالنسبة لـ “هيئة تحرير الشام” “تمكين حكمها” لسورية، مع ما يستوجبه ذلك من توخي الحذر على الصعيدين الداخلي والخارجي، ومراعاة محددات الدول الكبرى والقوى الإقليمية.
يتصدَّر فصائلَ المقاتلين الأجانب في سورية، من حيث الحجم والنفوذ، الحزبُ التركستاني الإسلامي الذي يتحدر مقاتلوه الإيغور من إقليم شينجيانغ شرقي الصين، ويبلغ عديدهم ما بين 3500 و5000 مقاتل. وإلى جانب هذا الفصيل، توجد فصائل أصغر حجماً وأقل نفوذاً، بعضها من العناصر الأوزبكية، وبعضها من المهاجرين الفرنسيين، إضافة إلى الفصائل الشيشانية، وفصائل تضم مقاتلين من الدول العربية، كالسعودية ومصر والأردن وتونس. ووفق التقديرات المتاحة لا يتجاوز عديد الفصائل الشيشانية 550 مقاتلاً، في حين يقدر أعداد المقاتلين الأوزبك بـ 1500 مقاتل، وعديد الكتيبة الفرنسية (الغرباء) بـ 70 مقاتلاً.
وقد انحاز “الحزب التركستاني الإسلامي” إلى سياسة الشرع القائمة على دمج الفصائل السورية والجهادية الأجنبية داخل بنية القوات المسلحة السورية، حيث جرى تشكيل الفرقة 84 من عناصر الحزب، ومُنِحَ قائده عبد العزيز داوود خدابردي رتبة عميد في الجيش السوري وعُيِّن على رأس تلك الفرقة. وفي المقابل، تلكأت تنظيمات الفرنسيين والأوزبك في الانخراط في هذه السياسة، مُتبعةً نهجاً متفاوتاً بين التريث والتحفظ، إلى أن أعلن المقاتلون الأوزبك في 6 يونيو 2026 رفضهم القاطع الاندماج ضمن وزارة الدفاع السورية.
وفيما يتعلق بالفصائل الشيشانية، فقد اختارت حلاً وسطاً، من دون الوصول إلى الاندماج الكامل. إذ اتفق قادتها مع الشرع على الانضواء تحت لواء الفرقة 84 التابعة للجيش السوري الجديد، والانتشار في منطقة الساحل السوري كي يظلوا قريبين من القاعدتين الروسيتين في الساحل السوري. وقد تناقص عديد المقاتلين الشيشانيون في سورية، منذ العام 2020، حينما منعتهم “هيئة تحرير الشام” من قتال روسيا، لكن الهيئة سهّلت سفرهم إلى أوكرانيا بمجرد اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية في فبراير 2022.
أما بالنسبة للجهاديين الأجانب الأعضاء في “هيئة تحرير الشام”، فقد جرى دمجهم في مؤسسات الدولة السورية المدنية والعسكرية. فعلى سبيل المثال يتبوأ قيادي جهادي من أصول لبنانية، يعرف بأبو مريم الأسترالي، موقعاً بارزاً في إدارة الاقتصاد السوري، وهو يقود فريقاً اقتصادياً من الجهاديين المتحدرين من دول أوروبية مثل النرويج. كما تتولى شخصيات مصرية مناصب في وزارة الخارجية السورية. في حين تقلَّد الجهاديون العراقيون مناصب حساسة في إدارة المخابرات العامة، حاملين معهم خبرات متراكمة من العمل في مخابرات نظام صدام حسين وتنظيم “داعش” قبل انضمامهم إلى جبهة النصرة.
وخطا الشرع خطوة إضافية في مساره للدمج، عبر تشجيع قيادات الجهاديين الأجانب على طرق باب الأعمال التجارية. وبدا لافتاً في هذا الصدد، رعاية السلطات السورية مؤخراً (يونيو 2026) إطلاق مشروع “عمار” التابع لـ “بيت الاستثمار السوري الخليجي”، الذي يستحوذ القيادي السعودي في “هيئة تحرير الشام” عبد الله المحسيني على حصة وازنه فيه.
التحديات التي تواجه سياسة الشرع لاحتواء المقاتلين الأجانب
ارتكزت سياسة الشرع في ملف المقاتلين الأجانب على مبدأ منْحهم فرصاً للعيش الكريم في سورية، وفاءً لما قدَّموه من مُساندة للمعارضة في قتالها لنظام الأسد. وقد عرَض الشرع ملامح هذه السياسة في بداية حكمه. رفض الشرع الضغوط الأمريكية لتسريح هؤلاء المقاتلين أو التخلي عنهم. وعوض ذلك تفاوض مع المبعوث الأمريكي إلى سورية توم برّاك على اتفاق لدمجهم ضمن أطر الجيش السوري الجديد، وتوطينهم في الأراضي السورية بعد تجنيسهم. تتلخص حجة الشرع في أن دمج المقاتلين الأجانب ضمن هيكل الدولة السورية الجديدة، من شأنه أن يُبعدهم عن التطرف ويُمثِّل حلاً نهائياً لمسألتهم، لاسيما في ظل رفض دولهم إعادتهم إليها. وقد تعهَّد الشرع ألا يشكل هؤلاء المقاتلون الأجانب أي خطر على دول الجوار.
لا ينبع جوهر التحدي الذي يمثله المقاتلون الأجانب للحكومة السورية من فصائلهم الكبرى المنسجمة مع خطط الشرع، والتي انخرط أفرادها في المؤسسات التابعة للسلطة الجديدة، بل ينبع من المجموعات الجهادية الأقل تأثيراً، سواء على الصعيد العسكري – لقلة عديدها – أو على الصعيد السياسي – لعدم أولويتها في أجندات القوى الدولية الفاعلة. وتندرج في هذا السياق التنظيمات الفرنسية والأوزبكية، فضلاً عن بعض العناصر العربية الجهادية المتحلقة حول تنظيم “حرّاس الدين” المنحل.
غير أن جوهر الإشكالية التي تطرحها هذه المجموعات لا يكمن في قدراتها المحدودة، بل في حدّة خطابها وتطرّف مرجعيتها، وقدرتها على استغلال هوامش التململ والاحتقان داخل التيار السلفي المتشدد، والاستناد إلى شبكة علاقاتها داخل “هيئة تحرير الشام” وخارجها، مما قد يحوّلها من تحدٍ أمني محدود وموضعي إلى منصةٍ لتعبئة المعارضة الراديكالية ضد حكم الشرع، وبخاصة في حال تعثُّر مسار الاندماج الأوسع، أو في حال شعور هذه الجماعات بأن سياسة الاحتواء قد تحولت إلى سياسة إقصاء وتهميش. لذلك، لا تُقاس خطورة تلك التنظيمات بعديد مقاتليها، بل بقدرتها على الحركة في الفضاء الرمادي بين الولاء للدولة والانتماء للمشروع الجهادي العابر للحدود، وهو ما يجعل منها عنصراً غير قابل للاستقرار على المدى الطويل، ما لم تُحكم إدارته ضمن استراتيجية شاملة تُوفق بين متطلبات حكومة الشرع لتوفير الأمن الداخلي من جهة، وحسابات الانفتاح على النظام الدولي، من جهة أخرى.
لكن، وعلى الرغم من إصرار الشرع، فقد أثار وجود هؤلاء المقاتلين داخل مؤسسات الدولة السورية، تعقيدات متعددة. فقد اُتهم هؤلاء المقاتلون بارتكاب فظاعات أثناء مشاركتهم في إخماد التمرد الذي أشعله العلويون في الساحل (مارس 2025)، أو في خلال حملة استعادة السيطرة على محافظة السويداء (يوليو 2025)، وحتى من دون تلك المجازر، عقّد وجود هؤلاء المقاتلين داخل قوات المسلحة السورية ومؤسسات السلطة المدنية، علاقة حكومة الشرع بالأقليات، وكذلك بفئات من الأكثرية السُّنية، التي تخشى هؤلاء المقاتلين. وفي المقابل، يُسانِد الكثير من قيادات “هيئة تحرير الشام” وعناصرها، فضلاً عن أنصارها في محافظة إدلب (المعقل الرئيس للهيئة)، المقاتلين الأجانب.
وتطرح تصرفات المقاتلين الأجانب قضيةَ سيادة القانون داخل سورية. فقد كانت كتيبتا “الغرباء” الفرنسية والأوزبك وراء أزمتين كبيرتين في أكتوبر 2025 ومايو 2026 على التوالي، نتجتا عن عدم احترام مقاتليهم للقوانين السورية، ومحاولتهم إحباط أعمال قوات إنفاذ القانون، وتحريض الفصائل الجهادية الأجنبية الأخرى على قتال السلطات السورية، بذريعة أنها لا تطبّق أحكام الشريعة الإسلامية في المجال الاجتماعي أو أنها تخلت عن المقاتلين الأجانب وتُنفِّذ سياسة متعمدة للضغط عليهم وتسليمهم إلى بلدانهم إرضاءً للولايات المتحدة والدول الغربية. واكتسبت تلك الاتهامات صدقية في صفوف التيارات الجهادية وبين المقاتلين الأجانب، بعد الإعلان عن انضمام سورية إلى التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” الذي تقوده واشنطن (نوفمبر 2025). وقد شنَّت قيادات أوزبكية هجوماً حاداً على سياسة الاندماج التي تتبعها حكومة الشرع، وحذروا من نواياها لترحيلهم إلى بلدهم الأم، وشددوا على رفضهم الانضمام إلى الجيش السوري والاستمرار في القتال لأن مهمتهم انتهت بسقوط نظام الأسد. وفي المقابل، حرّض قادة “كتيبة الغرباء” المقاتلين الأجانب على الشرع بشكل مكشوف في خلال المواجهات مع القوات السورية المسلحة، التي اندلعت على خلفية رفضهم الاعتراف بسلطة حكومة الشرع. وتلْقى هذه الاتهامات صدىً في صفوف عموم الجهاديين والمتطرفين، بما يزيد من الشقوق داخل الكتلة الداعمة للشرع على المديين المتوسط والطويل.
يخشى قادة التنظيمات الجهادية الأجنبية من أن تؤدي سياسة الاندماج إلى تذويب خصوصيتهم داخل المؤسسات السورية تمهيداً للتفكيك النهائي لقدراتهم. كما أنهم يُبدون مرارة من تراجُع حاجة “هيئة تحرير الشام” إليهم، وسعيها إلى سحب امتيازات كانوا يتمتعون بها سابقاً قبل سقوط نظام الأسد. وأخيراً، تُغذّي قيادات متطرفة من داخل “هيئة تحرير الشام”، ومن تنظيم “حراس الدين” المنحل والمحسوب على قيادة “القاعدة”، بصورة دائمة التوترَ بين الحكومة والفصائل الجهادية الأجنبية وعناصرها من المقاتلين الأجانب، وتعمل على تعبئتهم ضد الشرع، بذريعة امتناعه عن فرض الشريعة الإسلامية وانضمامه إلى التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش”، وذلك بهدف زعزعة حكمه وإضعافه. وفي هذا السياق، تستغل قيادات في تنظيم “داعش” هذا التوتر من أجل تجنيد عناصر تلك الفصائل واستقطابها، لتنفيذ عمليات أمنية ضد قوات المسلحة السورية.
وبشكل عام، يمكن القول إنه لغاية الآن أثمر نهج الشرع الديناميكي حيال مسألة المقاتلين الأجانب، عن ثمار فعلية، من قبيل مباركة واشنطن لخطته، وموافقة مجلس الأمن الدولي على رفع الرئيس السوري و”هيئة تحرير الشام” من اللائحة الأممية للتنظيمات الإرهابية. وقد حقق الشرع تلك المكاسب من دون أن يخسر قاعدة مواليه، بل إنه تمكّن من المحافظة على دعم الكتلة الأكبر من قادة فصائل الجهاديين الأجانب. ومع ذلك، من المرجح أن يواجه الشرع عدداً من المصاعب المرتبطة بدمج الفصائل الجهادية في قواته المسلحة؛ سواء إلزامها بالخضوع لمتطلبات الاندماج ضمن مؤسسة عسكرية احترافية، إذ ظلت لسنوات تعمل بصفتها مليشيا تخضع لقائدها، من دون أي اعتبار للمبادئ والتراتبية العسكرية التقليدية في الجيوش. كما أن انخراط أفراد تلك الفصائل في المؤسسة السورية العسكرية يتطلب اعترافاً ولو محدوداً بـ “الوطنية السورية”، وهو ما يتعارض مع نظرتهم إلى عالمية الجهاد.
نظرة الدول المهتمة بملف المقاتلين الأجانب
لدى العديد من الدول سياسات متناقضة حيال مسألة المقاتلين الأجانب في سورية. لم يمضِ أسابيع على تسلم الشرع مقاليد الأمور في دمشق، حتى أصدر قراراً (30 ديسمبر 2024)، بتعيين عشرات القيادات الجهادية الأجنبية في مناصب رسمية في الجيش السوري الجديد. وقد اعترضت وزارة الخارجية الأمريكية على القرار، وطالبت بطرد تلك القيادات من تلك المناصب بشكل عاجل. إلا أن إدارة ترمب سرعان ما غيَّرت موقفها حيال هذا الملف. ففي مايو 2025، أيد مبعوث الرئيس الأمريكي إلى سورية خطة الشرع لدمج 3500 مقاتل أجنبي في الفرقة 84. ومضى أبعد من ذلك عندما حذَّر في الشهر التالي من استهداف التنظيمات المتطرفة للشرع. بدا برّاك، في حينه، منسجماً مع القرار الذي اتخذته الإدارة الأولى للرئيس دونالد ترمب برفع “الحزب الإسلامي التركستاني” من القائمة الأمريكية للتنظيمات الإرهابية عام 2020.
وبالرغم من اتفاق الشرع-برّاك، إلا أن تيارات متنفذة داخل الكونجرس الأمريكي لا تزال تُبدي تحفظاً حيال المقاربة التي عرضها الشرع. ففي خلال شهر يونيو، عدّلت لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي مشروع تفويض الدفاع الوطني للعام 2026 ، وضمّنته بنداً يشترط قيام حكومة الشرع بنزع سلاح جميع المقاتلين الأجانب باعتباره شرطاً أساسياً لأي تعاون عسكري مستقبلي مع الولايات المتحدة، في الوقت الذي لا يزال الطيران الأمريكي ينفذ بين الحين والآخر عمليات اغتيال للقيادات الجهادية الأجنبية في سورية. وفي السياق ذاته، فضلت وزارة الحرب الأمريكية نقل مسلحي “داعش” في سجون “قوات سورية الديمقراطية” (قسد)، من سورية إلى العراق، على تسليمهم للقوات السورية في فبراير 2026، ما أظهر مخاوفها حيال تعامل الحكم السوري مع ملف المقاتلين التابعين لتنظيم “داعش”.
في المقابل، فضّلت فرنسا استراتيجية أكثر تشدداًَ حيال المقاتلين الأجانب تقوم على التعامل معهم داخل الأراضي السورية والعراقية. وطبّقت “قسد” الاستراتيجية التي رسمتها وصاغتها باريس، بعد القضاء على الدويلة التي أقامها تنظيم “داعش” في شمال شرقي سورية، حيث عزلت مقاتلي التنظيم عن أسرهم، وسجنت المقاتلين في سجون متعددة تحت إشراف التحالف الدولي، بينما فرضت إقامة جبرية على النساء والأطفال داخل مخيمات لجوء في الصحراء، على غرار مخيمي الهول والروج. إلا أن هذه الاستراتيجية انهارت بالكامل بعد انتزاع الشرع شرق الفرات من يد “قسد” مطلع العام الجاري.
أما بالنسبة للصين فقد تسبب وجود المقاتلين الإيغور في سورية، بتصلب موقفها في خلال المفاوضات التي شهدها مجلس الأمن حول إزالة اسم الرئيس السوري من قائمة الأمم المتحدة للتنظيمات الإرهابية (نوفمبر 2025). وإن ليّنت بيجين موقفها لاحقاً مكتفيةً بالامتناع عن التصويت على القرار الدولي الذي صدر تحت الرقم 2799 من دون أن تستخدم حق النقض (الفيتو)، إلا أن تحفظاتها منعت إزالة “هيئة تحرير الشام” وغالبية قياداتها من القائمة، وأشار ذلك إلى نجاح الرئيس السوري بشكل جزئي في طمأنة الحكومة الصينية. انضمت بيجين إلى إجماع أعضاء مجلس الأمن على رفع الهيئة من القائمة في فبراير 2026، بعد أن نالت ضمانات من وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، في خلال لقائه نظيره الصيني وانغ يي في بيجين، بمراعاة الحكومة السورية لـ “المشاغل الأمنية للصين” ومعارضتها لـ “الإرهاب”، وتأكيدها عدم السماح لأي كيان -في إشارة إلى “الحزب التركستاني الإسلامي”- باستخدام الأراضي السورية للقيام بأنشطة تضر الأمن الصيني القومي.
وقد رفضت السلطات الصينية استقبال العائدين من مقاتلي “الحزب الإسلامي التركستاني”، ولذلك سرّتها خطة الشرع لاحتواء المقاتلين الأجانب وصولاً إلى منحهم الجنسية السورية ودمجهم في الحياة الاعتيادية وداخل أطر الدولة السورية، بما يُخفف من مخاطرهم على الأمن القومي الصيني. وفي كل الأحوال، ومع رفض العديد من دول العالم استعادة مواطنيها ممن قاتلوا إلى جانب فصائل المعارضة السورية وفي صفوف التنظيمات المتطرفة، يبدو الخيار الذي يطرحه الشرع والمتمحور حول الدمج، الأكثر واقعية وقرباً من التنفيذ.
على الصعيد الإقليمي، لا تزال مصر تُمانع رفع مستوى العلاقات مع دمشق، وتتحفظ على التعاون معها قبل حل مسألة الجهاديين المصريين الموجودين ضمن الجيش السوري وفي صفوف الفصائل المتطرفة. كما أضْفى وجود المقاتلين الأجانب مصداقية على البروباغندا التي تروجها القوى المعارضة للشرع في لبنان، وتستهدف تخويف الطوائف المسيحية والدرزية والشيعية من الجيش السوري “المتطرف”، وهو ما ساهم في تعقيد جهود الشرع لتطمين المكونات اللبنانية حيال سلطته.
وعلى الرغم من عدم ورود اسمها في مسألة المقاتلين الأجانب بشكل بارز، فإنّ تركيا تظل صاحبة التأثير الأكبر على أوضاعهم. فقد تسلل القسم الأكبر من المقاتلين الأجانب إلى داخل سورية، قادمين من الأراضي التركية، وأدَّت أنقرة دوراً غامضاً، وفق بعض التقارير، في توفير الحماية لهم في خلال سنوات الحرب السورية، سواء عبر اتفاقات خفض التصعيد مع روسيا وإيران أو عبر القوات التركية المنتشرة في أجزاء من محافظات إدلب وحلب واللاذقية. وقد أقام العديد من أولئك المقاتلين في مناطق شملتها تفاهمات تركية-إيرانية، مثل المقاتلين الأوزبك الذين استوطنوا مدينتي كفريا والفوعة اللتين كانتا تخضعان لاتفاق المدن الأربع بين طهران وأنقرة. وفي بعض الحالات كانت التنظيمات الجهادية تتخذ من مناطق سورية محمية من قبل الجيش التركي بموجب اتفاق أضنة الأمني لعام 1998، مقراً لها، كما هي الحال مع “كتيبة الغرباء” الفرنسية التي أقام عناصرها في أحد المخيمات التابعة لبلدة حارم بمحافظة إدلب على الحدود السورية-التركية. ولا تزال العلاقة بين أنقرة والتنظيمات الجهادية الأجنبية داخل سورية، غامضة، مع وجود شواهد على استمرارها، وأبرزها انتشار تلك التنظيمات في إدلب والساحل، على مقربة من تركيا. وعلى الأرجح أن أنقرة تخطط لاستخدام تلك الفصائل في سياستها داخل سورية أو حيال البلدان والمناطق التي يتحدرون منها، لكن على المديين المتوسط والبعيد. وفي هذا الصدد، زعمت تقارير صحفية أن تركيا تقوم بتجنيد مقاتلين سوريين وأجانب وإرسالهم إلى أفريقيا لحماية مصالحها هناك.
استنتاجات
تُشكِّل مسألة دمج المقاتلين الأجانب، التي اعتمدها الشرع، أحد أهم عناصر استراتيجيته لتأسيس السلطة الجديدة في سورية ما بعد نظام الأسد؛ فهؤلاء المقاتلون هُم أحد الأوراق الاستراتيجية للشرع في حواره مع القوى الكبرى، سواء الولايات المتحدة أو الصين أو روسيا أو أوروبا. وعلى الصعيد المحلي، ومع مما يثيرونه من أزمات متكررة إلا أنها تظل محدودة في مقابل فوائدهم، كما حصل في خلال إخماد تمرد الساحل أو عندما نشرهم في شهر مارس الماضي على الجانب السوري من الحدود مع العراق ولبنان إبان الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الإيرانية، في رسالة استهدفت ردع أعضاء المحور الإيراني. ليس ذلك فحسب، بل إنهم يشكلون رافعة عسكرية وأيديولوجية لمواجهة التيار المتشدد الرافض للشرع داخل الهيئة واحتياطي في أي مواجهة مستقبلية مع العلويين والأكراد والدروز، والمليشيات الشيعية في العراق ولبنان.
وما دامت واشنطن مباركة لخطة الشرع دمجهم في الجيش السوري، وظل هو مُسيطراً على أكبر وأقوى فصيل من الفصائل الأجنبية (الحزب التركستاني الإسلامي)، فإن المخاطر المترتبة على ظاهرة المقاتلين الأجانب ستبقى قابلة للإدارة على المديين المتوسط والبعيد.