لماذا لم تستطع إيران تحييد تهديدات تنظيم “جيش العدل” البلوشي حتى الآن؟

على النقيض من قدرة النظام السياسي في إيران خلال السنوات الماضية على استخدام قوات الشرطة ووحدات الجيش النظامي والحرس الثوري لتحييد مخاطر كثير من التنظيمات المسلحة التي تهدده، يظل تنظيم “جيش العدل” الأكثر خطورة حتى الآن على النظام الإيراني.

فقد استطاعت القوات المسلحة الإيرانية تقييد تهديدات الجماعات الكردية المسلحة في غرب البلاد خلال الأشهر الماضية من خلال الاتفاق مع العراق المجاور والتنسيق معه، وهو ما يعد خطوة مهمة في إطار صراع هذه الجماعات مع النظام الإيراني. وعلى المنوال نفسه، قيّد النظام الإيراني خلال السنوات الماضية التهديدات التي تمثلها بعض الجماعات ذات النزعة الانفصالية في إقليم الأحواز (خوزستان) غربي البلاد أيضًا عبر طرق ووسائل متعددة محلية، ومن خلال توظيف آليات دولية أيضًا.

ولكن مع ذلك، لم تستطع الدولة الإيرانية تفكيك أو تحييد تهديدات تنظيم “جيش العدل” حتى الآن، حيث لا يزال نشطًا ويقوم بتنظيم عمليات إرهابية مثل تلك التي قام بها مؤخرًا يوم 15 ديسمبر الجاري في مدينة “راسك”، مسقط رأس زعيم التنظيم الحالي، الواقعة في محافظة سيستان وبلوشستان شرقًا على الحدود مع باكستان، وقُتل على إثرها 11 شرطيًا وأصيب آخرون.

أولًا- ما هو “جيش العدل” الإيراني؟

يُعد “جيش العدل”، أو “أرتش برابري” كما يُعرف في المصادر الفارسية، تنظيمًا مسلحًا مناهضًا للحكم في إيران، يُعرِّف نفسه على أنه تنظيم “سني مسلح يدافع عن حقوق السنة خاصة في محافظة سيستان وبلوشستان”. وقد تشكل هذا التنظيم أواخر عام 2011 وبداية عام 2012، من مسلحين سنة من قومية البلوش، التي تستوطن محافظة سيستان وبلوشستان شرقي إيران، قرب الحدود مع باكستان وأفغانستان.

  1. نشأة التنظيم:

وُلد هذا التنظيم بعد أشهر قليلة من إعدام الحكومة الإيرانية في يونيو 2010، زعيم تنظيم “جند الله” السابق “عبد المالك ريجي”، بتهمة تهديد الأمن القومي الإيراني عن طريق العمل المسلح، وقد أدى مقتل ريجي إلى انبثاق تنظيم “جيش العدل”، عن تنظيم “جند الله”.

يقود تنظيم “جيش العدل” منذ عام 2012، “صلاح الدين فاروقي”، ويطلق عليه عناصر التنظيم اسم “الأمير” أو “قائد جهاد بلوشستان”. وشهدت العلاقات بين تنظيم “جيش العدل” والتنظيمات الإرهابية الأخرى في إيران صدامات متعددة، منها ما تم بين هذا التنظيم وتنظيم “جيش النصر”، الذي قاده عبد الرؤوف ريجي، شقيق زعيم تنظيم “جند الله” الراحل عبد المالك ريجي.

وقد قُتل عبد الرؤوف ريجي في صيف عام 2014 في ولاية بلوشستان الباكستانية في عملية وصفتها وسائل إعلام إيرانية، بأنها “جزء من تصفية حسابات داخلية مع تنظيم جيش العدل، لكن أشارت المصادر الإخبارية العربية إلى أن عبد الرؤوف قُتل بيد قوات إيرانية في مدينة كويتة الباكستانية.

تصنف الحكومة الإيرانية تنظيم “جيش العدل” ضمن المنظمات الإرهابية، وتتهمه بالاتصال بأجهزة الاستخبارات الأجنبية، في حين صنفت عدة دول، من بينها الولايات المتحدة واليابان ونيوزيلندا، هذا التنظيم ضمن قوائمها للتنظيمات الإرهابية الدولية.

على المستوى الميداني، يتبنى تنظيم “جيش العدل”، عدة وسائل لتحقيق أهدافه، تتمثل في الهجمات المستمرة ضد قوات الأمن والشرطة في محافظة سيستان وبلوشستان، واختطاف أو اغتيال المسؤولين في المحافظة، علاوة على أسلوب آخر شائع لديه، يتمثل في اختطاف جنود الجيش وحراس الحدود الإيرانيين.

وقد أثارت هذه الأساليب ردود فعل سلبية واسعة لدى الرأي العام داخل إيران، ولدى قطاعات واسعة من أهل السنة الإيرانيين وفي محافظة سيستان وبلوشستان نفسها، بل إن رجل الدين الإيراني الشهير الذي يوصَف بأنه “زعيم أهل السنة في إيران”، مولوي عبد الحميد، قد دان أكثر من مرة أفعال هذه الجماعة وبشكل صريح وقال إنها تهدد الأمن والاستقرار. كما طالب النائب البرلماني الإيراني السني السابق، عابد فتاحي، القوات المسلحة الإيرانية بالهجوم على مقرات “جيش العدل” وإنهاء نشاطه بشكل كامل، وذلك بعد قيام الجماعة في فبراير 2014 باختطاف 5 من جنود حرس الحدود الإيرانيين على الحدود مع باكستان وفرارهم إلى داخل أراضي الأخيرة.

وقد عاد اسم هذا التنظيم للظهور مرة أخرى، بالتزامن مع الاحتجاجات الأخيرة التي عمت المدن الإيرانية في الفترة بين سبتمبر 2022 وأوائل عام 2023، حيث اتهمت الحكومة الإيرانية وقوات الأمن هذا التنظيم، بتنفيذ هجمات ضد مقار أمنية في محافظة سيستان.

  1. هيكل التنظيم:

يتألف تنظيم “جيش العدل” بشكل عام من أربعة أفرع، منها ثلاثة أفرع عسكرية، هي جماعة “عبد الملك ملازاده” العسكرية، وجماعة “الشيخ ضيائي” العسكرية، وجماعة “مولوي نعمة الله توحيدي” العسكرية، بجانب فرع رابع مختص بالعمليات الاستخباراتية، وهو جماعة “زبير إسماعيل زهي”، والتي تمت تسميتها على اسم القائد العسكري السابق في جماعة “نعمة الله توحيدي”، الذي قُتل خلال إحدى العمليات العسكرية.

ثانيًا- لماذا لم تستطع إيران تحييد مخاطر تنظيم “جيش العدل” حتى الآن؟

يعود بقاء التنظيم حيًا ونشطًا حتى الآن إلى عدة عوامل نرصدها فيما يلي:

  1. المشكلات الاقتصادية والتنموية في محافظة “سيستان وبلوشستان” مسقط رأس التنظيم:

(موقع محافظة “سيستان وبلوشستان” في إيران، على الحدود الباكستانية الأفغانية)

عند الحديث عن أول أسباب نشأة وبقاء تنظيم “جيش العدل” حتى اليوم، يمكن الإشارة إلى النطاق الجغرافي الذي وُلد فيه التنظيم وهي محافظة سيستان وبلوشستان. وتقع هذه المحافظة في أقصى شرق إيران على الحدود مع باكستان وأفغانستان، وتضم كامل الحدود بين إيران وباكستان، إلى جانب جزء من الحدود الإيرانية الأفغانية.

وتُعد سيستان المحافظة الأكثر فقرًا بين مجمل المحافظات الإيرانية البالغ عددها 31 محافظة. إذ إنها تسبق في ذلك محافظات أخرى مثل خراسان الشمالية وهرمزجان ولرستان وكرمان وخوزستان. وتحتل سيستان وبلوشستان المرتبة الثانية من بين المحافظات الإيرانية من حيث المساحة بعد كرمان.

(ترتيب المحافظات الإيرانية من حيث نسبة الفقر، المصدر: موقع “فرداي اقتصاد” الإيراني)

وعلى الرغم من الموقع الاستراتيجي التجاري الذي تتمتع به المحافظة، ووقوع ميناء “تشابهار” الحيوي بها، وبرغم أيضًا توافر مساحات زراعية واسعة ووجود آثار تاريخية متنوعة بها واكتشاف موارد طبيعية متعددة بها من بينها المعادن، إلا أن الفقر والبطالة وتدني مستوى الدخل في سيستان لا تزال أمورًا يعاني منها سكانها.

وتتحدث وسائل إعلام إيرانية محلية ناطقة بالفارسية عن مشكلات بالمياه والتعليم والصحة في المحافظة، وعن “إحصاءات مفزعة للحرمان من التعليم في سيستان وبلوشستان وعدم توافر الإمكانات الأساسية للتعليم في مدارس هذه المحافظة”.

وطبقًا للإحصاءات الرسمية في إيران، فإن حوالي 50% من سكان هذه المحافظة يصنفون على أنهم فقراء. ووفقًا أيضًا لـ “مركز أبحاث الإحصاءات” الإيرانية، فإن “المشكلات الاقتصادية والأمنية تسببت خلال السنوات الخمس الماضية في أن تتراجع حصة محافظة سيستان وبلوشستان فيما يتعلق بالناتج القومي الداخلي الإيراني وأن يصبح سالب 2.3%؛ وهو ما يعود إلى عدم تنفيذ أي خطة اقتصادية مهمة في هذه المحافظة”، حسب بيانات المركز.

وفي ظل هذه العوامل الاقتصادية والمجتمعية غير الإيجابية، استطاع التنظيم بسهولة حشد عدد من السكان المحليين السنة للانخراط في صفوفه ضد الحكومة الإيرانية منذ نشأته في عام 2012. لذا، فإنه في ظل تزايد مستويات الفقر والبطالة وتراجع مستويات النمو والتنمية في محافظة سيستان وبلوشستان، فإن التنظيم قد يظل نشطًا وقد يتمكن من اجتذاب المزيد من العناصر إليه.

  1. أمننة محافظة سيستان وبلوشستان وانحصار الصراع بين الحرس الثوري و”جيش العدل”:   

تستحوذ محافظة سيستان وبلوشستان على وضع خاص بين المحافظات الإيرانية من حيث تركيبة الانتشار الحكومي والأمني بها. حيث ينشط في هذه المحافظة بالأساس في الوقت الراهن 3 قوى رئيسة (إلى جانب الهيئات الحكومية والشرطية) هم: الحرس الثوري وهو المتحكم الرئيس في هذه المحافظة التي تشكل هاجسًا أمنيًا للحكومة، والجهات المؤيدة لرجل الدين مولوي عبد الحميد، وتنظيم “جيش العدل” المصنف إرهابيًا داخل إيران.

وعلى النقيض من الصراع الحكومي الإيراني مع الجماعات الكردية مثالًا، حصرت الحكومة الإيرانية الصراع بين الحرس الثوري و”جيش العدل” فقط، وزادت من مستوى الحضور الأمني القوي بالمحافظة، خاصة بعد الأحداث الأخيرة التي شهدتها مدينة زاهدان بالمحافظة خلال احتجاجات “مهسا أميني”. لذا، يجد عناصر هذه الجماعة الوضع أمنيًا بالدرجة الأولى في المحافظة ما يحفزهم على مواصلة أنشطتهم بطريقة أو بأخرى، خاصة وأن مثل هذا الوضع لا يساهم في إحداث تنمية محلية أو إرضاء المواطنين.

  1. تشعب العلاقات الإقليمية للتنظيم في أفغانستان وباكستان: 

ربما يخفى على الكثير أن لتنظيم “جيش العدل” الإيراني علاقات إقليمية في محيطه بأفغانستان وباكستان، وهو ما يساعده في توفير بعض اللوجستيات وإمداده بالعناصر القتالية. حيث يتمركز التنظيم في مناطق وعرة داخل الأراضي الباكستانية بالأساس وتقع مقاره ومراكز تدريبه هناك، ما يجعل من الصعب على إيران تعقبه. لذا، فإننا نجد مطالبات إيرانية متعددة لإسلام آباد بالعمل ضد هذا التنظيم لأنه على الرغم من تمركزه في إيران، إلا أنه يتواجد داخل باكستان. ويبدو أيضًا أن التنظيم لديه علاقات مع بعض الجماعات الإرهابية في باكستان.

وعلى المنوال نفسه، لدى “جيش العدل”، الذي تطلق عليه إيران والوسائل الإعلامية في طهران “جيش الظلم”، علاقات قوية مع حركة “طالبان” الأفغانية، وقالت تقارير إن هذه الجماعة ساعدت “طالبان” في إسقاط والسيطرة على بعض الولايات الأفغانية خلال عام 2021 قبل سيطرة الجماعة الأفغانية على العاصمة كابل في أغسطس من العام نفسه، كما يرتبط التنظيم أيضًا بعلاقات مع بعض الجماعات الأخرى النشطة في أفغانستان بخلاف “طالبان”.

وإلى جانب هذه العلاقات الإقليمية، يرتبط “جيش العدل” بعلاقات قوية مع عدد من الجماعات المسلحة ذات الأهداف الشبيهة والتي تتركز أيضًا في المناطق الشرقية بإيران، خاصة في محافظة سيستان وبلوشستان. ويعمل كل هذا على إمداد التنظيم بشبكة علاقات قوية في الداخل الإيراني والمحيط الإقليمي لإيران توظفه لأغراض عدة لعل من بينها إمدادها باللوجستيات أو العناصر المقاتلة، كما سبقت الإشارة، أو حتى الاستفادة منها في الحصول على معلومات استخباراتية.

  1. تمركز التنظيم في مناطق تتسم بانعدام المراقبة الأمنية:

لعل من أبرز عوامل بقاء تنظيم “جيش العدل” فاعلًا حتى الآن، هو تمركزه في مناطق حدودية بين إيران وباكستان وأفغانستان، وهي مناطق تتسم بانعدام الأمن أو على الأقل تراجع السيطرة الأمنية عليها، ما يجعلها تربة خصبة لتمركز مثل هذه الجماعات وإطلاقها هجماتِها منها. ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى أن أكثر عمليات “جيش العدل” تنطلق من الحدود مع باكستان وتركز أيضًا على اختطاف الجنود في هذه المنطقة.

ومن المعروف أن مثلث الحدود المشتركة بين إيران وباكستان وأفغانستان يشكل بؤرة ومنطقة جذب للجماعات المسلحة والإرهابية وتنشط بها العديد والعديد منها؛ والسبب الرئيس في ذلك يعود لانعدام أو تراجع السيطرة الأمنية داخلها، كما أن أمن الحدود مع إيران لا يستحوذ على تلك الأهمية في السياسة الباكستانية التي يستحوذ عليها أمن الحدود الباكستاني مع الهند وأفغانستان.

  1. عدم قدرة إيران على توجيه ضربات عسكرية حاسمة لمقار التنظيم في باكستان:   

على خلاف ما جرى مع العراق فيما يتعلق باستهداف مقار الجماعات الكردية، لا تستطيع إيران توجيه ضربات عسكرية سواء محدودة أو واسعة لمقار تنظيم “جيش العدل” في الأراضي الباكستانية؛ ذلك لأن إسلام آباد لا تسمح بذلك وستعتبر أي هجوم إيراني على هذا النحو استهداف لأراضيها. ويجب التشديد على أن إيران تتجنب أي صدام عسكري مع دولة باكستان التي تتمتع بجيش وأجهزة استخبارات قوية للغاية، لن تسمح للحرس الثوري أو الجيش الإيراني على تنفيذ مثل هذه العمليات. كما أن العلاقات الإيرانية الباكستانية ليست بهذه القوة التي تتسم بها العلاقات بين طهران وبغداد.

ختامًا، يختلف تنظيم “جيش العدل” الإيراني عن بقية التنظيمات العرقية وعن أغلب الجماعات المسلحة المذهبية الأخرى في إيران، للأسباب سالفة الذكر، التي يُضاف إليها أن التنظيم منذ بداية نشأته يشتبك أيضًا مع السياسات الإيرانية في الخارج، مثل السياسة الإيرانية في سوريا منذ عام 2011، وكذلك المسألة الأفغانية.

أما مع تنامي تهديدات التنظيم، فقد تتوجه إيران خلال الفترة المقبلة للتعاون مع باكستان، على غرار العراق، للقضاء على التنظيم في إطار تنظيم مصالح مشتركة، ويمكن القول إن مثل هذا التنسيق يمتلك مقومات النجاح في تحقيق هدفه؛ نظرًا لأن مقار التنظيم الأساسية ومعسكرات تدريبه تتركز في باكستان.

المصدر : https://marsad.ecss.com.eg/80240/

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M