(الجهاد الكفائي) … فتوى أم دعوة ؟!

بهاء النجار

من يتابع الإعلام – خصوصاً الشيعي والمتعاطف مع الشعب العراقي ضد داعش – منذ سقوط الموصل ولهذه اللحظة يرى تفاعلاً لا نظير له حول (الجهاد الكفائي) الذي صدر في صلاة الجمعة ، وربما البعض يدفعه الحماس الوطني والديني وفخره بالانتماء الى المرجعية الدينية ، إلا أن هناك سؤالاً يُطرح هل أن (الجهاد الكفائي) الذي طُرِح في ذلك اليوم هو بعنوان الفتوى أم بعنوان الدعوة ؟
فمن الناحية الفقهية تختلف الفتوى عن الدعوة كما لو دعا الفقيه المؤمنين للالتزام بصلاة الليل فهذا لا يعني أنه أفتى بوجوب هذا الالتزام ، أو أنه دعا المؤمنين الى ترك التدخين فليس معناه أنه أفتى بحرمة التدخين ، ومن هذا المنطلق نريد أن نعرف العنوان الذي غلّف (الجهاد الكفائي) كما تريده المرجعية الدينية لا كما تريده وسائل الإعلام وبعض الأحزاب والجهات المسلحة التي ترجع في أمرها الفقهي الى مرجعيات دينية مختلفة داخل وخارج العراق ولا كما يريده الناس والتوجه الشعبي والجماهيري .
وما دفعني لبحث هذا الأمر هو عدة أسباب منها :
1- البحث العلمي الذي يرفض أي إدعاء غير صحيح .
2- بيان حقيقة غائبة عن أذهان الملايين وكشف نوايا من يحاول ركوب موجة الحشد الشعبي والمفخرة التي يسطّرها أبناؤه .
3- محاربة سياسة التجهيل التي تنتهجها بعض الجهات الدينية والسياسية ضد الأمة .
4- تسمية الأشياء بمسمياتها ورفض تقويل المرجعية ما لم تقل .
5- نشر ثقافة الاستدلال التي غابت عن المثقفين فضلاً عن العوام وأدت بشعبنا الى صعود من هب ودب وتعلم بعض الكلمات المنمقة لخداع الناس .
6- الإبقاء على ما يشاع من أن (الجهاد الكفائي) فتوى وليست دعوة يضع المرجعية في موقع علمي محرج ، لأن إصدار فتوى بالجهاد تحتاج الى أساسيات فقهية يعتمدها الفقيه ، كما أن هذه الفتوى تحتاج الى أحكام تتناول تفاصيل المسائل الابتلائية التي يمر بها المجاهدون ، وهذان الأمران كلاهما غير متوفرين وبالتالي يعني إحراج المرجعية من الناحية العلمية .

وسنجيب على هذا التساؤل على خطوتين من خلال الاعتماد على كلمات معتمدي المرجعية الدينية الشيخ الكربلائي والسيد الصافي ، لأن (الجهاد الكفائي) أُخِذ من خطب الجمعة في كربلاء وعلينا مناقشة ما تناوله الخطيبان في الجمعتين التي تلت سقوط الموصل وتكوّن نواة الحشد الشعبي ، والخطوة الأولى هي إثبات عدم وجود دليل يثبت أن (الجهاد الكفائي) الذي أعلِن هو فتوى وذلك من خلال خطبة الجمعة التي كانت بإمامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي يوم 13/حزيران/2014 الموافق لـ 14 شعبان 1435هـ أي بعد سقوط الموصل بثلاثة أيام ، والخطوة الثانية هي إثبات أن (الجهاد الكفائي) هو دعوة من خلال خطبة الجمعة التي كانت بإمامة السيد أحمد الصافي يوم 20/حزيران/2014 الموافق لـ 21 شعبان 1435هـ أي بعد سقوط الموصل بعشرة أيام .

– الخطوة الأولى /
لاختصار الجهد والوقت على الإخوة القرّاء قمت بتقرير خطبة الجمعة التي أطلق فيها (الجهاد الكفائي) والتي كانت بإمامة الشيخ الكربلائي وكالآتي :
أ) كان موضوع الخطبة الأولى حول الإمام المهدي عليه السلام وكيفية التهيؤ له وانتظاره والاستعداد له ، واستمرت هذه الخطبة لمدة 19 دقيقة .
ب) اهتم الخطيب الشيخ عبد المهدي الكربلائي في الخطبة الثانية بالأحداث السياسية التي كانت أهمها وآخرها حادثة سقوط الموصل بأيدي الدواعش وكان أهم ما ورد في هذه الخطبة الآتي :
ابتدأ الخطيب بالثناء والدعاء والصلاة على محمد وآل محمد ثم قال في الدقيقة (21) من المقطع الموجود على اليوتيوب ، إن الأوضاع التي يمر بها العراق وأهله خطيرة ويجب أن يكون لدينا وعي بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقنا وإن هذه المسؤولية مسؤولية شرعية ووطنية ، وأود توضيح ما يأتي (والكلام مازال للشيخ الكربلائي) :
1- ( في الدقيقة 22 من التسجيل ) : أن الإرهابيين يستهدفون جميع المحافظات وليس فقط الموصل وصلاح الدين بل حتى بغداد وكربلاء والنجف ، وأن مسؤولية التصدي مسؤولية الجميع .
2- ( في الدقيقة 23 من التسجيل ) : مسؤليتنا في الوقت الحاضر هو حفظ بلدنا العراق ومقدساته ولا يجوز للمواطنين أن يدب الخوف والإحباط في نفوس أبناء القوات المسلحة .
3- ( في الدقيقة 25 من التسجيل ) : إن السياسيين أمام مسؤولية وطنية وشرعية وترك الخلافات وتوحيد كلمتهم ودعم القوات المسلحة .
4- ( في الدقيقة 26 من التسجيل ) : إن دفاع أبنائنا من القوات المسلحة والأجهزة الأمنية هو دفاع مقدس .
( في الدقيقة 27 من التسجيل ) : نداء للقوات المسلحة للدفاع عن المقدسات : في الوقت الذي تحثكم فيه المرجعية الدينية العليا على الصبر والبسالة والثبات فإنه من يضحي منكم دفاعاً عن أهله وبلده يكون شهيداً ، فالمطلوب أن يحث الأب ابنه والأم ابنها والزوجة زوجها .
5- ( في الدقيقة 28 من التسجيل ) : طبيعة المخاطر المحدقة بالعراق تقتضي الدفاع عن هذا الوطن وأهله وهذا الدفاع واجب على المواطنين بالوجوب الكفائي ، بمعنى إذا تصدى العدد الكافي سقط عن الباقين .
( في الدقيقة 30 من التسجيل ) : على المواطنين الذين يقدرون على حمل السلاح الانخراط في القوات الأمنية .
( في الدقيقة 32 من التسجيل ) : وشرطا التطوع أن يتمكنون من حمل السلاح ومقاتلة الإرهابيين .
6- المطلوب من الجهات المعنية دعم الضباط والجنود الأبطال .

ويمكن الإطلاع على نص الخطبة عبر موقع مكتب السيد السيستاني عبر :
http://www.sistani.org/arabic/archive/24918/

أو مشاهدة الخطبة عبر اليوتيوب على الرابط الآتي :
https://www.youtube.com/watch?v=dgLB-dSSE6A
http://youtu.be/dgLB-dSSE6A

فهل يوجد مما قاله الشيخ الكربلائي شيء يبين أن المرجعية الدينية أفتت بـ(الجهاد الكفائي) ؟! أو لأنه نقل ذلك عن المرجعية ؟! الجواب أكيداً (لا) ، فالنقاط الستة التي ذكرها الشيخ الكربلائي من الخطبة الثانية لم تكن للمرجع السيستاني وإنما هي للشيخ الكربلائي بدليل أنه ابتدأ هذه النقاط الستة بعبارة (وأود توضيح ما يأتي) ، وحتى ضمن هذه النقطة الستة لم ينقل شيئاً عن المرجع السيستاني يدل على فتوى (الجهاد الكفائي) .

الخطوة الثانية /
أما الجمعة التي تلتها والتي صادفت يوم 20/حزيران/2014 الموافق لـ 21 شعبان 1435هـ والتي كانت بإمامة السيد الصافي الذي بيّن أن التطوع لمحاربة داعش هو دعوة ولم يذكر الفتوى أصلاً ، وقد أكد على (الدعوة) عدة مرات :
1- في بداية الخطبة قال : ( في الجمعة الماضية دعت المرجعية الدينية العليا إلى التطوّع للإنخراط في القوات الأمنية للدفاع عن العراق في ظلّ أوضاع صعبة يمرّ بها البلد ) .
2- ثم بدأ يبين عدة نقاط ، فجاء في النقطة الأولى قوله : ( إنّ هذه الدعوة كانت موجهة إلى جميع المواطنين من غير إختصاصٍ بطائفةٍ دون أخرى ) ، وهنا إضافة الى ذكر (الدعوة) فإنه ذكر أنها غير مختصة بطائفة دون أخرى ، ولا يُعقل أن تكون الفتوى غير مختصة بطائفة دون أخرى وتشمل الجميع ، لأنه من المستبعد أن تصدر المرجعية فتوى لكل الطوائف الإسلامية باعتبار أن الفتوى مختصة بمقلدي المرجعية ، بل حتى لا تشمل مقلدي مرجعية أخرى . أما (الدعوة) فيمكن أن توجه الى غير المسلمين أيضاً لأن الشأن عام يهم الجميع .
3- ثم أضاف وضمن نفس النقطة – أي النقطة الأولى – ( الدعوة إلى التطوّع كانت بهدف حثّ الشعب العراقي بجميع مكوّناته وطوائفه على مقابلة هذه الجماعة ) .
4- وأكمل ضمن النقطة الأولى من الخطبة أن ( ولم تكن للدعوة إلى التطوع أي منطلق طائفي ولا يُمكن أن تكون كذلك ) .
5- وفي النقطة الثانية بيّن السيد الصافي : ( إنّ دعوة المرجعية الدينية إنّما كانت للإنخراط في القوّات الأمنية الرسمية وليس لتشكيل مليشيات مسلّحة خارج إطار القانون ) .
6- وضمن نفس النقطة الثانية نقل الصافي شكر المرجعية وتقديرها للذين لبّوا هذه الدعوة بقوله : ( والمرجعية الدينية إذ توجّه بالغ شكرها وتقديرها لمآت الآلاف من المواطنين الأعزّاء الذين استجابوا لدعوتها وراجعوا مراكز التطوّع ) ، وربما لو كان (الجهاد الكفائي) فتوى وليست دعوة لاستبعدنا شكر المرجعية للمتطوعين باعتباره واجب ولا شكر على واجب كما يقال ، فكما أن المرجعية لا تشكر المصلين على صلاتهم والصائمين على صومهم كذلك لا تشكر المجاهدين على جهادهم ، وإن كان هذا الشكر راجحاً ، لكن الشكر هنا يمكن أن يكون قرينة إضافية تثبت أن (الجهاد الكفائي) دعوة وليست فتوى .
ومما سبق يتبين تأكيد معتمد المرجعية على أن (الجهاد الكفائي) دعوة في ستة مواضع ولم يذكر فتوى لا من قريب ولا من بعيد لا نقلاً ولا تأويلاً ، لا تصريحاً ولا تلميحاً .

ويمكن للإخوة الإطلاع على الخطبة على موقع مكتب السيد السيستاني على الرابط :
http://www.sistani.org/arabic/archive/24915/

أو على اليوتيوب :

وربما يرفض البعض هذا الإثبات وقد يكون بدافع وحرص الديني والوطني ، لأن هذا الإثبات يمكن أن يقلل من عدد المتطوعين باعتبار الدعوة ليس كالفتوى ، ولكني أجيب هؤلاء الأعزة : إن الغاية لا تبرر الوسيلة ، فليس من الشرع في شيء أن نشرعن عملاً لم يثبت بدليل كي نحقق شيئاً نراه مهماً ، لأن رؤيتنا مهما كانت لا تصل الى مستوى رؤية المرجعية ، والمرجعية مهما بلغت من العلم فلا يحق لها أن تفتي بما ليس لها به علم ، ولو كانت الفتوى أنفع لنا من الدعوة لأفتت المرجعية بذلك ولم تدعو ، ومن يعتبر الدعوة تضعّف الحشد الشعبي فهذا يتهم المرجعية بذلك ، لذا علينا أن نبرئ ذمتنا باتخاذ الطريق القويم الدقيق الذي يتم إثباته بصورة علمية بعيدة عن الخيال والعواطف وأن لا ننجر وراء أهوائنا ومخططات بعض الجهات التي تريد أن تصعد فوق أجسادنا لتبلغ آمالها .

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M