على الرغم من عمليات الاعتقال البارزة التي جرت مؤخراً، لن تتمكن السلطات على جانبي الأطلسي من تحقيق أهدافها طويلة الأمد المتمثلة في تحقيق الاستقرار وإعادة إعمار غزة ما لم تتخذ إجراءات أوسع نطاقاً لمكافحة أنشطة جمع التبرعات التي لا تزال تنتشر على نطاق واسع لصالح حركة “حماس”.
في 31 تموز/يوليو، اعتقلت السلطات في المملكة المتحدة محمد يوسف حسنة بناءً على تهم أمريكية تفيد بأنه كان يقدم دعماً مادياً لحركة “حماس”. ويُتهم حسنة، وهو مواطن تركي، بأنه شغل منصب المدير العالمي لمنظمة إنسانية دولية يُزعم أنها كانت في الواقع متورطة في جمع وتحويل الأموال نيابة عن “حماس”. وتشكل هذه الإجراءات الأمنية – التي يُفترض أن تؤدي إلى تسليم حسنة إلى الولايات المتحدة لمواجهة تهم متعلقة بالإرهاب – خطوة مهمة في حملة القمع التي تستهدف شبكات “حماس” المالية الواسعة والراسخة في أوروبا. ومع ذلك، لا يزال هناك الكثير الذي يتعين القيام به للتصدي لأنشطة التمويل غير المشروعة التي تقوم بها الجماعة عبر المحيط الأطلسي، لا سيما في تركيا والمملكة المتحدة، وكذلك في العديد من الأماكن الأخرى. ولذلك، ينبغي على واشنطن مواصلة الضغط على الحكومات الأوروبية لإعطاء الأولوية لهذه القضية والتصدي بشكل أكثر صرامة لأنشطة “حماس” على أراضيها.
الاتهامات
لا تذكر لائحة الاتهام الأمريكية اسم المنظمة الدولية التي يعمل بها حسنة، بل تشير إليها على أنها “مؤسسة خيرية وهمية” مسجلة في المملكة المتحدة. تشير بعض المصادر إلى مؤسسة “الخير” باعتبارها المؤسسة الخيرية المعنية، لكن المنظمة نفت أن يكون حسنة ضمن موظفيها، ووصفته بأنه “موظف لدى إحدى المنظمات الشريكة المنفذة لمشروعاتنا في الخارج“. وعلى أي حال، يُزعم أن حسنة عمل عن كثب مع أعلى المستويات القيادية في “حماس” لضمان أن التبرعات الإنسانية المقدمة إلى المؤسسة الخيرية تعود بالفائدة المباشرة على أنشطة “حماس” داخل قطاع غزة. وتصف لائحة الاتهام مخططاً تم بموجبه تسليم المواد الغذائية والإمدادات الأخرى إلى مستودعات تسيطر عليها “حماس”، ثم إخفاؤها عن السلطات الأخرى. والجدير بالذكر أن الإيرادات المعلنة رسمياً للمؤسسة الخيرية ارتفعت بشكل كبير بعد هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر، من حوالي 42 مليون دولار في السنة المالية 2023 إلى 82 مليون دولار في السنة المالية 2024.
وتضفي العلاقات الوثيقة التي تربط حسنة بمسؤول “حماس” البارز غازي حمد أهمية خاصة على هذه العملية. وقد أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية اسم حمد في قائمة العقوبات في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 بعد أن لعب عدة أدوار رئيسية في التنظيم على مر السنين. وهو يرأس حالياً وزارة التنمية الاجتماعية في غزة، التي تصفها لائحة الاتهام بأنها “وكالة تنتمي اسمياً إلى جهاز الحكم في غزة، لكنها في الواقع تخضع لسيطرة حماس“. خلال مقابلة له هذا الأسبوع، أوضح حمد أنه على الرغم من توقيع “حماس” على أحدث اتفاق بشأن غزة الذي تفاوض عليه “مجلس السلام” بقيادة الولايات المتحدة، فإن “مقاومة الاحتلال” تظل “المهمة المقدسة” للحركة.
حماس وأوروبا
لطالما كانت أوروبا مصدراً رئيسياً لتمويل “حماس” على مدى عقود، حيث غالباً ما تظهر جمعيات خيرية وهمية في إطار هذه الجهود. في أيلول/سبتمبر 2024، أشار تقرير صادر عن الحكومة الإسرائيلية إلى أن الحركة كانت تدير “شبكة من النشطاء والمنظمات” في أوروبا الغربية منذ أكثر من عشرين عاماً. وأدلت الحكومة الأمريكية بتصريحات مماثلة بعد شهر، مدعية أن “حماس” كانت تتلقى ما يقارب 10 ملايين دولار شهرياً على شكل تبرعات عبر جمعيات خيرية في أوروبا وأماكن أخرى – وهو مبلغ يضاهي ما كان يقدمه رعاة الحركة في إيران في ذروة تمويلهافي الفترة التي سبقت 7 تشرين الأول/أكتوبر.
في غضون أيام من اندلاع حرب غزة، أطلقت “حماس” عدة حملات عالمية جديدة لجمع التبرعات، في المقام الأول تحت ستار التخفيف من المعاناة الإنسانية الحقيقية في القطاع. ودعا الزعيم المخضرم خالد مشعل أنصاره إلى المشاركة في “الجهاد المالي” من خلال تقديم “المساعدات والمال وكل ما لديكم” لهذه الحملات. وقد استغلت شبكات الحركة الأوروبية هذا النداء بنجاح كبير – حيث يعتقد مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون أن جمع التبرعات الأوروبية لحركة “حماس” قد زاد بشكل ملحوظ منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر.
ومع ذلك، من المهم تذكّر أن شبكات أوروبية من هذا النوع تعود إلى ما هو أبعد بكثير – إلى ما لا يقل عن بداية الانتفاضة الفلسطينية الثانية في عام 2000، عندما أنشأ قادة “حماس” “اتحاد الخير” لتسهيل التمويل من الخارج. وتضم هذه المنظمة الجامعة أكثر من خمسين مؤسسة خيرية وهمية في النمسا وبلجيكا وألمانيا وإيطاليا وسويسرا والمملكة المتحدة ومناطق أخرى، وقد قادها لسنوات عديدة يوسف القرضاوي، وهو منظّر متطرف مؤثر وشخصية بارزة في جماعة الإخوان المسلمين. وفي نهاية المطاف، أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية الاتحاد في قائمة العقوبات الأمريكية في عام 2008 بسبب صلاته بـ”حماس”؛ كما أُدرج العديد من أعضائه في القائمة أيضاً. ومؤخراً، أكد تصنيف وزارة الخزانة لعام 2025 لمنظمة غير حكومية مقرها هولندا أن الاتحاد لا يزال نشطاً للغاية ويقدم تقاريره “مباشرة إلى الجناح العسكري لـ”حماس”.
حماس وتركيا
تُعد تركيا بلا شك أهم مركز مالي لـ”حماس” في المنطقة، وربما على الصعيد العالمي. وهذا ليس مفاجئاً بالنظر إلى التوافق الأيديولوجي المعروف بين الرئيس رجب طيب أردوغان والجماعة. وبعد أقل من شهرين على هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر، أوضح هذا الموقف بشكل لا لبس فيه، قائلاً: “بغض النظر عما يقوله أي شخص، لا يمكنني قبول أن حماس جماعة إرهابية”. وفي الأسبوع الماضي فقط، زار خليل الحية، الزعيم المنتخب حديثاً لـ”حماس”، تركيا والتقى بوزير الخارجية هاكان فيدان، الذي أعرب عن دعمه القوي للجماعة. كما التقى برئيس جهاز الاستخبارات الوطنية إبراهيم كالين – في مؤشر آخر على مستوى الوصول الرفيع الذي تحظى به “حماس” في أنقرة.
والجدير بالذكر أن مسؤولي وزارة الخزانة الأمريكية فرضوا عقوبات على شركة “القاهرة” التجارية التي تتخذ من تركيا مقراً لها قبل أيام قليلة من زيارة الحية، متهمين إياها بتحويل مئات الآلاف من الدولارات إلى “حماس”. وقبل عدة أشهر، أدرجت وزارة الخزانة عدداً من الجمعيات الخيرية الأخرى التي تتخذ من تركيا مقراً لها في قائمة العقوبات بسبب صلاتها بـ”حماس”، بما في ذلك جمعية “الأيدي البيضاء” الفلسطينية للمساعدة والتضامن. كما استضافت تركيا حميد الأحمر، وهو مواطن يمني يُزعم أنه ساعد في الإشراف على محفظة استثمارات “حماس” في الخارج التي كانت سرية في السابق وتبلغ قيمتها 500 مليون دولار.
ولم تتخذ حكومة أردوغان إجراءات واضحة تُذكر ضد هذه الكيانات على الرغم من العقوبات الأمريكية. بل على العكس، فقد كرر أردوغان مراراً أنه لا يعتبر “حماس” منظمة إرهابية.
علاوة على ذلك، فإن لائحة الاتهام الأمريكية ضد يوسف حسنة تصف كيف تعاون المتهم مع مؤسسة “ديانت” التركية (TDV) التي تخضع لسيطرة مديرية الشؤون الدينية التابعة للحكومة – لتنظيم مؤتمر بعنوان “غزة في اليوم التالي” في إسطنبول. وقد جرت هذه الفعالية حتى في الوقت الذي كان يُزعم فيه أنه كان ينسق المعاملات المالية لـ”حماس” وشحنات غزة مع غازي حمد.
إجراءات الحكومات الأوروبية
يُعد تعاون المملكة المتحدة في قضية حسنة تطوراً واعداً يبني على العقوبات الأمريكية-البريطانية المشتركة السابقة ضد كيانات “حماس”. ويشمل ذلك تصنيف منظمة “غزة الآن” ومؤسسها المقيم في أوروبا، مصطفى عياش، في آذار/مارس 2024 باعتبارهما “ميسرين ماليين رئيسيين” لـ”حماس”. وقد وجهت الحكومة النمساوية لاحقاً تهماً إلى عياش، وطلبت تسليمه من هولندا لمواجهة الملاحقة القضائية بتهمة ارتكاب جرائم تمويل الإرهاب المزعومة. كما رفعت ألمانيا وإيطاليا وهولندا قضايا إنفاذ قانون خاصة بها ضد أفراد مرتبطين بـ”حماس” – وهي خطوة كانت هذه الدول ستتردد بشدة في اتخاذها قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول.
ومع ذلك، وبالنظر إلى الدور المحوري الذي لعبته القارة الأوروبية في العمليات المالية للجماعة، لا يزال أمام الحكومات الأوروبية الكثير من العمل للقيام به – بما في ذلك في المملكة المتحدة، حيث تتمتع “حماس” بجذور وشبكات عميقة. وأصدرت كل من وزارة العدل الأمريكية والحكومة الإسرائيلية بيانات أشادتا فيها بالتعاون البريطاني في التحقيق المتعلق بـ”حسنة”، لكن لندن لم تعلق علناً بعد -وهو ما يُرجح أنه يعكس عدم حرص المسؤولين على الإعلان عن دورهم في هذا المجال المثير للجدل على الصعيد المحلي.
وفي أماكن أخرى، لم تبذل دول مثل بلجيكا وأيرلندا سوى جهود ضئيلة نسبياً للتصدي لتهديد تمويل “حماس”. كما أضاف الاتحاد الأوروبي عدداً ضئيلاً جداً من الكيانات المرتبطة بـ”حماس” إلى قوائم التصنيف الخاصة به، على الرغم من توسيع صلاحياته لاستهداف مثل هذه الجماعات منذ أوائل عام 2024 – وهي صلاحيات تم تمديدها مؤخراً لمدة عام آخر. وحتى الآن، استخدم الاتحاد الأوروبي هذه الصلاحيات بشكل أساسي ضد كيانات “حماس” خارج أوروبا، حيث لم يستهدف سوى شركة واحدة مقرها في القارة. وينبغي تغيير هذا التركيز.
الخطوات التالية
ينبغي لإدارة ترامب أن توضح للحكومات الأوروبية أن قطع التمويل عن حماس يجب أن يكون أولوية قصوى إذا كانت تأمل في إحراز تقدم نحو استقرار غزة والحد من التهديد الإرهابي هناك. وهذا يعني الإشادة بالدول عندما تتخذ إجراءات مهمة، مع الاستمرار في حثها – لا سيما المملكة المتحدة وبلجيكا، التي أقرت علناً بوجود “حماس” على أراضيها – على تكثيف جهودها. كما ينبغي على واشنطن أن تطلب من الاتحاد الأوروبي توسيع نطاق عقوباته ضد المنظمات والأفراد المرتبطين بـ”حماس”، بما في ذلك العديد من المؤسسات الخيرية الوهمية التابعة للجماعة. وينبغي أن يلعب اليوروبول دوراً أكثر قوة أيضاً من خلال المساعدة في تنسيق التحقيقات العديدة عبر الحدود المتعلقة بـ”حماس”.
وعلى الرغم من أنه من غير المرجح أن تقدم تركيا مساعدة كبيرة في هذه الجهود، إلا أنه ينبغي على المسؤولين الأمريكيين مع ذلك الضغط على أنقرة – علناً وسراً – لاتخاذ إجراءات. ونظراً للعلاقة القوية التي تربط الرئيس ترامب بالرئيس أردوغان، فإن واشنطن تتمتع الآن بنفوذ أكبر من أي وقت مضى بشأن هذه القضية الصعبة. ولن تمنع أنقرة “حماس” من العمل على الأراضي التركية، لكن حتى الحد من نطاق هذه الأنشطة إلى حد ما سيكون مفيداً. وإذا كان الرئيس ترامب جاداً في خططه الطموحة لنزع سلاح حماس، فإن القضاء على مصادر تمويل الجماعة عبر المحيط الأطلسي سيكون خطوة ضرورية لتحقيق هذا الهدف.