النَّهضَةُ الحُسَينِيَّةُ أَثبَتَتْ النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ

عبد الحسين السيد

 

مقدمة نبوية

النبوة أصل من أصول الوجود البشري، والإنساني في هذه الحياة، لأنهم بدؤوا الحياة الدنيا بالنبي آدم (ع) وهو أول مخلوق نزل على هذه الأرض في هذه النشأة ولذا هو أبو البشر الأول ونوح أبوهم الثاني بعد أن أفناهم طوفانه العرم، وهو نبي ورسول وأول أولي العزم.

فبالنبوة بدأت الحياة أولاً، ثم لما تطورت، وتكاملت بدأتها بالرسالة، وهذه الفكرة يجب أن نعيها جيداً لأنها الأساس الفكري والعلمي الذي يجب أن ننطلق منه لنبني عليه أفكارنا في هذا العصر الذي تبلبلت في الأفكار، واحتارت العقول، أكثر من يوم سقوط بابل، أو انهدام سد مأرب في التاريخ، لأننا في عصر الحضارة الرقمية دمَّروا كل المنظومات الفكرية، والقيمية، حتى يصلوا إلى الفوضى العارمة ليفعلوا ما يزينه لهم شيطانهم، أو تسول به أنفسهم الأمارة بالسوء.

والنبوَّة هي الرابطة التي تربط الأرض بالسماء، والخلق بالخالق، والإنسان بالرحمن، ولولا النبوة لكان البشر كالحيوانات الضارية بل ربما أبشع وأشنع فما نراه في هذا العصر من جرائم من الإنسان بحق أخيه الإنسان لا يوجد له مثيل في دنيا الحيوان أصلاً، لأن الإنسان إذا تخلى عن قيم السماء راح يعيث في الأرض فساداً وإفساداً وأول ما يدمر نفسه ويقتل أهله ويهدم حضارته.

فالنبوة هي الحبل المتصل بين السماء والأرض كأشخاص مخلَصين وكمنظومة حاكمة من القيم التي تضبط حركته الشخصية، وعلاقاته الإجتماعية مع أبناء جنسه من البشر، ثم تربط الجميع بالمبدأ الذي خلقهم، ورزقهم، وإليه ينتهون بالمعاد فكل المسألة من بدايتها وحتى ختامها هو الله سبحانه وتعالى، ولكن الخيط الرابط، والحبل الشادد لها إلى بعضها وإلى بارئها هي النبوة كفكرة ربانية لتربِّي البشر بقيم السماء، وتوصل الشرائع الضابطة لكل شيء في هذه الحياة البشرية التي تكون كحياة الغابة في البر، أو كحياة الأسماك في البحر إذا تخلَّت عن فكرة النبوة، أو ابتعدت عن الأنبياء، واتَّبعت الشياطين والأشقياء.

النهضة الحسينية نبوية

والمطَّلع على النهضة الحسينية يجدها نبوية من كل الحيثيات، وإلهية من حيث الأهداف، فهي النهضة التي قامت من أجل تثبيت خط النبوة، ونهج الرسالة، وتأكيد التمسك بحبل الله المتين الذي أنزله من السماء ليُنقذ به أهل الأرض، فكان الإمام الحسين (ع) هو الشخص الذي اختاره الله سبحانه، وعيَّنه ونصبه جده رسول الله (ص) لهذه المهمة الشاقة والصعبة لأنه كان يمثل خلاصة أهل الخيرة، والصفوة من أهل البيت الأطهار (ع) الذين اختارهم الله على علم، وجعلهم سادة وقادة للعالمين من الأولين والآخرين.

وهذا ما جاء عن حفيده العظيم الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) في زيارة الأربعين حيث قال مخاطباً جدَّه الإمام الحسين (ع): (اَللَّهُمَّ إِنِّي أَشْهَدُ أَنَّهُ وَلِيُّكَ، وَاِبْنُ وَلِيِّكَ، وَصَفِيُّكَ وَاِبْنُ صَفِيِّكَ، اَلْفَائِزُ بِكَرَامَتِكَ، أَكْرَمْتَهُ بِالشَّهَادَةِ، وَحَبَوْتَهُ بِالسَّعَادَةِ، وَاِجْتَبَيْتَهُ بِطِيبِ اَلْوِلاَدَةِ، وَجَعَلْتَهُ سَيِّداً مِنَ اَلسَّادَةِ، وَقَائِداً مِنَ اَلْقَادَةِ، وَذَائِداً مِنَ اَلذَّادَةِ، وَأَعْطَيْتَهُ مَوَارِيثَ اَلْأَنْبِيَاءِ، وَجَعَلْتَهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِكَ مِنَ اَلْأَوْصِيَاءِ، فَأَعْذَرَ فِي اَلدُّعَاءِ، وَمَنَحَ اَلنُّصْحَ، وَبَذَلَ مُهْجَتَهُ فِيكَ، لِيَسْتَنْقِذَ عِبَادَكَ مِنَ اَلْجَهَالَةِ، وَحَيْرَةِ اَلضَّلاَلَةِ). (تهذيب الأحكام الشيخ الطوسي: ج6 ص۱۱۳)

هذا النص الصادق حقيقة يحتاج إلى موسوعة لتفيه حظَّه من الشَّرح والبيان، والتوضيح لما انطوى عليه من معارف راقية جداً ولكن سنكتفي بالإشارة والإلماع إلى كلمة واحدة فقط وهي قوله (ع): (وَأَعْطَيْتَهُ مَوَارِيثَ اَلْأَنْبِيَاءِ)، فأي شيء أعطى الله سبحانه وتعالى من مواريث الأنبياء لصفيه وخيرته من خلقه الإمام القائد، والسِّيد الذائد الحسين بن علي (ع)؟

هنا مسألة دقيقة جداً لمَنْ رام وأراد معرفة بعض مقامات وأحوال الإمام الحسين (ع) من هذه الأمة أو حتى من غيرها من الشعوب والأمم ممَّن يتصف بالإنسانية، وهي شاملة لكل البشر أيضاً لأنه ما من إنسان إلا وله ربط وارتباط بالسماء سواء أقر بذلك أو جحد، لأنه جاء من حيث لا يعلم، وسيذهب بالموت إلى حيث لا يدري.

والنهضة الحسينية المباركة ورثت خط الأنبياء جميعاً، أي أنها أثبتت النبوة في هذه الحياة الدنيا رغم أنف الجاحدين والمعاندين للحق المبين، وهو ما نلحظه في كل زيارات الإمام الحسين (ع) المختلفة لا سيما زيارة وارث المشهورة، والمعروفة، فأي شيء ورث الإمام الحسين (ع) من كل الأنبياء والرُّسل من النبي آدم، وحتى جده الرسول الخاتم (صلوات الله عليهم جميعاً)؟

هل ورث ما يرثه الأبناء من الآباء من خصائص وجينات وراثية فقط؟ فإن كان ذلك فهو تحصيل حاصل ولا مزية لسيدنا ومولانا أبو عبد الله الحسين (ع) في هذه الوراثة إذ البشر جميعاً يرثون الجينات الوراثية من آبائهم وأمهاتهم، إلا أننا نعتقد نحن شيعته ومحبوه بأنه من الآل الأطهار من أهل الصفوة والطهارة والنزاهة والشرف والكرامة من الآباء والأمهات بحيث أنهم لم يخالطهم شيء في ذلك فمازالوا يتناقلون من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام المطهرة الزكية من نبي الله آدم (ع) حتى خرج من أبيه وأمه أطهر الطاهرين من آل طه وياسين (صلوات الله عليهم أجمعين)، نعم؛ للإمام الحسين (ع) من هذه الناحية مزية وفضيلة بما ورد في نص الزيارة الصادقية السابقة (وَاِجْتَبَيْتَهُ بِطِيبِ اَلْوِلاَدَةِ).

أم أن الإمام الحسين (ع) ورث أشياء أخرى من هذه السلسلة الذهبية، وهذا الخط القويم والصراط المستقيم المتصل والمشدود بين الخلق من أبي البشر الأول نبي الله آدم (ع) وحتى الرسول الأعظم المصطفى محمد (ص)، وحسب ما نقرأ في زيارة وارث المشار إليها آنفاً، وهي صادقية أيضاً، تقول: (اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ آدَمَ صَفْوَةِ اَللَّهِ، اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ نُوحٍ نَبِيِّ اَللَّهِ، اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اَللَّهِ، اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ مُوسَى كَلِيمِ اَللَّهِ، اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ عِيسَى رُوحِ اَللَّهِ، اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ مُحَمَّدٍ حَبِيبِ اَللَّهِ)، هذه الوراثة الكريمة هي المقصودة، وهي تشمل الأشياء المادية، والمعنوية.

1-الأشياء المادية؛

وهي ما يُعرف بمواريث الأنبياء المادية التي نزلت من السماء كمعاجز لتثبيت النبوة في الأرض، لأن المعجزة؛ “هي خرق للعادة والنواميس والقوانين الطبيعية، لإثبات دعوة النبوة”، وهي أشياء مادية مخصوصة ومنصوصة في الروايات التي ذكرتها لا سيما عن ورثة الأنبياء من الأوصياء من أئمة أهل البيت الأطهار (ع) فعن الإمام الصادق (ع) في رواية طويلة يقول فيها للمفضل بن عمرو: (يَا مُفَضَّلُ وَتَرِكَاتُ جَمِيعِ اَلنَّبِيِّينَ حَتَّى عَصَاةُ آدَمَ، وَآلَةُ نُوحٍ، وَتَرِكَةُ هُودٍ، وَصَالِحٍ، وَمَجْمَعُ إِبْرَاهِيمَ، وَصَاعُ يُوسُفَ، وَمَكَائِيلُ شُعَيْبٍ، وَمِيرَاثُهُ، وَعَصَا مُوسَى، وَتَابُوتُ اَلَّذِي فِيهِ (بَقِيَّةٌ مِمّٰا تَرَكَ آلُ مُوسىٰ وَآلُ هٰارُونَ تَحْمِلُهُ اَلْمَلاٰئِكَةُ)، وَدِرْعُ دَاوُدَ، وَعَصَاتُهُ، وَخَاتَمُ سُلَيْمَانَ، وَتَاجُهُ، وَإِنْجِيلُ عِيسَى، وَمِيرَاثُ اَلنَّبِيِّينَ وَاَلْمُرْسَلِينَ فِي ذَلِكَ اَلسَّفَطِ)، هذا عدا عن ميراث النبوة الخاتمة وهي: (هِرَاوَةُ رَسُولِ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وَخَاتَمُهُ، وَبُرْدَتُهُ، وَدِرْعُهُ اَلْفَاضِلُ، وَعِمَامَتُهُ اَلسَّحَابُ، وَفَرَسُهُ اَلْبُرْقُوعُ، وَنَاقَتُهُ اَلْعَضْبَاءُ، وَبَغْلَتُهُ اَلدُّلْدُلُ، وَحِمَارُهُ اَلْيَعْفُورُ، وَنَجِيبُهُ اَلْبُرَاقُ، وَتَاجُهُ اَلسَّنِيُّ، وَاَلْمُصْحَفُ اَلَّذِي جَمَعَهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) بِغَيْرِ تَبْدِيلٍ وَلاَ تَغْيِيرٍ)، هذا باضافة نعل شيث، وقميص إبراهيم، وحلة إسماعيل، فهذه كلها وغيرها مما ذكر في الروايات المختلفة تكون عند الإمام في عهده وفي عصره الذي يكون فيه ناطقاً بالحق عن الله، وكان الإمام الحسين (ع) هو الأمين المؤتمن على هذا الإرث الرباني كله فوضعه في مأمنه قبل أن يخرج إلى أرض المعراج، وصخرة الشهادة في كربلاء حيث تلتقي الأرض بالسماء وتصطبغ بصبغة دماء وريث الأنبياء.

وهناك في التاريخ أن هذا التراث الرسالي وزَّعه الإمام الحسين إلى قسمين، قسم أودعه عند ابنته فاطمة الكبرى العليلة التي تركها في المدينة المنورة في بيته، والقسم الآخر وضعه عند السيدة أم سلمة زوج النبي (ص)، وأمرهما أن يردا تلك المواريث إلى ولده علي بن الحسين زين العابدين إذا رجع من رحلة السِّبا من الشام مع عمته زينب وثقل النبوة جميعاً.

وذكر المسعودي في إثبات الوصية: “أن الإمام الحسين في كربلاء سلّم ابنه مواريث النبوّة وأخبره بأنه أودع الصحف والسلاح لدى أُمّ سلمة وأنه أوصاها أن تسلِّم كلّ ذلك إلى ابنه علي زين العابدين”، وهذا ما حدَّث به اَلْفُضَيْلُ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): (لَمَّا تَوَجَّهَ اَلْحُسَيْنُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) إِلَى اَلْعِرَاقِ دَفَعَ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ اَلنَّبِيِّ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) اَلْوَصِيَّةَ وَاَلْكُتُبَ وَغَيْرَ ذَلِكَ وَقَالَ لَهَا: إِذَا أَتَاكَ أَكْبَرُ وُلْدِي فَادْفَعِي إِلَيْهِ مَا قَدْ دَفَعْتُ إِلَيْكِ، فَلَمَّا قُتِلَ اَلْحُسَيْنُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) أَتَى عَلِيُّ بْنُ اَلْحُسَيْنِ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) أُمَّ سَلَمَةَ فَدَفَعَتْ إِلَيْهِ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَاهَا اَلْحُسَيْنُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ). (بحار الأنوار ج46 ص۱۸)

وفي رواية أخرى عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ اَلْبَاقِرِ (عليهما السلام) الذي حضر مأساة كربلاء مع جده وأبيه وكان عمره أربع سنوات، قال: (إنّ اَلْحُسَيْنَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) لَمَّا حَضَرَهُ اَلَّذِي حَضَرَهُ دَعَا اِبْنَتَهُ فَاطِمَةَ اَلْكُبْرَى فَدَفَعَ إِلَيْهَا كِتَاباً مَلْفُوفاً ووَصِيَّةً ظَاهِرَةً، وكَانَ عَلِيُّ بْنُ اَلْحُسَيْنِ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) مَرِيضاً لاَ يَرَوْنَ أَنَّهُ يَبْقَى بَعْدَهُ، فَلَمَّا قُتِلَ اَلْحُسَيْنُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) ورَجَعَ أَهْلُ بَيْتِهِ إِلَى اَلْمَدِينَةِ دَفَعَتْ فَاطِمَةُ اَلْكِتَابَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ اَلْحُسَيْنِ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ)، ثُمَّ صَارَ ذَلِكَ اَلْكِتَابُ واَللَّهِ إِلَيْنَا يَا زِيَادُ.. فَقُلْتُ: فَمَا فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: فِيهِ وَاَللَّهِ جَمِيعُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وُلْدُ آدَمَ إِلَى أَنْ تَفْنَى اَلدُّنْيَا). (إعلام الوری: ج۱ ص482)

هذا الإرث الرباني والتراث الحضاري هو ما تحتاج إليه البشرية لبناء حضارتها الراقية وهو عند الإمام الحسين (ع) يوم قتله الأشقياء من طلاب الدنيا وجنود بني أمية الطلقاء، الذين لا يعرفون معنى للدِّين، ولا للجنة والنار، وكل ما يعرفونه أنه الملك والحكم والسلطة، ولذا قال أمير المؤمنين وسيد الوصيين الإمام علي (ع) في أبيات يوضِّح بها ذلك:

وَيَطْلُبُ أَقْوَامٌ مَوَارِيثَ هَالِكٍ *** وَفِينَا مَوَارِيثُ اَلنُّبُوَّةِ وَاَلْهُدَى

فالناس يطلبون مواريث الميت الهالك من الأشياء المادية من مال ومتاع، وأما أهل الله ورعاة الدِّين والرسالة فإنهم يطلبون حفظ الدِّين والرسالة ويتوارثون النبوة والهدى كابراً عن كابر لأن الدنيا لا تساوي عندهم قشرة في فم جرادة تقضمها، ولا حتى عفطة عنز، أو نعلاً مهترئة بالية لا تساوي كسر الدرهم كما قال أمير المؤمنين مراراً وتكراراً.

2- الأشياء المعنوية؛

وهي الخصائص التي اختص بها الأنبياء والرُّسل وتناقلوها إلى أن وصلت صافية كاملة إلى أهل بيت النبوة ومعدن الرِّسلة، وأهل بيت الوحي الأقدس حيث لا يمكن لغيرهم أن ينال شيء منها، وهي على ضروب وتحتاج إلى مزيد من البحث والتدقيق، وسنكتفي ببعض الأشياء المعنوية في هذا الباب الراقي جداً عن تناول أيدي البشر الآثمة، لأنها من الروحانيات والتي لا يمسها إلا المطهرون روحاً وجسداً.

أولاً: روح القدس؛ إن من أعظم ما يؤيِّد به الإمام الحسين (ع) هو وراثته لروح القدس الذي يمكن أن يفعل به كل شيء ما دون العرش، وله ولاية تكوينية على كل شيء فكان من نافلة القول أن الإمام الحسين (ع) لو أراد الانتصار على جيش الأمويين كل أسهل ما يكون أن يأمر الأرض فتبلعهم بلحظة كما بلعت قارون، أو أن يفيض عليهم الفرات فيغرقهم كما أغرق الطوفان كل الفاسقين في عهد نبي الله نوح (ع) ولكن أراد الإمام الحسين (ع) أن يكون ثأر الله ووريث الأنبياء بالطرق الطبيعية ليتم الإمتحان للبشر.

فعَنِ اَلْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَللَّهِ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) سَأَلْتُهُ عَنْ عِلْمِ اَلْإِمَامِ بِمَا فِي أَقْطَارِ اَلْأَرْضِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ مُرْخًى عَلَيْهِ سِتْرُهُ فَقَالَ: يَا مُفَضَّلُ إِنَّ اَللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى جَعَلَ لِلنَّبِيِّ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) خَمْسَةَ أَرْوَاحٍ رُوحَ اَلْحَيَاةِ فَبِهِ دَبَّ وَدَرَجَ، وَرُوحَ اَلْقُوَّةِ فَبِهِ نَهَضَ وَجَاهَدَ، وَرُوحَ اَلشَّهْوَةِ فَبِهِ أَكَلَ وَشَرِبَ وَأَتَى اَلنِّسَاءَ مِنَ اَلْحَلاَلِ، وَرُوحَ اَلْإِيمَانِ فَبِهِ أَمَرَ وَعَدَلَ، وَرُوحَ اَلْقُدُسِ فَبِهِ حَمَلَ اَلنُّبُوَّةَ فَإِذَا قُبِضَ اَلنَّبِيُّ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) اِنْتَقَلَ رُوحُ اَلْقُدُسِ فَصَارَ فِي اَلْإِمَامِ وَرُوحُ اَلْقُدُسِ لاَ يَنَامُ، وَلاَ يَغْفُلُ، وَلاَ يَلْهُو، وَلاَ يَسْهُو، وَاَلْأَرْبَعَةُ اَلْأَرْوَاحُ تَنَامُ وَتَلْهُو وَتَغْفُلُ وَتَسْهُوَ وَرُوحُ اَلْقُدُسِ ثَابِتٌ يَرَى بِهِ مَا فِي شَرْقِ اَلْأَرْضِ وَغَرْبِهَا وَبَرِّهَا وَبَحْرِهَا، قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ يَتَنَاوَلُ اَلْإِمَامُ مَا بِبَغْدَادَ بِيَدِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَمَا دُونَ اَلْعَرْشِ).

ثانياً: وراثة العلم النبوي: والأمر الآخر المعنوي الذي كان من أعظم وراثات الأنبياء هي مسألة العلم اللَّدُنِّي، فالله تعالى يُعطي أنبياءه العلم ويُلقنهم من لدنه ولكل من هم علمه الذي يحتاجه وبه يفوق كل أهل زمانه، والإمام الحسين (ع) ورث جميع علوم الأنبياء فكان وريث علمهم الرباني والكوني، وهذا ما رويَ عن أبي جعفر الباقر (ع) انَّه قال: (إِنَّ اللَّه عَزَّ وجَلَّ جَمَعَ لِمُحَمَّدٍ ص سُنَنَ النَّبِيِّينَ مِنْ آدَمَ وهَلُمَّ جَرّاً إِلَى مُحَمَّدٍ (ص)، قِيلَ لَه: ومَا تِلْكَ السُّنَنُ؟ قَالَ: عِلْمُ النَّبِيِّينَ بِأَسْرِه، وإِنَّ رَسُولَ اللَّه (ص) صَيَّرَ ذَلِكَ كُلَّه عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع). وأمير المؤمنين ورَّثه لأبنائه المعصومين الحسن والحسين (ع) خاصة.

وروى الكليني بسندٍ معتبر عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ جُنْدَبٍ أَنَّه كَتَبَ إِلَيْه الرِّضَا (ع): (أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ مُحَمَّداً (ص) كَانَ أَمِينَ اللَّه فِي خَلْقِه، فَلَمَّا قُبِضَ (ص) كُنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ وَرَثَتَه، فَنَحْنُ أُمَنَاءُ اللَّه فِي أَرْضِه عِنْدَنَا عِلْمُ الْبَلَايَا والْمَنَايَا… نَحْنُ النُّجَبَاءُ النُّجَاةُ، ونَحْنُ أَفْرَاطُ الأَنْبِيَاءِ ونَحْنُ أَبْنَاءُ الأَوْصِيَاءِ ونَحْنُ الْمَخْصُوصُونَ فِي كِتَابِ اللَّه عَزَّ وجَلَّ ونَحْنُ أَوْلَى النَّاسِ بِكِتَابِ اللَّه ..)، فوراثة العلم الإلهي الذي نزل على الأنبياء جميعهم انتهى إلى خاتمهم الرسول الأكرم (ص) وهو ورَّثه لأوصيائه الكرام والإمام الحسين (ع) كان خامس أهل البيت الأطهار (ع) الذين حازوا شرف الأشراف وكانوا أئمة الهدى، وحجة الخالق على المخلوق، ولديهم كل ما تحتاجه البشرية من العلوم اللدنية الربانية ولكن هذه العلوم للبناء لا للهدم، ولعمارة الأرض بالصالحات، وبناء الأمة والحضارة الإنسانية المرتقبة.

ثالثاً: وراثة كتب السماء المنزلة: والمسألة المعنوية التي لا يعلم قيمتها إلا الراسخون في العلم وهي وراثة كتب السماء كاملة، كما نزلت من عند الله تعالى، والإمام الحسين (ع) كان ذلك الوريث لدساتير السماء وقوانينه لأهل الأرض، فعن أَبي عَبْدِ اللَّه (ع) انَّه قال: (إِنَّ سُلَيْمَانَ وَرِثَ دَاوُدَ وإِنَّ مُحَمَّداً وَرِثَ سُلَيْمَانَ، وإِنَّا وَرِثْنَا مُحَمَّداً وإِنَّ عِنْدَنَا عِلْمَ التَّوْرَاةِ، والإِنْجِيلِ، والزَّبُورِ، وتِبْيَانَ مَا فِي الأَلْوَاحِ).

وقَالَ أَبُو عَبدِ اللهِ الصَّادِق لمَنْ سَألَه: (أَنَّى لَكُمُ التَّوْرَاةُ والإِنْجِيلُ وكُتُبُ الأَنْبِيَاءِ قَالَ: هِيَ عِنْدَنَا وِرَاثَةً مِنْ عِنْدِهِمْ نَقْرَؤُهَا كَمَا قَرَؤُوهَا ونَقُولُهَا كَمَا قَالُوا، إِنَّ اللَّه لَا يَجْعَلُ حُجَّةً فِي أَرْضِه يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي)، وهذا كنز من كنوز الحق تعالى عند أهله.

رابعاً: وراثة الاسم الأعظم: ومسألة الاسم الأعظم هي مسالة عصيَّة على الفهم البشري العادي لأنها تحتاج إلى قلوب اختصها الله لعلمه واستيعاب وحيه، وهي علم حال قبل أن يكون علم مقال كما يقول بعض الأعلام، فقد روى الشيخ الكليني بسنده عَنْ هَارُونَ بْنِ الْجَهْمِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي عَبْدِ اللَّه(ع) قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) يَقُولُ: إِنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ (ع) أُعْطِيَ حَرْفَيْنِ كَانَ يَعْمَلُ بِهِمَا، وأُعْطِيَ مُوسَى أَرْبَعَةَ أَحْرُفٍ، وأُعْطِيَ إِبْرَاهِيمُ ثَمَانِيَةَ أَحْرُفٍ، وأُعْطِيَ نُوحٌ خَمْسَةَ عَشَرَ حَرْفاً، وأُعْطِيَ آدَمُ خَمْسَةً وعِشْرِينَ حَرْفاً، وإِنَّ اللَّه تَعَالَى جَمَعَ ذَلِكَ كُلَّه لِمُحَمَّدٍ (ص) وإِنَّ اسْمَ اللَّه الأَعْظَمَ ثَلَاثَةٌ وسَبْعُونَ حَرْفاً أُعْطِيَ مُحَمَّدٌ (ص) اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ حَرْفاً وحُجِبَ عَنْه حَرْفٌ وَاحِدٌ)، وهذا في الحقيقة هو الوراثة الكريمة بحيث أن الإمام الحسين (ع) كان بمقدوره إذا استخدم هذا الاسم أن يفعل ما يشاء، ولكنه اختار امضاء مشيئة الله تعالى وعلمه على مشيئته هو حيث قال: (شاء الله أن يراني قتيلاً، وشاء الله أن يراهن سبايا)، فمشيئة الله ماضية بالرضا والتسليم المطلق من الإمام الحسين (ع).

خامساً: وراثة الصحيفةُ والجامعةُ والجَفرُ: وهذه من الوراثات المادية والمعنوية، وهي عند الإمام الحسين (ع) ومنها يعلم كل ما جرى، أو سيجري عليه، وكل شيء إلى قيام ولده الحجة بن الحسن المهدي (عج)، فلا شيء يخفى عليه من ذلك، فقد روى الكليني بسند معتبر عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنِ الْجَفْرِ؟ فَقَالَ: هُوَ جِلْدُ ثَوْرٍ مَمْلُوءٌ عِلْماً، قَالَ لَه: فَالْجَامِعَةُ؟ قَالَ: تِلْكَ صَحِيفَةٌ طُولُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فِي عَرْضِ الأَدِيمِ مِثْلُ فَخِذِ الْفَالِجِ فِيهَا كُلُّ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْه، ولَيْسَ مِنْ قَضِيَّةٍ إِلَّا وهِيَ فِيهَا، حَتَّى أَرْشُ الْخَدْشِ. قَالَ: فَمُصْحَفُ فَاطِمَةَ (عليها السلام)؟ قَالَ:.. إِنَّ فَاطِمَةَ مَكَثَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّه (ص) خَمْسَةً وسَبْعِينَ يَوْماً وكَانَ دَخَلَهَا حُزْنٌ شَدِيدٌ عَلَى أَبِيهَا وكَانَ جَبْرَئِيلُ (ع) يَأْتِيهَا فَيُحْسِنُ عَزَاءَهَا عَلَى أَبِيهَا، ويُطَيِّبُ نَفْسَهَا، ويُخْبِرُهَا عَنْ أَبِيهَا ومَكَانِه، ويُخْبِرُهَا بِمَا يَكُونُ بَعْدَهَا فِي ذُرِّيَّتِهَا، وكَانَ عَلِيٌّ (ع) يَكْتُبُ ذَلِكَ فَهَذَا مُصْحَفُ فَاطِمَة (ع).

فالملاحظ من هذا الحديث الشريف أن من أولى الحوادث التي قصَّها جبرائيل على سيدة النساء (ع) هي قصة عاشوراء، ومسيرة كربلاء بالتفاصيل التي نقلتها أم أيمن في حديثها المشهور، وروته السيدة زينب (ع) لابن أخيها السجاد (ع) عندما خرجوا من أرض كربلاء سبايا وما رأت به وكأنه يجود بنفسه، ونأخذها من سماحة المرجع السيد صادق الشيرازي حيث يقول: “السيّدة زينب (سلام الله عليها) نقلت للإمام السجّاد (صلوات الله عليه) كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي قال فيه: بأنّ الإمام الحسين (صلوات الله عليه) سوف يُقتل ويستشهد ويصير ما يصير في كربلاء، ولكن سيأتي أناس: (وَلَقَدْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَاقَ أُنَاسٍ مِنْ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ لاَ تَعْرِفُهُمْ فَرَاعِنَةُ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ وَهُمْ مَعْرُوفُونَ فِي أَهْلِ اَلسَّمَاوَاتِ أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ هَذِهِ اَلْأَعْضَاءَ اَلْمُتَفَرِّقَةَ فَيُوَارُونَهَا وَهَذِهِ اَلْجُسُومَ اَلْمُضَرَّجَةَ وَ يَنْصِبُونَ لِهَذَا اَلطَّفِّ عَلَماً لِقَبْرِ أَبِيكَ سَيِّدِ اَلشُّهَدَاءِ لاَ يَدْرُسُ أَثَرُهُ وَلاَ يَعْفُو رَسْمُهُ عَلَى كُرُورِ اَللَّيَالِي وَاَلْأَيَّامِ وَلَيَجْتَهِدَنَّ أَئِمَّةُ اَلْكُفْرِ وَأَشْيَاعُ اَلضَّلاَلَةِ فِي مَحْوِهِ وَتَطْمِيسِهِ فَلاَ يَزْدَادُ أَثَرُهُ إِلاَّ ظُهُوراً وَ أَمْرُهُ إِلاَّ عُلُوّاً). (كامل الزيارات: ج۱ ص260)

محاولات فاشلة ونتائج عكسية

لقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (لِهَذَا اَلطَّفِّ عَلَماً)، ولم يقل: في هذا الطف، وهذا يعني أنّه ينصب للإمام الحسين (صلوات الله عليه) علماً ويرفع في كل مكان..

وأما (أئمة الكفر) و(أشياع الضلالة)؛ فيعني أتباعهم، يحاولون طمس اسم الإمام الحسين (صلوات الله عليه) وذكره وفي طمس الشعائر الحسينية المقدّسة، ومنها السلبيات التي كانت ولا تزال بالنسبة للقضية الحسينية المقدّسة، وهذه السلبيات ستبقى ولا تنقطع.. ولكن هذه السلبيات ليس أنّها لا تؤثر فقط بل تأثيرها عكسي، أي: فلا يزداد أثره (الإمام الحسين صلوات الله عليه) إلاّ ظهوراً وأمره إلاّ علوّاً.. فكل السلبيات تجاه القضية الحسينية المقدّسة تعطي نتائج عكسية وتصير سبباً لكثرة القضية الحسينية المقدّسة..”.

تثبيت قيمة النبوة

وذلك لأن القضية الحسينية هي قضية إلهية بامتياز، وكل مَنْ جرَّدها عن هذه الخصوصية لم يفهمها، ولم يدركها، ولذا تراهم يتخبطون فيها خبط عشواء لأنه كل منهم ينظر إليها من زاويته ومنظاره ومهما أوتي من العلم والمكانة فيبقى محدوداً في الرؤية ومحكوماً بالزمان والمكان والمحدوديات المادية، والإمام الحسين (ع) فوق ذلك كله.

فهو وريث الأنبياء بالنبوَّة المطلقة، من آدم وحتى النبي الخاتم (صلوات الله عليهم)، والنبوة هي بحدِّ ذاتها قيمة راقية، وقمَّة عالية، ولا يرتقيها إلا أهل الخيرة والصَّفوة من عباد الله المخلَصين، وكل ذلك اثبته، وثبَّته الإمام الحسين (ع) في نهضته المباركة، ولولا تلك القيامة لذهبت كل جهود الأنبياء سُدى، ولنُسي ذكرهم من الذاكرين، ولمحيت أسماءهم من الخالدين، لأن (الفَرَاعِنَة.. وأَئِمَّةُ اَلْكُفْرِ، وَأَشْيَاعُ اَلضَّلاَلَةِ)؛ يجتهدون في طمسهم من سجلات التاريخ البشري، ولكن الإمام الحسين (ع) يأبى لهم ذلك، بل كلما عملوه ضده يزداد نوره، وعطره، وذكره في العالم أجمع، وله فعل عكسي كما قال سماحة السيد المرجع الكبير حفظه الله ورعاه.

وهكذا نهضة الإمام الحسين (ع) أثبتت قيمة النبوة لكل الأنبياء (ع) لأنه وريثهم المادي والمعنوي وحامل لواءهم، ورسالتهم في هذه الدنيا، وحفيده سيأتي ويُظهر هذه الخاصيَّة الحسينية، بإعادة الحياة على طهرها، ونقائها، وصفائها الأول كما أردها الله والأنبياء في آخر الزمان على يدي طالب الثأر ومحقق النصر الحجة بن الحسن المهدي (عج).

 

.

رابط المصدر:

https://annabaa.org/arabic/ashuraa/32252

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M