قمة العرب والصين

د. محمد كمال

 

من المتوقع أن تنعقد، فى الأسبوع القادم، قمة عربية صينية، تستضيفها المملكة العربية السعودية. ومنذ حوالى ثلاثة أيام، وبمناسبة القمة، أصدرت وزارة الخارجية الصينية وثيقة بعنوان «التعاون الصينى العربى فى العصر الجديد»، أكدت فيها الجذور التاريخية للعلاقات بين الصين والدول العربية، والتى ترجع إلى طريق الحرير القديم، قبل أكثر من 2000 سنة، وتناولت الوثيقة الجوانب المختلفة للعلاقات بين الطرفين، والتوافق السياسى حول العديد من القضايا الإقليمية والدولية. وأكدت الوثيقة احترام الصين والدول العربية لمبادئ السيادة والاستقلال وسلامة الأراضى وعدم الاعتداء وعدم التدخل فى الشؤون الداخلية.

ولكن القمة العربية الصينية القادمة لا تستند فقط إلى التاريخ، والمبادئ المشتركة، وتنوع مجالات التعاون، ولكن لها دلالة رمزية وقيمية، وفى نفس الوقت تعكس المصالح المادية المتنامية بين الطرفين.

رمزية القمة تأتى فى ظل الإعلان الرسمى للولايات المتحدة بأن الصين هى منافسها الاستراتيجى الأول فى العالم وسعى بعض دوائر الحكم فى واشنطن لتصعيد التوتر مع الصين، ووضع دول العالم فى موقف الاختيار بين الولايات المتحدة والصين فى عدد من مجالات التعاون، وبالتالى فإن انعقاد القمة يحمل رسالة بأن الدول العربية ترفض فكرة «المباراة الصفرية» فى العلاقات الدولية، ومنطق مَن ليس صديقى فهو عدوى، والعودة مرة أخرى إلى أجواء مشابهة للحرب الباردة، التى كانت سائدة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى.

الدول العربية ترغب أيضًا فى الاحتفاظ بحرية الاختيار فى التعاون مع القوى الكبرى المختلفة، واستنادًا للمصالح الوطنية لكل دولة، وكما عقدت قمة عربية أمريكية، منذ شهور قليلة، بحضور الرئيس جو بايدن، تنعقد قمة عربية صينية، هذا الشهر، وبحضور الرئيس شى جين بينح.

هذا المنطق يرتبط أيضًا بفكرة أن الدول العربية ترى أن معركة التنافس الأمريكى الصينى ليست معركتها، ولا تملك ناقة ولا جملًا فيها، وأن تصعيد هذا التنافس ليس من مصلحة الدول العربية أو مصلحة العالم.

انعقاد القمة العربية الصينية يحمل أيضًا دلالة قيمية، تصب فى دعم فكرة تعددية القيم على المستوى العالمى، فالولايات المتحدة عادت إلى استخدام مفهوم القيم كأحد أسلحتها على الساحة الدولية، ويدور الصراع الفكرى بين القوى الكبرى الآن حول مدى عالمية القيم، حيث تتبنى الولايات المتحدة فكرة أن القيم التى نشأت وتطورت فى الغرب هى قيم عالمية وليست قيمًا غربية، وبالتالى يجب نشرها فى العالم كله، وأن تصبح هى المقياس الدولى لتحديد مدى التقدم والتراجع فى العديد من المجالات.

الصين ترفض فكرة عالمية القيم الغربية، وترى أن الهدف من تبنى القيم العالمية هو الادعاء بأن نظام القيم الغربى يتحدى الزمان والمكان، ويتجاوز الأمة والطبقة، وينطبق على البشرية جمعاء. وتؤكد الصين أن لها حضارتها الخاصة، التى انبثقت عنها مجموعة من القيم قد تختلف فى مضمونها وأولوياتها عن القيم الغربية، وبالتالى ترفض فكرة التعامل مع القيم الغربية على أنها ذات طابع عالمى، يجب أن يتبناه الجميع، أو يُستخدم مقياسًا للتقدم أو التخلف.

وتقدم الصين مفهومًا خاصًّا للديمقراطية يرتبط بالإنجاز فى الاستجابة لمطالب الناس، ورضاء المواطن نتيجة لذلك، وتشير التقارير الصينية إلى أن حياة الناس تحسنت بشكل ملحوظ، حيث أنشأت الصين أكبر نظام للضمان الاجتماعى فى العالم، وتجاوز عدد الأشخاص المشمولين بالتأمين الصحى الأساسى 1.3 مليار شخص، والمشمولين بالتأمين على الشيخوخة مليار شخص، وتخلصت الدولة من الفقر المدقع، ووضعت لنفسها تحقيق هدف الرخاء المشترك.

العلاقات العربية الصينية تنطلق أيضًا من عدد من المصالح المادية الواضحة، فبعد أن انخفضت أهمية وحجم الصادرات النفطية العربية للأسواق الأمريكية، أصبحت الصين هى المستورد الأول للنفط العربى، كما أصبحت شريكًا تجاريًّا رئيسيًّا للعديد من الدول العربية، ومستثمرًا كبيرًا فيها، والكثير من الدول العربية أصبحت جزءًا من مبادرة «الحزام والطريق» الصينية.

وأخيرًا، فإن القمة العربية الصينية تُعقد فى ظل عدد من التحديات التى تواجهها الدولة الصينية، ومنها تباطؤ معدلات النمو الاقتصادى، وتفاقم تداعيات جائحة كورونا فى ظل استمرار تطبيق سياسة عدم السماح بحالة واحدة من العدوى وما تفرضه من قيود على النشاط الاقتصادى، وما ينتج عنه من عدد من الاضطرابات الداخلية.

ومع ذلك، يستمر الصعود الصينى، وتفرض الحكمة الدخول فى شراكات معها، ودون تقويض العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، التى تظل شريكًا استراتيجيًّا وأمنيًّا للعديد من الدول العربية، ليس من السهل استبداله فى الأمد القصير، وبالتالى ليس من الحكمة أيضًا تطوير العلاقة مع الصين انطلاقًا من منطق «المراهنة»، والاعتقاد أنها ستزيح الولايات المتحدة عن مكانتها الدولية المتميزة حاليًا، فالعلاقات الدولية تتطلب حسابات دقيقة وطويلة الأمد للمكسب والخسارة، والنظام الدولى الجديد لم تتضح معالمه الكاملة بعد، ومن مصلحة الدول العربية أن تظل خياراتها قائمة مع كافة القوى الكبرى.

نقال عن جريدة المصري اليوم الإثنين 05-12-2022

 

.

رابط المصدر:

https://ecss.com.eg/31645/

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M