- وافقت “حماس” على خريطة طريق لنزع سلاح الفصائل في قطاع غزة عبر تسليم/تخزين السلاح لدى لجنة وطنية فلسطينية، مقابل انسحاب إسرائيلي وبدء انتقال الإدارة المدنية والخدمية إلى اللجنة الوطنية.
- تُعزى مرونة “حماس” إزاء خريطة الطريق إلى حسابات براغماتية بالدرجة الأولى، يتقدمها: إيقاف استمرار الضغط العسكري الإسرائيلي، وتوسع سيطرة إسرائيل في القطاع؛ إضافة إلى حصولها على ترتيبات تحفظ بعض مصالح الحركة مثل عدم تدمير السلاح فوراً، وتفكيك المليشيات المناوئة، وحماية الجهاز البيروقراطي.
- ترفض إسرائيل جوهر الاتفاق أو تسعى لتعديله جذرياً، خصوصاً ما يتعلق بالانسحاب من غزة، وتخزين السلاح بدلاً من تدميره، ودور تركيا وقطر؛ وتُصرُّ على نزع كامل للسلاح قبل أي انسحاب، مع إبقاء حرية العمل العسكري في القطاع.
- يرتبط الاعتراض الإسرائيلي بحسابات سياسية وانتخابية داخلية، إذ يخشى نتنياهو واليمين الحاكم أن يُفسَّر الانسحاب من غزة أو قبول الاتفاق بأنَّه تنازل سياسي وأمني، خصوصاً قبيل الانتخابات، على رغم الضغط الأمريكي والدولي المتزايد.
- من المرجَّح أن إسرائيل ستواصل رفض الانسحاب الكامل من قطاع غزة، وقد تقتصر موافقتها على تقليص عملياتها والسماح ببعض الترتيبات الإنسانية والإدارية، ما يجعل نجاح الاتفاق مرهوناً بمدى الضغط الأمريكي وقدرة الوسطاء على فرض صيغة تنفيذ متزامنة ومضمونة.
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في 31 يوليو 2026 عن التوصل إلى “اتفاق تاريخي” بنزع سلاح حركة حماس والفصائل المسلحة في قطاع غزة، إذ توصل “مجلس السلام”، عبر الوسطاء، إلى خريطة طريق وافقت عليها حركة حماس نصَّت على تسليم سلاح الفصائل الفلسطينية للجنة الوطنية الفلسطينية بالتزامن مع الانسحاب الإسرائيلي من القطاع. وتأتي موافقة “حماس” عقب خطوة استقالة لجنة الطوارئ الحكومية في قطاع غزة، واستعداد الحركة تسليم إدارة الشؤون الحكومية للجنة الوطنية.
تُناقش هذه الورقة دوافع حركة حماس للقبول بالتخلي عن سلاحها، والموقف الإسرائيلي من الاتفاق، وتَعرِض السيناريوهات المحتملة للتوجه الإسرائيلي النهائي إزاء الاتفاق.
اتفاق “حماس” ومجلس السلام
بعد محادثات متتالية في القاهرة، وفي أعقاب انتخاب خليل الحية رئيساً للمكتب السياسي لحركة حماس، قرَّرت الحركة الموافقة على خريطة طريق لتطبيق المرحلة الثانية من خطة ترمب في قطاع غزة. جرت مباحثات القاهرة بمشاركة حركة حماس ومجلس السلام، والوسطاء الذين وقّعوا على الاتفاق (مصر وتركيا وقطر). وافقت “حماس” على بند نزع السلاح بعد الاتفاق على مفهوم “تخزين” السلاح ووضعه تحت سلطة اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة التابعة لمجلس السلام، في مقابل الانسحاب الإسرائيلي من القطاع.
تُعدُّ موافقة “حماس” على التخلي عن السلاح الخطوة الثانية التي اتخذتها الحركة من أجل الدفع نحو تطبيق المرحلة الثانية من خطة ترمب، فكانت الخطوة الأولى في بداية يوليو عندما استقالت لجنة الطوارئ الحكومية التي أدارت شؤون القطاع الخدمية والمدنية، والإعلان أنها استوفت التحضيرات لدخول اللجنة الوطنية للقطاع واستلام مهامها الحكومية والمدنية.
وبالنسبة لحركة الجهاد الإسلامي، الفصيل الفلسطيني الثاني في القطاع، فقد صَدَرت بيانات وتصريحات غير واضحة وضبابية حول موقف الحركة من الاتفاق، وكان تحفُّظ الحركة الأساسي هو غياب الضمانات لالتزام الجانب الإسرائيلي في الاتفاق. ويُرجح أن تلتزم حركة الجهاد الإسلامي في النهاية بالاتفاق، إذا شمل الاتفاق انسحاباً إسرائيلياً موازياً لنزع السلاح.
يمكن الإشارة إلى مجموعتين من الأسباب التي دفعت “حماس” إلى الموافقة على خطة مجلس السلام:
1. السياق السياسي والعسكري في القطاع
أولاً، استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في القطاع وتصعيدها في الفترة الأخيرة، ووفق معطيات وزارة الصحة الفلسطينية فقد قُتِل في خلال العمليات الإسرائيلية، منذ اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، ما يقارب 1250 فلسطينياً (حتى 3 أغسطس) وجُرح نحو 4100 فلسطيني. وفي شهر يوليو وحده قُتل 150 فلسطينياً جراء العمليات العسكرية في القطاع. بالإضافة إلى ذلك لا يزال الجيش الإسرائيلي يُنفِّذ اغتيالات لمسؤولين وعناصر عسكرية تابعة لحركة حماس، مما يدل على أن إسرائيل لم تلتزم باتفاق وقف إطلاق النار بذريعة عدم نزع “حماس” لسلاحها.
ثانياً، استمرار التوسع الإسرائيلي في القطاع، فطبقاً لمعطيات إسرائيلية، وبأوامر من المستوى السياسي، وسّع الجيش المنطقة الصفراء من 53% من مساحة القطاع، وفق اتفاق وقف إطلاق النار، إلى 60%-70% من إجمالي مساحة القطاع.
ثالثاً، عدم امتلاك “حماس” أوراقاً ضاغطة على إسرائيل، فقد سلَّمت جميع الأسرى والمحتجزين الإسرائيليين الأحياء والأموات في أعقاب الاتفاق، وكانت هذه هي الورقة الأهم لديها أمام إسرائيل، في حين أن خيار المقاومة والعمليات المسلحة ضد الجيش الإسرائيلي ترتد عليها سلبياً، وتعطي مبرراً لإسرائيل لانتهاك كامل للاتفاق، فضلاً عن تراجُع قدراتها العسكرية الهجومية في أعقاب الحرب، وتحصين الجيش الإسرائيلي لقواته في المنطقة الصفراء بعوائق عديدة.
2. توصُّلها إلى تسوية في الاتفاق مع مجلس السلام تُمكِّنها من الموافقة عليها
أولاً، تخزين السلاح بدل تدميره، فوفق الاتفاق ستُشرف اللجنة الوطنية الفلسطينية على حصر السلاح وجمعه وتخزينه، وهذا يتفق مع ما روَّجت له “حماس” سابقاً من أنها مُستعدة لتسليم سلاحها إلى جهة فلسطينية تحكم غزة.
ثانياً، تفكيك المليشيات المسلحة التابعة لإسرائيل، وهي مسألة كانت مُقلقة لحماس، فنزع سلاحها مع بقاء سلاح المليشيات المسلحة التابعة لإسرائيل سيضعها في خطر، كما وافق مجلس السلام على عدم مشاركة أعضاء هذه المليشيات في الأجهزة الأمنية والشرطية في قطاع غزة.
ثالثاً، الحفاظ على مكانة الجهاز البيروقراطي الحكومي، وتعدُّ هذه المسألة من القضايا المهمة لحماس، فكانت حريصة على الحفاظ على استمرارية عمل الموظفين في الجهاز الإداري الحكومي، بما يضمن بقاء موظفيها في الوزارات الحكومية، وعدم تدفيعهم ثمن الانتقال الحكومي بعد دخول اللجنة الوطنية للقطاع.
رابعاً، الانسحاب الإسرائيلي المتزامن، إذ ينصُّ الاتفاق على بدء الانسحاب الإسرائيلي بعد بدء عملية حصر السلاح، بحيث يكون الانسحاب متزامناً ومُوازياً لتفكيك السلاح (وهو شرط تراجع عنه مجلس السلام كما سنبين لاحقاً).
خامساً، دخول اللجنة الوطنية وبدء إعادة الإعمار؛ فدخول اللجنة الوطنية لقطاع غزة يمثل بدء المرحلة الثانية من خطة ترمب، وإدارة الجانب الخدماتي في القطاع، وهو ما يُحرر “حماس” من مسؤولياتها الحكومية تجاه السكان، ويُبشِّر ببدء عملية إعادة الإعمار في قطاع غزة.
الموقف الإسرائيلي من الاتفاق
في تحليل للمواقف الإسرائيلية الرسمية، يتضح أن إسرائيل رفضت خريطة الطريق التي اقترحها مجلس السلام، وأشارت مصادر إسرائيلية إلى أن إسرائيل صُدِمت بعد الإعلان عن الاتفاق مع “حماس”. أعلن وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، الذي يعارض كل اتفاق وتسوية، عن معارضته لخريطة الطريق، مُطالباً باحتلال قطاع غزة، وتهجير سكانه، والاستيطان فيه. في السياق نفسه، بعث الوزيران من قائمة الصهيونية الدينية، بتسلئيل سموتريتش وأوريت ستروك، برسالة إلى بنيامين نتنياهو يطالبانه بإعادة التصويت في “الكابنيت” على دخول قوة الاستقرار الدولية لقطاع غزة، والتي جرى الموافقة على ذلك عشية سفر نتنياهو إلى واشنطن للمشاركة في جنازة ليندسي غراهام.
وإلى جانب معارضة الائتلاف الحكومي، أبْدت أطراف من المعارضة رفضها للاتفاق، مُنتقدةً نتنياهو بالقول إنّ الاتفاق يشير إلى أنَّه فقد السيطرة على إدارة شؤون قطاع غزة، وأنه يفرض على إسرائيل، مرة أخرى، اتفاقاً يتناقض مع مصالح إسرائيل، ورأى نفتالي بينيت أن على إسرائيل معارضة الانسحاب من الخط الأصفر، حتى نزْع كامل وشامل للسلاح في القطاع.
وفي أعقاب نشر نص الاتفاق/خريطة الطريق، التقى الممثل الأعلى لمجلس السلام في قطاع غزة نيكولاي ملادينوف بنتنياهو في 3 أغسطس لنقاش بنود الاتفاق، وجاء اللقاء بعد يوم من تصريحات ناقدة لملادينوف بسبب استمرار القصف الإسرائيلي ومقتل 15 فلسطينياً في غزة في إحدى الهجمات التي نفَّذها الجيش الإسرائيلي والتي جاءت بعد الاعلان عن الاتفاق مع “حماس”، والتي كان واضحاً أن الهدف منها تفجير الاتفاق. وفي أعقاب اللقاء عدّل مجلس السلام بيانه بالقول إن الانسحاب الإسرائيلي سيكون بعد إتمام عملية نزع السلاح وليس بالتزامن معه، وشُطِبَت كلمة “الانسحاب الكامل” من التعديل الذي نشرته، في الوقت الذي أكد فيه وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن إسرائيل لن تنسحب بتاتاً من المنطقة الصفراء حتى بعد نزع سلاح الفصائل الفلسطينية.
وفي اليوم التالي للقاء مع ملادينوف، صرّح نتنياهو بشكل واضح أن إسرائيل تُعارِض الاتفاق، ولن تنسحب إلا بعد التأكد من نزع كامل لسلاح حركة حماس، وأن الجيش سيستمر بعملياته في قطاع غزة، وأنه أرسل ملاحظاته على الاتفاق إلى الإدارة الأمريكية. وجاء تصريح نتنياهو متحدياً للرئيس ترمب الذي قال في وقت سابقإن إسرائيل راضية عن الاتفاق.
تتركز التحفظات الإسرائيلية على الاتفاق في ثلاث مسائل: الانسحاب من قطاع غزة وتجميد حرية العمل العسكري لقواتها في القطاع، وتخزين السلاح وتسليمه لجهة فلسطينية إذ تطالب بتدميره، ومشاركة تركيا وقطر في لجنة التحقق حول تطبيق الاتفاق إذ تعدُّ إسرائيل أن مشاركتهما في الاتفاق تهدف لشرعنة الوجود السياسي لحركة حماس في مستقبل قطاع غزة.
أدت المعارضة الإسرائيلية للاتفاق إلى فتح مسودة الاتفاق من جديد، لاسيّما فيما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي، ويبدو أن إسرائيل تعهَّدت بتقليص هجماتها في قطاع غزة، وزيادة دخول المساعدات الإنسانية، ولكن قضية الانسحاب تحظى بمعارضة إسرائيلية شديدة. وَعدَّت المؤسسة الأمنية والعسكرية أن الاتفاق فُرض على إسرائيل دون حوار معها، وعليها التعامل معه من خلال وقف الاغتيالات لمدة 14 يوماً، وعدم الظهور وكأن إسرائيل تُفشِل الاتفاق، لكنَّها في الوقت نفسه تعتقد بأن على إسرائيل العودة من جديد إلى الحرب في القطاع. بكل الأحوال عبّرت المؤسسة العسكرية عن معارضتها الانسحاب من قطاع غزة، وانسجمت في موقفها مع موقف الحكومة الإسرائيلية.
في المقابل يقترح أودي ديكل، الباحث في معهد دراسات الأمن القومي، أن على إسرائيل الاعلان عن قبولها المبدئي للاتفاق، الذي يهدف لنزع سلاح حماس، لأن البديل المتمثل باحتلال كل قطاع غزة سيكون له تداعيات سلبية على إسرائيل، وعليها ضمان أن يشمل الانسحاب وجود منظومة رقابة صارمة على نزع السلاح، وانتقال حقيقي للمسؤولية الأمنية إلى اللجنة الوطنية الفلسطينية.
أدَّت التحفظات الإسرائيلية على الاتفاق إلى غضب المسؤولين الأمريكيين من إسرائيل، سيّما أنها، وفق المصادر الأمريكية، كانت على علم منذ شهور بالمقترح الذي قدمه مجلس السلام لحماس. وأرسل نتنياهو رون ديرمر، الوزير السابق وسفير إسرائيل في الولايات المتحدة سابقاً، إلى واشنطن لتخفيف التوتر مع الإدارة الأمريكية وإقناع المسؤولين الأمريكيين بوجهة النظر الإسرائيلية.
السيناريوهات المحتملة
بناء على ما جاء في الورقة، يُمكن الإشارة إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة لسياسات إسرائيل تجاه قطاع غزة إثر اتفاق مجلس السلام مع “حماس”.
السيناريو الأول، الاستمرار في الرفض الصارم للاتفاق وفشله
ينطلق هذا السيناريو من أن إسرائيل ستُصرُّ على رفض الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين “حماس” ومجلس السلام، وعدم التعاطي معه نهائياً، واستمرار سياستها في القطاع من حيث العمليات العسكرية، والتوسع الجغرافي، وتعطيل تطبيق المرحلة الثانية من خطة ترمب. وفي المقابل، سترفض “حماس” الملاحظات الإسرائيلية على الاتفاق، لاسيّما فيما يتعلق بنزع سلاحها بالكامل قبل الانسحاب الإسرائيلي؛ ما يعني العودة إلى المربع الأول.
يخدم هذا السيناريو الحكومة الإسرائيلية التي لا ترغب في أيّ تقدم سياسي في قطاع غزة، وتُعارِض تطبيق المرحلة الثانية من الاتفاق، على الأقل قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر المقبل. ففي حال رفضت “حماس” الملاحظات الإسرائيلية فسيكون من السهولة على إسرائيل الادعاء أن “حماس” هي من أفشلت الاتفاق، وبخاصة بعد التعديل الذي أصدره مجلس السلام، والذي انسجم مع الموقف الإسرائيلي بعدم انسحاب إسرائيل حتى يتم تنفيذ نزع السلاح بشكل كامل. وفي المقابل، لن تثق “حماس” بوعود إسرائيل تلك، وخاصة بعد انتهاك إسرائيل للاتفاق بعد تسليم الأسرى والمحتجزين الإسرائيليين، واستمرار العمليات العسكرية في القطاع، على رغم أن الاتفاق في اكتوبر الماضي ينص على وقف جميع العمليات العسكرية من جانب الطرفين، ففي حين التزمت “حماس” بذلك استمرت إسرائيل بعملياتها بشكل متصاعد، لاسيّما الاغتيالات.
يواجه هذا السيناريو عقبة الموقف الأمريكي الداعم للاتفاق، فقد يتفهَّم الجانب الأمريكي بعض التحفظات الإسرائيلية، ولكنَّه لن يتفهم معارضة إسرائيل المطلقة للاتفاق. وقد يؤدي الموقف الإسرائيلي المعارض للاتفاق إلى تعميق التوتر بين ترمب ونتنياهو، ويزيد الضغط الدولي والإقليمي على إسرائيل، وهو ما بدأت أولى مؤشراته مع إعلان ثماني دول عربية وإسلامية في 6 أغسطس إدانتها “الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في قطاع غزة”، التي وفق البيان تُمثِّل “خرقاً واضحاً لالتزامات إسرائيل بموجب القانون الدولي والخطة الشاملة لإنهاء النزاع في غزة، وتقوض الجهود الدولية والإقليمية الرامية إلى تنفيذ المرحلة الثانية من الخطة، خاصة في أعقاب إعلان فخامة الرئيس دونالد ترمب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، قبول الفصائل الفلسطينية خريطة الطريق، بما في ذلك ما يتعلق بحصر السلاح”.
السيناريو الثاني، قبول جزئي للاتفاق
ينطلق هذا السيناريو من أن إسرائيل قد تقبل جزءاً من الاتفاق، على نحو تقليص عملياتها العسكرية، والسماح بدخول اللجنة الوطنية الفلسطينية، وزيادة دخول المساعدات الإنسانية، والسماح بتنفيذ المنطقة التجريبية في جنوب القطاع، ودخول قوات من قوة الاستقرار الدولية لجنوب القطاع، ولكنها مقابل ذلك سترفض الانسحاب من المواقع التي احتلتها بعد اتفاق وقف إطلاق النار. يهدف هذا السيناريو إلى تخفيف الضغط الأمريكي على إسرائيل للانسحاب إلى الخط الأصفر الأصلي، وتفهُّم الإدارة الأمريكية للموقف الإسرائيلي بعدم الانسحاب قبل نزع كامل للسلاح.
يواجه هذا السيناريو تحديات داخلية ترتبط بمعارضة اليمين المتطرف في الحكومة لهذا الاتفاق بشكل كامل، والمطالبة بإعادة التصويت مرة أخرى على خطة المنطقة التجريبية، مما يدفع نتنياهو، في سياق الانتخابات المرتقبة، إلى قبول موقف شركائه من اليمين المتطرف. كما يواجه السيناريو عوائق خارجية تتمثل بموقف حركة حماس الرافض للشرط الإسرائيلي بعدم بدء الانسحاب بالتزامن مع نزع السلاح، مما يجعل الموافقة الإسرائيلية على أجزاء من الاتفاق تنازلاً إسرائيلياً دون ثمن نزع السلاح.
السيناريو الثالث، قبول إسرائيل بالاتفاق مع تعديلات طفيفة
ينطلق هذا السيناريو من أن إسرائيل سترضخ للضغط الأمريكي بقبول الاتفاق مع إجراء تعديلات طفيفة عليه. يعتمد هذا السيناريو على الانفراج الحاصل في المباحثات الأمريكية-الإيرانية، وربما رغبة ترامب في تحقيق إنجاز آخر في قطاع غزة، لاسيّما بأنه وصف الاتفاق بأنه “تاريخي”، وسيَعدُّ المعارضة الإسرائيلية تحدياً علنياً له، ومحاولة لانتزاع هذا الإنجاز منه. ويعتمد الضغط الأمريكي على إسرائيل للقبول بالاتفاق في أنه يُحقق أهداف الحرب الإسرائيلية، سيما إنهاء حكم “حماس” وتفكيك سلاحها، لذلك سترى الإدارة الأمريكية أنه لم يعد هناك مبرر لرفض إسرائيل للاتفاق وبقاء احتلالها في قطاع غزة.
يواجه هذا السيناريو تحدياً أساسياً متمثلاً في معارضة اليمين للاتفاق، واعتباره تنازلاً عن الأهداف الكبرى في بقاء الاحتلال والاستيطان، وسيعُدّه نتنياهو مسَّاً خطيراً بمكانته السياسية عشية الانتخابات أمام جمهور اليمين وشركائه السياسيين.
استنتاجات
تعد موافقة “حماس” على التخلي عن سلاحها تطوراً تاريخياً في مستقبل القضية الفلسطينية عموماً، وقطاع غزة خصوصاً. ومع ذلك ترى الحكومة الإسرائيلية الحالية أن بقاء احتلالها لأغلب قطاع غزة هو الهدف الأساس الحالي من سياستها في القطاع. بناء على ذلك، رفضت إسرائيل الانسحاب من القطاع في المرحلة الأولى بعد إتمام صفقة تبادل الأسرى، وترفض الانسحاب بعد التوصل إلى اتفاق نزع السلاح مع حركة حماس. ولأن الاعتبارات الانتخابية تطغى على القرارات الإسرائيلية على جميع الجبهات، وبخاصة في قطاع غزة، فلن يتخذ نتنياهو أي خطوة نحو انسحاب القوات الإسرائيلية في خضم فترة الانتخابات، لعلمه أن ذلك سيزيد من تدهور مكانته في صفوف اليمين الإسرائيلي، ويُكرِّس فكرة تبعيته لترمب.