إثيوبيا أمام إعادة تعريف الدولة: قراءة تحليلية موسّعة في مخرجات مؤتمر الحوار الوطني

مقدمة

منذ افتتاحه في العاصمة أديس أبابا يوم 15 يوليو 2026، دخلت إثيوبيا واحدة من أكثر محطاتها السياسية والدستورية حساسية منذ اعتماد دستور 1995. فمؤتمر الحوار الوطني، الذي عُقد في مركز أديس الدولي للمؤتمرات وضم قرابة أربعة آلاف مشارك (1)، لم يكن مجرد منتدى لتسوية خلافات سياسية آنية، بل اقترب من مساءلة بعض الأسس التي قامت عليها الدولة نفسها: طبيعة النظام الفيدرالي، وشكل السلطة التنفيذية، والعلاقة بين الهوية القومية والمواطنة، ووضع المدن الفيدرالية، وحقوق القوميات، وإدارة الموارد الطبيعية.

هذا المؤتمر لم يأتِ من فراغ، بل تُوّج مسارًا امتد قرابة أربع سنوات منذ إنشاء لجنة الحوار الوطني الإثيوبية بموجب الإعلان رقم 1265/2021(2). وقد سبقت الجلسات الرئيسية مرحلة تشاور شعبي واسعة شملت أكثر من 1,200 مقاطعة (ووردا) في عموم البلاد، وجُمعت خلالها مدخلات من أكثر من 200 ألف مواطن يمثلون أطيافًا سياسية واجتماعية ودينية وأكاديمية وشبابية ونسائية متعددة (3). ومن هذه المشاورات تبلورت ثمانية محاور رئيسية للحوار: بناء الدولة، وشكل الحكومة والنظام الفيدرالي، ووضع المدن الفيدرالية، والشؤون الدينية، وبناء المؤسسات وسيادة القانون وحقوق الإنسان، والقضايا الاقتصادية والاجتماعية، ومكافحة الفساد والحكم الرشيد، وبناء السلام والمصالحة (4).

من الناحية التنظيمية، وُزّع المشاركون على ثماني مجموعات عمل ضمّت نحو 500 مشارك لكل مجموعة، على أن تُعتمد التوصية إذا حظيت بتوافق يتجاوز 75 في المائة من أصوات كل مجموعة (5). وبحلول منتصف أغسطس 2026 كانت جميع المجموعات الثماني قد توصلت إلى توافق حول توصياتها، لتُحال بعد ذلك إلى فريق تنسيق مصغّر مكوّن من 120 عضوًا (15 عضوًا من كل مجموعة) أُنيطت به مهمة مراجعة التوصيات وتوحيد صياغتها ورفعها إلى الجلسة العامة للمؤتمر (6). وأشرف على سير العملية 160 ميسّرًا مستقلًا و158 مقررًا لتوثيق المداولات (7).

وبين هذه الأرقام التنظيمية تكمن القضية الجوهرية: إلى أين تتجه إثيوبيا؟ نحو إصلاح الفيدرالية الإثنية من الداخل، أم نحو إعادة مركزة الدولة عبر نظام رئاسي أقوى؟ وهل تنتقل من دولة تقوم بدرجة كبيرة على الاعتراف بالهويات القومية، إلى دولة أكثر ارتكازًا على مفهوم المواطنة الإثيوبية الجامعة؟ الإجابة عن هذه الأسئلة هي ما يحدد القيمة الاستراتيجية الحقيقية للمؤتمر.

أولًا: من إدارة الخلاف إلى إعادة صياغة العقد الدستوري

لم تتعامل لجنة الحوار الوطني مع الأزمة الإثيوبية باعتبارها خلافًا بين أحزاب أو أقاليم فحسب، بل اقتربت من جذورها المرتبطة بطبيعة الدولة ذاتها. فالانتقال من مرحلة جمع المطالب الشعبية إلى تقديم توصيات مباشرة بشأن شكل الحكم، والنظام الفيدرالي، وحقوق القوميات، يمثل تحولًا نوعيًا لم تشهده أي عملية تشاور إثيوبية سابقة.

والمفارقة الأساسية هنا أن النظام الذي صُمم أصلًا لإدارة التنوع الإثني -أي الفيدرالية الإثنية التي أرساها دستور 1995 بعد سقوط نظام منغيستو هيلا مريام عام 1991- أصبح هو نفسه أحد أهم موضوعات النقاش داخل المؤتمر (8). فهذا النموذج، الذي منح القوميات مساحة واسعة من الحكم الذاتي، ربط الإقليم بالهوية القومية إلى درجة أن التنافس على الهوية تحوّل في حالات عديدة إلى تنافس على الأرض والسلطة والموارد.

ومن هنا فإن المقترح القاضي بالإبقاء على الفيدرالية، مع تحويلها إلى صيغة “متعددة القوميات” ضمن الإقليم الواحد بدلًا من حصرها في قومية مهيمنة، يمكن قراءته بوصفه محاولة للانتقال من فيدرالية الفصل النسبي بين الجماعات إلى فيدرالية أكثر استيعابًا للتعدد.

ثانيًا: الفيدرالية متعددة القوميات.. إصلاح أم إعادة تعريف؟

المشكلة الجوهرية في الفيدرالية الإثيوبية لم تكن وجود الأقاليم بحد ذاته، بل التداخل بين ثلاثة عناصر: الأرض، والقومية، والسلطة السياسية. فحين ترتبط حدود الإقليم بهوية قومية بعينها، تتحول قضايا الهجرة والتمدن وملكية الأرض إلى قضايا سياسية وأمنية حساسة.

المقترح الجديد يفتح الباب أمام تصور مختلف تصبح فيه المواطنة المحلية معيارًا أكثر أهمية من الانتماء الإثني الصرف. غير أن نجاح هذا التحول مرهون بمعادلة دقيقة: تقليص الاحتكار الإثني للإقليم دون المساس بالضمانات الدستورية التي حصلت عليها القوميات عبر عقود من النضال السياسي والصراع المسلح -وهي معادلة يصعب تحقيقها سياسيًا بقدر ما يسهل صياغتها نظريًا.

وتكشف بيانات استطلاعية حديثة حجم الانقسام الشعبي حيال هذه المسألة: فوفق مسح “أفروباروميتر” الذي أُجري عام 2023، أيّد نحو 54 في المائة من الإثيوبيين النظام الفيدرالي مقارنة بالنظام المركزي الموحد، بينما أعرب نحو 67 في المائة عن تأييدهم للإبقاء على الدستور الحالي مع إدخال تعديلات عليه، لا استبداله بالكامل (9). هذه الأرقام تشير إلى أن الرأي العام الإثيوبي -على الأقل بحسب آخر قياس متاح- أقرب إلى منطق “الإصلاح من الداخل” منه إلى “إعادة التأسيس الكامل”، وهو ما يمنح المقترحات التوافقية داخل المؤتمر أرضية اجتماعية أوسع من مقترحات القطيعة الكاملة مع النظام القائم.

ثالثًا: المادة 39.. أخطر ملفات الحوار

لا توجد على الأرجح نقطة أكثر حساسية من المقترح المتعلق بحذف عبارة “حتى حق الانفصال” من صياغة المادة 39، بحسب ما تسرب من توصيات إحدى مجموعات العمل. فهذه المادة تمثل أحد أهم الأعمدة الفكرية للنظام الدستوري الإثيوبي، إذ نصّت -منذ صياغتها الأولى مطلع تسعينيات القرن الماضي عقب سقوط النظام العسكري- على أن لكل “أمة وقومية وشعب” في إثيوبيا حقًا غير مشروط في تقرير المصير يصل إلى حد الانفصال (10).

وإلى جانب حذف عبارة الانفصال، برزت في أوساط الحوار مقترحات أخرى لا تقل دلالة: استبدال مصطلح “الأمم والقوميات والشعوب” الوارد في الديباجة بمصطلح “القومية” المفرد، وتعديل ديباجة الدستور من “نحن، أمم وقوميات وشعوب إثيوبيا” إلى صيغة “إثيوبيا متعددة القوميات”(11). وتجدر الإشارة إلى أن هذه التوصيات، بحسب اللجنة نفسها، تظل في مرحلة التوصية ولا ترقى بعد إلى تعديل دستوري نافذ، إذ يقتصر دور اللجنة على تقديم المخرجات للجهات المختصة دستوريًا لاتخاذ القرار النهائي.

إن حذف المسار المؤدي إلى الانفصال لا يعني تعديلًا في نص قانوني بقدر ما يعني إعادة صياغة السؤال الأهم: هل إثيوبيا اتحاد قوميات ذات سيادة أصيلة في تقرير مصيرها، أم دولة اتحادية واحدة تكون فيها القومية مكونًا من مكونات الهوية لا مصدرًا للسيادة؟ وإذا اتجهت إثيوبيا إلى الخيار الثاني فإنها تنتقل من منطق “حق القومية” إلى منطق “وحدة الدولة والمواطنة”، وهو تحول قد يعزز تماسك الدولة على المدى البعيد، لكنه لن ينجح ما لم تصاحبه ضمانات بديلة قوية للحقوق الثقافية والإدارية للقوميات.

رابعًا: النظام الرئاسي.. نقطة التحول الأكبر في هيكل السلطة

من أكثر المقترحات تأثيرًا في بنية السلطة الإثيوبية، برز خلال الأسبوع الأول من المؤتمر نقاش موسّع حول بدائل النظام البرلماني القائم، تراوحت بين نظام رئاسي كامل، ونظام شبه رئاسي أو تنفيذي مزدوج يجمع بين رئيس ورئيس وزراء (12). وبحسب ما تسرب من توصيات إحدى مجموعات العمل التي ضمت 500 مشارك، تم التوصل إلى توافق على مستوى المجموعة يقضي باستبدال النظام التنفيذي البرلماني الحالي بنظام رئاسي، بولاية مقترحة مدتها ست سنوات قابلة للتجديد لفترة واحدة، وهو ما يعني عمليًا إلغاء موقع رئيس الوزراء في الصياغة المقترحة (13).

ويجب التمييز هنا بين النظام الرئاسي بوصفه إصلاحًا مؤسسيًا يوفر وضوحًا أكبر في المسؤولية التنفيذية، وبين النظام الرئاسي بوصفه أداة لتركيز السلطة. فإذا اجتمع نظام رئاسي قوي مع فيدرالية يُعاد تعريفها، وتعديل لقواعد تقرير المصير، فإن المحصلة المرجّحة هي إعادة توزيع واسعة للسلطة لصالح المركز الفيدرالي. لذلك يصبح السؤال الحقيقي ليس “هل النظام الرئاسي أفضل من البرلماني؟” بل: ما حدود سلطات الرئيس؟ ومن يراقبه؟ وكيف تضمن الأقاليم استقلالها الإداري؟ وما الدور المتبقي للبرلمان والقضاء في مواجهة سلطة تنفيذية مركزة؟

ولا يمكن فصل هذا النقاش عن سياقه الانتخابي المباشر: فقد أُجريت الانتخابات العامة الإثيوبية في الأول من يونيو 2026، وسجّل فيها أكثر من 50.5 مليون ناخب للتنافس على 547 مقعدًا في مجلس نواب الشعب (يحتاج الفوز فيها إلى 274 مقعدًا لتشكيل الحكومة)، بمشاركة 47 حزبًا سياسيًا مسجّلًا (14). غير أن إقليم تيغراي بأكمله ظل خارج العملية الانتخابية بسبب تبعات الحرب التي لم يُطوَ ملفها الأمني بالكامل بعد، فيما شهدت أجزاء من إقليمي أمهرة وأوروميا اضطرابات أمنية أثّرت على انتظام التصويت (15). وهذا السياق يجعل من الصعب الفصل بين نقاش النظام الرئاسي داخل الحوار الوطني وبين أسئلة أوسع تتعلق بمدى شمول العملية السياسية وتمثيلها الفعلي لكل الأطراف.

خامسًا: أديس أبابا.. عقدة الفيدرالية الإثيوبية

اكتسب النقاش حول وضع العاصمة أديس أبابا أهمية استثنائية، إذ طُرحت داخل المؤتمر أربع خيارات رئيسية لحسم وضعها الدستوري: منحها صفة مدينة-دولة ذات سيادة مستقلة، أو إبقاءها ضمن هيكل الحكومة الفيدرالية بوضعها الحالي، أو إعادة تنظيمها كإقليم فيدرالي قائم بذاته، أو إلحاقها بإدارة إقليم أوروميا. وطُرحت خيارات مشابهة لمدينة دير داوا(16).

فالعاصمة ليست مجرد مركز إداري، بل تقع في قلب علاقة تاريخية وسياسية متوترة بين الدولة الفيدرالية وقومية الأورومو، التي تعتبر موقع أديس أبابا الجغرافي ضمن أراضيها التاريخية أساسًا لمطالب خاصة بها. وأي حسم لهذا الملف لا يتعلق فقط بمكان العاصمة، بل بمن يملك القرار في الأرض والتخطيط العمراني والموارد والتمثيل السياسي داخل المدينة.

سادسًا: دير داوا.. من المحاصصة الإثنية إلى المواطنة المحلية

تمثل دير داوا نموذجًا مصغّرًا للمعضلة الإثيوبية بأكملها. فمنذ عام 2006 تُدار المدينة بموجب صيغة تقاسم للسلطة تُعرف بـ”40-40-20″، توزّع بموجبها المقاعد الإدارية والتنفيذية بواقع 40 في المائة للأورومو، و40 في المائة للصوماليين، و20 في المائة لبقية المكونات الإثنية، بصرف النظر عن الوزن الديموغرافي الفعلي لكل جماعة (17). وبحسب تعداد عام 2007 كان عدد سكان دير داوا نحو 342 ألف نسمة، يشكّل الأورومو منهم نحو 46 في المائة، والأمهرة نحو 20 في المائة، والصوماليون نحو 24 في المائة، والقوراغى نحو 4.5 في المائة، والهرريون نحو 1 في المائة (18). وقد أدت هذه الصيغة، رغم نجاحها النسبي في احتواء التوترات الحادة بين الأورومو والصوماليين، إلى انتقادات متكررة من مكونات أخرى -وبخاصة سكان المدينة من الأمهرة وغيرهم- الذين رأوا فيها إقصاءً لهم عن التمثيل السياسي الفعلي رغم وزنهم الديموغرافي.

من هنا فإن المقترح بإلغاء هذه الصيغة والانتقال إلى انتخاب مباشر لإدارة المدينة يمثل خطوة نحو إحلال مبدأ المواطنة محل مبدأ المحاصصة الإثنية. غير أن نجاح هذا التحول ليس مضمونًا تلقائيًا: فإذا أفضت الانتخابات المباشرة إلى فوز إثني دائم لمكوّن واحد على حساب البقية، فإن الديمقراطية الانتخابية نفسها قد تتحول إلى آلية جديدة لإعادة إنتاج الصراع الإثني بدل حله، ما يستدعي ضمانات إضافية لحماية تمثيل الأقليات المحلية، لا مجرد إلغاء نظام الحصص القائم.

سابعًا: اللغات الوطنية.. من الاعتراف بالتعدد إلى إدارة دولة متعددة اللغات

من المقترحات ذات الدلالة العميقة اعتماد اللغات الأمهرية والأورومية والصومالية والعفرية والتغرينية كلغات عمل وطنية رسمية إلى جانب اللغة الوطنية القائمة. فاللغة في إثيوبيا ليست وسيلة تواصل محايدة، بل جزء من الهوية والذاكرة السياسية والسلطة الرمزية، واعتراف الدولة رسميًا بتعدد لغوي بهذا الاتساع يرسل إشارة بأن الدولة لا تنتمي ثقافيًا إلى قومية واحدة.

بيد أن إدخال خمس لغات إلى منظومة العمل الرسمي يفرض تحديات إدارية جسيمة تشمل التعليم والقضاء والوثائق الرسمية والمؤسسات الأمنية والعسكرية، وتحتاج إلى استثمار طويل المدى في الترجمة والتدريب وبناء القدرات المؤسسية قبل أن تتحول من نص دستوري إلى ممارسة يومية فعلية.

ثامنًا: الحريات الدينية.. محاولة لتحييد أحد مصادر التوتر الاجتماعي

يعكس المقترح المتعلق بضمان حرية العبادة والسماح الصريح بارتداء الحجاب والنقاب محاولة لتوسيع إطار الحريات الدينية بما يطمئن قطاعات واسعة من المجتمع، في بلد يتوزع سكانه بين مكونات مسيحية أرثوذكسية وبروتستانتية وكاثوليكية ومسلمة كبيرة الحجم. لكن القيمة الاستراتيجية الحقيقية لهذا المقترح لا تكمن في السماح بممارسة دينية بعينها، بل في تثبيت مبدأ حياد الدولة تجاه المعتقدات وضمان المساواة أمام القانون، وهو ما يقلل، كلما ترسّخ عمليًا، من احتمال تحوّل الانتماء الديني إلى محور جديد للتجاذب السياسي.

تاسعًا: الموارد الطبيعية.. من الجغرافيا إلى الاقتصاد السياسي

من أخطر الملفات التي طُرحت في الحوار قضية إدارة الموارد الطبيعية وتقاسم عائداتها، في ظل تنامي أهمية الغاز والمعادن والموارد المائية في الاقتصاد الإثيوبي. فالمطلب الصومالي بتحديد حصة واضحة لسكان الإقليم الصومالي من عائدات الغاز المستخرج من أراضيهم يعكس سؤالًا أوسع: من يملك الموارد -الإقليم أم الدولة المركزية؟

فإذا احتفظ المركز بالسيطرة الكاملة على الموارد، فقد ترى الأقاليم المنتجة أن النظام الاتحادي لا يمنحها عائدًا عادلًا من ثرواتها؛ وإذا حصلت الأقاليم على حصة واسعة دون آلية وطنية لإعادة التوزيع، فقد تتسع الفجوة بين الأقاليم الغنية بالموارد وتلك الأقل حظًا. الصيغة الأكثر استدامة تقوم على ثلاثة مبادئ متوازنة: ملكية وطنية عامة للموارد، وحقوق إقليمية واضحة ومحددة قانونيًا، وآلية عادلة ومنضبطة لإعادة توزيع العائدات بين المركز والأقاليم.

عاشرًا: ماذا تقول المخرجات مجتمعة عن مستقبل إثيوبيا؟

إذا جُمعت المقترحات السابقة في إطار واحد، فإنها تكشف عن اتجاه عام واضح نسبيًا: إثيوبيا تتحرك من نظام شديد الارتباط بالهويات القومية نحو دولة اتحادية أكثر مركزية وأكثر ارتكازًا على المواطنة، لكن دون إلغاء الفيدرالية بالكامل. فالمقترحات لا تلغي النظام الفيدرالي بل تعيد تعريفه؛ ولا تلغي الاعتراف بالتعدد القومي بل تحاول احتواءه ضمن إطار “متعدد القوميات”؛ ولا تُسقط الحقوق القومية كليًا بل تقلّص أخطر تجلياتها المتمثل في مسار الانفصال؛ ولا تُلغي الأقاليم بل تعزز سلطة المركز عبر النظام الرئاسي المقترح. وبذلك يمكن النظر إلى المخرجات مجتمعة باعتبارها محاولة لبناء فيدرالية إثيوبية أكثر مركزية وأقل إثنية -وهنا بالضبط تكمن فرص النجاح ومصادر الخطر في آن واحد.

الحادي عشر: هل يمثل المؤتمر بداية “إثيوبيا جديدة”؟

لا ينبغي المبالغة في تقدير أثر المؤتمر قبل الانتقال من التوصيات إلى التنفيذ الفعلي. فالقرارات التي تستوجب تعديلًا دستوريًا لا تصبح نافذة بمجرد التوافق عليها داخل قاعة المؤتمر؛ وتحويل المبادئ إلى نصوص دستورية وتشريعات تنفيذية يتطلب مراحل سياسية ومؤسسية لاحقة طويلة. وقد وضعت اللجنة نفسها متابعة تنفيذ التوصيات ضمن مهامها الأساسية للمرحلة المقبلة، كما أن أطرًا أممية للتعاون الإنمائي مع إثيوبيا أشارت إلى ضرورة رصد نسبة تنفيذ توصيات الحوار الوطني، إقرارًا بأن نجاح العملية لا يُقاس بحجم التوافق على التوصيات فحسب، بل بقدرة الدولة على تحويلها إلى واقع مؤسسي (19).

وتظهر هنا ثلاث اختبارات حاسمة:

اختبار الشرعية: هل ستقبل جميع القوى السياسية والقومية الرئيسية نتائج الحوار، أم ستشعر بعض الأطراف -خصوصًا تلك التي ظلت خارج العملية الانتخابية الأخيرة كإقليم تيغراي، أو تلك التي تصف نفسها بالمعارضة المجزأة والمُقيَّدة- بأن مصالحها الجوهرية أُقصيت من المعادلة (20)؟

اختبار التوازن بين المركز والأقاليم: كلما اتسعت صلاحيات الحكومة المركزية، تزداد الحاجة إلى ضمانات دستورية تحول دون تحول “إعادة بناء الدولة” إلى إعادة إنتاج للمركزية القديمة.

اختبار التنفيذ: قد يكون الوصول إلى التوافق أسهل من ترجمته على أرض الواقع، بالنظر إلى تشابك الملفات المطروحة: صياغة دستورية جديدة، وتحديد صلاحيات نظام رئاسي، وتنظيم العلاقة بين الرئيس والبرلمان والقضاء، وإعادة تعريف الفيدرالية، وقواعد جديدة لتوزيع الموارد، وحسم وضعي أديس أبابا ودير داوا.

الثاني عشر: البعد الأمني.. هل يكفي الإصلاح الدستوري لإنهاء الصراع؟

أزمة إثيوبيا ليست دستورية فقط. فهناك صراعات مسلحة لا تزال قائمة أو حديثة الانتهاء، وتنافس على الأرض، وتوترات حدودية بين الأقاليم -كما تجسّد الصراع بين الأورومو والصوماليين الذي اندلع أواخر عام 2016 وأدى، بحسب تقديرات موثقة، إلى مقتل أكثر من 500 شخص ونزوح أكثر من 1.5 مليون إنسان قبل أن يخفّ حدّته عام 2018(21) – إضافة إلى أزمات ثقة متجذرة بين المركز وبعض القوميات، وتحديات مرتبطة بإعادة دمج المقاتلين وتحقيق مصالحة شاملة.

ولذلك فإن الإصلاح الدستوري وحده لن يكون كافيًا لإنهاء الصراع، بل يحتاج إلى أن يسير بالتوازي مع بناء السلام، والعدالة الانتقالية، وإصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية، ومعالجة النزاعات المتراكمة على الأرض والموارد. وتشير تقييمات دولية إلى أن لجنة الحوار الوطني تمثل فرصة مهمة لإعادة بناء الثقة، لكنها تواجه في الوقت نفسه انتقادات تتعلق بدرجة استقلاليتها عن الحكومة ومدى شمولها الفعلي لكل الأطراف المتنازعة، بما فيها تلك التي ظلت خارج العملية الانتخابية الأخيرة (22).

الثالث عشر: التداعيات الإقليمية

لا يمكن قراءة هذه المخرجات بمعزل عن موقع إثيوبيا في القرن الإفريقي، بوصفها الدولة الأكبر وزنًا سكانيًا وسياسيًا في المنطقة، وصاحبة تأثير مباشر أو غير مباشر في ملفات السودان والصومال والبحر الأحمر والعلاقة مع إريتريا، فضلًا عن ارتباطها الوثيق بملف مياه النيل وسد النهضة. فإذا نجح الانتقال إلى نظام أكثر استقرارًا ومؤسساتية، فقد تتجه أديس أبابا إلى سياسة خارجية أكثر انشغالًا بالتنمية والتكامل الإقليمي -وهو ما تعكسه بالفعل خطوات دبلوماسية حديثة، من بينها تولي إثيوبيا رئاسة منظمة دول أفريقيا والكاريبي والمحيط الهادئ اعتبارًا من أغسطس 2026(23). أما إذا أدى الإصلاح إلى مقاومة داخلية وصراع جديد حول المركزية والفيدرالية، فستنشغل الدولة بإدارة أزمتها الداخلية على حساب حركتها الإقليمية.

الرابع عشر: سيناريوهات المرحلة المقبلة

يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

سيناريو الإصلاح التوافقي: تنجح الحكومة والقوى السياسية والأقاليم في تحويل التوصيات إلى تعديلات دستورية وقانونية متوافق عليها، مع الحفاظ على ضمانات الحقوق القومية وتحديد واضح لصلاحيات الرئيس والأقاليم. وهو السيناريو الأفضل لإثيوبيا وللمنطقة.

سيناريو المركزية المتدرجة: يُعتمد النظام الرئاسي وتُقلَّص بعض جوانب الفيدرالية الإثنية، لكن دون توافق كامل مع جميع القوميات، ما قد يمنح استقرارًا نسبيًا قصير المدى يظل عرضة لعودة التوترات.

سيناريو إعادة إنتاج الصراع: تتحول توصيات المادة 39 والنظام الرئاسي ووضع أديس أبابا والموارد إلى موضوعات صراع سياسي وقومي جديد، فينقلب المؤتمر من أداة لحل الأزمة إلى نقطة انطلاق لصراع جديد حول قواعد الدولة نفسها.

الخلاصة: أي دولة تريد إثيوبيا أن تكون؟

تمثل مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الإثيوبي لحظة فارقة، ليس لأنها أنهت الخلافات، بل لأنها وضعت للمرة الأولى مجموعة من أكثر قضايا الدولة حساسية داخل إطار سياسي واحد يجمع أربعة آلاف مشارك من كل أطياف المجتمع. والاتجاه العام للمقترحات واضح: الحفاظ على الفيدرالية مع تخفيف طابعها الإثني، والحفاظ على التعدد القومي مع تعزيز المواطنة المشتركة، وتقوية الدولة المركزية مع محاولة الإبقاء على ضمانات للحكم الإقليمي.

ونجاح هذه المعادلة مرهون بتجنب خطأين متناقضين: الاعتقاد بأن الفيدرالية الإثنية الحالية يمكن أن تستمر دون إصلاح رغم ما أنتجته من تنافس على الأرض والسلطة والموارد، والاعتقاد المقابل بأن علاج مشكلات الفيدرالية يستوجب العودة إلى مركزية قوية تُضعف الحكم الذاتي للأقاليم. الحل الأكثر استدامة يقع بين الاثنين: دولة اتحادية قوية لكن غير مركزية، ومواطنة وطنية جامعة لا تُلغي الهويات القومية، وسلطة تنفيذية فعالة لكن مقيدة بدستور ومؤسسات رقابية مستقلة.

فنجاح المؤتمر لن يُقاس بعدد المقترحات التي حظيت بتصويت، بل بقدرتها على التحول إلى عقد سياسي جديد يقبل به المركز والأقاليم والقوميات والمعارضة والمجتمع المدني معًا. والسؤال الحقيقي الذي تواجهه إثيوبيا بعد المؤتمر ليس “هل تغيّر الدستور؟” بل: هل استطاع الإثيوبيون الاتفاق على شكل الدولة التي يريدون العيش داخلها؟ فإذا كانت الإجابة نعم، فقد يمثل المؤتمر بداية انتقال إثيوبيا من إدارة التنوع عبر الصراع إلى إدارته عبر المؤسسات. أما إذا بقيت هذه الملفات مجرد توافقات مؤقتة بين النخب، فستنتقل الأزمة الإثيوبية ببساطة من الصراع على السلطة إلى الصراع على قواعد اللعبة نفسها.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M