متى تُصبح الثقة عدوّاً لدوداً للحكومات؟

علي حسين عبيد

 

الحكومة المستبدة هي إحدى السلطات الثلاث التي يتكون منها أي نظام سياسي مستبد، لأنه يقوم على تدمير القيم وإضعاف البنية الاجتماعية، من خلال تدمير الثقة بين الأفراد والمؤسسات، بما في ذلك الاقتصادية والسياسية منها، وبهذا تصبح قيمة الثقة مصدر تهديد للحكومات المستبدة، لأنها تصبح رابطاً مشتركا لتمتين العلاقات والبُنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

تعرَّف الثقة: (Confidence) حسب المختصين، بأنها الحالة التي يكون فيها الإنسان، متأكداً من كفاءة أو دقة أمر ما يتعلق به، أو بشخص أو بشيء آخر، وفي حالة الأشخاص، من الممكن أن تكون تلك الثقة نوعاً من التأكد من ولاء هذا الشخص، تجاه أشخاص آخرين أو قضايا معينة.

وعادة يكون صاحب الثقة ذو موقف ووجهة نظر ثابتة، ولا فرق إذا كان ذلك الموقف صحيحاً أم خطأ، بل هو يعبّر عن مدى تأكد الشخص من ثباته على موقفه. ومن الأمثلة المعروفة عن الثقة، هي الثقة بالنفس، والتي تمثل منطلقا لبناء العلاقات المتماسكة، مما يسبب تخوَّفا من السلطة المستبدة، فتسعى إلى تدمير هذه الثقة بكل الوسائل القمعية أو سواها.

لماذا تخشى أنظمة الاستبداد والفساد، من انتشار الثقة بين الناس والجماعات والمؤسسات، في علاقاتها المتبادَلة؟

الأنظمة التعددية تنمّي هذه الصلة، وهي أساساً تقوم على توطيد الثقة، وبالضد من ذلك هناك علاقة صراع وتضاد بين النظم السياسية المركزية وبين القيم المجتمعية التي ترتقي بالناس، ومن بين أهم هذه القيم، الثقة المتبادلة بين الجميع، والعمل على تعزيز المكانة المعنوية العالية للفرد.

الصراع بين القمع والقيم الرصينة

الارتقاء بمعنويات الفرد، تعد من أوائل مهام النظام التعددي، في حين كلما ازدادت شراسة النظام السياسي وتركّزت سلطاته في بؤرة واحدة، ازدادت الحرب على القيم المجتمعية التي يزداد بغيابها التصدّع العلاقاتي، ويتنامى بين عموم مؤسسات ومكونات المجتمع وأفراده، لذلك تسعى الأنظمة الشمولية إلى محاصرة رأس المال الاجتماعي، لتحد من قدراته وتأثيراته على السلطة، فتعمل على تدميره.

هذا السلوك الاستبدادي ينطلق من هواجس الخوف من التعدد والديمقراطية، لذلك تتنمر الحكومات الدكتاتورية، وتهشم أواصر الثقة، وهذا يقود بدوره إلى مساوئ اقتصادية كبيرة، لأن غياب الثقة المجتمعية، يعد سببا كافا لتردي العلاقات والإنتاج معا، لذلك لا يصح أن يكون الهدف من قوة الاقتصاد الوطني لبلد ما هدفا لتكديس الثروة، مع غياب الاهتمام بتنمية رأس المال الاجتماعي.

ورأس المال الاجتماعي لا يمكن أن ينمو ويتطور بعيدا عن الثقة والقيم السليمة، يقول فوكوياما في كتابه “الثقة”: من أهم الفضائل الاجتماعية لخلق الرخاء. عندما ندرك أن الحياة الاقتصادية لا تهدف إلى تجميع أكبر دور ممكن من الثروات المادية فحسب، بل تهدف أيضاً إلى تحقيق الاعتراف بالقيمة والمكانة المعنوية للأفراد والممتلكات على حد سواء”.

لا يوجد انفصام بين الفعل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، فهذه الحقول الثلاثة تؤثر في بعضها، وهكذا تتداخل العلاقة فيما بينها، إلى الحد الذي يصعب معه الفصل بين هذه الأطراف الثلاثة، وتحييد التأثير المتبادَل فيما بينها.

البنية الاجتماعية في العراق تعاني من مشكلة انعدام الثقة، فهناك تدمير متواصل لمكانة الفرد المعنوية، قامت به أنظمة مركزية بأقسى أشكال التعسف لكي تحافظ على عروشها من الانهيار، ولم يشفع لبعضها الشروع في البناء الاقتصادي الذي كان يتحسن ويقوى أحيانا في مقاطع زمنية محدودة، لأنه لا يتأسس على بناء الثقة التي تهدد سلطة الاستبداد.

التوازن بين التطور المادي والمعنوي

النمو في البنية الاقتصادية كان يركّز على الجانب المادي، ويهمل الجانب المعنوي، وهو فعل حكومي مقصود ومخطَّط له، حيث تُنتهَك شخصية الإنسان وتحاصَر المؤسسات الاجتماعية بكل أنواعها، خوفا من تأثيرها على مركزية السلطة، لذلك فإن غياب الثقة في التعاملات المجتمعية المختلفة أدى إلى تبديد متواصل لرأس المال الاجتماعي، وأشاع التردد واليأس في نفوس الناس.

أما السبب الذي يقف خلف هذه النتائج المدمِّرة فهو الأنظمة المركزية، التي لم تبذل جهدا كافيا لزيادة كفاءة مؤسساتها، ولا تمتلك النيّة لتطوير الثقة، كونها تهدّد سلطتها وتنتزع امتيازاتها غير المشروعة.

في كتابه المذكور أعلاه، يذكر فوكوياما: “بأن كفاءة المؤسسات السياسية الديمقراطية ليست أقل اعتماداً على الثقة المتبادلة من المؤسسات الاقتصادية، لأن تدني مستويات الثقة في أي مجتمع يتطلب بالضرورة وجود حكومات أكثر فضولاً وتدخلاً في حياة الأفراد، وأكثر ميلاً لسن القوانين المحددة التي تنظم العلاقات الاجتماعية”.

وطالما أن الأنظمة الفردية أو الأحادية تسعى دائما لمضاعفة وتركيز سلطاتها، فإن النتائج ستبقى وخيمة على منظومة القيم المجتمعية، بسبب سعي الساسة إلى حماية منافعهم ومصالحهم، لذلك يقول فوكوياما إن الكثير من الحالات التي تطرق إليها في كتابه هذا تشكل تحذيراً واضحاً من خطر ازدياد مركزية السلطة السياسية وما يترتب عليها من آثار سلبية تضعف أو تدمر المجتمعات المدنية.

هذه الأخطار الواضحة للعيان، ينبغي أن تؤخَذ في الحسبان، من قبل الأحزاب والشخصيات الفاعلة في البنية السياسية للعراق، فهي المسؤولة عن العودة إلى مربع التعسف والاضطهاد، في حال تم إهمال الثقة كعنصر يؤسس لعقد اجتماعي متطور، ينظّم العلاقة التعددية بين الشعب والطبقة الحاكمة.

ولا يوجد خيار ثالث أمام الساسة العراقيين، فأما العودة للاستبداد، وأما بناء نظام سياسي تعددي، يحترم وينمّي مستلزمات بناء الثقة وتعضيدها، واعتمادها كعنصر أساس في العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مع التنبّه الشديد والمستمر، إلى حفظ وتنمية الجانب الاعتباري المعنوي للفرد والمجتمع.

رابط المصدر:

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M