انخفاض كورونا في القارة السمراء: صدفة نادرة أم كارثة قادمة؟

عبد الامير رويح

 

شهدت القارة السمراء في الفترة الاخيرة تزايداً ملحوظاً في عدد حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، وهو ما اثار قلق ومخاوف العديد من الجهات خصوصا وان هذه القارة التي يتجاوزون عدد سكانها 1.25 مليار نسمة، تعاني اساساً من مشكلات وازمات اقتصادية وصحية كبيرة، وأوضحت المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لأفريقيا الدكتورة “ماتشيديسو مويتي” أن وصول عدد حالات الإصابة بكورونا المستجد في القارة إلى ألف استغرق 36 يوماً، ثم 62 يوماً للوصول إلى 100 ألف. وأضافت أن عدد الحالات تضاعف بنسب مختلفة في العديد من دول القارة، مؤكدة أن الحكومات في كل دولة تعمل ليل نهار من أجل “شراء وتجديد الإمدادات والمعدات الأساسية”. وشددت على أن عدد الحالات في القارة لا يزال منخفضاً مقارنة بالعديد من المناطق الأخرى حول العالم.

ويخشى من أن يكون انخفاض عدد الحالات في أفريقيا هو نتيجة نقص معدات الفحص، وهذا يعني أن الحالات سيكون عددها أكبر بكثير، لكنها غير مكتشفة. وتوقعت منظمة الصحة العالمية وكما نقلت بعض المصادر، إصابة ما بين 29 مليونًا إلى 44 مليون شخص في قارة أفريقيا في العام الأول من انتشار فيروس كورونا. وأشارت المنظمة إلى أن ما يصل إلى 5.5 مليون شخص من هؤلاء المصابين سيحتاجون إلى العلاج في المستشفيات، وهو رقم من شأنه أن يربك القدرة الطبية لمعظم دول قارة أفريقيا.

وبدورها تعمل البلدان الأفريقية على تكثيف الإجراءات والتدابير اللازمة لاحتواء الفيروس، في محاولة لتطبيق الدروس المستفادة في البلدان المتضررة سابقاً من وباء نقص المناعة البشرية والإيبولا في عام 2014. ولكن على الرغم من هذه الجهود إلا أن هنالك العديد من الفجوات في قطاع الرعاية الصحية العامة. فعلى سبيل المثال وفقاً لمسح أجرته منظمة الصحة العالمية في مارس في 47 دولة أفريقية، وجدت بأن هناك معدل 9 أسرة وحدة عناية مركزة لكل مليون شخص. وهو معدل غير كافي على الإطلاق لمواجهة انتشار فيروس كورونا في قارة أفريقيا.

ومن المتوقع ايضاً أن ينكمش الاقتصاد الأفريقي بنسبة 2.6 % في أسوأ الحالات. وبالتالي فقدان الملايين لوظائفهم، وبالتالي دفع ملايين الأشخاص نحو الفقر. ولم تستطع الدول الإفريقية تقديم مساعدات أو خدمات تأمينية لمواطنيها لمواجهة تداعيات الإغلاق والحجر المنزلي بخاصة من ذوي الأجرة اليومية، مما قد يؤدي إلى حدوث مجاعة في بعض الدول، علما بأن الأوضاع الغذائية نفسها متردية.

وقد ذكر برنامج الغذاء العالمي التابع لمنظمة الأمم المتحدة أن 20% من سكان القارة يعانون أصلاً من سوء التغذية. إن إغلاق الأسواق في المدن الكبرى والحدود بين البلدان التي كانت تسمح للمواشي بالرعي بالإضافة إلى الجفاف، وسوء إدارة الموارد، سيفاقم الوضع الغذائي، ولربما تحدث مجاعة في بعض أنحاء القارة.

200 مليون اصابة

وفي هذا الشأن يمكن أن يؤدي فيروس كورونا المستجد إلى وفاة 150 ألف شخص في إفريقيا في غضون عام ما لم يتم اتخاذ إجراء عاجل، وفق دراسة أعدتها منظمة الصحة العالمية وتتوقع أن يصاب ما يقرب من ربع مليار شخص بالوباء في القارة. وتوقع معدو البحث الذي نشر في مجلة “بي ام جي غلوبال هيلث” معدل إصابة أقل من أجزاء أخرى من العالم مثل أوروبا والولايات المتحدة، مع عدد أقل من الحالات الشديدة والوفيات.

لكن في حين قال الباحثون إن العديد من الدول الإفريقية كانت سريعة في تبني إجراءات الاحتواء، فقد حذروا من أن الأنظمة الصحية قد تقع بسرعة تحت ضغط شديد. وكتب الباحثون: “يشير نموذجنا إلى حجم المشكلة بالنسبة للأنظمة الصحية إذا فشلت تدابير الاحتواء”. وتُنشر الدراسة وسط تحذيرات صارخة من أن كوفيد-19 يهدد بحالة طوارئ صحية في الدول النامية حيث تكافح النظم الصحية الضعيفة بالفعل للاستجابة لمجموعة من الأمراض المزمنة الأخرى.

ووضع خبراء في مكتب منظمة الصحة العالمية في إفريقيا نموذجا للمعدلات المحتملة للتعرض للفيروس والعدوى في 47 دولة في إطار اختصاصه الإقليمي الذي لا يشمل جيبوتي ومصر وليبيا والمغرب والصومال والسودان وتونس. وكان من المتوقع أن يصاب بالعدوى حوالي 231 مليون شخص، أو 22 في المئة (ضمن نطاق من 16 إلى 26%) من مليار شخص يعيشون في المنطقة خلال فترة 12 شهراً – معظمهم تظهر عليهم أعراض قليلة أو بدون أعراض.

لكن يقدر بنحو 4,6 مليون شخص من سيحتاجون دخول المستشفى، في حين سيعاني 140 ألف شخص من عدوى كوفيد-19 حادة و89 ألفاً من حالة حرجة. واقترحت الدراسة أن يؤدي ذلك إلى حوالي 150 ألف وفاة (بين 83 و190 ألفاً). وتقدّر النماذج الحاسوبية ما يمكن أن يحدث لكل بلد على مدار عام منذ بداية انتقال العدوى في المجتمع على نطاق واسع ومستدام.

وحذر الباحثون من أن ارتفاع الحالات التي تحتاج لدخول المستشفيات سيؤدي إلى تحويل الموارد المحدودة في الأصل عن معالجة القضايا الصحية الرئيسية في المنطقة، مثل الإيدز والسل والملاريا وسوء التغذية، الأمر الذي يزيد من تفاقم تأثير فيروس كورونا. وقال التقرير “ستشهد المنطقة عددًا أقل من الوفيات ولكنها ستحدث بشكل أكبر في الفئات العمرية الأصغر نسبياً، بين أشخاص كانوا يعتبرون في السابق أصحاء، بسبب الأمراض غير المعدية غير المشخصة”، مضيفاً أن هذه التوجهات بدأت تظهر بالفعل.

وقال الباحثون إنهم يتوقعون ان يواصل الفيروس انتشاره على الأرجح داخل المنطقة لفترة أطول من الدول الأخرى، ربما لعدة سنوات. وقدروا ارتفاع نسبة العدوى في الدول الصغيرة، إذ وجدوا أن خطر التعرض سيكون الأعلى في موريشيوس. ومن بين البلدان الكبيرة في المنطقة، كانت جنوب إفريقيا والكاميرون والجزائر في المراكز العشرة الأولى في ما يتعلق بمخاطر التعرض للعدوى.

وحسب الباحثون هذا الخطر من خلال النظر إلى “عامل التجمع” في كل بلد (بما في ذلك حجم الأسرة والكثافة السكانية)، وسهولة التنقل ومرافق الصرف الصحي وممارسات النظافة الصحية. وأخذوا كذلك في الاعتبار عامل الطقس. من غير المعروف ما إذا كانت درجات الحرارة الأكثر ارتفاعاً تبطئ انتشار كوفيد-19، على الرغم من أن بعض الأبحاث اقترحت أن لها هذا التأثير على الفيروسات التاجية الأخرى. وأخذ الباحثون في الاعتبار الإجراءات التي اتخذتها كل دولة لاحتواء الفيروس، بما في ذلك التباعد. بحسب فرانس برس.

كما بحثوا في عوامل الخطر الصحية مثل نسبة السكان الذين تزيد أعمارهم عن 65 عاما، وانتشار فيروس الإيدز (كبديل للحالات المزمنة المعدية) وداء السكري (كبديل للأمراض المزمنة غير المعدية). وافترض التقرير أن حوالي 88% من الناس لن يعرفوا أنهم مصابون بالفيروس، سواء ظهرت عليهم أعراض خفيفة أو لم تظهر أعراض على الإطلاق، في حين سيعاني 4% من أعراض شديدة أو تهدد حياتهم. ودعا الباحثون البلدان إلى تعزيز قدرات الرعاية الصحية بسرعة، وخصوصاً في مستشفيات الرعاية الصحية الأولية. وقالت الأمم المتحدة إن عدد الوفيات الناجمة عن أمراض مرتبطة بالإيدز في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى يمكن أن يتضاعف إذا حصل ضعف في تقديم الرعاية الصحية للمصابين بفيروس نقص المناعة البشرية خلال أزمة كورونا.

أنظمة الرعاية الصحية

على صعيد متصل أظهر مسح جديد أن الدول الأفريقية تواجه زيادة في حالات الإصابة بمرض كوفيد-19‭ ‬بينما يتوفر لديها أقل من سرير للعناية المركزة وجهاز واحد للتنفس لكل 100 ألف شخص. وأظهر تحليل لتوقعات الباحثين أنه حتى في أفضل السيناريوهات، فقد تحتاج القارة إلى 10 أضعاف العدد الموجود الآن على الأقل عند وصول انتشار المرض إلى ذروته.

ونقص المعدات الطبية في النظم الصحية الوطنية بأنحاء أفريقيا من بين العناصر الأكثر وضوحا التي ظهرت خلال المسح، الذي شمل 54 دولة وتلقى ردودا من مسؤولي الصحة أو خبراء مستقلين في 48 منها. وتقدم النتائج أكثر الصور العامة تفصيلا حتى الآن للموارد والفحوص والعاملين في القارة للمرض الناجم عن فيروس كورونا المستجد.

وحذرت منظمة الصحة العالمية من أن أفريقيا، التي يقطنها 1.3 مليار نسمة، قد تصبح البؤرة التالية لتفشي الوباء. ومستويات الفحص المنخفضة تجعل من المستحيل معرفة الحجم الحقيقي للعدوى. وقالت اللجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة إن أفريقيا قد تشهد ما يقرب من 123 مليون حالة هذا العام، بالإضافة إلى وفاة 300 ألف شخص. وبافتراض إغلاق كامل لفترة غير محددة، ستكون هناك حاجة إلى ما لا يقل عن 121000 سرير للرعاية المركزة على مستوى القارة عندما يصل الوباء إلى الذروة، بحسب التوقعات التي وضعها العلماء في مركز (إم.آر.سي) البريطاني لتحليل الأمراض المعدية العالمية في إمبريال كولدج بلندن، والتي تستند إليها توقعات اللجنة الاقتصادية لأفريقيا.

ويقارن هذا بنحو 9800 سرير للعناية المركزة فقط رصدها المسح، الذي تم إجراؤه خلال شهري أبريل نيسان ومايو أيار. وكشف المسح أيضا عن نقص حاد في معدات الفحص والعاملين وأجهزة الأكسجين. وتحركت العديد من الدول الأفريقية بسرعة لاحتواء الفيروس، وأطلقت حملات عالية المستوى للصحة العامة، وفرضت قيودا على الحركة وغيرت خطوط الإنتاج في المصانع لتنتج معدات الوقاية.

وقالت الطبيبة جولييت نياجا، الرئيسة التنفيذية لمستشفى كارين، وهو منشأة خاصة في كينيا ”نحن نستعد“. وأضافت ”لكن الأمر أشبه بكونك في فيلم لم يره أحد من قبل، ولم يصلنا السيناريو“. وتقدم منظمات دولية، منها منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي، المساعدة لكنها تقول إنها تواجه صعوبات بسبب مشاكل في العثور على بيانات موثوقة لقياس احتياجات القارة. بحسب رويترز.

وتتخوف منظمة الصحة العالمية من تدهور الوضع الصحي في الدول الأفريقية بسبب انتشار فيروس كورونا، ودعت دول القارة إلى الإبقاء على تدابير العزل مع بداية رفعها في عدد من الدول. واعتبرت المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية في أفريقيا، ماتشيديسو مويتي، في بيان أن تلك الإجراءات “ساهمت في كبح انتشار كوفيد-19 لكنه لا يزال يمثل تهديدا كبيرا على الصحة العامة”.

واعتبرت مويتي أنه “في حال أنهت الحكومات تدابيرها بشكل مفاجئ، فإننا نخاطر بخسارة المكاسب التي حققتها الدول حتى الآن ضد كوفيد-19”. وأضافت أنه “من المهم الإبقاء على تدابير مراقبة ورصد الحالات وفحوص صارمة، من بين تدابير أخرى لإنهاء الجائحة”.

ورغم التقدم المحقق في مجال الفحص، فإن دول المنطقة الأفريقية تجري في المعدل 9 فحوص لكل 10 آلاف شخص. وأكدت مويتي في بيانها أن “منظمة الصحة العالمية تسعى جاهدة إلى تحسين قدرتها على الفحص عبر إرسال شحنات اختبارات جديدة لبلدان أفريقيا جنوب الصحراء”.

تبرعات ومساعدات

في السياق ذاته أعلنت منصة التواصل الاجتماعي تيك توك ومؤسسة جيتس للأعمال الخيرية التبرع بمبلغ عشرة ملايين دولار لكل منهما لصالح التحالف العالمي للقاحات والتحصين (جافي) بهدف المساعدة في تمويل جهود مكافحة وباء كوفيد-19 في أفريقيا. وقال تحالف جافي إن الأموال ستُنفق في توزيع أي لقاحات جديدة مضادة لكوفيد-19 بمجرد تطويرها وتجربتها وترخيصها. وقال سيث بيركلي الرئيس التنفيذي لجافي في بيان إن التبرعات ستحول أيضا دون ”تداعيات كارثية محتملة على برامج التحصين في العالم النامي“.

وتحالف جافي شراكة بين القطاعين العام والخاص وتدعمه مؤسسة بيل وميليندا جيتس ومنظمة الصحة العالمية والبنك الدولي ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) وغيرها ويجري ترتيبات لشراء كميات كبيرة من اللقاحات بهدف الحد من تكاليف التطعيم في الدول الفقيرة. وقال بيركلي إنه متفائل بفضل وجود عدد كبير من لقاحات كوفيد-19 التي لا تزال في المراحل الأولى من التطوير على مستوى العالم وأضاف أن عددها سينخفض حيث سيتم تطوير بعضها وسيفشل البعض الآخر.

وأضاف ”يوجد الآن 76 لقاحا مسجلا على الموقع الإلكتروني لمنظمة الصحة العالمية وبينها ستة لقاحات في طور التجارب السريرية لكن العدد في حقيقة الأمر أكبر من ذلك جدا فهو يتجاوز المئة بكثير“. وكان التحالف قد قال إنه يعتزم صرف 29 مليون دولار لدعم أنظمة الصحة في 13 من الدول ذات الدخل المنخفض في مواجهة كوفيد-19. وعلى الرغم من عالمية الوباء، فقد وجدت إفريقيا نفسها وحيدة، إذ لم تحظَ باهتمام عالمي، وحرص على تعزيز قدراتها مقدراتها الصحية لمجابهة الجائحة.

وقد كانت أولى المساعدات وصلت إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا تحمل معدات طبية وأجهزة فحص من رجل الأعمال الصيني الملياردير جاك ما مؤسس شركة “علي بابا” تم توزيعها على بعض دول القارة. كما أن تركيا والامارات وغيرها من الدول قامت بتقديم مساعدات طبية لبعض الدول الإفريقية مثل الصومال وجنوب إفريقيا والجزائر ومملكة ليسوتو وغيرها.

كما قال وزير الخارجية الصيني وانج يي، في تصريحات أرسلتها السفارة الصينية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا عبر البريد الإلكتروني، إن بلاده تدرس دعم الدول الإفريقية التي تواجه “أكبر الصعوبات وتتحمل أثقل الأعباء ” خلال جائحة كورونا المستجد، وذكر وانج: “سنعمل مع الأعضاء الآخرين بمجموعة العشرين على تنفيذ مبادرة تعليق خدمة الديون لتخفيف عبء الديون عن إفريقيا”. كما سترسل الصين مزيدا من المساعدات الطبية إلى القارة السمراء وستسرع في بناء مقارر المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها. ويذكر أن الصين أعربت عن احتمال موافقتها على تأجيل سداد 150 مليار دولار مما تدين به دول إفريقيا لها، وعدم إلغائها.

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M