ما الذي تبحث عنه فرنسا في العراق؟

مصطفى ملا هذال

 

شهد القصر الرئاسي في بغداد مراسم كبيرة لاستقبال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قادما من لبنان التي أشرف فيها على اختيار رئيسا للحكومة خلفا للمستقيل حسان ذياب نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية، الأمنية، والسياسية في البلاد.

ماكرون وحال وصوله الى بغداد أشار في تغريدته انه جاء لمساعدة العراق من اجل الخروج من الأزمة التي يمر بها، على المستوى السياسي والتحدي الاقتصادي الذي اصبح من اهم التحديات التي تواجه حكومة مصطفى الكاظمي الفتية، فما الذي يمكن ان تحققه هذه الزيارة للعراق وفرنسا في الوقت نفسه؟

العراق فيما يمر به من ظرف غير مستقرة يمكن ان نوصفه كالمريض الذي يرقد في ردهة الانعاش القلبي، والذي يحتاج الى اجواء خاصة لكي تُعاد اليه الحركة ويشعر بلذة الحياة وتعود أعضاءه الى العمل بصورة طبيعية، لا سيما وأنه تعطلت اغلب قطاعاته عن تأدية وظيفتها، وشُلت حركتها بفعل ما ضربها من فيروس سياسي تفشى بجميع أنحاء جسده.

فالكاظمي هنا يأخذ دور ولي امر المريض الذي يبحث عن افضل العلاجات ويراجع اكثر الأطباء سمعة لإعادة العافية العراقية واسترداد ما فقده بأسرع وقت ممكن، وقد تفسر زيارة ماكرون الى بغداد على انها مساهمة فرنسية في تغيير الأوضاع بفترة قياسية عبر التوسع في دائرة العلاقات الدولية المؤثر في المشهد الدولي.

ان الملاحظ على خطابات السيد الكاظمي هو تأكيدها على الاهتمام والنهوض بالجانب الاقتصادي، ولمس رغبة جامحة لسلك اقصر الطرق لتحقيق ذلك، بالاعتماد على الشراكة ومد جسور التواصل مع الدول الأكثر منفعة له في سعيه الدائم للخروج من التقوقع الذي صارت عليه البلد بفعل السياسات الخاطئة.

فالعلاقة مع فرنسا ذات أهمية كبيرة بالنسبة للحكومة الحالية التي تبحث عن يد للمساعدة من بين الكم العالمي، ولعل يد فرنسا هي من تُدوّر العجلة بصورة اسرع مما هي عليه اليوم، وهو اهم ما يسعى رئيس الحكومة تحقيقه في الأشهر القليلة المتبقية من عمر حكومته التي جاءت لإنجاز مهام متعددة أهمها اجراء الانتخابات المبكرة كونها تعتبر من المطالب الجماهيرية الملحة منذ اندلاع الاحتجاجات في تشرين المنصرم.

فالكاظمي ومنذ ان تسنم منصب رئاسة الحكومة الحالية وجهت اليه الكثير من الاتهامات كان من بينها انه لا ينتمي للاحزاب الإسلامية، ولا يمكن ان يقرب المسافة التي تفصله عن الأحزاب الدينية المشاركة في العملية السياسية، وبذلك يمكن ان تكون هذه الزيارة هي لزيادة الوشائج بين الطرفين والذهاب معا بتجاه الدولة المدنية الى حد ما.

وهذه الدولة المدنية بكل مقاييسها لم تنال إعجاب المحاور الإسلامية التي دائما ما تُريد ترسيخ وتدعيم الدولة ذات الرؤية الدينية المتوافقة مع تطلعات وافكار الأحزاب الحاكمة ذات الصبغة الدينية الواحدة، وتقف بوجه الجهات التي تحوك الخيوط من اجل خلق نسيج قوي يواجه التوجه الإسلامي المتنفذ في العراق.

التنوع في مصادر القوة بالتحالف وتقوية العلاقات مع الأطراف الدولية يعطي حكومة الكاظمي زخما اقليميا وكذلك تقوية موقفه امام الجبهة الداخلية، وهذا قد يكون من الأغراض الرئيسية التي اراد تحقيقها رئيس الحكومة.

فمن المتوقع ان هذا التقارب سيكون مقبولا الى حد ما، كون فرنسا داعم أساسي في التخلص من الجماعات الإرهابية، كما ان التقرب منها اخف حدة بالنسبة للجبهة المعادية للوجود الامريكي في العراق، وتأثيرها في اللعبة السياسية، اذ تهتم بوضع الخطط التي تخدم وجودها في العراق خدمة لمصالحها وتوليد شعور لدى الطبقة السياسة ان وجودهم لا يزال في غاية الأهمية، ولا يمكن ان يسير العراق الجديد دون الاتكاء عليها والاستفادة من خبراتها في المجالات السياسية والعسكرية.

التفاهمات الدولية والعلاقات مع الدول يجب ان تكون قائمة على المصلحة الوطنية أولا، فالعراق بحاجة الى تعاضد الجميع من اجل تقدمه وازدهاره، وليس بحاجة لمزيد من التناحرات، الى جانب جعله ساحة لتنفيذ المطامع الدولية.

ومن هنا فان الزيارة الاخيرة لماكرون يجب الا ننظر اليها بحسن نية مطلقة فهي ايضا، تأتي لتنفيذ أجنده معينة والحصول على مكتسبات جديدة في البلاد، وختاما يمكن القول ان فرنسا أدركت ان العراق سيعود قريبا الى تأثيره السابق في المعادلة الدولية، ولا تريد ان تكون خالية اليدين، لاسيما وان البلاد مقبلة على نهضة اقتصادية، وحركة استثمارية لإعادة بناء وترميم مخلفات سنوات الحرب والقضاء على الزمر الإرهابية.

 

رابط المصدر:

https://annabaa.org/arabic/authorsarticles/24409

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M