ملخص الدراسة:
تتناول هذه الدراسة محافظة صعدة اليمنية من منظور جيوسياسي إنطلاقاً من فرضية أساسية مفادها أن أهمية المحافظة تنبع من موقعها الجغرافي وتاريخها السياسي والاجتماعي والقوى التي تنازعت النفوذ فيها.
تقع صعدة في شمال غرب اليمن وتتصل بمحافظات حجة وعمران والجوف وتمتلك شريطا حدوديا مع المملكة العربية السعودية يزيد على ثلاثمائة كيلومتر، إلى جانب عدد من المنافذ الرسمية وغير الرسمية والأسواق ومسارات الحركة التجارية والسكانية.
وتبحث الدراسة في الوظائف الجيوسياسية التي يمكن أن يؤديها هذا الموقع وفي العلاقة بين الجغرافيا الحدودية والأمن الوطني اليمني والأمن الحدودي السعودي والبيئة الأمنية الأوسع في الخليج والبحر الأحمر.
كما تتناول الدراسة البنية الاجتماعية والتاريخ السياسي والمذهبي باعتبارها متغيرات تؤثر في وظيفة الجغرافيا، لا باعتبارها بديلاً عنها. وتنتهي إلى أن استقرار صعدة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره قضية محلية فحسب وإنما بوصفه جزءاً من معادلة أوسع تتداخل فيها مصالح اليمن والسعودية والاستقرار الإقليمي.
وتقترح الدراسة الانتقال من النظر إلى صعدة باعتبارها جغرافيا للصراع إلى التعامل معها باعتبارها جغرافيا للاستقرار والتنمية والتكامل الحدودي، من خلال إعادة بناء مؤسسات الدولة وتطوير إدارة الحدود وتنشيط الاقتصاد المشروع وتعزيز التنمية المحلية وإشراك المجتمع في صناعة الاستقرار.
المقدمة:
ليست الجغرافيا مجرد مساحة على الخريطة ولا مجرد موقع تحدده خطوط الطول والعرض؛ فالجغرافيا حين تتصل بالحدود والموارد والسكان وطرق الحركة تتحول إلى عامل مؤثر في السياسة والأمن والاقتصاد.
ومن هذه الزاوية تبرز محافظة صعدة باعتبارها واحدة من أكثر الجغرافيات اليمنية أهمية وتعقيداً.
وتكتسب صعدة خصوصية بوجود عدد من المنافذ الرسمية والعرفية مع المملكة العربية السعودية وبوجود مسارات وأسواق وحركة اقتصادية وسكانية تمتد عبر المنطقة الحدودية التي تشهد أيضا أنماطاً متعددة من التجارة الرسمية وغير الرسمية والتهريب وحركة العبور والهجرة.
وهكذا تصبح صعدة نموذجاً واضحاً لما يمكن تسميته الجغرافيا الحدودية الوظيفية؛ أي الجغرافيا التي لا تكون الحدود فيها مجرد خط فاصل بين دولتين وإنما فضاءً تتحرك فيه المصالح والمخاطر والسكان والسلع والأفكار.
وللمحافظة أهمية تاريخية وسياسية واجتماعية ومذهبية متراكمة وهو ما جعل الحديث عنها مدخلاً لفهم جوانب متعددة من التاريخ السياسي اليمني.
ونظرا للتحولات التي شهدتها المنطقة والعالم فإنها تفرض اليوم إعادة طرح السؤال بطريقة مختلفة:
لماذا تمثل صعدة عقدة جيوسياسية تتجاوز أهميتها حدود المحافظة؟ وما علاقتها بالأمن الوطني اليمني والأمن السعودي والاستقرار الإقليمي؟
وهذه هي “الإشكالية” التي تحاول الدراسة الإجابة عنها.
وعليه تسعى الدراسة إلى الانتقال من سؤال:
من يسيطر على صعدة؟
إلى سؤال أكثر عمقاً:
ما الذي يجعل السيطرة و”الاستقرار أو الفوضى” بتلك المحافظة مؤثرين في معادلات الأمن اليمني والسعودي والإقليمي؟
أما فرضية الدراسة فهي تنطلق من أهمية الموقع الحدودي المرتفعة والذي ينعكس استقرار وأمنه أو الفوضى السائدة فيه تنعكس على الأمن الوطني للدولتين المتجاورتين خصوصا وللأمن الإقليمي عموما.
أهمية الدراسة:
تنبع أهمية الدراسة من أربعة مستويات:
1-المستوى اليمني
تمثل صعدة جزءاً مهماً من المجال الجغرافي الشمالي لليمن وترتبط بمحافظات الجوف وعمران وحجة، ومن خلالها بالمجال السياسي والجغرافي المؤدي إلى صنعاء.
2-المستوى السعودي
تشكل الحدود المشتركة وطبيعة الحركة عبرها أحد أهم عناصر أهمية صعدة بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية.
3-المستوى الخليجي والإقليمي
يمثل أمن السعودية أهم جزء في منظومة الأمن الخليجي والعربي كما أن اليمن يرتبط جغرافياً واستراتيجياً بالبحر الأحمر وباب المندب وبحر العرب.
٤- المستوى العالمي
ولأهميتها على ذلك الصعيد فإن كيسنجر كان ينظر إليها كـ حلقة هامة في ميزان القوى الإقليمي بينما كان يرى بريجنيسكي ضرورة نقلها من إطار الصراع المحلي إلى فضاء التوازنات الدولية في حين كانت رايس تعرج غليها في معرض حديثها عن آلام مخاض الشرق الأوسط الجديد.
٥- المستوى البحثي
تتيح صعدة دراسة العلاقة بين الجغرافيا والسياسة والأمن والتنمية، وتقدم نموذجاً للمناطق التي تتقاطع فيها الحدود الدولية مع الروابط الاجتماعية والتاريخ السياسي.
منهجية الدراسة:
تعتمد الدراسة على منهج الجغرافيا السياسية بوصفه المنهج الرئيس مع توظيف المنهج التاريخي والتحليل الاستراتيجي.
وتقوم القراءة على مجموعة من المتغيرات أهمها:
-الموقع الجغرافي -الحدود -التضاريس -السكان
-البنية الاجتماعية – التاريخ السياسي – الوظيفة الاقتصادية – الوظيفة الأمنية.
ولا تنظر الدراسة إلى هذه العناصر بصورة منفصلة وإنما باعتبارها شبكة مترابطة.
محاور الدراسة:
المحور الأول/
صعدة بوصفها عقدة جغرافية في شمال اليمن
1-الموقع:
تقع صعدة عند نقطة اتصال مهمة بين شمال اليمن والحدود السعودية.
فالمحافظة تتصل جنوباً بحجة وعمران، وشرقاً وجنوباً بالجوف بينما تمتد حدودها شمالاً وغرباً وشرقاً مع السعودية.
وهذا الوضع يجعلها جزءاً من منظومة جغرافية ثلاثية:
الحدود السعودية ← صعدة ← العمق اليمني.
وتزداد أهمية هذا الموقع لأن المحافظة لا تقع على هامش المجال الداخلي اليمني بصورة معزولة وإنما تتصل بمحاور تؤدي إلى صنعاء عبر الجوف وعمران وحجة.
2-المساحة والتضاريس:
تبلغ مساحة المحافظة “11,375” كم² بما يعادل مساحة دولة كـ لبنان أو الكويت! وتتنوع تضاريسها بين القيعان والسلاسل الجبلية والوديان والسهول والواحات والمناطق الصحراوية، إلى جانب موارد المياه والزراعة وبعض الموارد المعدنية.
وهذا التنوع يمنح الجغرافيا أكثر من وظيفة.
فهو يؤثر في:
– توزيع السكان – النشاط الاقتصادي – حركة المواصلات – إدارة الحدود
– الانتشار الأمني – الاتصال بين المناطق.
ومن منظور الجغرافيا السياسية فإن التضاريس تصبح أكثر أهمية عندما تقع في منطقة حدودية؛ لأن الجبال والوديان والصحارى تؤثر في طبيعة الحركة والسيطرة والرقابة.
3-صعدة كموقع ارتكاز:
لا تكمن أهمية صعدة في كونها تقع على الحدود فحسب وإنما في كونها نقطة ارتكاز بين الحدود والداخل اليمني.
وهذه الخاصية تجعلها مختلفة عن المناطق الحدودية المعزولة التي لا تمتلك اتصالاً قوياً بالمراكز الداخلية.
المحور الثاني/ الحدود السعودية ـ اليمنية: صعدة كمنطقة أمن حدودي
تعد الحدود السعودية أحد أهم محددات القيمة الجيوسياسية لصعدة.
ونظرا لوجود منفذي البقع وعلب إلى جانب عدد من المنافذ والمسارات غير الرسمية والأسواق الحدودية وحركة التجارة غير الرسمية والتهريب والعبور البشري.
وهذا يخلق ما يمكن تسميته:
«الحدود الوظيفية»
فالحدود تؤدي وظائف متعددة:
١-الوظيفة الأمنية:
تتمثل في منع انتقال المخاطر والجريمة والتهريب والأسلحة بصورة غير مشروعة.
٢-الوظيفة الاقتصادية:
تتمثل في تنظيم التجارة وحركة السلع والأفراد.
٣-الوظيفة الاجتماعية:
تتصل بحركة السكان والعلاقات والامتدادات الاجتماعية.
٤-الوظيفة الإنسانية
ترتبط بحركة الهجرة والعبور وتدفق السكان.
وبذلك فإن أمن الحدود لا يتحقق بإغلاقها وإنما بإدارتها بصورة متوازنة تجمع بين الأمن والحركة المشروعة.
المحور الثالث/صعدة والعمق الاستراتيجي للأمن اليمني
تمثل صعدة جزءاً من المجال الجغرافي الذي يصل الحدود الشمالية بالمجال الداخلي اليمني.
وترتبط بالمحافظات المجاورة ولا سيما الجوف وعمران وحجة كما تتصل بصورة غير مباشرة بالمجال المؤدي إلى صنعاء.
وقد أثبت التاريخ أن الموقع الجغرافي لصعدة منحها قدرة على لعب أدوار سياسية وعسكرية تتجاوز حدودها.
فبعد ثورة 26 سبتمبر 1962م استمر الصراع في المحافظة لسنوات وأصبحت صعدة إحدى مناطق إعادة تموضع القوى المناوئة للجمهورية ثم ارتبطت لاحقاً بمسار استعادة الدولة السيطرة على مناطقها.
والدلالة هنا لا تكمن في تكرار أسماء الأطراف وإنما في اكتشاف قاعدة استراتيجية وهي:
«الجغرافيا التي تمتلك اتصالاً بالحدود وعمقاً داخلياً تستطيع في ظروف ضعف الدولة أن تتحول إلى قاعدة لإعادة إنتاج النفوذ»
وهذا يفسر جانباً من أهمية صعدة في التاريخ السياسي اليمني.
المحور الرابع/البنية الاجتماعية والحدود الممتدة
تضم صعدة مكونات اجتماعية وقبلية بالطبع أهمها خولان بن عامر وهمدان بن زيد مع امتدادات اجتماعية خارج حدود المحافظة بما في ذلك امتدادات باتجاه السعودية ومحافظات يمنية أخرى.
وهذا البعد مهم في فهم الجغرافيا الحدودية.
فالحدود السياسية لا تلغي بالضرورة الحدود الاجتماعية.
وقد تستمر عبرها:
– روابط القرابة – العلاقات التاريخية – المصالح الاقتصادية – حركة السكان
– العلاقات القبلية.
ومن ثم فإن إدارة المناطق الحدودية تحتاج إلى فهم المجتمع المحلي باعتباره جزءاً من منظومة الأمن والاستقرار.
من القبيلة إلى الشراكة المجتمعية:
لا ينبغي أن تُقرأ البنية القبلية باعتبارها مشكلة في ذاتها.
فالقبيلة يمكن أن تكون عاملاً للصراع إذا استُخدمت في التعبئة المسلحة ويمكن أن تكون عاملاً للاستقرار إذا أصبحت شريكاً في حماية المجتمع وتنظيم المصالح المحلية.
وهذه النقلة من «القبيلة كفاعل صراعي» إلى «المجتمع كطرف في الاستقرار» تمثل أحد المداخل المهمة لأي سياسة مستقبلية تجاه المحافظة.
المحور الخامس/التاريخ السياسي والمذهبي
تمتلك صعدة تاريخاً سياسياً ومذهبياً ممتداً شكل جزءاً من خصوصيتها التاريخية وذلك من لحظة وصول يحيى بن الحسين الرسي إليها في القرن الثالث الهجري وما نتج عن ذلك من تحولها إلى مركز سياسي ومذهبي ذي تأثير ممتد في التاريخ اليمني باعتباره عاملاً تاريخياً في إنتاج مركز الثقل المحلي.
وقد شهدت المحافظة خلال العهد الجمهوري تغيرات مذهبية وتعليمية واجتماعية متعددة تزامنت مع مظاهر استقطاب مختلفة.
كما شهدت الحياة السياسية في صعدة تحولات متتابعة منذ ظهور التعددية الحزبية وصولاً إلى التحولات الكبرى التي شهدها اليمن مؤخرا، لكن الثابت الجيوسياسي هو أن التاريخ والمذهب يمكن أن يطغيا على هوية المكان بتوظيفهما كـ أداة للصراع على السلطة والنفوذ.
ولهذا ينبغي الفصل بين التعدد الاجتماعي الطبيعي
و تسييس الهوية الاجتماعية والمذهبية.
المحور السادس/صعدة من الجغرافيا المحلية إلى الأمن السعودي والخليجي
يمثل هذا المحور جوهر الدراسة
فالأهمية الإقليمية لصعدة لا تعتمد على وجود فاعل سياسي محدد؛ لأن الفاعلين يتغيرون.
أما الموقع الجغرافي فيبقى.
ومن هنا يمكن القول إن صعدة ذات أهمية استراتيجية للمملكة العربية السعودية بسبب موقعها الحدودي، ولليمن بسبب موقعها الداخلي، وللمنظومة الخليجية بسبب ارتباط أمن السعودية بالبيئة الأمنية المحيطة بها.
١-الأمن السعودي
إن الحدود الطويلة والموقع الجغرافي والتضاريس المتنوعة تجعل استقرار صعدة جزءاً من معادلة أمن الحدود الجنوبية للمملكة.
والأمن المستدام يتطلب:
-ضبط الحدود -تنظيم المنافذ -مكافحة التهريب -معالجة الاقتصاد غير الرسمي
-تنظيم الهجرة -تحسين التنمية المحلية -بناء علاقة مؤسسية مع المجتمع.
٢-الأمن الخليجي
يمثل أمن السعودية أحد المكونات المركزية لأمن الخليج.
كما أن اليمن يحتل موقعاً جغرافياً متقدماً في معادلات البحر الأحمر وباب المندب وبحر العرب.
ومن ثم فإن استقرار المناطق الشمالية من اليمن ومنها صعدة يدخل ضمن البيئة الاستراتيجية الأوسع التي تتحرك فيها المصالح السعودية والخليجية.
ولا يعني ذلك أن صعدة تتحكم منفردة في هذه المنظومة وإنما يعني أن اضطرابها يمكن أن يكون أحد المتغيرات التي تضاف إلى مجموعة متغيرات أخرى تؤثر في الاستقرار الإقليمي.
٣-من الأمن إلى الاقتصاد
يمكن للحدود أن تكون مصدراً للخطر لكنها يمكن أيضاً أن تصبح مصدراً للفرص.
بينما تطوير المنافذ والأسواق وتنظيم التجارة يمكن أن يحول صعدة إلى:
منطقة لوجستية وتجارية حدودية
بدلاً من بقائها مجالاً للاقتصاد غير الرسمي.
وهنا تلتقي مصلحة اليمن (الدولة) مع مصلحة المملكة العربية السعودية.
المحور السابع/صعدة ومستقبل الدولة اليمنية
إن معالجة مستقبل صعدة يكمن في إعادة بناء الوظيفة الطبيعية للدولة.
وتتمثل هذه الوظيفة في:
-توفير الأمن -تطبيق القانون -حماية الحقوق -إدارة الحدود -تقديم الخدمات
-تنظيم الاقتصاد -ضمان المساواة -دمج المجتمع في مؤسسات الدولة.
١-الدولة والمؤسسات
إن حضور الدولة ينبغي أن يكون حضوراً مؤسسياً لا حضوراً موسمياً مرتبطاً بالأزمات.
٢-المجتمع
إن أهم عامل في تحقيق الاستقرار يكمن في إدماج إدماج المكونات المجتمعية ضمن مشروع الدولة.
٣-التنمية
التنمية في المناطق الحدودية ليست قضية اقتصادية فقط بل جزء من الأمن الوطني.
٤-الحدود
ينبغي الانتقال من مفهوم حاجة الحدود للحراسة والحراس إلى مفهوم الإدارة المتكاملة للحدود واعتبارها شرايين حضارة وتجارة.
٥-الاقتصاد
تحويل التجارة غير الرسمية إلى تجارة قانونية ومنظمة يخلق مصالح مباشرة في الاستقرار.
المحور الثامن/
صعدة في معادلة الجغرافيا السياسية اليمنية
يمكن تلخيص الوظيفة الجيوسياسية لصعدة في خمس دوائر:
الدائرة الأولى: الحدود السعودية
وهي الدائرة التي تمنح المحافظة أهمية أمنية مباشرة للمملكة.
الدائرة الثانية: شمال اليمن
حيث ترتبط صعدة بالجوف وعمران وحجة.
الدائرة الثالثة: صنعاء
حيث تتصل جغرافياً بالمجال المؤدي إلى مركز القرار السياسي اليمني.
الدائرة الرابعة: الاقتصاد الحدودي
حيث تتقاطع التجارة الرسمية وغير الرسمية وحركة السكان والمنافذ.
الدائرة الخامسة: الأمن الإقليمي
حيث يرتبط إستقرار اليمن بأمن السعودية والبيئة الأمنية الأوسع في الخليج والبحر الأحمر.
ومن هنا فإن صعدة ليست نقطة منفردة على الخريطة،د بل عقدة تتقاطع عندها مجموعة من الدوائر الجيوسياسية.
المحور التاسع/
من «مشكلة صعدة» إلى «وظيفة صعدة»
إن أهم نتيجة لهذه الدراسة هي ضرورة
النظر إلى صعدة باعتبارها وظيفة جيوسياسية قابلة لإعادة التشكيل، لا
باعتبارها «مشكلة»فالحدود يمكن أن تكون مصدر تهريب أو بوابة تجارة
والتضاريس يمكن أن تكون عامل صعوبة أمنية أو مورداً اقتصادياً وسياحياً
والروابط الاجتماعية يمكن أن تكون قناة للصراع أو جسراً للتواصل
والتاريخ يمكن أن يكون وقوداً للاستقطاب أو مجالاً لفهم المجتمع.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي:
“كيف يمكن تحويل جغرافيا صعدة من ساحة صراع إلى منصة للاستقرار؟”
وهذا التحول لا يتحقق بقرار واحد وإنما عبر منظومة متكاملة.
المحور العاشر/ السيناريوهات المستقبلية
السيناريو الأول:
إستمرار صعدة كساحة صراع..
ويقوم هذا السيناريو على استمرار الانقلاب وبقاء الانفلات حيث يقود هذا بشكل طبيعي إلى ضعف الدولة وتعدد مراكز القوة واستمرار الاقتصاد غير الرسمي والتوتر الحدودي والتوظيف الاقليمي والاستغلال الدولي، وفي هذه الحالة تبقى المحافظة ليس مصدر ضغط مستمر على الأمن والتنمية بل تهديد مباشر للأمن المحلي والاقليمي والدولي.
السيناريو الثاني:
الاستقرار الأمني دون التحول التنموي..
قد ينخفض مستوى الاشكالات الأمنية لكن دون معالجة العوامل الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية.
وهذا السيناريو يحقق استقراراً هشاً قابلاً للانتكاس.
السيناريو الثالث:
صعدة كجغرافيا للاستقرار والتكامل..
وهو السيناريو الأكثر إيجابية.
ويقوم على:
الدولة + الأمن + التنمية + إدارة الحدود + الاقتصاد المشروع + الشراكة المجتمعية.
وفي هذا السيناريو تتحول الحدود من منطقة تماس إلى منطقة تواصل ومن مصدر للمخاطر إلى مجال للتنمية.
وهذا هو السيناريو الذي ترى الدراسة أن العمل الاستراتيجي ينبغي أن يتجه نحوه.
النتائج:
توصلت الدراسة إلى النتائج الآتية:
١- تمثل صعدة إحدى أهم الجغرافيات الحدودية في اليمن
٢- تستمد المحافظة جزءاً أساسياً من أهميتها من موقعها الجغرافي وتاريخها
٣- لا يمكن فهم صعدة بمعزل عن بقية المحافظات اليمنية وبخاصة صنعاء والجوف وعمران وحجة وعن المجال المؤدي إلى شرق وجنوب وغرب اليمن.
٤- تشكل تضاريس المحافظة عاملاً مؤثراً في الحركة والاتصال وإدارة الحدود
٥– تمثل البنية الاجتماعية والامتدادات السكانية العابرة للحدود أحد عناصر خصوصية المحافظة
٦- الثقل المحلي لصعدة وحدها لا يفسر وحده أهميتها الجيوسياسية
٧- تتجاوز تداعيات الاستقرار أو الاضطراب في صعدة حدود المحافظة
٨- يمثل أمن صعدة جزءاً من الأمن الإقليمي والدولي
٩- يرتبط أمن الحدود السعودية بصورة أوسع بالبيئة الأمنية الخليجية والعالمية
١٠- لا يمكن بناء أمن حدودي مستدام دون تنمية محلية واقتصاد مشروع
١١- يمثل حضور الدولة المؤسسي عاملاً حاسماً في استقرار المحافظة
١٢- يمكن تحويل صعدة من جغرافيا للصراع إلى جغرافيا للاستقرار إذا توافرت مقاربة متكاملة تجمع الدولة والأمن والتنمية والمجتمع.
التوصيات:
1- اعتماد استراتيجية وطنية للمناطق الحدودية
بحيث تجمع بين الأمن والتنمية والإدارة المحلية
2- بناء منظومة متكاملة لإدارة الحدود
تشمل المنافذ الرسمية ومكافحة التهريب وتنظيم الحركة التجارية والسكانية
3– تطوير المنافذ الحدودية
وتحويلها تدريجياً إلى مراكز تجارية ولوجستية منظمة
4- الاستثمار في التنمية المحلية
خصوصاً في التعليم والصحة والطرق والمياه والاتصالات وفرص العمل
5- إشراك المجتمع المحلي في صناعة الاستقرار وإدارة الشأن المحلي ضمن مؤسسات الدولة والقانون
6- تعزيز التعليم والتأهيل باعتبارهما أدوات أساسية لإعادة بناء رأس المال البشري
7- معالجة آثار الصراع وفق قواعد العدالة والقانون والمصالحة الاجتماعية بعيداً عن الانتقام والإقصاء.
8- تطوير التعاون اليمني ـ السعودي
في المجالات الأمنية والحدودية والاقتصادية والإنسانية
9- دعم الدراسات الاستراتيجية
وتشجيع مراكز الأبحاث اليمنية والإقليمية على دراسة جغرافيا الحدود اليمنية السعودية بصورة مستقلة ومتخصصة
10– بناء رؤية طويلة المدى لصعدة لا ترتبط بتغير الحكومات أو القوى السياسية وإنما تستند إلى ثوابت الجغرافيا والمصلحة الوطنية.
الخاتمة:
ليست صعدة مجرد محافظة يمنية تقع في أقصى الشمال؛ إنها جغرافيا تقع عند تقاطع أكثر من دائرة استراتيجية.
فهي جزء من المجال الوطني اليمني ومنطقة تماس مباشرة مع المملكة العربية السعودية وعنصر من عناصر البيئة الجغرافية والأمنية التي تحيط بالجزيرة العربية والبحر الأحمر والخليج.
ولهذا فإن اختزال صعدة في تاريخها السياسي أو المذهبي أو في القوى التي تنازعت النفوذ فيها يحجب حقيقتها الأعمق.
فالقوى تتغير أما الجغرافيا فتبقى.
لقد تغيرت الأنظمة والتحالفات والفاعلون وتبدلت أشكال الصراع لكن موقع صعدة بقي. وبما أن للمحافظة حدودا طويلة مع المملكة العربية السعودية ولها عمقا جغرافيا داخل اليمن وتضاريس متنوعة ومجتمعا ذا امتدادات تاريخية واجتماعية ومنافذ ومسارات للحركة الاقتصادية والسكانية فإن مستقبل صعدة
لا ينبغي أن يُبنى على سؤال:
من ينتصر على من؟
بل على سؤال أكثر عمقاً:
“كيف يمكن تحويل هذه الجغرافيا من ساحة للصراع إلى رافعة للاستقرار؟”
إن الإجابة تبدأ بإعادة الاعتبار للدولة
فالدولة التي تؤمّن الحدود دون أن تنميها تعالج نصف المشكلة.
والتنمية التي تتجاهل الأمن تعالج النصف الآخر.
أما المقاربة الاستراتيجية المتكاملة فتتعامل مع صعدة باعتبارها منطقة أمن وتنمية وتكامل اقتصادي واجتماعي في آن واحد.
وفي هذا الإطار تصبح صعدة مصلحة يمنية وطنية ومصلحة سعودية أمنية وتنموية وعنصراً من عناصر الاستقرار الإقليمي.
ولعل أهم ما تكشفه هذه الدراسة أن الجغرافيا حين تُقرأ قراءة استراتيجية لا تكون مجرد وصف للمكان؛ بل تصبح أداة لفهم التاريخ وتفسير الحاضر واستشراف المستقبل.
صعدة في النهاية ليست جغرافيا هامشية على أطراف اليمن؛ إنها إحدى النقاط التي تلتقي عندها جغرافيا اليمن بأمن السعودية ويتقاطع عندها المحلي بالإقليمي بالدولي.
ومن ثم فإن تحويلها من جغرافيا للصراع إلى جغرافيا للاستقرار ليس خياراً يخص صعدة وحدها بل يمثل رهانا استراتيجياً تتقاطع فيه المصلحة اليمنية مع المصلحة السعودية ومع متطلبات الأمن الإقليمي والعالمي.
المراجع والمصادر:
أولاً: المصادر الوطنية والرسمية
١– المركز الوطني للمعلومات
٢-ا لهيئة العامة للأراضي والمساحة والتخطيط العمراني
٣– الجهاز المركزي للإحصاء، الجمهورية اليمنية، التعداد العام للسكان والمساكن والمنشآت لعام 2004م
٤– اللجنة العليا للانتخابات والاستفتاء
٥– وزارة المالية، الجمهورية اليمنية، الموازنات والبيانات المالية المتعلقة بالمحافظات
٦– منظمة الهجرة الدولية (IOM)، البيانات والتقارير
٧– الوثائق والبيانات الرسمية المتعلقة بالمنافذ البرية والحركة الحدودية اليمنية ـ السعودية.
٨– صعدة تحت المجهر، سلطان مشعل
ثانياً: المصادر والدراسات المتعلقة باليمن والصراعات هناك
١– الزهر والحجر، عادل الأحمدي،مركز نشوان.
٢– دراسات حول اليمن والسياسة السعودية والأمن الإقليمي
٣– تقارير ودراسات حول الصراع اليمني وبنية الدولة والفاعلين المحليين والإقليميين
٤– تقارير اليمن والسياسة الأمريكية والأمن الإقليمي
٥– تقارير اليمن والشؤون الإنسانية وحركة السكان والأمن الإقليمي
٦– مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية دراسات وتقارير حول اليمن
٧– مذكرات كيسنجر
٨– الشرق الأوسط الجديد والفوضى الخلاقة، بريجنسكي – كونداليزا رايس