- تستهدف المبادرة الأمريكية الأخيرة بشأن ليبيا توحيد السلطة في البلاد عبر صفقة براجماتية بين قوى الأمر الواقع، خصوصاً مُعسكري حفتر والدبيبة، مع ربط ذلك بتوسيع الاستثمارات النفطية الأمريكية، أكثر من سعيها لبناء توافق سياسي شامل.
- تكمُن نقطة قوة مبادرة مسعد بولس في استثمار أزمة الازدواج الحكومي والإنفاق الموازي في ليبيا، إذ لم يعد الوضع المالي القائم قابلاً للاستدامة، ما يخلق مصلحة مشتركة لدى الأطراف المسيطرة في توحيد السلطة التنفيذية وزيادة الإيرادات النفطية.
- المشكلة الجوهرية في المبادرة الأمريكية أنها قد تُنتج سلطة ليبية شديدة التركّز يصعب إزاحتها، تجمع بين القرار المالي والاقتصادي، والنفوذ الأمني والعسكري، والاعتراف الدولي، بما قد يُضعِف فرص الانتخابات والتسوية الشاملة.
- استدعت المبادرة الأمريكية الأخيرة حول ليبيا تحالفاً واسعاً من المتضررين محلياً ودولياً، شمل المجالس الليبية الثلاثة، والمبعوثة الأممية، وأطرافاً إقليمية تسعى إلى تعديل المسار الداخلي الليبي بما يحفظ التوازنات ويمنع تهميش مصالحها.
- يبدو أن تعديل مبادرة بولس لا إسقاطها هو المسار الأكثر احتمالاً، بحيث تبقى واشنطن ضامنة لمصالحها الاقتصادية والسياسية، مع إدخال ترتيبات تُراعي مصالح الأطراف الإقليمية والحساسيات المحلية تجاه تركيز السلطة بيد عائلتي/مُعسكري حفتر والدبيبة.
على مدار الأشهر الماضية، كانت مبادرة كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، لإنهاء الانقسام الليبي هي الأكثر إثارة للجدل وجذباً للاهتمام، ربما بشكل يفوق المبادرة الأممية التي تقودها الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه. ويرجع ذلك بطبيعة الحال إلى الثقل الذي تُمثِّله واشنطن، والذي تجسَّد في نجاح الوساطة الأمريكية في تحقيق اختراقات في ملفات مستعصية، مثل توحيد الميزانية، أو جمع قوات من الشرق والغرب في تدريبات عسكرية مشتركة. وكان ثمة مؤشرات على إمكانية تحقيق اختراق أكثر أهمية يتمثل في إنهاء الانقسام على مستوى السلطة التنفيذية نفسها؛ غير أن اقتراب هذا الهدف من التحقُق، وما يمثله من مساس بالتوازنات القائمة، ومن ثم إضرار محتمل بمصالح طائفة واسعة من اللاعبين الرئيسين داخلياً وخارجياً، دفع هؤلاء اللاعبين إلى التحرُّك في الاتجاه المضاد لكبح المبادرة، وفي هذا السياق، شهد الأسبوع الثالث من يونيو صدور “وثيقة مبادئ” وُقِّعَت من رؤساء المجالس الثلاثة، الرئاسي والنواب والدولة، أعلنوا في خلالها توافقهم على الخطوات اللازمة لتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية بحلول 17 فبراير 2027؛ وقد تبع ذلك عدداً من التحركات الكثيفة داخلياً وخارجياً تفاعلاً مع تلك التطورات.
اليوم تبدو الاستقطابات بشأن مبادرة بولس على أشدها، الأمر الذي يسترعي التوقُف أمام التفاعلات الدائرة لدراسة مآلاتها المحتملة.
المبادرة الأمريكية وإشكالياتها
بدأ بولس أولى زياراته إلى ليبيا في يوليو 2025، ثم تبعها عدداً كبيراً من اللقاءات بين مسؤولين ليبيين وأمريكيين داخل ليبيا وخارجها على مدار عام كامل. وفي ذلك العام كشفت العديد من المؤشرات والتقارير الصحفية عن بدء تبلور مبادرة أو خطة أمريكية لإنهاء الانقسام المؤسسي وتوحيد السلطة في ليبيا؛ ومع ذلك لم يتم التصريح بشكل رسمي عن فحوى المبادرة إلا في شهر يونيو 2026، عبر حوار أجرته صحيفة “فاينانشال تايمز” الأمريكية مع بولس، الأمر الذي عُدَّ مؤشراً على اكتمال اللمسات الأخيرة للمبادرة، ومن ثم تهيئة الرأي العام الليبي والدولي لقبولها.
تقوم المبادرة الأمريكية، وفق تصريح بولس نفسه، على “جمع المؤسسات الليبية المنقسمة تحت سلطة واحدة، بالتوازي مع تشجيع شركات النفط الأمريكية على الاستثمار في البلاد”. وبذلك يمكن عَدُّ هذه المقاربة تجسيداً حرفياً لما اصطلح على تسميته بـ “دبلوماسية الصفقة” بوصفها مبدأً رئيساً في السياسة الخارجية لإدارة الرئيس ترمب الثانية. ولعل الجزء الأكثر إثارة للجدل، وفق ما كشفت عنه تسريبات وكالة نوفا الإيطالية في فبراير الماضي، هو ما يتعلق بتنصيب صدام حفتر على رأس المجلس الرئاسي، واستمرار الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.
وفي هذا السياق، يمكن تسجيل عدد من الملاحظات بشأن مبادرة مسعد بولس، ونقاط القوة والضعف فيها، وذلك على النحو الآتي:
- لا تستهدف المبادرة الأمريكية بناء شرعية توافقية عريضة، بقدر ما تعمل بشكل براجماتي على خلق أرضية مشتركة بين قوى الأمر الواقع، مِمَّن يسيطرون بالفعل على مفاتيح السلطة شرقاً وغرباً. وبقدر ما يؤمّن ذلك القدرة على إنفاذ المبادرة على أرض الواقع، فإنَّه يوسّع من قاعدة الأطراف المتضررة التي ستتعرض للتهميش من دوائر السلطة.
- تستغل المبادرة نقطة ضعف جوهرية لدى الأطراف الليبية المسيطرة شرقاً وغرباً، تتمثَّل في أن الازدواج الحكومي القائم هو وضع غير قابل للاستدامة من الناحية المالية، وفقاً لمعدلات الإنفاق القائمة، مع تأكيد المصرف المركزي بشكل متكرر عجزه عن الاستمرار في تغطية نفقات الحكومتين؛ الأمر الذي يجعل هناك مصلحة مشتركة في توحيد السلطة التنفيذية للحد من الإنفاق الموازي من جهة، ومن جهة أخرى التوسّع في الاستثمار في القطاع النفطي لزيادة الإيرادات العامة، وهو ما يلتقي مع مصالح واشنطن في هذا الخصوص.
- لا تتجاهل المبادرة مسألة الانتخابات، والتوصل إلى تسوية شاملة للصراع فقط، لكنَّها أيضاً تخلق وضعاً جديداً يحوُل دون تحقيق تلك الأهداف؛ فالسلطة الموحدة المرتقب تأسيسها من المزمع أن تجمع بين الإمساك بالقرار المالي والاقتصادي، والسيطرة الأمنية والعسكرية، والاعتراف الدولي، ولم يسبق أن شهدت ليبيا معادلة حكم تشهد تركّز للسلطة وتجتمع فيها تلك العناصر على هذه الشاكلة في فترة ما بعد 2011، ما يعني عملياً صعوبة إزاحة التحالف الجديد من الحكم في حال تشكّله، لاسيما أن هذا التحالف لن تكون لديه مصلحة في السماح بإجراء انتخابات.
وبهذا، يمكن القول إنَّه على الرغم من وجود عوامل موضوعية تعزز حظوظ نجاح هذه المبادرة، لاسيما في ضوء ثقل الدور الأمريكي قياساً ببقية اللاعبين الدوليين، لكنَّها تستدعي -في المقابل- منطق “تحالف المتضررين”، لاسيما مع ما تمثله المبادرة من إخلال جسيم بالتوازنات المحلية والإقليمية والدولية القائمة في ليبيا، ومن ثمَّ تهميش محتمل لمصالح عدد من اللاعبين الرئيسين.
المواقف الداعمة والمُعارِضة
في خلال عام مضى من التحركات الكثيفة لبولس، انعقد لقاءان رئيسان جمعا بين المبعوث الأمريكي وكلٍّ من صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة، الممثلين الرئيسين لمعسكريّ الانقسام في التفاوض حول “صفقة الحكم” الجديدة؛ كان الاجتماع الأول في روما سبتمبر 2025، والثاني في باريس يناير 2026، وبحضور مسؤولين كبار ممثلين لحكومة العاصمة المستضيفة لكل لقاء، الأمر الذي يعني ضمناً انخراطاً إيطالياً فرنسياً في تفاصيل الصفقة، وهو ما يدعمه حقيقة أن شركتيّ توتال إينرجيز الفرنسية وإيني الإيطالية، كانتا الأكثر عقداً للصفقات في قطاع النفط والغاز في ليبيا خلال تلك الفترة، إلى جانب شركتيّ شيفرون وكونوكوفيليبس الأمريكيتين.
في مقابل ذلك، بدا أن ثمة أطرافاً شتى متضررة من هذا المسار. ومن أولى التحركات المبكرة في هذا الإطار تلك التي اضطلع بها محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي، الذي عقد عدداً من اللقاءات مع طائفة واسعة من مراكز القوى المحلية (ممثلي بلديات وأعيان وقبائل…إلخ) في خلال عام 2026. غير أن التحرك الأكثر حنكة لإثارة العقبات أمام المقاربة الأمريكية جاء من المبعوثة الأممية هانا تيتيه، فبدلاً من المعارضة الصريحة لمبادرة بولس، عملت تيتيه على توظيف منطق “حصر التفاوض على قوى الأمر الواقع” الذي اعتمده المبعوث الأمريكي منذ البداية، من أجل توسيع أجندة التفاوض لتشمل قضايا الانتخابات (وليس فقط تشكيل حكومة موحدة)، وهي القضايا المستبعدة ضمناً من مبادرة بولس.
وقد اقترحت المبعوثة تيتيه تشكيل لجنة مصغرة 4+4، تكون ممثلة لمعسكريّ حفتر والدبيبة، حيث عُهد إليها بالتفاوض على التوّصل إلى تفاهمات بشأن القضايا المستعصية، التي يتلكأ مجلسا النواب والدولة في التفاوض بشأنها، وتحديداً قضايا الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات، وتشكيل مجلس جديد للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات. وعبر اجتماع في روما (عُقِدَ في شهر أبريل) واجتماعين في تونس (عُقدا في شهري مايو ويونيو) حققت اللجنة تقدماً في التفاهم حول إعادة تشكيل المفوضية، لكن في المقابل لا تزال الخلافات قائمة داخل اللجنة بشأن القوانين الانتخابية، والجدول الزمني للانتخابات.
ومع كشف بولس رسمياً عن المبادرة، أعلنت المجالس الثلاثة بتاريخ 18 يونيو توافقها على إجراء الانتخابات بحد زمني أقصى هو 17 فبراير 2027، وفق القوانين الانتخابية التي تنجزها لجنة 6+6 المفعّلة حالياً، والاتفاق كذلك على إطار قانوني جديد يضمن الرقابة الشاملة على قطاع النفط، والغاز، والمياه، والمعادن. والنقطة الأخيرة تستهدف بطبيعة الحال الشق الاقتصادي في مبادرة بولس، والذي يمثل الأرضية المشتركة لمصالح الأطراف المستفيدة والداعمة لتنفيذ المبادرة.
رداً على وثيقة المبادئ، أصدرت القيادة العامة للجيش في شرق ليبيا بياناً مرحّباً لمبادرة بولس، تبعه بياناً مماثلاً موقّعاً من 47 عضواً من أعضاء مجلس النواب، وفي المقابل هدّد رئيس لجنة الإنفاق الموحد بمجلس النواب بانسحاب المجلس من اتفاق توحيد الإنفاق العام، الذي يعد أحد منجزات بولس في تنفيذ مبادرته. وبذلك أصبح الانقسام السياسي في شرق ليبيا واضحاً على نحو غير معتاد.
إقليمياً، أتى التحرُّك الأبرز عبر اجتماع استضافته القاهرة بتاريخ 20 يونيو، بين وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا مع بولس، تبعه في اليوم التالي زيارة اللواء حسن رشاد، رئيس جهاز المخابرات المصرية إلى العاصمة طرابلس، حيث التقى عبد الحميد الدبيبة، ليعود إلى القاهرة ويلتقي مساء نفس اليوم كلاً من مسعد بولس وصدام حفتر في لقاء مشترك. وعلى صعيد آخر زار رئيس المخابرات التركية إبراهيم قالن كلاً من مدينة بنغازي، حيث التقى صدام حفتر، ومدينة طرابلس، حيث التقى الدبيبة، يوميّ 22 و23 يونيو على التوالي.
وتُمثِّل الأطراف الإقليمية التي شاركت بشكل مباشر في لقاء القاهرة جزءاً من الرباعية التي تشكلت على مدار الشهور الماضية، أي مصر والسعودية وتركيا وباكستان، ما يعكس حرص تلك الأطراف على تنسيق مواقفهم في الملفات الإقليمية ذات الصلة بمصالحهم. كما تُشير تلك التحركات الكثيفة التي تقودها القاهرة، بانخراط بولس نفسه، إلى وجود طرح معدّل مُحتمَل لمبادرة بولس (وليس نقيضاً، أو رافضاً لها) تعمل عليه مصر بمشاركة الأطراف الاقليمية المذكورة.
وإلى جانب هذه التحركات، يمكن ملاحظة الغياب النسبي للموقف الروسي الرسمي تجاه التطورات الأخيرة التي يشهدها الملف الليبي، وإن ظلت تصريحات المسؤولين الروس في خلال الشهور الماضية تُشدِّد على ضرورة عدم إقصاء أي طرف من التسوية، وعدم فرض حلول خارجية على الليبيين. ويمكن تفسير الغياب الملحوظ لموسكو بأن الطرف الأقرب لها تقليدياً في ليبيا، والمتمثِّل في القيادة العامة، هو الطرف المنخرط في التقارب الجديد اقتصادياً وعسكرياً مع واشنطن في خلال الشهور الأخيرة، الأمر الذي يسمح بطرح فرضية انخراط موسكو في كواليس التحرك الذي قاده رؤساء المجالس الليبية الثلاثة عبر إصدار وثيقة المبادئ.
المسارات المحتملة
تتوقف السيناريوهات المحتملة للمبادرة الأمريكية الأخيرة حول ليبيا على التفاعل بين عدد من العوامل، أبرزها: مستوى التفاهُم بين واشنطن والأطراف الإقليمية؛ ومدى تماسُك جبهة شرق ليبيا؛ وإمكانية توسيع قاعدة الأطراف المستفيدة محلياً؛ ومدى الربط والتكامل بين المبادرة الأمريكية والمبادرة الأممية؛ والكيفية التي ستُدار بها الانقسامات داخل معسكر غرب ليبيا.
وفي إطار التفاعل بين هذه العوامل، يمكن طرح السيناريوهات الثلاثة الآتية:
السيناريو الأول، دمج المبادرتين الأمريكية والأممية. ويفترض هذا السيناريو إمكانية الربط الشرطي بين المبادرتين، مع توفير ضمانات أمريكية صارمة بإلزام الأطراف الليبية بتنفيذ مختلف الخطوات المتفق عليها، وتوظيف أداة العقوبات في حال عدم الالتزام. والمنطق في ذلك، أنَّ تشكيل حكومة موحدة وإنهاء الانقسام المؤسسي، والذي يمثل المستهدفات الرئيسة لمبادرة بولس، يعد خطوة أولى لازمة لتنفيذ الخطة الأممية، ويعد التكاملُ بين المبادرتين الهدفَ الذي دفع المبعوثة الأممية نحو تشكيل لجنة 4+4؛ كما أن بولس نفسه في حواره مع “فاينانشال تايمز” أشار صراحة إلى أن خطته قد تصبح جزءاً من حزمة متكاملة، وترتيباً قصير الأجل يسبق إجراء الانتخابات.
السيناريو الثاني، تعديل المبادرة الأمريكية. يفترض هذا السيناريو قيام الأطراف الإقليمية بمقايضة مع واشنطن، تُحقَّق بموجبها عدة عناصر؛ أولها، ضمان المكاسب الاقتصادية لواشنطن في ليبيا، ممثلة في الاستثمارات النفطية، وتوفير بيئة مؤسسية وأمنية حاضنة وداعمة لنمو تلك الاستثمارات، وكذلك مواصلة الدور الأمريكي في دعم التوصُل إلى ترتيبات جديدة تنهي الانقسام القائم؛ لكن مع إتاحة دور أكبر للأطراف الاقليمية الأكثر خبرة بتفاصيل الملف الليبي، وتحديداً مصر وتركيا، في وضع الترتيبات النهائية للسلطات الجديدة، بشكل يُراعي التوازنات بين مراكز القوى المحلية، ومصالح تلك الدول نفسها.
ولعل المنطق في هذا السيناريو يتمثل في نقطتين: الأولى، عدم تقيُّد واشنطن بأشخاص بعينها، وأن ما يهم الإدارة الأمريكية بالأساس هو تحقيق مصالحها الاقتصادية في المقام الأول؛ والنقطة الثانية، عدم تمسُّك تلك الأطراف الإقليمية بهدف إجراء الانتخابات وفق الرؤية الأممية للتسوية، وأن تلك الأطراف تميل تقليدياً إلى إقرار ترتيبات غير انتخابية مادامت تلك الترتيبات تُراعي مصالحها، وقادرة على تحقيق الاستقرار اللازم.
السيناريو الثالث، تعطيل تنفيذ المبادرة. ويفترض هذا السيناريو أن تنفيذ مبادرة بولس قد تعترض طريق تنفيذها بعض المتغيرات المحتمل وقوعها بشكل متزامن؛ من قبيل تبلور دعم إقليمي وازِن لوثيقة المبادئ الصادرة عن المجالس الثلاثة، وإقدام تلك الأطراف الرسمية على التعاون البنّاء مع خطة تيتيه، لاسيما مع إدراك المجالس الثلاثة أن خروجهم الفعلي من المشهد يبدو حتمياً وفق مبادرة بولس؛ وربما يحصل ذلك بالتوازي مع مساعي بعض الأطراف لتحريك الشارع الليبي، لاسيما في ظل اتساع نطاق المعارضة المحلية للمبادرة، فضلاً عن صعوبة احتواء مصالح العديد من مراكز القوى في مدن غرب طرابلس تحت مظلة التحالف بين عائلتيّ الدبيبة وحفتر.
وفي الاستنتاج النهائي، وفي ضوء ما أحرزته الوساطة الأمريكية من تحقيق تقدم في قضايا جوهرية في ليبيا على مدار الشهور الماضية، لاسيما توحيد الميزانية والتقريب بين شطريّ المؤسسة العسكرية، يصعب تصور إقصاء مبادرة بولس بالكامل بشكل مفاجئ؛ كما يصعب أيضاً إزاحة شقّها السياسي من دون تقديم طرح بديل قابل للتسويق محلياً وإقليمياً؛ لذا فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو إمكانية إدخال تعديلات على مبادرة بولس، على نحوٍ يراعي المصالح والتوازنات الإقليمية من جهة، والحساسية المحلية إزاء مسألة تركيز السلطة المالية والأمنية في يد عائلتيّ حفتر والدبيبة، من جهة أخرى.