العراق دولة علمانية بامتياز

على الرغم من ان العراق بلد الانبياء والاوصياء والأئمة حيث ضمت أرضه  6 أئمة من أصل 12 امام من أئمة الشيعة بينهم ابو الأئمة وصهر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ونفسه وزوج البتول ، اضافة الى ان العراق – والنجف خصوصاً والكوفة تحديداً – سيحتضن دولة العدل الإلهي وعاصمة منقذ البشرية الامام الثاني عشر من أئمة أهل البيت عليهم السلام الامام المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف .
والعراق بلد ضم مختلف التوجهات الفكرية والمذهبية الاسلامية وبلد المرجعيات الدينية الابرز في الوسط الشيعي وحوزة النجف الدينية هي من اهم المدارس الدينية في العالم العربي والاسلامي والتي بدأت مشوارها منذ اكثر 12 قرن ، والتي خرّجت وضمّت فطاحلة وجهابذة العلم وأساطينه .
وبلد بهذه المواصفات الدينية والميزات الاسلامية يُتوقع ان يكون مركز اشعاع ديني واسلامي وفكري لكل بقاع الارض ، ويكون عصياً على الافكار والعقائد المنحرفة  ولا تتمكن اية حركة او تيار من ان تنال من عقيدته مهما أسندت بإمكانيات ومهما ضخت من جرعات للغزو الفكري والثقافي . وللاسف ثل هذا التوقع لم يكن في محله ، فلو تفحصنا الوضع العام في العراق ومستوى التدين والتمسك بالعقائد والاخلاق الاسلامية لوجدناه لا يتناسب والمكانة التي يتمتع بها العراق كما تقدم .
ولا بد من تعريف ( العلمانية ) التي نقصدها في هذا المقالة ، فنحن نقصد بـ( العلمانية ) هو فصل الدين عن السياسة و فصله عن الدولة ، وبالتالي فكل من يسعى او يقبل او يرضى بفصل الدين عن السياسة فهو ( علماني ) حسب هذه المقالة  ، ومن يسعى او يريد او يؤيد تطبيق الدين وتدخله في السياسة فهو ( اسلامي ) ، لذا ليس من حلق لحيته او يسمع اغاني هو علماني فقد يكون اسلامي وفق هذه التعاريف ، وليس كل من لبس محابس وحمل سبحة 101 واطلق لحيته هو اسلامي فقد يكون علماني وفق هذه التعاريف .
فأي تحرك لانجاز ديني في العراق نجد الاعتراض من القاصي والداني حتى لا تحسب على العراق بأنه دولة اسلامية او دينية او لها طابع اسلامي او ديني ، وكأن الدين وصمة عار يجب ان نبرئ انفسنا منها ، بل اننا بدأنا نرى مظاهر الانكار العقائدي والالحاد وهذا ما لم نتوقعه ان يحصل في بلد مثل العراق .
وإذا اردنا نوجز اسباب وصول العراق الى هذا المستوى من التراجع الايماني في ظل هكذا مقومات نذكر ما يأتي :
– ان العراق ومنذ فترة طويلة يعيش تحت انظمة متسلطة بعيدة عن الدين وتفرض انظمتها – المخالفة للدين عادة – فاصبح الموروث العرفي هو ما فرضته تلك الانظمة الاستبدادية وكما يقولون الناس على دين ملوكهم .
– الغزو الفكري والثقافي الذي تسلل لنا عبر وسائل الاتصال المتطورة مثل التلفزيون والراديو ثم الستلايت والانترنت والهاتف النقال ووسائل التواصل الاجتماعي .
– ضعف الهوية الاسلامية لدى المسلمين فهم يرون التطور والتقدم والتحضر عند غير المسلمين بما فيهم الملحدين واللادينيين ، لذا لا توجد ثقة بما يطرحه الفكر الاسلامي لانهم لم يجدوا له أثرا على ارض الواقع وكل ما يقال امور نظرية صعبة التطبيق .
– لم ير المسلم من المسلمين نتاجاً – مادياً ام معنوياً – يفتخر به امام غير المسلم ، بل العكس دائما يحدث ، فالمسلم اصبح رمزاً للارهاب والتخلف والجهل والظلم والفساد بمختلف اصنافه .
– ضعف القيادة الدينية التي تستطيع ان تجسد الاسوة الصالحة التي يمكن ان يفتخر بها المسلم وأن يحتمي بأخلاقها وعلمها وورعها وتضحيتها وتكون ترساً له في الحروب الفكرية والعقائدية .
– تقاعس بعض القيادات الدينية وعموم المؤسسة الدينية عن تثقيف الامة بمصادر قوتها وتوعيتها بما تملك من مقومات الفخر والاعتزاز بالهوية الإسلامية .

هذه الاسباب وغيرها جعلت التوجه الديني الاسلامي غير مرغوب به لدى الشارع المسلم ، والعراق واحد من اهم المجتمعات المتأثرة بالجو العلماني المصدَّر لنا من خارج الحدود ، وللاسف تأثر به القريب والبعيد ومنهم رجال دين وشخصيات اسلامية مهمة في العراق ، بل يمكن القول ان مرجعيات دينية لها وزن اجتماعي وصدى اعلامي كبير في داخل وخارج العراق اندرجت ضمن من تأثروا او على الاقل القول بأنها مشت ممشى العلمانيين عند وقوفها بوجه تشريع قوانين اسلامية رغم انها لم تعارض الضوابط الدستورية والقانونية ومن دون ان تتقاطع مع مبادئ الديمقراطية المقرة في الدستور ولا حقوق الانسان ولا حقوق المرأة .
وما موضوع القانون الجعفري عنا ببعيد فقد وقفت بعض المرجعيات موقفاً سلبياً تجاهه رغم انه عرض على اغلب المرجعيات والشخصيات الدينية في العراق ، ومهما تكن الاعذار من قبل الجهات الدينية فهي لا تبرر الوقوف بوجه تشريع فيه منفعة عظيمة لابناء الطائفة الشيعية التي يرى المتدينون فيها انهم يعانون من ممارسة احوالهم الشخصية وفق القانون الوضعي المعمول به حالياً والمحاكم الوضعية وهذا ما تشهد به نفس المرجعيات المعارضة للقانون واتباعها .
ورغم ان الشيعة اغلبية في العراق وان القانون لا يضر بخصوصيات اي ديانة او طائفة اخرى ومن دون ان يجبر احداً على الرجوع للقانون حتى من نفس اتباع المذهب الشيعي فإن القانون تمت معارضته من قبل مرجعيات دينية ، ورغم ان الاقليات – مثل المسيحيين – محفوظة حقوقها الشخصية فإن الشيعة يمنعون من التمتع باحوالهم الشخصية وبغطاء مرجعي .
مثل هذا الموقف من بعض المرجعيات الدينية الشيعية يتناسب مع تعريف (العلمانية) الذي سقناه بداية المقال ، فرفع العلمانيون رؤوسهم لينادوا برفض القانون الجعفري لانهم رأوا موقف بعض المرجعيات الدينية الشيعية ضوءً اخضراً لمعارضتهم هذه ، بل ووجد اتباع هذه المرجعيات مبرراً للسير في طريق العلمانية ومعارضة اي خطوة اصلاحية تريد تطبيق شرع الله بالوسائل الممكنة تطبيقاً للاية الكريمة ( الذين ان مكناهم في الارض اقاموا الصلاة واتوا الزكاة ) .
لذا لا نستغرب ان تكون مدينة النجف الاشرف مدينة امير المؤمنين علي عليه السلام ومدينة الحوزة العلمية الابرز في العالمين العربي والاسلامي وفي العالم عموماً ( والتي اريد لها ان تكون عاصمة الثقافة الاسلامية عام 2012 الا انها فشلت للاسف ) ان تدار من قبل ادارة محلية علمانية التوجه ( محافظاً و مجلس محافظة ) ، وهذا لا يعني اننا ضد من يخدم ابناء المحافظة او ضد توجهاتهم وقناعاتهم ولكن ما يثير الاستغراب هل ان ابناء مدينة النجف من ابناء العلماء وجيران العلماء واصدقاء العلماء لا يمتلكون كفاءات لقيادة المحافظة ؟! أمر في غاية الغرابة ، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على نفور أبناء مدينة النجف من الدين والدينيين وعلمائهم ، وقد تبين ذلك بصورة أوضح في الانتخابات التشريعية في 30 نيسان 2014 حيث وقف الشعب بوجه فتوى تحريم انتخاب نوري المالكي رئيس الوزراء المنتهية صلاحيته وا لإصرار على انتخابه .
هذا مؤشر خطير وتنبيه وتحذير للاسر الدينية والعلمية وعلى رأسها المرجعيات الدينية من ان المجتمع بدأ يبتعد عنها وانه لا يرى فيها المثل الاعلى رغم أنها تماشت مع ما يريدون ولبّت رغباتهم وطموحاتهم بتحقيق النهج العلماني ، فاذا كانت النجف مدينة العلم والعلماء تدار من قبل شخصيات علمانية فكيف يمكننا ان ندير العراق وفيه كل هذه التجاذبات الفكرية والعقائدية فضلاً عن السياسية بادارة اسلامية بمعنى ان تحاول تطبق شرع الله في الارض ان مكنها الله تعالى .

والله المستعان

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M