هل تشهد الصين بداية نهاية معجزتها الاقتصادية في 2024؟

أثار التعافي الاقتصادي المخيب للآمال في الصين خلال المرحلة اللاحقة لجائحة كوفيد-19 شكوكا كبيرة حول أسس النمو المذهل الذي حققته على مدى عقود، ووضع بكين أمام خيار صعب لعام 2024 وما بعده فإما أن تتحمل عبء المزيد من الديون أو تحقق نموا أقل.

في وقت دعتا وزيرة الخزانة الأميركية ورئيسة المفوضية الاوربية، الصين إلى التخلّي عن “سياستها الاقتصادية الموجّهة غير العادلة” لأنّها تثبط عزيمة المستثمرين وتعاقب الاقتصاد الصيني والشركات الأميركية على حدّ سواء، وإعادة التوازن إلى المبادلات.

كما يواجه المشروع الطموح مبادرة الحزام والطريق، البالغة قيمته أكثر من ألفي مليار دولار، والذي انضمت اليه أكثر من 150 دولة، انتقادات في العالم بسبب المديونية الخطيرة التي يفرضها على دول فقيرة.

وكانت التوقعات تشير إلى أنه بمجرد رفع الصين القيود الصارمة التي فرضتها لاحتواء انتشار فيروس كورونا سيعود المستهلكون إلى مراكز التسوق ويتواصل تدفق الاستثمارات الأجنبية ويزداد نشاط المصانع وتستقر مزادات الأراضي ومبيعات المنازل.

لكن المتسوقين الصينيين بدأوا في الادخار تحسبا لتكرار الأيام العصيبة وسحبت شركات أجنبية أموالها ويواجه المصنعون تراجعا في الطلب من الغرب، وشهدت الموارد المالية للحكومات المحلية تذبذبا وتخلفت شركات للتطوير العقاري عن السداد.

وقدمت التوقعات التي تحطمت على صخرة الواقع مسوغا إلى حد ما لأولئك الذين دائما ما شككوا في نموذج النمو الصيني.

ويقول المتشككون إزاء الصين إن بكين أخفقت في تحويل الاقتصاد من تنمية يقودها قطاع البناء إلى نمو قائم على الاستهلاك قبل عقد من الزمن حينما كان يجب عليها فعل ذلك. ومنذ ذلك الحين، فاقت الديون الاقتصاد ووصلت إلى حد أن الحكومات المحلية والشركات العقارية تكافح حاليا من أجل سداد خدمات الديون المستحقة عليها.

وتعهد صانعو السياسات هذا العام بتعزيز الاستهلاك وتقليل اعتماد الاقتصاد على قطاع العقارات. وتوجه بكين البنوك لتقديم مزيد من القروض للصناعات المتطورة بعيدا عن العقارات.

غير أن وضع خريطة طريق ملموسة طويلة الأجل لتسوية الديون وإعادة هيكلة الاقتصاد يظل أمرا بعيد المنال.

وأيا كانت الاختيارات التي ستتخذها الصين، سيكون لزاما عليها أن تأخذ في الاعتبار شيخوخة السكان وانكماش عددهم والبيئة الجيوسياسية الصعبة في ظل تزايد قلق الغرب من التعامل مع الدولة صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

ما أهمية الأمر

من المرجح أن ينمو اقتصاد الصين في حدود الخمسة بالمئة خلال 2023 متجاوزا سرعة نمو الاقتصاد العالمي. ومع ذلك، تكمن تحت هذا العنوان حقيقة أن الصين تستثمر أكثر من 40 بالمئة من إنتاجها، وهو ضعف ما تستثمره الولايات المتحدة، مما يشير إلى أن جزءا كبيرا منه غير منتج.

ويعني هذا أن العديد من الصينيين لا يشعرون بالنمو المحقق. وتجاوزت معدلات البطالة بين الشباب 21 بالمئة في يونيو حزيران، وهي آخر بيانات يتم نشرها قبل توقف الصين عن إصدارها بشكل أثار الجدل.

ويعمل خريجو الجامعات الذين درسوا من أجل الالتحاق بوظائف في الاقتصاد المتقدم حاليا في وظائف لا تتطلب مهارات كبيرة لتغطية نفقاتهم، في حين تُخفض أجور آخرين.

ويشعر أصحاب المنازل بأنهم أكثر فقرا في اقتصاد توضع فيه 70 بالمئة من ثروات الأسر في العقارات. وحتى في إحدى النقاط المضيئة القليلة في الاقتصاد وهي قطاع السيارات الكهربائية، سببت حرب في الأسعار إزعاجا للموردين والعمال.

ويقول محللون إن التشاؤم على الصعيد الوطني قد يعرض الرئيس شي جين بينغ لمخاطر تتعلق بالاستقرار الاجتماعي.

وسيكون هذا ملموسا على نطاق واسع لأن معظم الصناعات العالمية تعتمد بصورة كبيرة على الموردين في الصين. وتعتمد أفريقيا وأمريكا اللاتينية على شراء الصين لسلعهما الأساسية وتمويل التصنيع فيهما.

ماذا عن 2024

إن المشاكل التي تواجهها الصين لا تمنحها سوى القليل من الوقت قبل أن تضطر لاتخاذ بعض الخيارات الصعبة.

ويحرص صانعو السياسات على تغيير بنية الاقتصاد، لكن الإصلاح كان دائما أمرا صعبا في الصين.

وتتعثر بالفعل الجهود الرامية إلى تعزيز رفاه مئات الملايين من العمال المهاجرين الريفيين، الذين يمكنهم بحسب بعض التقديرات إضافة 1.7 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي إلى استهلاك الأسر إذا تمتعوا بنفس الخدمات العامة مثل سكان المناطق الحضرية، بسبب مخاوف بشأن الاستقرار الاجتماعي والتكاليف.

وتصطدم جهود الصين لحل مشكلات قطاع العقارات والديون بمخاوف مماثلة. من يدفع ثمن استثماراتهم السيئة؟ البنوك أم الشركات المملوكة للدولة أم الحكومة المركزية أم الشركات أم الأسر؟.

يقول اقتصاديون إن أيا من هذه الخيارات قد يعني ضعف النمو في المستقبل.

مع ذلك، تبدو الصين في الوقت الراهن مترددة في اتخاذ خيارات من شأنها التضحية بالنمو من أجل تحقيق الإصلاح.

ويدعو مستشارو الحكومة إلى نمو مستهدف عند خمسة بالمئة للعام المقبل.

وفي حين أن هذه النسبة تتسق مع هدفه عام 2023، فإنها لن تحظى بنفس الثناء على أساس سنوي إذا ما قورنت بالركود الناجم عن إجراءات الإغلاق في عام 2022.

التصنيف الائتماني

وقد يدفع مثل هذا الهدف الصين نحو مزيد من الديون وهو نوع من التيسير المالي الذي أدى إلى قيام وكالة موديز بخفض نظرتها المستقبلية لتصنيف الصين الائتماني إلى سلبية هذا الشهر، مما دفع الأسهم الصينية إلى تسجيل أدنى مستوياتها في خمس سنوات.

وسيشي موضع إنفاق هذه الأموال بما إذا كانت بكين تغير نهجها أو تضاعف نموذج النمو الذي يخشى الكثيرون أن يكون قد بلغ نهايته.

وأوضحت موديز في مذكرة أن “قرار تغيير التوقعات إلى سلبي يعكس مؤشرات متزايدة بأن الحكومة والقطاع العام عموما… سيقدّمان دعما ماليا لسلطات المناطق وللشركات العامة المتعثرة ماليا”.

وأضافت ان هذا “يطرح مخاطر كبرى على متانة الصين المالية والاقتصادية والمؤسساتية”، مشيرة إلى نمو اقتصادي “أضعف” وصعوبات في القطاع العقاري يواجهها العملاق الآسيوي.

وعبرت وزارة المال الصينية عن “خيبة أملها” حيال هذا القرار.

وأكدت في بيان أن الصين “لديها القدرة… على التصدي للمخاطر والتحديات”، منددة بـ”المخاوف غير المبررة” التي أبدتها الوكالة.

ويعتبر القطاع العقاري دعامة أساسية للنمو في الصين حيث شكل لفترة طويلة مع قطاع البناء ربع اجمالي الناتج المحلي.

كما أنه يعتبر مصدر دخل كبيرا للجمعيات المحلية التي تواجه مشكلات مالية كبرى بعد ثلاث سنوات من الإنفاق الطائل لمكافحة تفشي وباء كوفيد-19.

ولإنعاش القطاع العقاري المتعثر، ضاعفت السلطة تدابير الدعم في الأشهر الأخيرة لكن النتائج لا تزال متواضعة.

ولا تزال الصعوبات المالية التي تواجهها مجموعات عقارية كبرى مثل إيفرغراند وكانتري غاردن وغيرهما، تعزز ريبة الصينيين الذين يحجمون عن شراء مساكن على خلفية المباني غير المكتملة وانخفاض أسعار المتر المربع من البناء.

وتشكل أزمة القطاع العقاري عقبة رئيسة بوجه الانتعاش الاقتصادي.

وحددت الصين هدفا تسجيل نمو “بحوالى 5%” هذه السنة، وهو ما قد يصعب تحقيقه بدون خطة إنعاش ضخمة برأي بعض خبراء الاقتصاد، في وقت تتجه الحكومة بالأحرى إلى إقرار تدابير محددة الهدف.

وحقق إجمالي الناتج المحلي الصيني العام الماضي نموا بنسبة 3%، بفارق كبير عن الهدف المحدد بنسبة 5,5%، مسجلا وتيرة كانت من الأضعف خلال أربعة عقود.

وسجل القطاع العقاري في الصين نموا ملفتا منذ تحرير سوق العقارات عام 1998، لكن السلطة اعتبرت في السنوات الأخيرة أن مستوى ديونه الطائل يطرح خطرا كبيرا على الاقتصاد والنظام المالي الصينيين.

وعمدت بكين تدريجيا منذ 2020 إلى تشديد شروط حصول المجموعات على اعتمادات، ما حدّ من مصادر تمويل الشركات المثقلة بالديون بالأساس.

وهذا ما سرّع انهيار كبرى شركات القطاع سابقا إيفرغراند التي أمهِلت حتى كانون الثاني/يناير لتقديم خطة لإعادة الهيكلة وتفادي تصفيتها.

كما ذكرت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني إن توقعاتها للصين في عام 2024 محايدة، لكن الدولة ستظل تواجه رياحا معاكسة من انحسار الطلب الخارجي وتحديات قطاع العقارات وأدوات دين الحكومات المحلية.

وتوقعت فيتش نموا متوسطا للناتج المحلي الإجمالي للبر الرئيسي عند 4.6 بالمئة مقابل ما يزيد قليلا عن خمسة بالمئة في عام 2023، مضيفة أنها “تتوقع أن يكون النمو (في الصين) مستقرا على نطاق واسع وبمستويات أعلى بشكل عام من نظرائها”.

وقال مستشارون حكوميون صينيون لرويترز في وقت سابق إنهم سيوصون بأهداف نمو اقتصادي لعام 2024 تتراوح بين 4.5 و5.5 بالمئة مع تفضيل معظم المستشارين لاستهداف نمو بنسبة خمسة بالمئة وهو نفس مستوى النمو هذا العام.

وقالت فيتش إن إجراءات دعم السياسات وبالأخص السياسة المالية ستنفذ على الأرجح بحكمة للحد من المخاطر التي تشكل ضغطا نزوليا لكن “مثل هذا الدعم قد يبقي العجز المالي متسعا وسيضع ضغطا صوب زيادة معدلات الدين”.

وفي تعديل نادر في منتصف السنة المالية زادت الصين في أكتوبر تشرين الأول هدفها لعجز ميزانية عام 2023 إلى 3.8 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة مع ثلاثة بالمئة في الهدف الأصلي.

وقال مسؤول كبير بالحزب الشيوعي خلال منتدى إن الصين يجب أن تستهدف مستوى مناسبا لعجز ميزانية السنة المالية 2024، بعد أن تعهد كبار المسؤولين بتكثيف عمليات تعديل السياسة النقدية لدعم التعافي الاقتصادي العام المقبل.

وقالت فيتش إن الديون المصدرة عبر أدوات تمويل الحكومات المحلية، وهي عادة شركات استثمارية تجمع الأموال وتبني مشروعات البنية التحتية نيابة عن الحكومات المحلية، قد تستمر في الانتقال تدريجيا إلى الميزانية العمومية السيادية بسبب الضغوط الناجمة عن تباطؤ سوق العقارات في البلاد.

وأبقت فيتش على التصنيف الائتماني للصين عند (A+) مع نظرة مستقبلية “مستقرة” في أغسطس آب.

تحفيز الطلب المحلي في 2024

ونقلت وسائل إعلام رسمية عن المكتب السياسي للحزب الشيوعي الحاكم في الصين قوله إن البلاد ستحفز الطلب المحلي وترسخ وتحسن التعافي الاقتصادي في 2024.

وأضاف وفقا لوسائل الإعلام الرسمية أن الصين ستواصل تنفيذ سياسة نقدية حكيمة وسياسة مالية استباقية في العام المقبل.

وذكر الاجتماع الذي ترأسه الرئيس الصيني شي جين بينغ أيضا أن البلاد ستحسن أيضا اتساق سياسات الاقتصاد الكلي وفقا لما نقلته وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا).

وأضافت شينخوا أن الصين “ستحسن بفاعلية النشاط الاقتصادي وتتعامل مع المخاطر وتحسن التوقعات الاجتماعية وترسخ وتحسن التوجه الإيجابي للتعافي الاقتصادي وتواصل تدعيم التحسن الفعال لنوعية النمو الاقتصادي المعقول”.

وتابعت “الجهود يجب أن تبذل لزيادة الطلب المحلي وتشكيل دورة قوية لتعزيز الاستهلاك والاستثمار معا. نحتاج لتعميق الإصلاحات في مجالات أساسية ونضخ باستمرار محفزات قوية في عملية تنمية عالية الجودة”.

ويعتقد محللون أن نمو الصين في سبيله لبلغ المعدل المستهدف وهو نحو خمسة بالمئة هذا العام لكن هذا النمو سيكون بالمقارنة بمعدل 2022 الذي تأثر سلبا بجائحة كوفيد ولا تزال الأنشطة الاقتصادية غير متسقة.

وسيوصي مستشارو الحكومة الصينية في الاجتماع باستهداف معدل نمو مستقر في 2024 وسياسات تحفيز إضافية.

وقالت شينخوا إن المكتب السياسي بحث أيضا خططا لإجراءات لمكافحة الفساد وراجع القواعد التنظيمية للإجراءات التأديبية للحزب.

وأعلن الرئيس الصيني شي جينبينغ أن الانتعاش الاقتصادي في الصين “لا يزال في مرحلة حرجة”، على ما أوردت شبكة “سي سي تي في” الرسمية، وقال شي خلال اجتماع للمكتب السياسي للحزب الشيوعي، هيئة القرار في الصين، قبل يومين إن “الانتعاش الاقتصادي في البلد ما زال في الوقت الحاضر في مرحلة حرجة”.

ودعا إلى اتخاذ تدابير لتعزيز الاقتصاد قائلا إن “الوضع التنموي الذي تواجهه البلاد معقد، مع تزايد العوامل السلبية في البيئة السياسية والاقتصادية الدولية”.

أضاف “من الضروري التركيز على تسريع بناء نظام صناعي عصري وبذل الجهود لزيادة الطلب الداخلي (و) منع المخاطر ونزع فتيلها”.

وشدد شي أيضا على ضرورة تعزيز “الاعتماد على النفس” في قطاعي العلوم والتكنولوجيا المهمّين و”تسريع بناء مخطط تنموي جديد”.

ويبذل المسؤولون جهودا حثيثة لحماية التعافي من تبعات جائحة كوفيد، حتى بعد رفع تدابير العزل الصارمة نهاية 2022.

دعم قطاع العقارات

كما تعهّد قادة الصين اتّخاذ إجراءات أكبر لدعم سوق العقارات المتعثر في البلاد، كاشفين عن تفاصيل خطط ترمي لإخراج ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم من حالة انتعاش غير متكافئ.

وتعهّد كبار صانعي القرارات في بكين بمن فيهم الرئيس شي جينبينغ “نزع فتيل المخاطر في قطاع العقارات بشكل نشط ولكنه آمن” و”الإيفاء باحتياجات التمويل المعقولة لشركات العقارات”.

كما أكدوا بأنهم سيعملون على “تنسيق الجهود لنزع فتيل المخاطر من المؤسسات المالية الصغيرة ومتوسطة الحجم في الدين المحلي لقطاع العقارات”، تعّهدوا أيضا “مواصلة الحماية بشكل فاعل من المخاطر ونزع فتيلها في مجالات رئيسية”.

لكن المشاكل في قطاع العقارات الذي يعد محرّكا تقليديا للنمو ما زالت من بين أكبر مصادر القلق إذ أنه عالق في أزمة ديون عميقة. تبلغ ديون عدد من كبرى شركات التطوير العقاري الصينية مئات مليارات الدولارات وتواجه احتمال الإفلاس.

يساهم قطاع البناء والعقارات في نحو ربع إجمالي الناتج الداخلي الصيني.

أُمهلت مجموعة التطوير العقاري العملاقة والمثقلة بالديون “إيفرغراند” هذا الشهر حتى أواخر كانون الثاني/يناير لوضع خطة لإعادة الهيكلة، في تمديد لمهلة نهائية يمكن أن تؤدي إلى تصفيتها.

وبلغت مستحقات “إيفرغراند” التي كانت في الماضي أكبر شركة صينية للتطوير العقاري 300 مليار دولار.

وتشعر السلطات بالقلق إذ أن المخاوف المرتبطة بالديون تقلّص ثقة المستثمرين ما أدى إلى تراجع كبير في أسعار العقارات وهو أمر يهدد بالتأثير على قطاعات أخرى.

سياسات اقتصادية غير عادلة

بدورها دعت وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين الصين إلى التخلّي عن “سياستها الاقتصادية الموجّهة غير العادلة” لأنّها تثبط عزيمة المستثمرين وتعاقب الاقتصاد الصيني والشركات الأميركية على حدّ سواء.

وقالت يلين في خطاب أمام مجلس الأعمال الأميركي-الصيني في واشنطن بمناسبة الذكرى الخمسين لإنشائه إنّه “لفترة طويلة جداً، لم يتمكّن العمّال الأميركيون والشركات الأميركية من أن يتنافسوا على قدم المساواة مع نظرائهم في الصين”.

وأضافت أنّه إذا “ابتعدت بكين عن نهجها الاقتصادي الموجّه في مجالي الصناعة والمال (…) فسيكون ذلك أفضل للصين” كما أنّه سيكون مفيداً للشركات الأميركية.

وشدّدت على أنّ “دوراً مهماً للغاية للشركات العامة يمكن أن يخنق النمو، كما أنّ دوراً مفرطاً للأجهزة الأمنية يمكن أن يعيق الاستثمارات”.

من جهته، أكّد الرئيس الصيني شي جينبينغ في رسالة إلى مجلس الأعمال الأميركي-الصيني أنّ التحديث الذي تشهده بلاده سيفيد الشركات الأميركية.

ولطالما اشتكت الشركات الأميركية ممّا تعتبره بيئة أعمال غير عادلة في الصين.

وبحسب واشنطن فإنّ الملكية الفكرية للشركات الأميركية ليست محمية كما ينبغي في الصين كما أنّ الحكومة الصينية تمنح الشركات الوطنية معاملة تفضيلية على حساب الشركات الأجنبية.

لكنّ الرئيس الصيني شدّد في رسالته على أنّ بكين “ستعمل بثبات على تعزيز الانفتاح على مستوى عال على العالم الخارجي، وخلق بيئة أعمال قوامها التدويل واقتصاد السوق سيادة القانون”.

وأكّد شي في رسالته أنّ “التحديث الصيني سيجلب المزيد من الفرص للشركات العالمية بما في ذلك الشركات الأميركية”.

وأضافت الرسالة بحسب ما نقلت عنها شبكة “سي سي تي في” التلفزيونية الحكومية “هناك إمكانات كبيرة ومساحة واسعة وآفاق واعدة لتعزيز التعاون التجاري بين الصين والولايات المتّحدة”.

وفي خطابها، أكّدت الوزيرة الأميركية على ضرورة إدارة الخلافات الحتمية بين الصين والولايات المتّحدة بطريقة “مسؤولة”.

وقالت إنّ “الولايات المتحدة تسعى إلى مواصلة الإدارة المسؤولة للعلاقة الاقتصادية الثنائية بين الولايات المتحدة والصين” والتي ستظلّ “تواجه صعوبات مستمرة”.

وتابعت “نحن لا نسعى إلى حلّ كلّ خلافاتنا أو تجنّب كلّ الصدمات. هذا ليس واقعياً بأيّ حال من الأحوال”، مشيرة إلى “خلافات قوية بين الولايات المتحدة والصين في مجالات عديدة”.

ويسعى أكبر اقتصادين في العالم مؤخراً إلى تخفيف التوترات الشديدة التي شهدتها علاقتهما الثنائية في السنوات الأخيرة.

وقام العديد من مسؤولي إدارة الرئيس جو بايدن برحلات رسمية إلى الصين، من بينهم يلين. وفي تشرين الثاني/نوفمبر، عقد الرئيس الأميركي ونظيره الصيني شي جينبينغ قمة في كاليفورنيا اتفقا خلالها على استئناف الاتصالات العسكرية.

وتعتزم يلين القيام بزيارة ثانية إلى الصين عام 2024، تناقش خلالها مع نظيرها الصيني “قضايا صعبة مثيرة للقلق”.

بدورها حذرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين بأن الاتحاد الأوروبي لن يقبل باستمرار الخلل في ميزان مبادلاته التجارية مع الصين إلى ما لا نهاية، داعية إلى “حلول تفاوضية” بهذا الصدد.

وقالت فون دير لايين في مقابلة أجرتها معها وكالة فرانس برس في بروكسل نيابة عن “غرفة التحرير الأوروبية” التي تجمع وكالات أنباء أوروبية، إن “القادة الأوروبيين لن يقبلوا بعجز دائم في المبادلات التجارية”.

وتابعت “لدينا أدوات لحماية سوقنا، لكننا نفضل حلولا تفاوضية”.

وشددت رئيسة المفوضية على أن إعادة التوازن إلى المبادلات من مصلحة الصين أيضا، مضيفة أن على بكين الآن أن “تدرس بعناية” الخيارات المطروحة.

ولفتت فون دير لايين إلى أن العجز في الميزان التجاري الأوروبي مع الصين تضاعف خلال سنتين ليصل إلى رقم قياسي قدره 390 مليار يورو عام 2022.

وتابعت أن “الخلل في التوازن واضح” إذ أن الصادرات الصينية إلى الاتحاد الأوروبي اكبر بثلاثة أضعاف من الصادرات الأوروبية إلى الصين.

وفي ظل تباطؤ النمو الصيني، يتساءل عدد من الخبراء بشأن هامش المناورة المتاح للأوروبيين من أجل التوصل إلى تصحيح ذي مغزى للميزان التجاري بين القوتين الاقتصاديتين الكبريين.

ولفتت فون دير لايين إلى أن تباطؤ الاقتصاد الصيني انعكس على الاقتصاد العالمي، موضحة أن “اقتصادات كبرى أخرى تغلق أسواقها”، وهو ما كان له عواقب “هائلة” على السوق الأوروبية.

كما أشارت إلى مشكلة “الفائض في قدرات” الصين الإنتاجية ومسألة الدعم الحكومي للشركات.

وأسفت لعدم السماح للشركات الأوروبية بالوصول بحرية إلى السوق الصينية في ظل “المعاملة التفضيلية” التي تحظى بها الشركات الصينية.

وأكدت “سننظر أيضا في المساعدات المقنّعة سواء المباشرة أو غير المباشرة، الممنوحة للشركات الصينية”، مذكرة بأن الاتحاد الأوروبي يدافع عن “المنافسة النزيهة” بما في ذلك تجاه الشركات العاملة في السوق الأوروبية.

كما انسحبت إيطاليا رسميا من مبادرة الحزام والطريق الصينية الضخمة للبنى التحتية، بعد أكثر من أربع سنوات على انضمام الدولة الوحيدة في مجموعة السبع إلى المشروع، وذكرت صحيفة كورييري ديلا سيرا الإيطالية أن قرار الانسحاب من هذا المشروع الضخم للبنى التحتية البحرية والبرية الذي أطلقته الصين في 2013، والذي كان منتظرا منذ عدة أشهر، أُبلغ إلى بكين بدون أن يصدر أي بيان رسمي عن أي من الجانبين.

في العام 2019 قررت ايطاليا التي كانت ترزح تحت وطأة دين عام، الانضمام الى هذه المبادرة لتصبح الدولة الوحيدة في مجموعة السبع التي تشارك في برنامج الاستثمارات الصيني الضخم هذا.

وقبل توليها السلطة العام الماضي، قالت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني إن القرار الذي اتخذته حكومة سابقة بالانضمام للمشروع كان “خطأ فادحا”.

وندد معارضو الخطة الاستثمارية بالمشروع معتبرين انه يهدف الى شراء النفوذ السياسي.

هذا المشروع الطموح البالغة قيمته أكثر من ألفي مليار دولار والذي أطلق قبل عشر سنوات بدفع من الرئيس الصيني شي جينبينغ، يهدف الى تحسين العلاقات التجارية بين آسيا واوروبا وافريقيا وحتى أبعد من ذلك، عبر بناء موانىء وسكك حديد ومطارات او مشاريع صناعية.

والبرنامج الذي انضمت اليه أكثر من 150 دولة بحسب بكين، يواجه انتقادات في العالم ايضا بسبب المديونية الخطيرة التي يفرضها على دول فقيرة.

يتضمن المشروع، واسمه الرسمي “مبادرة الحزام والطريق”، خصوصا بناء خطوط للسكك الحديد شديدة السرعة تعبر جنوب شرق آسيا وتنفيذ أشغال كبرى في قطاعات النقل والطاقة والبنى التحيتة في مختلف أنحاء آسيا الوسطى.

لكن عدم وجود شفافية حول تفاصيل هذا المشروع، عزز ارتياب حلفاء روما فيما أعرب الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة عن قلقهما اعتبارا من العام 2019.

لفت الخبراء الى ان اقتصادات أوروبية كبرى أخرى مثل المانيا وفرنسا لم تنضم الى المشروع لكنها أبرمت اتفاقات تجارية ضخمة مع بكين.

وقدّر تقرير نشره معهد “إيد داتا” للبحوث في جامعة وليام إند ماري بولاية فرجينيا الأميركية في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي أن تكون الصين قد أقرضت مبالغ يزيد مجموعها عن تريليون دولار في إطار مبادرة “الحزام والطريق” وأن نحو 80% من هذه القروض ممنوحة لدول تعاني من صعوبات مالية.

المصدر : https://annabaa.org/arabic/economicreports/37408

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M