لقاح فيروس كورونا: سباق اقتصادي بنكهة سياسية

مصطفى ملا هذال

وصلت لغاية الآن اعداد المصابين بفيروس كورونا اكثر من عشرين مليوناً حول العالم بحسب احدث الإحصائيات، وتماثل للشفاء إعداد كبيرة ايضا ما يعادل نسبة 60‎%‎ من مجموع الإصابات.

في ظل هذه الإجواء استطاعت روسيا ان تعيد الأمل لدى شعوب العالم؛ ذلك عبر إعلانها عن قرب أنتاجها لقاح يحد من انتشار الجائحة التي اصبحت من اخطر الأمراض على البشرية كونها عجزت عن مواجهتها بما أوتيت من تطور علمي وتقني في السنوات الاخيرة تحديدا.

وكانت روسيا قد أعلنت أنها طوّرت “أول” لقاح ضد فيروس كورونا المستجد أُطلق عليه تسمية “سبوتنيك في” تيمّناً باسم القمر الصناعي السوفياتي.

وبعد ساعات من إعلان الرئيس الروسي عن إنتاج بلاده لأول لقاح ضد فيروس كورنا المستجد، قال نظيره الأميركي دونالد ترامب إن إدارته أبرمت عقدا بقيمة مليار ونصف دولار لتسليم مائة مليون جرعة من لقاح كورونا التجريبي الذي تنتجه شركة موديرنا.

جملة من الاستفهامات يمكن ان يطلقها المتابع للأحداث اليومية لاسيما بعد ان ظهر الفيروس واجتاح اغلب دول العالم وأخضعها لقوانينه المستجدة على الشعوب، ومن هذه التساؤلات هو لماذا الإسراع من قبل الجانب الروسي في الإعلان عن التوصل للقاح؟

ولماذا ايضا جاءت التصريحات من المعنين في روسيا انها استخدمت ووظفت التفوق العلمي والتقدم التكنولوجي لإنتاج هذا اللقاح؟ بكل بساطة وكما هو معروف ان سرعة الإعلان يندرج في إطار التسابق بالميدان الدولي القائم بين امريكا وروسيا منذ عقود، ولا عجب ان يستثمر الطرفان هذا الموضوع لإعادة الصراع الى الواجهة وبالفعل حدث ذلك وبدأت المناورات الكلامية تبرز للعيان.

فروسيا تريد ان تؤكد انها سيدة العالم وتقنع حلفاءها بمدى القوة التي تتمتع بها على حساب غريمتها الأزلية الساعية لتقوية جبهتها اكثر فأكثر، وفرض هيمنتها بصورة اكبر من اجل التحكم بمقدرات الشعوب.

فعلى الرغم من ان الولايات المتحدة تتصدر دول العالم بعدد الإصابات بالفيروس، الا انها لا تواصل قتالها على الجبهة الخارجية، وتحاول ان تعكس صورة بانها قادرة على تخطي هذه الأزمة وسولف تبذل ما بوسعها لتكون هي من يطرح العلاج في الأسواق العالمية ولا ترغب بان يسبقها احد في ذلك مهما كلفها الأمر، فهي تريد ان تبقى يُشار اليها بالبنان من قبل الجميع ولا تريد ان تكون مشابهة للمجتمع الدولي.

هذا التسابق المحموم من قبل الأقطاب الدولية لإيجاد اللقاح الناجح، لا يمكن تفسيره الا بأنه صراع سياسي ممزوج بنكهة اقتصادية بدرجة كبيرة، ففي حال تم إطلاقه ونجاحه بشكل نهائي سيجعل من روسيا اللاعب الأساس والمتحكم بمصير الملايين من المتوقع اصابتهم وكذلك المصابين في الوقت الحالي.

فهي من المؤكد ان تطرحه بأسعار خيالية ومن الممكن ان تكون قدرة الشراء مقتصرة على الدول الميسورة، في حين ستبقى العلاجات حكرا على الدول الفقيرة او متوسطة الدخل، وهو ما يحرمها الاستفادة من الاكتشاف الجديد الذي اصبح لا قيمة له بالنسبة لها على اقل تقدير.

ولم تخف منظمة الصحة العالمية تحفظها على الموضوع ودعوتها الى التمهل قليلا من اجل اتباع الدقة وإعطاء نتائج مضمونة فيما يتعلق بجدوى اللقاح ومدى فاعليته وقدرته على تحصين الفرد من الإصابة بالفيروس او العودة اليه مجددا الا بعد فترة ليست بالقصيرة.

ولذلك الغرض قال المتحدث باسم المنظمة طارق ياساريفيتش “نحن على تواصل وثيق مع السلطات الروسية، والمحادثات تتواصل. المرحلة التي تسبق ترخيص أي لقاح تمرّ عبر آليات صارمة”.

ويمكن لروسيا ان تعيد جزء من أمجادها وتسترجع بعض من نفوذها الذي خسرته بعد تنامي وقوة الكفة التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، اذ من المحتمل ان تزود بعض الدول باللقاح بعدما يتم اعتماده من قبل منظمة الصحة العالمية.

ومعنى ذلك انها تمكنت من خلق صداقات جديدة لها تصبح في قادم الأيام ذراع قوة وظهير في حربها الدائمة مع المجتمع الغربي، الذي يتحين الفرص لتوجيه ألضربات الموجعة لها، ودائم العمل على استمالة بعض الجهات التي تقف بجانبها، لكن هذه المحاولات قد تتعرض للوهن في هذه الفترة، لاسيما وان السلطات الروسية اعلنت عن رغبة ما يقرب من عشرين دولة أعربت عن رغبتها في الحصول على اللقاح.

ومع ذلك من المتوقع ان تخطوا حكومة ترامب هذه الخطوة وتجبر الكثير من الدول على التعاقد معها للحصول عليه عبر أساليب الضغط التي اعتادت عليها في التعامل مع القضايا التي تهم مصلحتها ومكانتها العالمية.

وان صح هذا التنبؤ فان الجهود الروسية ستذهب رياح في شبك، ولم يعد لها اي تأثير في الساحة الدولية، فمن الطبيعي ان يتحدد سوق التصريف على الدول المنضوية تحت لوائها.

ليس المهم في كل ذلك هو من سينجح أولا في انتاج اللقاح والحصول على التأييد والالتفاف الدولي من قبل الدول المترقبة لذلك، بل المهم هو كيفية مراعاة الجانب الإنساني في هذا الشأن بالخصوص، وعدم التمسك بمبدأ المصالح أولا، فجميع الشعوب وعلى اختلاف ألوانها تنتمي للإنسانية ولا يمكن لاحد ان يفضل بعض على بعض، فالمجتمع الذي يتمتع بالتطور الكبير في مجال ما، قد يمتلك مجتمع آخر أشياء اخرى يحتاجها الصنف الأول اشد حاجة.

رابط المصدر:

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M