بديل محدود: هل تعوض فنزويلا الولايات المتحدة عن النفط الروسي؟

قرر الرئيس الأمريكي “جو بايدن” في الثامن من مارس حظر استيراد النفط والغاز من روسيا استكمالًا لسلسلة العقوبات الغربية المفروضة ضد الاقتصاد الروسي للرد على غزوها للأراضي الأوكرانية. وجاءت الخطوة الأمريكية بالتزامن مع ظهور احتمالات على التقارب بين الولايات المتحدة وفنزويلا في ظل استقبال الأخيرة لوفد أمريكي للمرة الأولى منذ سنوات من المقاطعة لإجراء محادثات شملت مناقشة إمدادات الطاقة.

وقد أرسلت تلك الزيارة رسائل مباشرة وغير مباشرة للمجتمع الدولي بشأن إمكانية تخفيف العقوبات الأمريكية المفروضة على فنزويلا، وخاصة قطاع النفط، في الوقت الذي تبحث فيه واشنطن عن سبل لخفض اعتمادها على النفط الروسي.

تداعيات محدودة

استجابت أسواق النفط للقرار الأمريكي بارتفاع أسعار خامي “نايمكس” و”برنت” بوتيرة سريعة، حيث أدت تلك الخطوة إلى تغذية المخاوف المتعلقة باحتمالية انقطاع إمدادات الطاقة مما يفاقم أزمة محدودية العرض ويهدد بحدوث مزيد من اضطراب سوق الطاقة العالمية، في حين حذر نائب رئيس الوزراء الروسي “ألكسندر نوفاك” من أن أسعار النفط قد تقفز لأعلى من مستويات 300 دولار للبرميل إذا حظرت الولايات المتحدة وأوروبا واردات الخام من موسكو. وفيما يلي أهم التداعيات المترتبة على حظر الولايات المتحدة استيراد النفط الروسي:

• ارتفاع مؤقت لأسعار الطاقة: شهدت العقود الآجلة لخام برنت ارتفاعًا فوريًا عقب الإعلان عن القرار الأمريكي بنحو 3.9% إلى 127.98 دولارًا للبرميل، في حين ارتفعت العقود الآجلة للخام الأمريكي بحوالي 3.6% إلى 123.7 دولارًا للبرميل. ولكن سرعان ما تخلت أسعار النفط عن مكاسبها وسجلت انخفاضات ليسجل الخام الأمريكي وخام برنت حوالي 96.44 دولارًا للبرميل و97.44 دولارًا للبرميل.

وجاء هذا الانخفاض في ظل متابعة المحادثات الروسية الأوكرانية حيث أعلن مفاوض أوكراني أن المحادثات مع روسيا بشأن وقف إطلاق النار وانسحاب القوات الروسية من أوكرانيا ما زالت مستمرة، مما ساعد على تهدئة الأسواق، وقد دعم انخفاض الأسعار أيضًا إعلان بعض التقارير الصحفية أن الولايات المتحدة تدرس رفع بعض العقوبات المفروضة على إمدادات النفط من فنزويلا لتعويض نقص الإمدادات الناتج عن الحرب.

وفي هذا الشأن، قللت الأوساط الاقتصادية من تأثير الحظر الأمريكي للنفط الروسي على أسواق الطاقة العالمية، حيث تستحوذ روسيا على نسبة تقل عن 10% من إجمالي واردات النفط الأمريكية البالغة نحو 8.47 ملايين برميل يوميًا حتى عام 2021، ولهذا فهي تعتبر مصدرًا صغيرًا للنفط بالنسبة للولايات المتحدة، كما يُبين الشكل الآتي:

الشكل 1- توزيع الواردات النفطية الأمريكية خلال 2021 (%)

يتبين من الرسم أن روسيا تحتل المركز الثالث في إجمالي الواردات النفطية الأمريكية خلال العام الماضي عند حوالي 8% أو 672 ألف برميل يوميًا. أما بالنسبة لروسيا، فلا تُعد الولايات المتحدة عنصرًا مؤثرًا في هيكل صادراتها النفطية الذي يستحوذ عليه الدول الأوروبية والصين بحوالي 90%.

 • تحرك أوروبي لخفض الاعتماد على الطاقة الروسية: كشف الاتحاد الأوروبي في الثامن من مارس، عقب الإعلان الأمريكي عن حظر النفط الروسي، النقاب عن خطته متوسطة الأجل للتخلص من الاعتماد على الطاقة الروسية مؤكدًا أنه سيخفض مشترياته من الغاز الروسي بمقدار الثلثين قبل نهاية العام، ليصبح مستقلًا عن الوقود الأحفوري الروسي قبل عام 2030.

وأعلنت المفوضية الأوروبية أن الغاز الطبيعي والغاز المُسال القادم من دول مثل الولايات المتحدة وقطر يُمكن أن يحل محل أكثر من ثلث الواردات من روسيا البالغة في المجمل نحو 155 مليار متر مكعب، فيما يُمكن لمشاريع طاقة الرياح والطاقة الشمسية الجديدة أن تحل محل 20 مليار متر مكعب من الطلب على الغاز خلال العام الجاري. وبهذا ترتكز الخطة الأوروبية على ركيزتين؛ الأولى تنويع إمدادات الغاز، عبر زيادة واردات الغاز الطبيعي المسال وخطوط الأنابيب من الموردين غير روسيا، وزيادة الكميات المستخدمة من الميثان الحيوي والهيدروجين، والأمر الثاني هو التعجيل بخفض استخدام الوقود الأحفوري في المنازل والمباني والصناعة ونظم الطاقة، من خلال تعزيز كفاءة الطاقة، وزيادة مصادر الطاقة المتجددة.

• اتجاه الولايات المتحدة لحلفاء روسيا: ساهم القرار الأمريكي بالتخلي عن النفط الروسي في الاتجاه إلى بعض الدول التي يُمكن أن تحل محل روسيا في إمداد الولايات المتحدة بالطاقة؛ كإيران وفنزويلا، ورغم أن تلك البدائل بدأت تلوح في الأفق، إلا أنها تواجه العديد من العوائق حيث عرقلت روسيا مسار المفاوضات النووية بتقديم مطالب بالحصول على ضمانات خطية بأن العقوبات الغربية التي فرضت عليها بعد غزوها أوكرانيا لن تضرّ بالتعاون العسكري والتجاري بين موسكو وطهران. وفيما يتعلق بفنزويلا، فإن هناك بعض القيود التي يُمكن أن تعيق قدرتها لتعويض الاقتصاد الأمريكي عن النفط الروسي، حتى لو خففت واشنطن العقوبات المفروضة ضدها، وهو ما سيشرحه المقال تاليًا.

عوائق محتملة

من الممكن أن يساهم التقارب المحتمل بين الولايات المتحدة وفنزويلا في تحقيق مكاسب لكل منهما. فعلى الصعيد الأمريكي، قد يئول التحسن في العلاقات إلى تحقيق أهداف إدارة “بايدن” المتمثلة في تخفيف النفوذ الروسي في أمريكا اللاتينية وعزل موسكو عن شركائها التقليدين، فضلًا عن احتمالية تشجيع تلك الخطوة البلدان الأخرى على أن تحذو حذو الولايات المتحدة لإيجاد مصادر بديلة للطاقة الروسية، وأخيرًا الإفراج عن السجناء الأمريكيين في فنزويلا ولا سيما عقب قرار الحكومة الفنزويلية إطلاق سراح أمريكيين اثنين محتجزين لديها.

أما بالنسبة للمكاسب الفنزويلية، فمن المُرجح أن يؤدي رفع العقوبات الأمريكية أو تخفيفها إلى كسر العزلة الدولية المفروضة على الدولة الواقعة في أمريكا اللاتينية مما قد يساهم في إنعاش الاقتصاد الفنزويلي بشكل طفيف -الذي انكمش بنحو 30% خلال عام 2020- والتخفيف من وطأة الأزمة الحادة التي يعاني منها حيث بلغ معدل التضخم السنوي نحو 686.4% في عام 2021، وتجاوزت نسبة الأسر التي تعيش تحت خط الفقر نسبة 90% منذ عام 2017، بالإضافة إلى ذلك، يعيش 64% من إجمالي الأسر في ظروف الفقر المدقع بحلول 2020.

ورغم المنفعة المتبادلة التي قد تعود على الجانب الأمريكي والفنزويلي، إلا أن هناك بعض القيود التي يمكن أن تحول دون تحقيق هذه المكاسب أو تقلل منها، والتي يُمكن استعراضها على النحو الآتي:

• تداعي قطاع النفط الفنزويلي: تمتلك كاراكاس أكبر احتياطي نفطي في العالم يُقدر بأكثر من 303 مليارات برميل، بما يمثل نحو 18% من حجم الاحتياطي العالمي، ولهذا اعتمدت الدولة على القطاع في العديد من الأنشطة الاقتصادية حيث يمثل النفط نحو 95% من عائدات صادرتها. وأسفر هذا الاعتماد الكلي عن تأثر الاقتصاد الفنزويلي بشكل شديد جراء انخفاض أسعار النفط منذ 2014 وحتى 2016، مما أثر بشدة على احتياطي النقد الأجنبي، وأدى بدوره إلى زيادة نسب التضخم وتدهور قيمة العملة المحلية، ورغم تعافي أسعار النفط نسبيًا عقب عام 2016، إلا أن ذلك لم يُسهم في معالجة الخلل الاقتصادي بالبلاد، وذلك بسبب معاناة صناعة النفط المحلية من سوء الإدارة واستشراء الفساد ونقص الاستثمار ومشكلات التدفق النقدي والبنية التحتية المتداعية، وكذلك نقص الصيانة الكلية، وضعف طاقة التكرير، فضلًا عن هروب الموظفين التقنيين إلى الدول الأخرى، وأخيرًا العقوبات الاقتصادية التي ضربت القطاع الحيوي، مما نتج عنه هبوط الإنتاج، كما يتبين من الرسم الآتي:

الشكل 2- إنتاج النفط الفنزويلي (مليون برميل يوميًا)

يتضح من الشكل السابق تراجع إنتاج فنزويلا من النفط خلال عام 2020 بنحو 80.98% مقارنة بما كان عليه عام 2010 مسجلًا حوالي 540 ألف برميل يوميًا مقارنة بنحو 2.84 مليون برميل يوميًا. ولهذا يعود جزء كبير من هذا التراجع بجانب سوء إدارة القطاع إلى العقوبات الأمريكية المفروضة على البلاد.

وبناء على ما سبق، لا تستطيع فنزويلا بين ليلة وضحاها زيادة قدرتها الإنتاجية وتعويض الولايات المتحدة عن النفط الروسي، حيث تجاوزت الواردات النفطية الأمريكية من روسيا إجمالي الإنتاج النفطي السنوي في فنزويلا، حيث بلغت الأولى نحو 672 ألف برميل يوميًا في حين سجل الأخير حوالي 540 ألف برميل يوميًا. ويتطلب زيادة إنتاج فنزويلا من النفط بشكل كبير استثمارات ضخمة من أجل إصلاح مصافي النفط المتهالكة وتطوير موانئ التصدير ومحطات الطاقة وخطوط الأنابيب التي عانت من تدهور دام لسنوات طويلة.

• متانة العلاقات الروسية-الفنزويلية: تمتد علاقة كاراكاس الوثيقة بموسكو منذ أكثر من عقدين، عندما انتخبت الدولة “هوجو شافيز” رئيسًا، كما كانت روسيا من أوائل الدول التي اعترفت بفوز الرئيس “مادورو” بولاية رئاسية ثانية كما أدانت التدخل الأمريكي في الداخل الفنزويلي ونددت بالعقوبات المفروضة عليها. وهكذا، أصبحت فنزويلا سوقًا مهمًا لشركات الطاقة الروسية، كما ساعد الكرملين فنزويلا على التخفيف من حدة العقوبات من خلال السماح لها بمواصلة تصدير النفط حيث تتولى شركة البترول الحكومية “روسنفت” عمليات الشحن والتسويق لمعظم صادرات النفط الفنزويلية إلى مشترين في الصين والهند. ولهذا فمن غير المُرجح أن تتخلى فنزويلا عن روسيا، حليفتها الرئيسية، والتي لطالما ساندتها خلال السنوات الماضية مما قد يعيق القدرة الأمريكية على احتواء النفوذ الروسي في نصف الكرة الغربي.

• معارضة داخلية أمريكية: تواجه الخطوات الأمريكية الحثيثة تجاه استعادة الوصول إلى النفط الفنزويلي معارضة شديدة في الداخل بسبب مخاوف من أنها ستدعم نظامًا استبداديًا حليفًا وثيقًا لروسيا، ولهذا وجه عدد من المشرعين بالكونجرس الأمريكي انتقادات للرئيس “جو بايدن” على بدء مثل هذه الخطوة تجاه نظام فنزويلا، مؤكدين أن هذا التقارب يعني تقديم دعم مباشر لنظام “مادورو” الذي يواجه اتهامات دولية بانتهاك حقوق الإنسان.

مما سبق يتضح أن فنزويلا تُعد بديلًا محدودًا أمام الولايات المتحدة لتعويضها عن النفط الروسي بسبب انهيار قطاع النفط وعدم قدرته على زيادة قدرته الإنتاجية وتصاعد المعارضة التي تواجه التقارب الأمريكي-الفنزويلي.

 

.

رابط المصدر:

https://ecss.com.eg/19092/

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M