استخدام التبغ وفيروس كورونا: علاقة مميتة لكن يمكن تلافيها

باتريشيو ماركيز

 

في الوقت الذي نحتفل فيه باليوم العالمي للامتناع عن التدخين في 31 مايو/أيار، لنتمعن تأثير التدخين على نتائج الإصابة بفيروس كورونا  الذي أصاب أكثر من 5.5 مليون شخص في 188 بلدا وإقليما، وقتل أكثر من 350 ألفا.

يرتبط استخدام التبغ ارتباطا سببياً بأمراض تصيب كل أعضاء الجسم تقريبا. وقد وجدت الدراسات التي أجريت في مختلف البلدان أن معدلات الوفاة بين المدخنين متوسطي الأعمار تزيد بمثلي أو ثلاثة أمثالها بين غير المدخنين من الفئة العمرية نفسها، وتقلص متوسط العمر بحوالي عشر سنوات. كما يؤدي التدخين واستخدام السجائر الإلكترونية إلى زيادة خطر العدوى الرئوية وحدتها بسبب التلف الذي يحدثه في الشعب الهوائية، والتهاب الرئتين، وتقليص وظائف الرئة والجهاز المناعي. 

لا غرو إذن أن تشير الدلائل الأولية إلى أن التدخين يشكل أيضا أحد عوامل الإصابة بفيروس كورونا، حيث تزيد حدة المرض بنسبة 1.91 بين المدخنين مقارنة بغير المدخنين.  وهذا الكشف تعززه دراسة أخرى تظهر أن العدوى كانت مقترنة بحدة أشد ومعدلات وفاة أعلى بين المصابين بمرض الانسداد الرئوي المزمن وبين المدخنين الحاليين.

الرجال أكثر عرضة لتفاقم الإصابة بالفيروس

تلقي البيانات الواردة من الصين، أولى البلدان التي ضربها الفيروس، الضوء على الخصائص البيولوجية والوبائية والسريرية لفيروس كورونا. ويكشف تصنيف المرضى حسب الجنس أن غالبية المرضى من الرجال. وكتب باحثون صينيون في دورية نيو إنغلاند الطبية أن 58.1% من المرضى في 30 مقاطعة كانوا من الذكور. كما أن 56% من بين 425 حالة أصيبت في بداية تفشي الفيروس في ووهان كانوا من الذكور. وعلاوة على ذلك، أشار مقال نشر في دورية الجمعية الطبية الأمريكية، إلى أن معدلات الوفاة بين الرجال من المصابين، لاسيما من هم في أواخر الأربعينيات وأكبر سنا، تتجاوز تلك التي بين الإناث.

في حالات التفشي السابقة للفيروسات التاجية، مثل سارز وميرز كان الرجال أيضا هم الأكثر إصابة. ففي هونغ كونغ عام 2003، وجد باحثون أن التعرض لخطر الوفاة بين الرجال المصابين بسارز أعلى بنسبة 50% عنها بين النساء.

بماذا يُفسِّر هذا التفاوت؟

قد تساعد معدلات انتشار التدخين بين الرجال، والذي يؤدي في الغالب إلى اضطراب وظائف الرئة، في تفسير زيادة معدلات الوفاة بين المصابين منهم بفيروس كورونا.

كما يسهم التدخين في بروز حالات مصاحبة، مثل أمراض القلب والشرايين، وسرطان الرئة، والانسداد الرئوي المزمن والسكري. وهذه أكثر انتشارا بين الذكور، كما تزيد من مخاطر اشتداد المرض والوفاة بين مرضى فيروس كورونا.

تسلط البيانات التي توردها مقالة دورية نيو إنغلاند الطبية المزيد من الضوء على تأثير التدخين على تطور الإصابة بكوفيد-19 والوفيات بين المصابين به في الصين.

  • 16.9% من المصابين بنوبة شديدة من هذا المرض كانوا من المدخنين الحاليين، و 5.2% من المدخنين السابقين.
  • 25.8 ممن أودعوا وحدات العناية المركزة أو وضعوا على أجهزة التنفس الصناعي أو توفوا كانوا من المدخنين عند الإصابة بالمرض، و 7.6% منهم من المدخنين في السابق.

تكشف البيانات الواردة من إيطاليا أيضا أن نسبة عالية من مرضى كورونا لهم تاريخ طويل في التدخين ومعدلات عالية من الإصابة بأمراض القلب والانسداد الرئوي المزمن. ووجد باحثون في إندونيسيا أن ارتفاع معدل التدخين أكثر بين الرجال (وهو الأعلى في العالم) يسهم في ارتفاع معدلات الوفاة بالفيروس في البلاد.

وباء التدخين في الصين

لدى الصين أكبر عدد من السكان المدخنين في العالم إذ تضم نحو 316 مليون مدخن بالغ، يشكلون نحو ثلث المدخنين ويستهلكون 40% من التبغ في العالم. وإذا كانت نسبة المدخنين من بين الرجال تصل إلى 48.4%، فإن نسبتهم بين النساء منخفضة جدا إذ تقدر بحوالي 1.9%.

في عام 2010، ألقي باللائمة فيما يقرب من 1.2 مليون حالة وفاة في سن مبكرة بالصين على التدخين، وارتبطت الأسباب الثلاثة الأولى للوفاة (السكتة الدماغية وأمراض القلب والانسداد الرئوي المزمن) باستعمال التبغ. ووجدت دراسة حديثة أيضا أن الصين تشهد وباء من سرطان الرئة على نطاق غير مسبوق، وأن السبب الأكبر في ذلك هو التدخين، وأن هذا المرض كان مسؤولا عن 21.7% من إجمالي وفيات السرطان في البلاد عام 2015.

كيف يؤثر التدخين على صحة الرئة وعلى مخاطر الإصابة بفيروس كورونا؟

كما أوضح تقرير للجراح الأميركي العام عام 2004:

“إن السموم في دخان التبغ تؤذي الجسم منذ لحظة دخولها عبر الفم والأنف. فهي تتلف الأنسجة والخلايا على طول مسارها إلى الرئتين. وعندما يستنشق دخان السجائر، تمتص الرئتان المواد الكيماوية التي يحملها. ومن ثم، يتسبب الدخان في أمراض الرئة…ويزيد حدة أمراض الرئة المزمنة؛ ويفاقم من مخاطر إصابات الجهاز التنفسي… ورغم أن للرئة وسائلها في حماية نفسها من التلف نتيجة المواد المستنشقة، فإن دفاعاتها تنهار أمام اجتياح دخان السجائر الذي يستنشق مرارا مع مرور الزمن. وبعد سنوات من التعرض لدخان السجائر، تتلف أنسجة الرئة وتفقد مرونتها ومن ثم قدرتها على تبادل الهواء بكفاءة.”

وثمة دلائل كافية تثبت وجود علاقة سببية بين التدخين والإصابة بأمراض الجهاز التنفسي المزمنة، بما فيها الالتهاب الرئوي.  ولا يقتصر تأثير التدخين على كونه السبب الأساسي لهذه الأمراض، بل قد يكون هو السبب أيضا في زيادة وتيرتها وحدتها. على سبيل المثال، أظهرت دراسة حديثة أن التدخين يقترن دوما بزيادة حدة الإصابة بالأنفلونزا لدرجة تستوجب دخول المستشفى. كما أوضح الباحثون أنه قد يؤدي إلى زيادة إفراز بروتين محولات إنزيم الأنجيوستين 2 في الرئتين، وهو الجزيء الذي يغزو به فيروس كورونا الخلايا البشرية، ويسهل انتشار الفيروس وربما يزيد معدلات الوفاة بين مرضى كورونا.

ما الذي ينبغي القيام به؟

إلى جانب مراقبة التدخين واستخدام السجائر الإلكترونية، ينبغي على الحكومات أن تتصدى للتدخين في استراتيجياتها لاحتواء تفشي جائحة كورونا والحد من آثارها.  وأقل تدابير السياسات كلفة في مكافحة التدخين هي فرض الضرائب، ولذا على الحكومات أن تتحرك بصرامة وسرعة لزيادة الضرائب على أسعار السجائر والسجائر الإلكترونية. وقد أثبت ذلك قدرته على تقليص استعمال التبغ ومنعه، لاسيما بين الشباب، ومن ثم تحسين الصحة والحد من مخاطر الوفاة المبكرة. ومن شأن فرض الضرائب أيضا توسيع القاعدة الضريبية وتعبئة إيرادات عامة إضافية على مبادرات التعافي الاقتصادي بعد انحسار جائحة كورونا.

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M