غياب المثال السياسي وراء المفاضلة بين السيئ والأسوأ في العراق

د. صلاح حزام

الإنسان الذي فقد السيطرة على مصيره يستحيل

عليه التخطيط لهذا المصير

(مصطفى حجازي)

كلما هممت بتناول موضوع ما، وجدت نفسي انظر إليه كاقتصادي !! ولا ادري إن كانت هذه متلازمة تصيب العاملين والمختصين في ميدان الاقتصاد من بين متلازمات أخرى تصيبهم ، مثل أصابتهم بأمراض القلب !!

ويُعتقد أن ذلك المرض يصيبهم نتيجةً لكون الاقتصادي مجبراً على النظر إلى الصورة كاملة خاصة اذا كان من العاملين في ميادين التخطيط والتنمية إذ انه يتعامل مع مجمل الحالة الاقتصادية بكامل تفاصيلها. وبما أن حالة عامة وشاملة كهذه لا يمكن لها ان تكون نموذجية وخالية من الأخطاء والعيوب،فان الاقتصادي المسكين يشعر بالحسرة ويسقط مريضا بالقلب من الغم والكمد!!

وواضح انه ليس المهندس ولا الطبيب ولا الجيولوجي بمضطر إلى النظر إلى هكذا صورة شاملة بل حسبه الموضوع الذي بين يديه !!

ويشتد عذاب الاقتصادي كلما كان شرفه المهني عاليا وهو يقارن، مجبراً، بين ما هو كائن وبين ما يمكن أن يكون ويحصي مجبرا الفرص الضائعة ويتصور المستقبل مع أو بدون الفرص الضائعة.

هذه المقدمة أردت بها أن ابرر استخدامي لمقاربة اقتصادية وأنا أحاول إيضاح المقصود بغياب المثال لدى قسم مهم من الجمهور العراقي سواء منهم الأفراد العاديين او بعض النخب المثقفة.

أقرأ،بما يسمح به الوقت، واتابع الحوارات والكتابات المختلفة سواء التي تصدر عن أفراد او منظمات أو أحزاب وحركات سياسية تنشط في الساحة السياسية العراقية في وقتنا الحاضر،فأجد أن لامثالَ سياسياً لدينا!!

في الفكر الاقتصادي الرأسمالي، المثال أو كما يسمىparadigm بالإنكليزية:، هو نموذج “المنافسة التامة”. وهو نموذج نظري تؤدي فيه آلية السوق الحرة وظائفها على أفضل وجه وتخدم مصالح أطراف العملية الاقتصادية على افضل وجه ممكن.

ويفترض هذا النموذج أن عدد الباعة وعدد المشترين غير محدود في السوق وان حرية الدخول والخروج للسوق مكفولة وان أطراف العملية الاقتصادية من باعة ومشترين على علم تام بأوضاع السوق وماهو متوفر فيه من خيارات لكي يتخذوا أفضل قراراتهم في ضوء ذلك.

صحيح أن هذا النموذج نظري ويفترض لتحققه شروط مثالية، إلا نه يظل “مُلهِماً ” لكل الأطراف للعمل باتجاه الوصول إليه وتحسين الظروف وإزالة العقبات التي تحول دون تحققه واعتباره الحالة التي يجب أن تسود ومحاكمة الواقع على ضوء هذا المثال.

يضاف إلى ذلك أن هذا النموذج يعمل أحيانا في أسواق معينة ولأوقات معينة، وكلما طالت فترة توفر شروط عمله طالت فترة عمله.

وبذلك فهو ليس أسطورة بل هو نموذج حقيقي ومنطقي وقابل للتحقق شرط توفر شروط عمله.

الفكر الاقتصادي الاشتراكي لم يكن لديه مثال، بل كان لديه فرضيات فيها من الايديولوجيا أكثر مما فيها من العلم. وظلت النظم الشيوعية لحين سقوطها تسعى لإثبات صحة تلك الفرضيات دون جدوى.

لقد ظلوا حيارى بين حقائق الحياة الملموسة التي تضغط على شعوبهم بشدة وبين الولاء الأيديولوجي لطروحات الزموا أنفسهم بها سابقا. مثل تحريم أدوات السوق والية الأسعار والنشاط الخاص.

لقد حرموا على أنفسهم أداة السوق النافعة التي لاغنى عنها لتحقيق الكفاءة في تخصيص الموارد دون أن يكونوا قادرين على الإتيان ببديل عنها !!

كانت أهدافهم جميلة بلاشك وربما كان معظمهم من المخلصين ولكن ماقيمة ذلك في ظل عدم

وجود المثال؟

المثال هو البوصلة او الهدف النهائي الذي يحدد سلامة وجهة السفينة المُبحِرة. هل يعقل ان يبحر

قبطان دون ان يعرف وجهته التي يقصدها؟!

هنالك نطاق من أشكال الحكم السياسي الممكنة في كل بلد تتراوح بين الحرية التامة لأفراد المجتمع وبين الاستبداد المطلق للحاكم. كذلك يوجد نطاق من حالات الاقتصاد الممكنة في كل بلد تتراوح بين حالة المنافسة التامة وبين الاحتكار المطلق.

وبالتالي فان هناك ديمقراطية سياسية وديمقراطية اقتصادية واستبداد سياسي واستبداد اقتصادي. واعتقد أن ذلك يبرر وجود مثال سياسي كما هو موجود في الاقتصاد.

ولو حاولنا إجراء مقابلة بين نموذج المنافسة التامة الذي سبق إيضاحه وبين نظام الحكم الديمقراطي لوجدنا أنهما وجهان لعملة واحدة.

حيث أن تعدد اللاعبين هو مقابل للتعددية السياسية التي هي شرط قيام الديمقراطية وكذلك حرية الدخول والخروج للسوق هي مقابل لحرية العمل السياسي في ظل النظم الديمقراطية.

وأخيرا فان شرط كون أطراف اللعبة على علم تام بالبدائل التي تتوفر في السوق هو مناظر لشرط معرفة الناس ببرامج الأحزاب والجهات السياسية التي تتنافس لكي يتخذوا أفضل قراراتهم في ضوء ذلك.

ولضمان سريان شروط عمل نموذج المنافسة التامة،فان الدول الرأسمالية قد شرّعت منذ عقود قوانين منع الاحتكار التي تمنع وجود عوامل اعاقة قوانين المنافسة التي هي القاعدة الذهبية للتطور.

في النظم الديمقراطية، الفرد لا يقارن بين مستبدّين أبدا لان مثاله السياسي ليس استبداديا ابدا بل يقارن بين بديلين ديمقراطيين يخدمان نفس المثال الديمقراطي ببرامج مختلفة.

تداول السلطة بين الأحزاب المختلفة في الدول الديمقراطية لا يعتبر “انقلابا” على فترة حكم الحزب السابق بل سعي مستمر من خلال برامج مختلفة للوصول إلى المثال.

التصويت ومنح الثقة هو دائما يستند على البرامج وليس الأشخاص!

الشخصانية تعتبر امراً منكراً وتقديس الأشخاص سلوك متخلف وخارج سياقات الزمن!!! بل ان هنالك إدراكا اجتماعيا عاما لضرورة عدم السماح بنشوء أي تقديس للأشخاص مهما كانت إنجازاتهم.

فالشعب البريطاني اسقط تشرشل في أول انتخابات بعد الحرب العالمية الثاني رغم دوره الأساسي في انتصار بريطانيا على النازية، خشية أن يتحول إلى رمز مقدس.

والرئيس الأمريكي جورج بوش الأب سقط في أول انتخابات رئاسية أمريكية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وكسب الولايات المتحدة للحرب الباردة مع وضوح دوره في ذلك الانتصار خلال حياته السياسية الطويلة وبعد نجاحه في تدمير العراق وإخراجه من الكويت ورد الاعتبار إلى الجيش الأمريكي بعد هزيمة فيتنام حيث كان الانتصار على العراق وتدميره أول حرب تكسبها أمريكا بعد فيتنام.

وهذا مما يثير الأسى في النفس !! اذ شتّان مابين هذا المستوى الراقي والمسؤول من الوعي الاجتماعي وبين ما لدى مجتمعات أخرى من سعي حثيث ودوؤب لإضفاء العظمة والتأليه

والبطولة والقدرات الأسطورية على شخصيات اقل ما يقال عنها أنها متواضعة للغاية !!

في البلاد الديمقراطية فان الأفراد العاديين او المثقفين وصناع القرار، لا تحكمهم نزعة الفعل

ورد الفعل والانفعال والتطرف والتحول الى الأضداد عند أول كبوة.

فاذا اخفق البديل الحاكم، نُزِعت عنه الثقة ديمقراطياً وتحول الناس عنه إلى بديل آخر وهكذا حتى لو اضطروا الى البحث عن بديل كل ستة اشهر كما حصل مرة في ايطاليا.

كذلك فان المثال الديمقراطي لايمكن ان يكون شخصانيا أبداً بل هو عبارة عن نظام وآليات مثله مثل نموذج المنافسة التامة.

طبعا قد يعترض البعض بالقول ان العراق في بداية الطريق وان إنضاج المثال يستلزم وقتا وان الجميع بحاجة إلى ان يتمرن ويتعلم بالممارسة والثقافة والتعلم من الغير!

وهنا أقول ان ذلك إذا كان مقبولا من عموم الناس الى حين، فإنه غير مقبول من النخب التي يفترض ان يكون لديها القدرة على أن تتصور ماهو مطلوب ومناسب!!! وإلاّ فبأي معنى تسمى نخباً ؟؟

أما إذا افتقدت النخب، شأنها شأن عموم الناس، المثال فإن تلك مشكلة حقيقة بالفعل.

وهنا يصبح البلد قاصرا وعاجزا عن إدارة شؤونه ويحتاج إلى وصاية دولية لإدارته لحين بلوغه  مرحلة النضج شأنه شأن الإنسان القاصر او فاقد الأهلية الذي لا يسمح له بإدارة ثروته وشؤونه لحين بلوغه سن الرشد أو استرداده لأهليته!!!

بلد مهم مثل العراق لا يسمح له ولا يجوز له ان يدار بطريقة الفعل ورد الفعل ولا بطريقة القفز المستمر بين البدائل والتجربة والخطأ وذلك ببساطة لان أوضاع العراق تنعكس على الاخرين سواء دول الجوار او المحيط او عموم العالم.

المتوقع من النخب المثقفة أن تتحاور وتتناقش حول صياغة المثال الذي نريد والذي نحتاج اليه فعلا لا ان ترتد على أعقابها مقارنة السيئ بالأسوأ وبالقول ان السيئ أفضل من الأسوأ!! في مقارنة محزنة بين الخسائر وليس بين الأرباح!

انه وضع مأساوي ان يقال ان الناس تترحم وتشعر بالحنين الى مرحلة ماقبل الاحتلال !! الى ماذا يحن هؤلاء ؟؟

إن الشعوب الحية لايمكن ان تكون خياراتها محصورة بين السيئ والأسوأ!!

الحياة السياسية في العراق منذ عام 2003 والى وقتنا الحاضر تلفها العمومية والخطابات السياسية الإنشائية التي تقبل أكثر من تفسير.

ومما يؤلم أكثر انه حتى الكتابات السياسية التي ينشرها بعض الكتاب في المواقع الالكترونية والصحافة التقليدية يتضمن معظمها الكثير من السخرية والاستهزاء والتسخيف وإبراز العيوب والمشاكل والتشفي بالآخرين ومحاولة إضحاك القاريء بأسلوب كوميدي سياسي تافه ومبتذل في الغالب، ولكن القليل جدا منها ذلك الذي يحلل بجدية ومسؤولية ويقدم تصورات وآراء.

الكتابات “الكوميدية السياسية” قراءتها تشبه مشاهدة برنامج عن السيرك!! تتقافز فيه الحيوانات والأشخاص ونشعر بالمتعة أثناء مشاهدته، ولكننا لا نخرج بحصيلة معرفية بعد ذلك!

أما الكتابات الجادة المسئولة فهي تشبه مشاهدة برنامج عن تاريخ الحضارة الرومانية !!نخرج منه ونحن أكثر حكمة ودراية وقد تشكل ركن معرفي في أذهاننا كما لو كنا قد قرأنا كتابا !

هل قام نقاش وطني عام وجاد يشارك فيه المثقفون لتحديد معالم النموذج الذي يحتاج إليه العراق؟؟ قد ينبري البعض للكتابة في قضية من هذا النوع، ولكن لا احد يستجيب لديمومة الحوار والكتابة والنقد والتحليل المستمرين للوصول إلى خلاصات مفيدة ومتفق عليها إلى حد كبير.

ما قيمة الكاتب الذي يقال عنه انه كفوء ولكنه لا يقدم سوى الشتم والاستفزاز وتوجيه الاتهامات إلى كل الجهات ؟؟ بل أن البذاءة أخذت تتفشى كنوع جديد من الأدب ربما يكتب عنه لاحقا في تاريخ الأدب باعتباره “أدب مرحلة الاحتلال” !!!على غرار أدب الفترة المظلمة !!

ماهو الدور الايجابي لهكذا كتابات؟؟

أن تاريخنا السياسي العربي والإسلامي مليء بالشتائم واللعن والتفسيق والسخرية ولكن فيه القليل من التفكير العلمي بالظواهر ودلالاتها وأصولها.

وحتى بعد الزلزال الذي أصاب العراق عام 2003، لم يتبلور اتجاه سياسي براغماتي يتعامل مع الحقائق بما تستحق ويستخدم الادواة الحقيقية للتأثير في سير الأحداث بدل الشتم عن بعد او الأمنيات التافهة.

العصبية والتعصب هي التي تتحكم في المشهد في كلا الاتجاهين!!وتمارس من قبل من هم مع او ضد التغيير.

استمعت إلى احد السياسيين يقول مرة: نريد أن يستتب الوضع الأمني لكي نقول للأمريكيين: شكرا اخرجوا الآن من بلادنا !!!؟؟

هل هذا كلام معقول؟؟وهل الأمريكان هم متعهدو تنظيف جاءوا لتنظيف حديقة هذا السياسي لكي يدفع لهم أجورهم ويطلب منهم المغادرة بعد إنجاز عملية التنظيف ؟؟

ان هذا القول يشبه ما قيل في السحر من انه (التماس الإنسان للنتائج من غير امتلاك أسبابها).

المشهد السياسي العراقي الحالي يبعث على الإحباط حقا. فالعراقيون، وللأسف الشديد، منقسمون بين ساخر وشاتم للعرب والدول العربية وساخر وشاتم للإيرانيين!!

ولا احد يستخدم كفاءته للبحث عن مصالح العراق ولا أحد يقول ان العرب والإيرانيين هم المحيط الذي نعيش فيه سواء أعجبتنا مكوناته أم لا!

شتم إيران لا يزيلها من الخارطة ولا يجردها من وسائل التأثير في الحالة العراقية وكذلك شتم العرب لا يزيلهم ولا يلغي تأثيرهم.

هل يعني هذا انه لا توجد سياسة في العراق الآن بالمعنى العلمي للكلمة؟؟

السياسة هي فن الممكن كما هو معروف، ولكن حديث السياسي الذي أشرت إليه وماشاكله من طروحات يعني ان ما موجود في العراق هو ليس سياسة!!

لم يتفق المجتمع العراقي على مثال سياسي يعرّف بدقة ويحدد خصائص ومواصفات وشروط عمل نظام إدارة الحياة السياسية في العراق.

الدستور الذي يفترض ان يكون خيار المجتمع وليس حزبا أو مجموعة أحزاب وحركات سياسية، هذا الدستور نفسه قيد المراجعة والتعديل بأجمعه وليس فيه ثابت.

وحتى قبل إخضاعه للمراجعة والتغيير فإنه لم يكن موضع اتفاق اجتماعي.

قبل سنوات طويلة قرأت واحدا من بين أفضل الكتب التي قرأتها في حياتي. عنوان الكتاب هو “التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الانسان المقهور”. ومؤلفه هو الدكتور مصطفى حجازي. والى الآن يعلق في ذاكرتي الكثير من الروائع التي احتواها الكتاب المذكور. وأردت هنا ان اقتبس بتصرف بعض ماله علاقة بالموضوع الذي أتحدث عنه.

“الذهنية المتخلفة تعجز عن التخطيط الذي هو محاولة الإنسان للسيطرة على مصيره، لأنها تنظر إلى الواقع بشكل تجزيئي زمانياً ومكانيا ويغلب عليها التركيز على الحاضر والانحسار ضمن حدود آنية والأفق المستقبلي لديها ضيق جدا،بينما العالم المتقدم يخطط لعدة عشرات من السنوات.

الإنسان الذي فقد السيطرة على مصيره يستحيل عليه التخطيط لهذا المصير.”

السؤال الذي لايمكن تجنبه هو: هل أن الوسط العراقي متخلف إلى الحد لا يستطيع أن يصوغ خطته”مثاله” ؟؟؟

المثال الذي أتمنى وجوده للعراق هو تصور لما يجب أن يكون…انه يشبه صياغة خطة اقتصادية جيدة تتسم بالواقعية والامثلية وإلا تساق والتي هي كلها مواصفات الخطة الجيدة.

وعلى ذكر الخطة فأن الخطة التي اقصد هي ليست خطط القسر التي تعدها النظم الشمولية المستبدة، بل هي أدوات الإدارة الحديثة التي ينتهجها الكثير من المؤسسات العملاقة التي لايمكن لها أن تدير أعمالها الهائلة إلا عن طريق التخطيط العلمي السليم.

رابط المصدر:

https://www.almothaqaf.com/a/opinions/954917-%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%AD-%D8%AD%D8%B2%D8%A7%D9%85-%D8%BA%D9%8A%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AB%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D9%88%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D8%A7%D8%B6%D9%84%D8%A9-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A6-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D9%88%D8%A3-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M