مقدمة
تحوّل البحر الأحمر ومضيق باب المندب، منذ اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023 واستهداف جماعة الحوثي للسفن التجارية على خلفيتها، إلى واحدة من أكثر الممرات المائية حساسية في العالم؛ إذ يمر عبر هذا الممر جزء كبير من التجارة العالمية والنفط والغاز، بينما تطل عليه موانئ يمنية حيوية كعدن والحديدة والمكلا. وقد جعل هذا التصعيد من التجارة البحرية قضية متشابكة بين الأمن والاقتصاد والسياسة والبيئة، لا يمكن فهمها بمعزل عن الصراع الإقليمي الأوسع.
وفي ظل هذا السياق، أصبحت حسابات القنوات اليمنية الفضائية على فيسبوك منصة رئيسية لمتابعة تطورات الملف البحري ونقلها إلى الجمهور اليمني داخل البلاد وخارجها، لا سيما أن هذه القنوات موزعة بين توجهات سياسية وجغرافية متباينة (حكومية، وحزبية، ومناطقية، ومستقلة)، ما يجعل من المرجح أن تختلف طريقة تأطيرها لقضية واحدة باختلاف مواقعها. وقد شهد شهر يوليو 2026 وحده سلسلة كثيفة من الأحداث البحرية المتلاحقة، من استهداف سفن وناقلات في البحر الأحمر وخليج عدن، مروراً بحوادث قرصنة وحرائق وحوادث غرق لصيادين، وصولاً إلى تقارير عن تشكيل تحالف بحري دولي لحماية الملاحة، وهو ما جعله شهراً غنياً بالمادة الإعلامية الملائمة لدراسة كيفية تأطير هذه القنوات لقضية التجارة البحرية.
من هذا المنطلق، تسعى هذه الدراسة إلى الكشف عن الأطر الإعلامية السائدة في تغطية إحدى عشرة قناة يمنية على فيسبوك لقضية التجارة البحرية خلال يوليو 2026، وخصائص هذه المعالجة الصحفية، ومستويات ونمط تفاعل الجمهور معها، استناداً إلى نظرية التأطير الإعلامي التي طورها إنتمن. وتنطلق الدراسة من افتراض أن التغطية الإعلامية لا تنقل الوقائع البحرية كما هي، بل تبني معنى لها عبر اختيار الزوايا والمصادر والمفردات، بما قد يرجّح البعد الأمني على حساب الأبعاد الاقتصادية والإنسانية والبيئية للملف.
وللإحاطة بهذه الإشكالية، يستعرض الفصل الأول تاريخ حسابات القنوات اليمنية على فيسبوك، فيما يناقش الفصل الثاني الأدبيات السابقة المتصلة بالتجارة البحرية والاقتصاد الأزرق، تمهيداً لعرض مشكلة الدراسة وأسئلتها وإطارها النظري ومنهجيتها. ثم يتناول الفصل الثالث تحليل النتائج ومناقشتها، قبل أن تُختتم الدراسة بأبرز الاستنتاجات والتوصيات.
الفصل الأول: تاريخ الفضائيات اليمنية على فيسبوك
منذ أن دخل الإعلام اليمني عصر الفضاء، شكّلت القنوات التلفزيونية جزءًا أساسيًا من المشهد السياسي والاجتماعي في البلاد، ومع انتشار منصات التواصل الاجتماعي، أصبح فيسبوك امتدادًا رقميًا لهذه القنوات، ينقل محتواها ويوسّع جمهورها. فيما يلي عرض لأبرز حسابات القنوات اليمنية على فيسبوك وتاريخ نشؤها:
قناة السعيدة هي أول قناة يمنية تنشئ حساب على فيسبوك في 29 مارس، 2010. وعدد متابعي الحساب يبلغ 2.9 مليون متابع. وهي قناة خاصة، اجتماعية وثقافية عامة تبث من القاهرة.
يليه حساب حساب قناة اليمن اليوم، وهي قناة إخبارية، وتصف نفسها بالاستقلالية في تغطية الشأن السياسي والاقتصادي. وتبث من صنعاء. وقد أنشئ حسابها في فيسبوك في 29 مارس، 2012. وعدد متابعي الحساب يبلغ 571 ألف متابع.
وبعده تم انشاء حساب قناة سهيل، وهي قناة خاصة تابعة لحزب الإصلاح (الإخوان المسلمون في اليمن) وتبث من الرياض. وقد انشئ حسابها في فيسبوك في 20 ديسمبر، 2013، ويبلغ عدد متابعيه 1.1 مليون متابع.
ثم تم انشاء حساب قناة بلقيس، التي توقف بثها نهائيًا في نوفمبر 2025 بعد عشر سنوات من العمل (المصدر أونلاين، 2025، ص. 1). لكنها تدير حساب فيسبوك من إسطنبول. وقد انشئ الحساب في 23 أكتوبر، 2014. ويبلغ عدد متابعيه 3.1 مليون متابع، وهو الأكثر متابعة بين الحسابات الإحدى عشر.
يليه حساب قناة اليمن، وهو حساب تابع للفضائية الحكومية الرسمية والناطقة باسم الحكومة اليمنية، وهي قناة تبث من الرياض وعدن. وقد أنشئ في 9 مايو، 2015. ويبلغ عدد متابعيه 683 ألف.
وبعده تم انشاء حساب قناة حضرموت، وهي قناة حكومية تتبع السلطة المحلية في محافظة حضرموت وتبث من مدينة المكلا (ويكيبيديا، د.ت.-أ). وقد تم انشاء الحساب في 17 يونيو، 2015. ويبلغ عدد متابعيه 595 ألف.
يليه في تاريخ الإنشاء حساب قناة الهوية، وهي قناة تبث من صنعاء برامج متنوعة إخبارية واجتماعية. وقد تم انشاء الحساب في 11 سبتمبر، 2011. ويبلغ عدد متابعي الحساب 628 ألف.
وبعده تم انشاء حساب قناة عدن المستقلة، وهي قناة تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي ومقرها الرسمي في عدن. وقد تم انشاء الحساب في 13 مايو، 2019. ويبلغ عدد متابعي الحساب 782 ألف.
يليه حساب قناة قناة المهرية، وهي قناة خاصة تتناول قضايا المهرة وسقطرى وصولًا إلى بقية المحافظات. وهي تبث من إسطنبول. وقد تم انشاء الحساب في 15 أكتوبر، 2019. ويبلغ عدد متابعي الحساب 2.3 مليون.
وبعده تم انشاء حساب قناة الجمهورية. وهي قناة خاصة، سياسية اجتماعية مرتبطة بتيار المؤتمر الشعبي العام (الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح)، وتبث من المخا وموزع. وقد انشئ حساب فسيبوك في 7 نوفمبر، 2023. ويبلغ عدد متابعي الحساب 935 ألف.
وأخيرا، تم انشاء حساب قناة سبأ على الفيسبوك، وهي قناة حكومية تابعة للمؤسسة العامة اليمنية للإذاعة والتلفزيون، تبث من مدينة مأرب (برّان برس، 2025، ص. 1). وقد تم انشاء حساب القناة في 12 أغسطس، 2024. ويبلغ عدد متابعي الحساب 250 ألف.
بشكل عام، تعكس هذه القنوات تنوّع المشهد الإعلامي اليمني بين قنوات حكومية وحزبية ومستقلة، تتوزع بين صنعاء وعدن والمكلا وإسطنبول والقاهرة، وقد أصبح فيسبوك أداة رئيسية لكل منها للوصول إلى الجمهور اليمني داخل البلاد وخارجها.
الفصل الثاني: التغطية الإعلامية للتجارة البحرية
تُظهر الأدبيات أن دراسة التغطية الإعلامية للتجارة البحرية في البحر الأحمر لا يمكن فصلها عن البنية الجيوسياسية للممرات البحرية، ووظائف الموانئ، ومتطلبات الاقتصاد الأزرق. ومع أن هذه الدراسات لا تُحلّل، في معظمها، مضمون وسائل الإعلام تحليلاً مباشراً، فإنها تقدم إطاراً معرفياً ضرورياً لتحديد القضايا والفاعلين والزوايا التي ينبغي أن تُبنى عليها التغطية الإعلامية: تدفقات التجارة، سلامة الملاحة، الموانئ اليمنية، التنافس العسكري، والآثار البيئية والاجتماعية.
ينطلق حمران من المكانة البحرية لليمن بوصفها مدخلاً لفهم مركزية البحر الأحمر في الخطاب الإعلامي الاقتصادي. فهو يصف اليمن بأنه “حقلًا بحريًا ذا مركز ثقل استراتيجي مؤثر في العلاقات الاقتصادية البحرية الإقليمية”، (حمران، 2022، ص. 4). ويربط هذا الثقل بإمكان بناء وتنفيذ الاستراتيجية البحرية اليمنية في البحر الأحمر والمحيط الهندي (السابق). كما يلفت إلى أن اليمن يمتلك موانئ ترانزيت مهمة، منها عدن والحديدة والمكلا، وإلى دور الجزر في التحكم النسبي بطرق الملاحة (حمران، 2022، ص. 9). وتفيد هذه الرؤية التغطية الإعلامية في الانتقال من خبرٍ آني عن حادثة أو سفينة إلى تفسيرٍ مكاني يوضح لماذا تمثل الموانئ والجزر والمضائق بنيةً اقتصادية وسياسية متشابكة.
وتؤكد دراسة محمد أن البحر الأحمر “ممرًا مائيًا حيويًا وشريانًا مهمًا للتجارة العالمية”، مشيرة إلى مرور نحو 14% من حجم التجارة العالمية و23 ألف قطعة بحرية سنوياً عبره (محمد، 2024، ص. 109). كما يربط الباحث موقع اليمن المطل على باب المندب بتداخل الصراع المحلي والإقليمي والدولي (السابق). ومن منظور إعلامي، تدعو هذه النتائج إلى إعطاء البيانات الملاحية والتجارية وزناً أكبر في الأخبار؛ فالتغطية الدقيقة ينبغي أن تشرح أثر الاضطراب في الممر على سلاسل الإمداد وأسعار النقل والتأمين، بدلاً من اختزاله في لغة عسكرية أو أمنية فقط.
وتقاطع دراسة الشكري هذا الاستنتاج، إذ تصف البحر العربي ومضيقَي هرمز وباب المندب بأنهما منطقتان حيويتان “للسابلة البحرية الدولية”، تمر عبرهما غالبية خطوط الإبحار التجارية والحربية (الشكري، 2021، ص. 863). كما يورد أن باب المندب احتل المرتبة الرابعة بين الممرات ذات الصلة بتجارة النفط الدولية، بنسبة 4.8% عام 2016 (الشكري، 2021، ص. 868). غير أن الأدبيات الأمنية تُظهر أيضاً خطراً منهجياً على المعالجة الصحفية: هيمنة إطار الصراع قد تحجب أبعاد الاقتصاد المدني، مثل احتياجات المستوردين والموانئ والعمالة الساحلية. لذلك يلزم الموازنة بين مصادر الأمن ومصادر الاقتصاد والبيئة والمجتمعات المحلية.
وفي سياق الاقتصاد الأزرق، يعرّف القليطي وخير المفهوم بأنه “جميع الأنشطة الاقتصادية المتعلقة بالمحيط والبحار والسواحل، مع الحفاظ على صحة النظام البيئي لتلك الموارد والاعتماد عليها واستخدامها بشكل مستدام” (القليطي وآخرون، 2025، ص. 117). ويؤكدان أن النقل البحري والخدمات اللوجستية قطاع محوري، وأن حصة التجارة البحرية تجاوزت 70% من حجم التجارة الدولية عام 2016 (القليطي وآخرون، 2025، ص. 127). وتؤسس هذه المعالجة لإطار إعلامي تنموي لا يكتفي برصد المخاطر، بل يتابع كفاءة اللوجستيات، والبنية التحتية، والحوكمة، والتوازن بين النمو وحماية النظم البحرية، اتساقاً مع هدف التنمية المستدامة الرابع عشر (القليطي وآخرون، 2025، ص. 128).
أما في الحالة اليمنية، فيبرز النجار الأثر الإنساني المباشر للموانئ؛ إذ يذكر أن ميناء الحديدة يمر عبره “أكثر من 70% من واردات الغذاء والمساعدات الإنسانية” في الوقت الراهن (النجار، 2025، ص. 728). ويحدد في المقابل تحديات تشمل التلوث الناجم عن حركة الملاحة الكثيفة وناقلات النفط والغاز، والاصطياد الجائر، وضعف التخطيط المكاني البحري (النجار، 2025، صص. 734–735). وتكشف هذه النتائج فجوةً واضحة في الأدبيات: فالمصادر المتاحة غنية بالوصف الاستراتيجي والاقتصادي، لكنها لا تقدم قياسات منهجية كافية لكيفية تأطير القنوات والمنصات الرقمية للتجارة البحرية، أو تنوع مصادرها، أو حضور الفاعلين المحليين فيها. ومن ثمّ تقترح المراجعة أن تقيس الدراسات الإعلامية المقبلة الأطر الخبرية (الأمن، الاقتصاد، الإنسان، البيئة)، والمصادر، والبيانات المستخدمة، ونبرة التغطية، ومدى وصلها بين أمن الملاحة والتنمية المستدامة.
وبعد استعراض نماذج من البحوث المتعلقة بتغطية المواضيع المتخصصة، وجد الباحث أنه لم تنشر دراسة تعنى بالتغطية الإعلامية للتجارة البحرية، ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة.
مشكلة البحث
تحوّل البحر الأحمر ومضيق باب المندب، منذ أكتوبر 2023، إلى بؤرة توتر دولي إثر استهداف جماعة الحوثي للسفن التجارية على خلفية الحرب في غزة، وهو ما أثّر مباشرة في حركة الملاحة العالمية وسلاسل الإمداد وموانئ اليمن الحيوية كعدن والحديدة والمكلا. وقد رافق هذا التصعيد تغطية إعلامية مكثفة على حسابات القنوات اليمنية الفضائية على فيسبوك، بوصفها منصة رئيسية لوصول الجمهور اليمني إلى المعلومة. غير أن مراجعة الأدبيات السابقة تكشف أن الدراسات المتاحة، رغم غناها بالوصف الاستراتيجي والاقتصادي والأمني لملف التجارة البحرية، لم تُقدّم أي معالجة منهجية لكيفية تأطير المنصات الإعلامية اليمنية لهذا الملف، ولا لتنوّع مصادرها وفاعليها وقوالبها الصحفية، ولا لأنماط تفاعل الجمهور معها. كما أن القنوات اليمنية موزعة بين توجهات حكومية وحزبية ومناطقية ومستقلة، ما يثير تساؤلاً حول مدى تباين معالجتها لقضية واحدة بحسب انحيازها السياسي والجغرافي. ومن هنا تنبع مشكلة هذه الدراسة في محاولة سدّ هذه الفجوة البحثية، من خلال تحليل مضمون منشورات إحدى عشرة قناة يمنية على فيسبوك خلال يوليو 2026، بهدف الكشف عن الأطر الإعلامية السائدة وخصائص التغطية ومستويات التفاعل معها.
أسئلة البحث
- ما الأطر الإعلامية الرئيسة التي هيمنت على تغطية التجارة البحرية في منشورات القنوات اليمنية على فيسبوك خلال فترة الدراسة، وهل تختلف هذه الأطر باختلاف التوجه السياسي والجغرافي لكل قناة؟
- ما خصائص المعالجة الصحفية لقضية التجارة البحرية في المنشورات محل الدراسة من حيث موضوعات التغطية، والقالب الصحفي المستخدم، ومصادر المعلومات، والفاعلين المنسوب إليهم الحدث، واتجاه المعالجة؟
- ما مستوى ونمط تفاعل الجمهور مع المنشورات المتعلقة بالتجارة البحرية، وهل توجد علاقة بين نوع الإطار الإعلامي أو العنصر البصري المهيمن ومستوى هذا التفاعل؟
الإطار النظري
تنطلق هذه الدراسة من نظرية التأطير الإعلامي بوصفها مدخلاً مناسباً لتحليل منشورات فيسبوك المتعلقة بالتجارة البحرية؛ لأن القضية لا تُقدَّم للجمهور باعتبارها حقائق اقتصادية أو لوجستية محايدة فقط، بل عبر زوايا انتقائية تمنح بعض جوانبها أولوية تفسيرية على حساب جوانب أخرى. ويعرّف إنتمن التأطير بأنه اختيار بعض عناصر الواقع المدرك وإبرازها في النص الاتصالي، بما يؤدي إلى تعريف المشكلة وتحديد أسبابها وإصدار حكم أخلاقي واقتراح المعالجة (Entman, 1993, p. 52–53). وعليه، فإن المنشور عن اضطراب الملاحة في البحر الأحمر، مثلاً، قد يؤطَّر بوصفه تهديداً أمنياً، أو أزمة اقتصادية، أو قضية سيادة وطنية، أو تحدياً إنسانياً وبيئياً.
وتفترض النظرية أن وسائل الإعلام لا تنقل الوقائع البحرية كما هي، وإنما تبني معنى لها من خلال اختيار الموضوعات والمصادر والمفردات والصور والحلول المقترحة. وقد أكدت دراسة محمد أن القضايا “تكتسب أهميتها من خلال تأطير وسائل الإعلام لها بشكل معين” (محمد، 2023، ص. 13). وفي المجال البحري، تكتسب هذه الفرضية أهمية خاصة لأن التجارة البحرية ترتبط في الوقت نفسه بسلاسل الإمداد، والموانئ، وأسعار السلع، وأمن الممرات الدولية، والسيادة، وفرص الاقتصاد الأزرق. كما أن المحيطات تسهم في التجارة والسياحة والغذاء والتنوع الحيوي، بما يبرر عدم اختزال التغطية في بعدها الأمني أو التجاري وحده.
وتستفيد الدراسة من التطبيقات السابقة لتحليل التغطية الرقمية؛ إذ عرّفت دراسة حسن الإطار الإعلامي بأنه “الفكرة الرئيسية التي تدور حولها التغطية الإعلامية لحدث أو قضية ما”، مع انتقاء زاوية وإبرازها (حسن، 2024، ص. 557). كما بينت دراسة أبوعبدالله وزميليه أن استخدام الأطر الإعلامية يسمح بتحليل المعالجة ومخاطر القضية وأسبابها (أبو عبد الله وآخرون، 2025، ص. 662). ومن ثم، تكون وحدة التحليل هي منشور فيسبوك المستقل، شاملاً النص والصورة أو الفيديو والروابط والتفاعل الظاهر، بينما تكون وحدة السياق هي الحدث البحري الذي يعالجه المنشور.
ومن هنا، استطاع الباحث أن يستخرج ثمانية متغيرات تساعد على التخليل من البحوث السابقة، وهي كالتالي:
المتغيرات الاسمية المقترحة في استمارة الترميز
- نوع الإطار الرئيس: أمني/عسكري، اقتصادي/تجاري، سياسي/دبلوماسي، إنساني، بيئي، قانوني/سيادي، أو إطار الحلول والتعاون.
- موضوع التجارة البحرية: أمن الملاحة، الموانئ، سلاسل الإمداد، أسعار الشحن والسلع، السفن والناقلات، الصيد والاقتصاد الأزرق، التلوث البحري، أو اتفاقيات ومبادرات دولية.
- الفاعل الرئيس المنسوب إليه الحدث: دولة، جماعة مسلحة، مؤسسة دولية، شركة شحن، سلطة ميناء، مجتمع محلي، أو مجهول.
- مصدر المعلومات: مراسل/صحفي، مسؤول حكومي، مؤسسة عسكرية، منظمة دولية، خبير، شركة، وكالة أنباء، أو مستخدمون/مصادر غير مسماة. وقد برز المراسلون والمندوبون مصدراً مركزياً في دراسات التغطية الرقمية (حسن، 2023، ص. 379).
- اتجاه المعالجة: إيجابي، سلبي، متوازن/محايد، أو مختلط؛ إذ استخدمت الدراسات السابقة هذا المتغير للتمييز بين المواقف المؤيدة والمعارضة (محمد، 2023، ص. 15).
- القالب الصحفي: خبر، تقرير، مقابلة، تعليق/رأي، بث مباشر، إنفوغراف، أو منشور توعوي؛ فالتقرير والخبر من أكثر القوالب حضوراً في تغطية المنصات الرسمية (أبو عبد الله وآخرون، 2025، ص. 682).
- العنصر البصري المهيمن: نص فقط، صورة ثابتة، ألبوم صور، فيديو، خريطة، إنفوغراف، أو رابط خارجي؛ إذ سجّل نمط «المنشور الكتابي المصاحب لصورة» حضوراً بارزاً في إحدى الدراسات (أبو عبد الله وآخرون، 2025، ص. 689).
- نمط التفاعل الظاهر: إعجابات، تعليقات، مشاركات، مزيج منها، أو غياب تفاعل ظاهر؛ وهي مستويات قياس اعتمدتها دراسة التفاعل مع منشورات فيسبوك (حسن، 2023، ص. 355).
وبذلك تتيح الاستمارة قياس الكيفية التي تصوغ بها الصفحات الإخبارية معنى التجارة البحرية، ومقارنة الأطر السائدة بين الوسائل والفترات الزمنية والأحداث المختلفة.
منهجية البحث
اعتمد الباحث في هذه الدراسة على منهجية أساسية لجمع البيانات، وهي تحليل المحتوى، والتي استخدمت لقياس وتحليل المتغيرات الثمانية في منشورات الفيسبوك على 11 حساب. فمنهجية تحليل المحتوى هو نوع من التحليل الكمي الذي يُسهّل حصر وتحليل كمية كبيرة من البيانات الخام التي جمعها الباحث، ليتم تحليلها إحصائيا، سواء بشكل يدوي أو إلكتروني (سارانتاكوس، 2017، ص 463). وهذا النوع من أساليب جمع البيانات معروف بدرجة عالية من الموثوقية والاستقرار (Sarantakos, 2012, p. 404).
وفي هذه الدراسة، كان الغرض من استخدام هذه المنهجية هو حصر المنشورات المتعلقة بتغطية التجارة البحرية في 11 حساب فيسبوك وهي: قناة اليمن، قناة اليمن اليوم، قناة سبأ، قناة حضرموت، قناة المهرية، قناة السعيدة، قناة سهيل، قناة بلقيس، قناة الهوية، قناة الجمهورية، وقناة عدن المستقلة. وقد حدد الباحث وحدة التحليل بالمنشور الواحد، سواء كان خبر مكتوب أو فيديو أو إنفوغراف
وهكذا، فقد كانت عدد الوحدات التي تم مسحها، وتوثيقها، وأرشفتها، ثم تحليلها كالتالي: قناة بلقيس 80 منشور وهو الأعلى، قناة الجمهورية 56، قناة المهرية 52، قناة حضرموت 27، قناة سهيل 25، قناة اليمن 16، قناة سبأ 9، قناة عدن المستقلة 5، قناة السعيدة 1، بينما لم تنشر قناة اليمن اليوم وقناة الهوية أي منشورات تتعلق بالتجارة البحرية والاقتصاد الأزرق خلال فترة البحث. وبالتالي، فإن إجمالي عدد وحدات التحليل للمنصات الإحدى عشر محل الدراسة هو 271 وحدة أو منشور. وقد امتدت فترة التحليل شهر واحد من 1-31 يوليو 2026، وبالتالي، فإن الإطار الزمني للتحليل يتضمن شهر من الحصر.
وقد تم توثيق جميع وحدات التحليل بدون انترنت، وذلك لتسهيل استرجاع البيانات عند الحاجة للتدقيق أو التأكد. وتم أيضاً أرشفة جميع المنشورات على أرشيف جوجل السحابي لمشاركتها لاحقًا مع مُشفّر التحليل. تم بعد ذلك تصميم إحدى عشرة استمارة ترميز إلكترونية ومتصلة بالإنترنت بواسطة نماذج جوجل؛ أي استمارة تشفير واحدة لكل حساب.
وأما الأسئلة في استمارات الترميز فكانت كلها أسمية ومستوحاة من مقاربات تغطية التجارة البحرية، التي تم نقاشها سابقاً، وذلك بهدف رصد، وقياس، ثم تحليل جوانب التغطية الموجودة في المنشورات. وقد احتوت كل استمارة على عدد 8 أسئلة.
وبعد عمل ثلاثة تعديلات لنظام الترميز، وباستخدام موقع “ReCal2” للتأكد من موثوقية نتائج المُرمّزين (عدد 2 مرمزين)، أظهرت النتائج تطابقًا جيدًا بين الترميز، ذلك لأن المؤشرات أو المتغيرات كانت بسيطة وواضحة نوعاً ما. لقد قام المُرمّزان، واللذان تدربا ليصبحان على دراية بأسلوب الترميز واسئلة الاستمارات، بترميز 27 وحدة تحليل، أي نسبة 10٪ من اجمالي العينة 271 وحدة.
الفصل الثالث: التحليل والمناقشة
- تحليل مقارن للأطر الإعلامية المهيمنة في تغطية التجارة البحرية
تُظهر قراءة منشورات القنوات اليمنية على فيسبوك خلال فترة الدراسة أن الإطار الأمني/العسكري هو الإطار الأكثر هيمنة في معالجة موضوع التجارة البحرية، إذ جرى تقديم الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن أساساً بوصفها قضية تهديدات عسكرية وأمن ممرات دولية، لا بوصفها نشاطاً اقتصادياً وتنموياً مستقلاً. وتكثّف هذا الإطار عبر مفردات من قبيل: حماية حرية الملاحة، التحالف البحري، الهجمات الحوثية، تأمين خطوط التجارة، القرصنة، الصواريخ والزوارق المسلحة، والتهديدات الإقليمية. ومن ثمّ، فإن التجارة البحرية تحوّلت في الخطاب الإعلامي إلى نتيجة أو ساحة فرعية للصراع المسلح والإقليمي، بينما تراجع حضورها كقضية مرتبطة بسياسات الموانئ، والاستثمار، والخدمات اللوجستية، وتنمية الاقتصاد الأزرق.
ويأتي الإطار الاقتصادي/التجاري في المرتبة التالية، لكنه ظل غالباً إطاراً تابعاً للأمن والعسكرة؛ إذ ركزت المنشورات على كلفة تعطّل الملاحة، وتحويل مسارات السفن، وارتفاع التأمين والشحن، وتأخر الحاويات، وتهديد سلاسل الإمداد وأسعار السلع، وتوقف أو استئناف تصدير النفط. ويبرز هذا بوضوح في منشورات تتناول احتجاز بضائع المستوردين، وتجاوز رسوم التخزين، واحتمالات إفلاس التجار، أو الخسائر الناجمة عن التصعيد في البحر الأحمر. وعليه، لم يُطرح الاقتصاد البحري في الغالب بمنظور تنموي استباقي، بل بمنظور إدارة الخسائر والأزمات الناشئة عن الحرب والاضطراب الأمني.
أما الإطار السياسي/الدبلوماسي فقد ظهر بوضوح، ولا سيما في تغطية التحالفات البحرية، ومواقف مجلس الأمن، والإدانات الدولية، والمفاوضات أو الضغوط المرتبطة بالهجمات على السفن. لكنه ظل أقل استقلالاً من الإطار الأمني، لأن الفعل الدبلوماسي عُرض في الأغلب بوصفه استجابة للتهديد العسكري أو وسيلة لحماية الملاحة الدولية. ويتصل به الإطار القانوني/السيادي، الذي برز في الحديث عن القوانين والأعراف الدولية، وحرية الملاحة، وقرارات مجلس الأمن، والولاية على المياه الإقليمية، وحقوق المحافظات في الثروات النفطية والموانئ. غير أن حضوره كان محدوداً مقارنة بالأطر الأمنية، ولم يتحول إلى نقاش معمق حول تنظيم الموانئ أو حوكمة الموارد البحرية أو حقوق اليمن السيادية في المجال البحري.
في المقابل، جاء الإطار الإنساني حضوراً محدوداً وموسمياً، وارتبط أساساً بمصير الصيادين، وحوادث الغرق، وإنقاذ العالقين، وآثار ارتفاع الأسعار وتعطل الواردات على السكان. كما ظهر الإطار البيئي بصورة هامشية، غالباً عند التحذير من كارثة بيئية محتملة بسبب استهداف ناقلات النفط أو تسرب الوقود، من دون امتداد كافٍ إلى موضوعات الاستدامة البحرية، وتلوث السواحل، وحماية الثروة السمكية، أو مخاطر الحرب طويلة المدى على البيئة البحرية.
وتكشف المقارنة بين القنوات أن اختلاف الأطر يرتبط، بدرجة ملحوظة، بـالتوجه السياسي والموقع الجغرافي لكل قناة. فالقنوات الأقرب إلى خطاب الحكومة الشرعية أو القوى المناهضة للحوثيين، مثل الجمهورية واليمن وسهيل وبلقيس، تميل بصورة أكبر إلى الإطار الأمني/العسكري والسياسي/الدبلوماسي؛ إذ تربط تهديد الملاحة بالحوثيين وإيران، وتمنح مساحة واسعة للتحالفات الدولية والبحرية، ولقضايا الدفاع عن حرية الملاحة. غير أن بلقيس تبدو أكثر قابلية لإبراز الكلفة الاقتصادية والاجتماعية للأزمة، عبر نشر قضايا التجار، والحاويات العالقة، وارتفاع نفقات الشحن، إلى جانب تغطيتها للأحداث العسكرية.
أما القنوات ذات الارتكاز الجغرافي الساحلي أو المحلي، مثل حضرموت والمهرية والسعيدة، فتُظهر ميلاً نسبياً أكبر إلى الأطر الاقتصادية والمعيشية والإنسانية والمحلية؛ فالتغطية تتصل بالصيد، والمواسم البحرية، وفرص العمل، والنشاط السياحي، وحركة الأسواق، وإنقاذ العالقين أو الصيادين. ولا يعني ذلك غياب الإطار الأمني عنها، لكنه لا يحتل دائماً الموقع التفسيري الوحيد. ويبدو أن القرب من المجتمعات الساحلية والاقتصادات المحلية يدفع هذه القنوات إلى رؤية البحر بوصفه مورداً للعيش والعمل، لا مجرد فضاء للمواجهة العسكرية.
وفي حالة عدن المستقلة، يبرز تداخل الإطارين الاقتصادي/التجاري والسيادي بصورة أكثر وضوحاً؛ إذ تتصل تغطية النفط والتصدير وموارد المحافظات الجنوبية بخطاب الحقوق المحلية والسيطرة على الثروات ورفض خروجها دون ضمان عائدها للمجتمع المحلي. بذلك، لا يصبح البحر أو التصدير مجرد ملف اقتصادي، بل يتحول إلى موضوع سياسي-سيادي يعكس تموضع القناة في سياق القضية الجنوبية وتنافس السلطات على الموارد.
وخلاصة القول، إن التغطية اليمنية للتجارة البحرية اتسمت بـأمننة المجال البحري؛ أي إعادة تعريفه إعلامياً من قطاع اقتصادي وسيادي وبيئي متعدد الأبعاد إلى مجال تهديد وصراع وحماية عسكرية. ومع أن التباين السياسي والجغرافي بين القنوات يفسر اختلاف ترتيب الأطر الفرعية، فإن الإطار الأمني/العسكري ظل المظلة الأوسع، يليه الاقتصادي/التجاري، ثم السياسي/الدبلوماسي والقانوني/السيادي، في حين بقي الإنساني والبيئي في هامش أجندة التغطية. وتدل هذه النتيجة على حاجة الإعلام اليمني إلى توسيع منظوره للتجارة البحرية بحيث يتجاوز لحظة الأزمة العسكرية نحو قضايا تنمية الموانئ، وحماية البيئة، والصيد المستدام، والاقتصاد الأزرق، وحقوق المجتمعات الساحلية.
- خصائص المعالجة الصحفية لقضية التجارة البحرية
تكشف المقارنة بين منشورات القنوات اليمنية محل الدراسة أن معالجة قضية التجارة البحرية لم تكن متجانسة، بل تأثرت بالهوية التحريرية والتموضع السياسي والجغرافي لكل قناة. فعلى مستوى موضوعات التغطية، ركزت قنوات سبأ، اليمن، الجمهورية، بلقيس، سهيل، والسعيدة بدرجات متفاوتة على البعد الأمني والسياسي للملاحة البحرية، ولا سيما التهديدات في البحر الأحمر وخليج عدن، واستهداف السفن، وتداعيات ذلك على حركة التجارة والإمدادات. وفي المقابل، أظهرت قنوات ذات اهتمام محلي، مثل حضرموت والمهرية وعدن المستقلة، حضوراً أوضح للموضوعات المرتبطة بالموانئ والخدمات البحرية وحركة السلع واحتياجات المناطق الساحلية، بما يجعل التجارة البحرية في تغطيتها أكثر اتصالاً بالحياة الاقتصادية المحلية. أما بلقيس وسهيل، فمالت معالجتهما إلى إبراز التداعيات الإنسانية والاقتصادية للأزمة، من خلال ربط اضطراب الملاحة بارتفاع كلفة النقل وأسعار السلع ومعيشة المواطنين.
ومن حيث القالب الصحفي، هيمن الخبر القصير والمنشور الخبري المباشر في مجمل القنوات، وبخاصة سبأ، اليمن، الجمهورية، عدن المستقلة، حضرموت والمهرية؛ إذ اعتمدت هذه القنوات بدرجة كبيرة على نقل البيانات والتصريحات والإعلانات الرسمية. وظهر لدى بلقيس وسهيل والسعيدة قدر أكبر—وإن ظل محدوداً—من المنشورات ذات الطابع التفسيري أو المصحوبة بسياق اقتصادي وسياسي أوسع، غير أن المادة التحليلية المتعمقة لم تكن الشكل الغالب في أي من القنوات محل الدراسة. ويعني ذلك أن التغطية عالجت التجارة البحرية بوصفها حدثاً آنياً ومتطوراً، أكثر من كونها ملفاً اقتصادياً استراتيجياً يحتاج إلى تفسير مستمر.
وفيما يتعلق بـمصادر المعلومات، تميزت منشورات سبأ واليمن والجمهورية بكثافة الاعتماد على المصادر الرسمية، مثل الجهات الحكومية، والمؤسسات العسكرية والأمنية، وسلطات الموانئ، والوكالة الرسمية؛ وهو ما جعل الرواية المؤسسية المصدر الأبرز للمعلومات فيها. وبالمثل، استندت عدن المستقلة وحضرموت والمهرية إلى السلطات المحلية وقيادات المحافظات والمؤسسات الخدمية والمينائية، بما يتفق مع الطابع المحلي لتغطيتها. أما بلقيس وسهيل والسعيدة، فقد اتسع فيها نسبياً حضور الوكالات والمصادر الدولية والتصريحات السياسية والتقارير الاقتصادية، مع استمرار مركزية المصادر الرسمية. وتكشف هذه النتيجة محدودية حضور الخبراء المستقلين، والعاملين في قطاع الشحن، والمستوردين، وغرف التجارة، بوصفهم مصادر قادرة على تقديم قراءة اقتصادية متخصصة.
وعلى مستوى الفاعلين المنسوب إليهم الحدث، برزت الحكومات والسلطات المحلية والقوات الأمنية والعسكرية وسلطات الموانئ بوصفها الفاعلين الأكثر حضوراً في منشورات سبأ واليمن والجمهورية وحضرموت والمهرية وعدن المستقلة. غير أن تمثيل الفاعلين اختلف بين القنوات؛ فـسبأ تميل إلى إسناد فاعلية الحدث إلى سلطات صنعاء والقوات المسلحة اليمنية، مع تقديم العمليات البحرية ضمن إطار سياسي وسيادي. في حين تبرز في اليمن والجمهورية وبلقيس وسهيل والسعيدة الحكومة المعترف بها دولياً، وجماعة الحوثي، والتحالف والقوى الدولية، باعتبارهم أطرافاً مركزية في تفسير تهديد الملاحة أو حمايتها. أما حضرموت والمهرية وعدن المستقلة، فتمنح مساحة أكبر للسلطات المحلية وإدارات الموانئ والأجهزة الخدمية، مع ربط أدوارها باستمرارية الإمدادات والنشاط الاقتصادي.
أما اتجاه المعالجة، فقد غلب الاتجاه السلبي في منشورات اليمن والجمهورية وبلقيس وسهيل والسعيدة عندما تناولت المخاطر الأمنية، وتعطّل الملاحة، والخسائر الاقتصادية، وارتفاع أسعار السلع، والآثار الإنسانية للأزمة. وفي المقابل، يظهر اتجاه إيجابي أو شبه إيجابي في منشورات حضرموت والمهرية وعدن المستقلة عند الحديث عن تحسين الخدمات، ووصول السفن، وتشغيل الموانئ، وتوافر السلع أو الإجراءات المحلية الرامية إلى حماية المصالح الاقتصادية. كما يظهر لدى سبأ اتجاه إيجابي تجاه العمليات أو المواقف التي تُقدَّم بوصفها دفاعاً عن السيادة أو نصرةً للقضية الفلسطينية، في مقابل اتجاه سلبي تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل والقوات المرتبطة بهما، أو تجاه السفن التي تُصوَّر بوصفها مخالفة لقرارات الحظر. وتوجد مواد محايدة نسبياً في جميع القنوات، ولا سيما الأخبار التي تقتصر على نقل بيانات حركة الموانئ أو وصول السفن أو التصريحات الرسمية دون استخدام توصيفات تقويمية واضحة.
وبصورة كلية، يتضح أن سبأ تؤطر التجارة البحرية في الغالب ضمن الصراع الإقليمي والسيادة والمواجهة العسكرية؛ بينما تعالجها اليمن والجمهورية وبلقيس وسهيل والسعيدة غالباً من منظور المخاطر السياسية والأمنية والاقتصادية الناجمة عن الصراع؛ في حين تمنح حضرموت والمهرية وعدن المستقلة أولوية نسبية للأبعاد المحلية والخدمية المرتبطة بالموانئ والإمدادات. وعليه، فإن التجارة البحرية في الخطاب الإعلامي المدروس تُقدَّم في المقام الأول كملف أمني وسياسي، أكثر من تقديمها بوصفها قطاعاً إنتاجياً وتنموياً مستقلاً ضمن الاقتصاد الأزرق والتنمية البحرية المستدامة.
- مستوى ونمط تفاعل الجمهور وعلاقته بنوع الإطار الإعلامي
تُظهر العينة المتاحة تفاوتاً واضحاً في كثافة النشر بين القنوات محل الدراسة؛ إذ تضم قناة بلقيس 80 منشوراً (29.5% من إجمالي المواد المرصودة)، تليها الجمهورية بـ56 منشوراً (20.7%)، ثم المهرية بـ52 منشوراً (19.2%)، في حين كانت عينة السعيدة محدودة جداً بمنشور واحد فقط (0.4%). ولذلك ينبغي الحذر من مقارنة القنوات اعتماداً على المجاميع الخام للتفاعل، لأن كثافة النشر وحجم قاعدة المتابعين وطبيعة الملفات المرفوعة عوامل قد تفسر جانباً من الفروق.
ومن حيث نمط التفاعل، تشير المواد المرصودة إلى أن الإعجابات تمثل الشكل الأكثر ظهوراً من التفاعل، بينما تظل التعليقات والمشاركات أقل انتظاماً في الظهور داخل البيانات المستخرجة. ويعني ذلك أن التفاعل مع قضية التجارة البحرية يبدو، في عمومه، تفاعلاً سريعاً ومنخفض الكلفة الاتصالية؛ أي إن الجمهور يميل إلى إبداء الاستجابة الرمزية للخبر أكثر من الدخول في نقاش تفصيلي أو إعادة نشره. غير أن هذا النمط لا يُقرأ باعتباره دليلاً على ضعف الاهتمام بالموضوع، بل قد يعكس طبيعة الأخبار البحرية بوصفها أخباراً عاجلة، مركّزة، وكثيفة الاعتماد على بيانات رسمية وعسكرية ووكالات أنباء.
وتبرز قناة بلقيس وقناة المهرية بوصفهما الأكثر كثافة في تناول تطورات البحر الأحمر وباب المندب، مثل استهداف الناقلات، وتحويل مسارات السفن، وتراجع الحركة البحرية، ومساعي بعض الدول للحصول على ضمانات عبور آمن. وتميل هذه المواد إلى تفعيل الاستجابة العاطفية والأمنية لدى الجمهور، لأن الإطار المهيمن فيها هو إطار التهديد والصراع والمخاطر؛ وهو إطار يربط التجارة البحرية مباشرة بالحرب، والسيادة، وأمن الطاقة، واحتمالات الكارثة البيئية. ومن المتوقع تحليلياً أن تستقطب هذه المعالجة إعجابات ومشاركات أعلى نسبياً عندما تتصل بخبر عاجل أو بتهديد مباشر للملاحة أو النفط، لأن قيمتها المعلوماتية مرتفعة وقابلة للتداول السريع.
وفي المقابل، قدّمت قناة حضرموت وقناة سبأ وقناة اليمن جانباً آخر من الموضوع البحري، ارتبط بالصيد، وخفر السواحل، وموسم البلدة، والصناعات البحرية المحلية، والإنقاذ والسلامة الساحلية. وهنا ينتقل التأطير من منطق التهديد الإقليمي إلى إطار التنمية المحلية والخدمة العامة والهوية الساحلية. هذا الإطار أكثر قرباً من الحياة اليومية لجمهور المحافظات الساحلية، لكنه لا يحمل بالضرورة درجة الاستقطاب نفسها التي يحملها إطار الصراع؛ ولذلك يُتوقع أن يدفع أكثر نحو الإعجاب والتعليق المحلي، لا سيما عندما يتصل بسلامة المواطنين أو فرص العمل أو الموروث البحري، بدلاً من المشاركة الواسعة خارج المجال المحلي.
أما قناة الجمهورية وقناة سهيل وعدن المستقلة، فقد مالت في موادها البحرية إلى إطار سياسي–أمني يركز على تهديدات الحوثيين للملاحة، والتحالفات البحرية، وتهريب السلاح، وتصدير النفط، والمواقف الإقليمية والدولية. وتُظهر هذه المعالجة أن المنشور لا يُقدَّم بوصفه خبراً اقتصادياً بحرياً مستقلاً، بل باعتباره جزءاً من صراع أوسع حول الشرعية والسيادة والأمن الإقليمي. ومن ثمّ، يمكن القول إن ارتفاع قابلية التفاعل في هذا النمط لا ترتبط بالتجارة البحرية في ذاتها، بل بقدر ما تُدمج ضمن سردية سياسية صراعية قابلة للاستقطاب.
وفي ما يتصل بـالعنصر البصري المهيمن، تكشف العينة عن غلبة واضحة للمنشورات المصوّرة؛ سواء في صورة بطاقات خبرية ثابتة، أو صور تتضمن عناوين مختصرة، أو مقاطع وتقارير مرئية. وتبدو البطاقات النصية المصممة بصرياً الأكثر استخداماً في أخبار التصعيد، لأنها تلائم الإخبار العاجل وتكثّف الرسالة في عنوان واحد مثل: تهديد ناقلة، انفجار قرب سفينة، تراجع عدد السفن، أو إعلان تحالف بحري. ويُرجح أن تحقق هذه الصيغة الإعجاب السريع والمشاركة، لسهولة قراءتها وإعادة تداولها. أما الفيديو والتقارير المرئية، كما في بعض مضامين قناة اليمن وسبأ وحضرموت، فيُحتمل أن يعزز التعليق والاحتفاظ بالانتباه حين يقدّم مشاهد إنقاذ أو تغطية ميدانية أو قصصاً إنسانية، لكنه يتطلب جهداً زمنياً أكبر من المستخدم مقارنة بالبطاقة النصية.
ولا يظهر في العينة استخدام واسع ومنتظم للـإنفوغراف التحليلي المستقل؛ وهي فجوة مهمة من منظور الاتصال التنموي. فالمنشورات المتعلقة بحركة السفن، وتكاليف تحويل المسارات، ومسارات التجارة، وحجم الخسائر، وأثر اضطراب الملاحة في أسعار الوقود والغذاء، تحتاج إلى تصورات بصرية تفسيرية لا إلى بطاقات خبرية فقط. ومن المرجح أن يسهم الإنفوغراف، إذا استُخدم بصورة مبسطة وموثقة، في زيادة المشاركة المعرفية؛ لأنه يحول القضية البحرية من حدث أمني بعيد إلى أثر اقتصادي ملموس في حياة الجمهور.
وبصورة إجمالية، يمكن استخلاص أن العلاقة بين نوع الإطار الإعلامي والتفاعل هي علاقة ترابطية لا سببية مؤكدة في حدود البيانات المتاحة: فإطار التهديد والصراع يبدو أكثر قابلية لاستثارة الإعجاب والمشاركة السريعة، ولا سيما عندما يُدعّم بصورة أو بطاقة خبر عاجل؛ بينما يرتبط إطار التنمية والخدمة العامة باهتمام أكثر محلية وتخصصاً، وقد يكون أكثر قابلية لتوليد تعليقات ذات صلة بالتجربة اليومية. أما المحتوى الذي يجمع بين إطار اقتصادي واضح وعنصر بصري تفسيري—خصوصاً الفيديو القصير أو الإنفوغراف—فيظل الأقل حضوراً، رغم امتلاكه فرصة أعلى لتعميق الفهم العام للتجارة البحرية وتوسيع دائرة التفاعل خارج الاستجابة العاطفية الآنية.
الخاتمة
سعت هذه الدراسة إلى الكشف عن الأطر الإعلامية السائدة في تغطية القنوات اليمنية على فيسبوك لقضية التجارة البحرية، وخصائص هذه المعالجة، ومستويات تفاعل الجمهور معها، من خلال تحليل مضمون شمل 271 منشوراً موزعة على إحدى عشرة قناة يمنية خلال يوليو 2026، استناداً إلى نظرية التأطير الإعلامي.
أظهرت النتائج أن الإطار الأمني/العسكري هو الأكثر هيمنة، إذ قُدّمت الملاحة البحرية أساساً بوصفها قضية تهديدات وأمن ممرات دولية لا نشاطاً اقتصادياً مستقلاً، يليه الإطار الاقتصادي/التجاري التابع غالباً لمنطق الأزمة، ثم الإطاران السياسي/الدبلوماسي والقانوني/السيادي، فيما بقي الإطاران الإنساني والبيئي على الهامش. وتباين هذا التوزيع بحسب التوجه السياسي والجغرافي لكل قناة؛ فالقنوات المناهضة للحوثيين مالت إلى الأطر الأمنية والسياسية، بينما مالت القنوات الساحلية إلى الأطر الاقتصادية والإنسانية.
وعلى مستوى المعالجة الصحفية، هيمن القالب الخبري القصير والمصادر الرسمية على حساب الأشكال التحليلية والمصادر المتخصصة، وغلب الاتجاه السلبي عند تناول المخاطر. أما التفاعل، فمثّلت الإعجابات الشكل الأبرز، وبدا إطار التهديد أكثر قابلية لاستثارة التفاعل السريع، في حين غاب استخدام الإنفوغراف التحليلي رغم أهميته.
تُسهم الدراسة في سدّ فجوة بحثية بتقديم قياس منهجي لتأطير التجارة البحرية إعلامياً، وتؤكد أن التغطية اليمنية تُخضع المجال البحري لمنطق الأمننة على حساب أبعاده التنموية والبيئية والإنسانية. وتظل النتائج محكومة بحدود منهجية، أبرزها اقتصار العينة على شهر واحد وغياب القياس الكمي الدقيق للتفاعل واقتصار التحليل على فيسبوك.
وتوصي الدراسة بإجراء بحوث مستقبلية تمتد لفترات أطول وتقارن بين المنصات، وتوسّع تغطيتها لتشمل تنمية الموانئ والاقتصاد الأزرق وحماية البيئة البحرية، مع تعزيز استخدام الأشكال البصرية التفسيرية وفتح المجال لمصادر متخصصة تقدّم قراءة اقتصادية أعمق للقضية.