ما هو السعر المناسب لإنجاح الخطة الأوروبية لوضع سقف لسعر النفط الروسي؟

د. أحمد سلطان

 

قبل أيام قليلة على بدء سريان قرار الحظر الأوروبي على النفط الروسي، بات موضوع تحديد سقف سعر النفط الروسي محور الحديث في أسواق الطاقة العالمية خلال الفترة الماضية، ولكن ما هي الأسباب وراء تردد الاتحاد الأوروبي بالإضافة لمجموعة الدول السبع  في اتخاذ قرار بوضع سقف للغاز والنفط الروسي؟ وماهو السعر المناسب للوصول للمعادلة الآمنة للطاقة العالمية؟ فمن المقرر أن تقوم مجموعة السبع، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى كل من الاتحاد الأوروبي وأستراليا، بوضع سقف أسعار للصادرات المنقولة بحرًا من النفط الروسي في بداية ديسمبر المقبل.

الخلاف حول السقف السعري للنفط الروسي

قد يتوقع البعض أن يأتي التأثير الأكبر لحظر الاتحاد الأوروبي في الخامس من ديسمبر المقبل (فيما يتعلق بالكميات النفطية)، حيث تعثر القارة الأوروبية على موردين جدد وتم تغيير مسار البراميل الروسية من النفط، ولكن عندما بدأ الحظر الأوروبي الإضافي على منتجات المصافي المصنوعة من النفط مثل وقود الديزل كان له تأثير كبير.

لذلك وبشكل عام، سيؤدي الحظر النفطي إلى حالة غير مسبوقة من عدم اليقين في أسواق النفط التي تعاني بالفعل من ارتفاع الأسعار وتحديات اقتصادية عميقة (فيما يتعلق بمسألة الأسعار النفطية). ولذلك فإن الحظر الذي سيفرضه الاتحاد الأوروبي على واردات الخام والمنتجات النفطية الروسية وحظر الخدمات البحرية سيؤدي إلى وضع المزيد من الضغوط على التوازنات  في أسواق النفط العالمية، وبالأخص فيما يتعلق بأسواق الديزل والتي تعاني بالفعل من شح شديد.

في بداية سبتمبر الماضي، وافق وزراء مجموعة السبع على تبني خطة غير محددة الخطوات أو السعر تهدف إلى وضع حد أقصى لأسعار النفط الروسي ضمن أحدث العقوبات الغربية على موسكو بعد غزوها الأراضي الأوكرانية، ولكن لم يتم تحديد آليات تنفيذ هذا القرار. وشمل الاقتراح الأخير العديد من النقاط فيما يتعلق بالسقف السعري للنفط الروسي الذي وُضع في حزمة العقوبات الأخيرة للاتحاد الأوروبي، بما في ذلك وضع قيود غير محددة على السفن التي تحمل النفط الروسي أعلى من السقف السعري.

ولذلك ستقتصر العقوبات المفروضة على تلك السفن الآن على 90 يومًا، وتنطبق فقط على النفط الخام الروسي، وخفف مشروع القانون بندًا سابقًا كان من شأنه أن يمنع إلى أجل غير مسمى السفن التي تحمل الخام الروسي المُشترى فوق السعر المحدد من الوصول إلى الخدمات الأوروبية لجميع شحنات النفط، بغض النظر عن المنشأ. ونصت الوثيقة أيضًا على أن السفينة التي نقلت عمدًا النفط الروسي أو المنتجات النفطية فوق السقف السعري المحدد سيُحظر عليها تلك الخدمات المتعلقة بنقل النفط الروسي أو المنتجات النفطية لمدة 90 يومًا بعد تاريخ تفريغ البضائع المشتراة فوق السقف السعري. واقترح أيضًا الاتحاد الأوروبي مرحلة انتقالية حوالي 90 يومًا في حالة حدوث أي تغييرات مستقبلية على مستوى ذلك السقف السعري للنفط الروسي.

ولذلك جاء اجتماع الأربعاء الماضي لوضع آليات تنفيذ هذا القرار، ولكن تعثرت المحادثات بين دول الاتحاد الأوروبي حول وضع سقف أسعار مقترح لمجموعة السبع على النفط الروسي، حيث انقسمت الحكومات الأوروبية حول كيفية تنفيذ تلك الخطة. حيث اقترحت الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي مستوى 65 دولارًا للبرميل النفطي الروسي، وهو ما رفضته بولندا ودول البلطيق ووصفته بأنه سقف أكثر سخاء.

وهو ما يقف وراء الخلافات حول القرار لأن الكثير من الدول الأوروبية لديها صناعات شحن رئيسة وبالتالي هي لا تريد أن تنخفض أسعارها إلى أقل من حوالي 70 دولارًا، ودول مثل بولندا صرحت بأنها لا تستطيع تجاوز سقف 30 دولارًا للبرميل وهو ما يقل عن الحد المقترح، والذي يُمثل الحد الأقصى للنطاق الذي طرحه الاتحاد الأوروبي. ولكن بقراءة النطاق السعري (65-70 دولارًا للبرميل) نجد أن هذا النطاق السعري أعلى بكثير من تكلفة الإنتاج في روسيا والذي يتراوح ما بين 17-30 دولارًا للبرميل مضافًا إليه تكاليف الشحن، وأعلى مما كانت بعض البلدان تدفع من أجله، ونظرًا لأن موسكو تبيع بالفعل الخام بخصومات كبيرة تصل إلى حوالي 40% بالإضافة إلى أن حوالي 80% من صادرات الخام الروسية يتم نقلها بواسطة الناقلات وليس من خلال خطوط الأنابيب. لذلك فقد يكون للحد الأقصى تأثير ضئيل على التداول النفطي للخام الروسي.

وعلى سبيل المثال، يتدفق النفط الروسي إلى المجر وسلوفاكيا وجمهورية التشيك، من خلال الفرع الجنوبي من خط أنابيب دروجبا، والذي يُعد من أطول خطوط النفط على مستوى العالم. حيث تبلغ قدرة خط أنابيب دروجبا نحو حوالي 1.4 مليون برميل يوميًا، وهو يُشكل بوابة عبور النفط الروسي إلى الكثير من الدول الأوروبية. ولذلك طالبت الحكومة المجرية بمنحها 4 سنوات وذلك من أجل تعديل مصفاتها الوحيدة والتي تقع بالقرب من بودابست وبهدف زيادة قدرة خط أنابيب أدريا. وبشكل عام تحتاج المجر حوالي 15 مليار يورو من أجل جعل اقتصادها جاهزًا للتخلي نهائيًا عن نفط موسكو الخام وهذا الأمر صعب حدوثه  في الفترة الحالية نظرًا لما يعانيه سوق الطاقة العالمي ونقص الإمدادات الحاد في عنصري معادلة الطاقة العالمية النفط والغاز الطبيعي.

ما هو السقف الذي يضمن بقاء النفط الروسي  في الأسواق

وجهة النظر الأوروبية من وضع سقف سعري للنفط الروسي تتبلور في منع شركات الشحن والتأمين وإعادة التأمين من التعامل مع شحنات الخام الروسي على مستوى العالم، ما لم يتم بيعها بسعر لا يتجاوز الذي حددته مجموعة السبع وحلفاؤها (65-70 دولارًا)؛ وذلك لوجود شركات الشحن والتأمين الرئيسة في العالم في دول مجموعة السبع، فإن سقف السعر المحتمل سيجعل من الصعب على موسكو بيع نفطها، وهو أكبر سلعة استراتيجية لها حيث يمثل نحو حوالي أكثر من 10% من المعروض العالمي، بسعر أعلى.

وفي الوقت نفسه، ونظرًا لأن تكاليف الإنتاج تقدر بحوالي 17 دولارًا للبرميل دون احتساب تكاليف النقل والشحن وغيرها، فإن الحد الأقصى سيجعل من المربح لروسيا بيع نفطها، مما يمنع نقص المعروض في السوق العالمية. فبشكل عام، يسمح السقف المقترح للنفط الروسي (65-70 دولارًا) لموسكو بمواصلة بيع نفطها الخام مع الحفاظ على أرباحها عند المستويات الحالية من معدلات الإنتاج، حيث يتم تداول النفط الروسي بالفعل عند حوالي 60 دولارًا للبرميل، والذي يُعد اقتطاع كبير من خام برنت القياسي العالمي.

ولذلك فإن الحد الأقصى المنخفض عند حوالي من 45-50 دولارًا للبرميل الروسي سيجعل من الصعب على موسكو أن تعادل في موازنتها الحكومية، وبالرغم من أن هذا الحد الأقصى البالغ 50 دولارًا سيظل أعلى من تكلفة الإنتاج الروسية التي تتراوح بين 17 إلى 30 دولارًا للبرميل النفطي الروسي (وذلك بعد إضافة تكاليف النقل والشحن) فموسكو تتطلب حوالي ما بين 60 إلى 70 دولارًا للبرميل من النفط الخام للقيام بتلك المعادلة (الأرباح والموازنة)، وهو ما يسمى بالتعادل المالي.

السعر السقفي 50 دولارًا سيكون حافزًا لموسكو بضرورة سعيها على بيع النفط لتجنب الاضطرار إلى إغلاق الآبار التي قد تكون من الصعب إعادة تشغيلها وبالإضافة إلى ضرورة جني الأموال من تلك الصناعة الاستراتيجية والحفاظ على ترتيبها ضمن الدول الكبرى المنُتجة للنفط على مستوى العالم.

ولكن بشكل عام، أن عملية تحديد سقف لسعر الخام الروسي يجب أن تكون أكبر من التكلفة الحدية للإنتاج في موسكو، والتكلفة الحدية هي الزيادة والنقصان في تكلفة إنتاج الوحدات، وتُعرف أيضًا بالتكلفة الإضافية. ومن هنا يجب الإشارة إلى أن التكلفة العالمية لبرميل النفط الخام تتراوح ما بين 8.5 دولارات للبرميل (الكويت) إلى حوالي 52.5 دولارًا للبرميل (المملكة المتحدة). كما هو موضح بالشكل التالي.

صادرات النفط الروسي

بشكل عام، زادت صادرات موسكو النفطية المنقولة بحرًا إلى القارة الآسيوية بنحو حوالي 31% على أساس سنوي إلى متوسط حوالي 1.6 مليون برميل يوميًا في الأشهر الماضية من العام الحالي 2022. حيث قفزت مشتريات الهند من النفط الروسي إلى حوالي أكثر من 500 ألف برميل يوميًا خلال الأشهر الماضية من العام الحالي 2022، وذلك مقارنة بحوالي 90 ألف برميل يوميًا في المدة نفسها من عام 2021. ومن جهة أخرى، ارتفعت تدفقات النفط الخام المنقولة بحرًا من موسكو إلى بكين بنسبة حوالي أكثر من 36% على أساس سنوي إلى نحو 780 ألف برميل يوميًا خلال المدة من يناير إلى أكتوبر من العالم الحالي 2022.

ولذلك تعمل شركة روسنفت والتي تُعد أكبر مُصدر للنفط في روسيا على توسيع تأجير الناقلات لتيسير شحن الخام للمشترين مع قرب بدء تنفيذ العقوبات الأوروبية. حيث اعتادت  في السابق الشركة الروسية على إنتاج أكثر من حوالي 40% من النفط الروسي، وبيعه في ميناء الشحن مما يعني أنه سيتعين على المشتري العثور على ناقلات والتعامل مع تكاليف الشحن والتأمين للرحلة.

وعلى الرغم من ذلك دفعت الأحداث الأخيرة عملاء الشركة إلى مطالبتها بالتعامل مع التسليم إلى الوجهة النهائية، وذلك من خلال تحمل تكاليف التأمين والشحن. ومن جهة أخرى أعربت شركات التأمين بشكل خاص عن قلقها من عدم وضوح آليات تحديد سقف أسعار النفط الروسي، مما يعمل على التهديد بترك الناقلات المحملة بالنفط الروسي  في عرض البحر.

وبقراءة تلك الأرقام نجد أن شراء الصين النفط الروسي يتماشى مع خطط الدول الغربية تمامًا لإبقائه في السوق العالمية، وبالتالي ستكون بكين المستفيد الأول من آلية الحظر الأوروبي للنفط الروسي التي ستفرض خلال شهر ديسمبر القادم؛ لأن ذلك سيمنح بكين وباقي المشترين نفوذًا أكبر للتفاوض بشأن خفض الأسعار.

مجمل القول، وفقًا لقراءة الأرقام السابقة فإن خطة السقف السعري للنفط الروسي بالمستويات المقترحة (65-70 دولارًا) تُشكل إجراءً لحفظ ماء الوجه للتكتل الغربي الأمريكي، وذلك لأن الصادرات الروسية لن تتأثر كثيرًا، والنفط الروسي بالفعل يتم تسويقه عند مستوي 60 دولارًا للبرميل، وذلك بعدما وجهت روسيا أغلب إنتاجها بالفعل ناحية القارة الآسيوية وبالأخص الهند والصين بأسعار تنافسية مخفضة. ولذلك انقسمت حكومات الاتحاد الأوروبي، بشأن المستوى الذي سيتم عنده وضع سقف سعري للنفط الروسي للحد من قدرة موسكو على دفع تكاليف حربها على كييف دون التسبب في أزمة في إمدادات النفط العالمية. حيث أعلن دبلوماسيون من الاتحاد الأوروبي إلغاء اجتماع لممثلي حكومات الاتحاد الأوروبي والذي كان من المقرر عقده الجمعة الماضية لمناقشة اقتراح مجموعة السبع تحديد السقف السعري لأسعار النفط الروسي المنقول بحرًا.

 

.

رابط المصدر:

https://marsad.ecss.com.eg/74163/

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M