أجندة المرأة والسلام والأمن في ضوء قرار مجلس الأمن رقم 1325: الشرق الاوسط أنموذجاً

مقدمة: شهدت العقود الأخيرة تحولاً ملحوظاً في نظرة المجتمع الدولي إلى دور المرأة في القضايا المتعلقة بالأمن والسلم ، بعد أن كانت تُصور في الغالب بكونها الضحية الأولى للنزاعات المسلحة فقد برز اتجاه دولي جديد يؤكد على أن المرأة ليست مجرد متأثر بالحروب والصراعات فقط بل انها تمثل لاعباً رئيساً في منع النزاعات وإدارة عمليات السلام وإعادة الإعمار وترسيخ الاستقرار المجتمعي، لذا أعتمد مجلس الأمن القرار المرقم (1325) في العام 2000، والذي عًــد نقطة التحول الاساسية في مسار القانون الدولي والسياسات الدولية المتعلقة بالمرأة، كونه أرسى أُطراً متكاملة لتعزيز مشاركة المرأة في صنع القرار المتعلق بالأمن والسلام وحمايتها من الانتهاكات أثناء النزاعات المسلحة وضمان جعــل احتياجاتها اولوية في جهود الإغاثة وإعادة البناء.
اكتسب القرار أهمية خاصة في منطقة الشرق الأوسط كونها احدى أكثر مناطق العالم تعرضاً للنزاعات المسلحة والصراعات الداخلية والاضطرابات والاحتلال والإرهاب والنزوح القسري، وهي ظروف انعكست برمتها بصورة مباشرة على أوضاع النساء والفتيات وفي المقابل أظهرت تجارب العديد من دول المنطقة تمكن النساء برغم التحديات من الإسهام في عمليات الوساطة وبناء السلام والمصالحة الوطنية، والمشاركة كعضو فعال في مختلف مجالات العمل الإنساني، الأمر الذي يؤكد أن تحقيق الأمن المستدام لا يمكن أن يتم دون مشاركة المرأة مشاركة حقيقية وفاعلة.
نسعى من خلال هذا المقال إلى بيان مضمون أجندة المرأة والسلام والأمن في إطار قرار مجلس الأمن رقم (1325)، وتحليل واقع تطبيقها في دول الشرق الأوسط، مع تسليط الضوء على أبرز الإنجازات والتحديات التي تواجه تنفيذها وصولًا إلى استشراف السبل الكفيلة بتعزيز دور المرأة في بناء السلام المستدام.

اولاً: الإطار المفاهيمي لإجندة المرأة والسلام والأمن
تمثل أجندة المرأة والسلام والأمن (Women, Peace and Security Agenda) اطاراً عالمياً ودولياً يهدف إلى ضمان المشاركة الكاملة والمتساوية للمرأة في جميع مراحل منع النزاعات أو إدارتها أو تسويتها وإعادة الإعمار بعد انتهاء الصراعات (بناء السلام)، تأسست هذه الأجندة على غرار قرار مجلس الأمن رقم (1325) الذي تم اعتمادة بالإجماع في 31/ تشرين الأول/ 2000، ثم تطورت لاحقا من خلال مجموعة القرارات المكملة لها والتي تناولت قضايا عدة منها : العنف الجنسي، المساءلة، الوقاية، تعزيز مشاركة المرأة في المؤسسات الأمنية والسياسية، ترتكز الاجندة على اربعة محاور رئيسة وهي:
المحور الاول_المشاركة: ضمان المشاركة الفاعلة والمتساوية للمرأة في عمليات صنع القرار السياسي والأمني، وعمليات الوساطة والتفاوض وحفظ السلام.

المحور الثاني_الحماية: حماية النساء والفتيات من العنف بمختلف اشكالة، وتحديداً العنف الجنسي والعنف القائم على التنوع الاجتماعي أثناء النزاعات والحروب والاضطرابات.

المحور الثالث_الوقاية: اي تعزيز دور المرأة في منع النزاعات والتطرف والعنف، ومعالجة الأسباب الجذرية الكامنة ما وراء الصراعات.

المحور الرابع_الإغاثة والتعافي: مراعاة احتياجات النساء والفتيات في برامج الإغاثة الإنسانية وإعادة الإعمار والتنمية في فترات ما بعد النزاعات.

ثانياً_ قرار مجلس الأمن رقم (1325) وأهميته القانونية والسياسية: جاء القرار (1325) استجابةً للتطور المتزايد الذي طرأ على قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وما كشفته النزاعات المسلحة من انتهاكات جسيمة تعرضت لها النساء، وتحديداً في بعض الدول الافريقية كالبوسنة ورواندا وسيراليون وغيرها، يُعد القرار هو أول وثيقة صادرة عن مجلس الأمن ترتبط بصورة مباشرة بقضايا المرأة والأمن الدولي، والذي طالب منظمة الامم المتحدة والدول الاعضاء فيها بما يلي:

زيادة تمثيل المرأة في جميع مستويات صنع القرار.-1
2-حماية النساء أثناء النزاعات المسلحة.
مكافحة الإفلات من العقاب في الجرائم المرتكبة ضد النساء.-3
إشراك المرأة في عمليات إعادة الإعمار والمصالحة الوطنية.-4

كان القرار بمثابة الحجر الاساس لإعداد الخطط الوطنية لتنفيذ أجندة المرأة والسلام والأمن، التي اعتمدتها العديد من الدول بهدف تحويل الالتزامات الدولية إلى سياسات وطنية قابلة للتطبيق والتنفيذ.

ثالثاً_ واقع تنفيذ أجندة المرأة والسلام والأمن في الشرق الأوسط: تواجه منطقة الشرق الأوسط تحديات أمنية وسياسية معقدة نتيجة الحروب والنزاعات المسلحة، الأمر الذي جعل تنفيذ القرار (1325) يختلف من دولة إلى أخرى تبعاً للظروف السياسية والمؤسساتية في كل دولة وقد انعكس ذلك في تبني عدد من الدول خططاً وطنية لتنفيذ القرار، بينما اتجهت دول أخرى إلى إدماج مبادئه ضمن استراتيجياتها الوطنية الخاصة بتمكين المرأة أو إصلاح القطاع الأمني إلا أن مستوى التنفيذ ظل مرتبطاً بطبيعة البيئة السياسية والأمنية لكل دولة ومدى توافر الإرادة السياسية وقدرة المؤسسات الوطنية على تحويل الالتزامات الدولية إلى سياسات وإجراءات عملية يمكن تطبيقها على ارض الواقع.

1- العراق: عُـــد العراق أول دولة في منطقة الشرق الأوسط اعتمدت خطة وطنية لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم (1325)، إذ أُطلقت الخطة الأولى للفترة (2014–2018)، في خطوة عكست ادراكاً مبكراً بأهمية إدماج المرأة في بناء السلام والأمن، وخصوصاً بعد سنوات طويلة من الحروب والعنف والإرهاب، مثل اعتماد الخطة الوطنية العراقية استجابةً للتحديات التي واجهتها المرأة العراقية منذ عام 2003، والتي تزامنت مع سيطرة تنظيم داعش الارهابي على أجزاء واسعة من البلاد في العام 2014، اذ تعرضت آلاف النساء وعلى وجه الخصوص الإيزيديات لجرائم القتل والاسترقاق الجنسي والاتجار بالبشر والتهجير القسري، وهو ما دفع الحكومة العراقية بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني الاخرى إلى إعطاء أولوية لمحوري الحماية والتعافي .
وقد استندت الخطة الوطنية على أربعة محاور رئيسة هي: المشاركة، والحماية، والوقاية، والإغاثة والتعافي، مع التركيز على زيادة مشاركة المرأة في صنع القرار وتعزيز وجودها داخل المؤسسات الأمنية وتقديم الدعم القانوني والنفسي للناجيات من النزاعات، وقد شُكِلت لجان وطنية لمتابعة التنفيذ ثم أُطلقت خطط قطاعية ومحلية لضمان تطبيقها، ورغم هذه الجهود واجهت التجربة العراقية تحديات عديدة أبرزها: استمرار التهديدات الأمنية، ضعف التمويل، التغيرات السياسية، ضعف التنسيق المؤسسي، فضلاً عن استمرار بعض العوائق الاجتماعية التي تقلل من مشاركة المرأة في القطاعين الأمني والسياسي، وبرغم ذلك تبقى التجربة العراقية من أكثر التجارب العربية تقدماً من حيث البناء المؤسسي والالتزام الرسمي بتنفيذ أجندة المرأة والسلام والأمن.

2-الاردن: اعتمدت الأردن أول خطة وطنية لتنفيذ القرار(1325) للفترة (2018–2021)، تلتها خطة ثانية للفترة (2022–2025)، مستندة بذلك إلى شراكة واسعة ضمت اللجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة والمؤسسات الأمنية ومنظمات المجتمع المدني، تميزت التجربة الأردنية بربط أجندة المرأة والسلام والأمن بمفاهيم الأمن الوطني والتنمية المستدامة، مع التركيز على رفع مشاركة المرأة في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وتعزيز دورها في الوقاية من التطرف العنيف والاستجابة الإنسانية خاصة في ظل استضافة الأردن أعداداً كبيرة من اللاجئين السوريين، كما أولت الخطة اهتماماً كبيراً ببناء قدرات الكوادر الأمنية في مجال حقوق الإنسان إلى جانب تعزيز مشاركة المرأة في بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة ، لذا تعد التجربة الأردنية من أكثر التجارب العربية اهمية من حيث التخطيط المؤسسي، وإن كانت لا تزال تواجه تحديات تتعلق بزيادة تمثيل المرأة في المواقع القيادية الأمنية والعسكرية.

3- فلسطين: تختلف التجربة الفلسطينية عن بقية التجارب العربية نتيجة استمرار الاحتلال (الإسرائيلي)، الأمر الذي فرض خصوصية كبيرة على تطبيق القرار(1325)، اذ اعتمدت فلسطين أول خطة وطنية للفترة (2017–2019)، ثم لحقتها خطة جديدة للفترة (2020–2023)، تحت اشراف وزارة شؤون المرأة بالتعاون مع الائتلاف الوطني لتطبيق القرار، ركزت الخطة الفلسطينية على مجموعة من المبادئ منها: حماية النساء من آثار الاحتلال وتعزيز صمودهن وتوثيق الانتهاكات الواقعة بحقهن وزيادة مشاركتهن في عمليات صنع القرار والدفاع عن حقوق المرأة

الفلسطينية في المحافل الدولية، إلا أن الاحتلال واستمرار العمليات العسكرية والاستيطان والقيود المفروضة على الشعب الفلسطيني شكلت جميعها تحديات حالت دون التطبيق الكامل والحقيقي لمضامين القرار وهو ما جعل التجربة الفلسطينية تركز بصورة كبيرة على الحماية والمناصرة الدولية مقارنة بمحور المشاركة السياسية.

4- لبنان: اعتمد لبنان أول خطة وطنية لتنفيذ القرار الاممي (1325) للفترة (2019–2022)، مؤكداً على ضرورة تعزيز مشاركة المرأة في المؤسسات الأمنية ومكافحة العنف القائم على التنوع الاجتماعي وزيادة دورها في عمليات الوساطة وحل النزاعات، غير أن الأزمة الاقتصادية الحادة والانقسامات السياسية اثرت سلباً على تنفيذ الخطة الوطنية هذه وأدت بالتالي إلى تراجع الموارد المخصصة لها ومع ذلك ادت منظمات المجتمع المدني اللبنانية دوراً مهماً في استمرار المبادرات المتعلقة بتمكين المرأة والتوعية بحقوقها ودعم مشاركتها في عمليات بناء السلام على المستوى المحلي.

5-اليمن: اعتمدت اليمن أول خطة وطنية لتنفيذ القرار(1325) خلال الفترة (2020–2022)، إلا أن استمرار الحرب والانقسامات السياسية قللت بدرجة كبيرة من إمكانات تنفيذها، ورغم ذلك برزت المرأة اليمنية في مبادرات الوساطة المحلية وتسوية النزاعات المجتمعية والعمل الإنساني وتقديم المساعدات للنازحين إلا أن ضعف مؤسسات الدولة واستمرار الصراعات الداخلية جعلا تطبيق القرار مقتصراً في الغالب على المبادرات التي تقودها الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني.

6-الإمارات العربية المتحدة: أطلقت الإمارات أول خطة وطنية لتنفيذ قرار مجلس الأمن(1325) عام 2021، ارتبطت خطتها الوطنية برؤية الدولة لتعزيز دور المرأة في السياسة الخارجية والوساطة والعمل الإنساني والاستجابة للأزمات إلى جانب دعم مشاركة المرأة في القوات المسلحة وعمليات حفظ السلام، سعت الإمارات إلى توظيف أجندة المرأة والسلام والأمن ضمن دبلوماسيتها الدولية، من خلال دعم برامج التدريب وبناء القدرات وتعزيز مشاركة النساء في جهود الوساطة الدولية وهو ما منح التجربة الإماراتية بعداً اقليمياً ودولياً يتجاوز حدود تنفيذها الداخلي.

رابعا_أبرز التحديات أمام تنفيذ قرار :(1325)على الرغم من مرور أكثر من عقدين على اعتماد القرار فإن تطبيقه في منطقة الشرق الأوسط ما يزال يواجه تحديات عديدة، من ابرزها:

استمرار النزاعات المسلحة وعدم الاستقرار السياسي في منطقة الشرق الاوسط.-1
-ضعف الإرادة السياسية لتوسيع مشاركة المرأة في عمليات صنع القرار.2
محدودية الموارد المالية المخصصة لتنفيذ الخطط الوطنية.-3
استمرار الصور النمطية التي تحد من أدوار المرأة القيادية.-4
ضعف التنسيق بين المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني.-5
محدودية آليات الرصد والتقييم والمساءلة. -6

خامسأ_ سبل تعزيز أجندة المرأة والسلام والأمن وفق القرار الاممي 1325: يتطلب تعزيز تنفيذ القرار (1325)، ضرورة اعتماد مقاربة شاملة تقوم على تمكين المرأة من الناحيية السياسية والاقتصادية والعمل على إدماجها في مؤسسات صنع القرار وتعزيز مشاركتها في عمليات الوساطة إضافة إلى ضرورة توفير الحماية القانونية للنساء أثناء النزاعات وتطوير التشريعات الوطنية بما ينسجم مع الالتزامات الدولية، كما ينبغي تعزيز سبل التعاون بين الدول ومنظمة الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية ومنظمات المجتمع المدني، وتخصيص موارد مالية كافية لتنفيذ الخطط الوطنية، مع بناء قواعد بيانات ومؤشرات لقياس مستوى التنفيذ بصورة دورية.

الخاتمة: أثبتت التجارب الدولية أن تحقيق السلام لا يرتبط بوقف العمليات العسكرية، وإنما يعتمد على بناء مجتمعات أكثر شمولاً وعدالة تكون المرأة فيها شريكاً اساسياً وفاعلاً محورياً في عمليات صنع واتخاذ القرار وإدارة الأزمات وقد وفر قرار مجلس الأمن رقم (1325) اطاراً قانونياً وسياسياً غير مسبوق لتعزيز هذا الدور إلا أن نجاحه يبقى رهيناً بمدى التزام الدول بتنفيذ مضامينه وتحويلها إلى سياسات وإجراءات عملية وواقعية، وفي منطقة الشرق الأوسط رغم استمرار النزاعات وتعقيداتها اثبتت المرأة قدرتها في الإسهام ببناء السلام وتعزيز التماسك المجتمعي الأمر الذي يستدعي توسيع فرص مشاركتها وتوفير الحماية اللازمة لها ودعم مبادراتها في جميع مراحل منع النزاعات وتسويتها وإعادة الإعمار بما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة ومتطلبات الأمن الإنساني.

 

وردنا عبر مواقع التواصل الاجتماعي

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M