حق الحرية في الإسلام بين النظرية والتطبيق

جميل عودة ابراهيم

 

عُرفت الحرية في كل من الإعلان العـالمي لحقـوق الإنسـان؛ والعهـد الـدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بما نصت عليه المادة (١٩) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن (لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريـة اعتنـاق الآراء دون تدخل، واستيفاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسـيلة كانـت دون تقيد بالحدود الجغرافية) كما جاء في المادة (١٨) أن (لكل شـخص الحـق في حرية التفكير والضمير والدين…).

ومع أن الإسلام أولى حق الحرية أهمية قصوى من حيث كونه عنصرا جوهريا في حركة الإنسان في علاقاته المتعددة، سواء مع الله أو عباده أو مع الطبيعة، وفي التزاماته ومسؤولياته وارتقاه نحو الكمال إلا أن حق الحرية في الإسلام ظل من أكثر الحقوق جدلية بين من يؤكد أصالة وجوده في الإسلام من عدمها، وبين من يؤكد التزام المسلمين في تطبيقه من عدمه.

فهل حق الحرية في الإسلام موجود بالفعل كنص تشريعي؟ وهل حق الحرية في الإسلام مطبق في علاقات المسلم مع المسلمين الآخرين، وفي علاقات المسلمين مع غير المسلمين أم لا؟ وكيف يفهم المسلمون حق الحرية، هل هو حق مطلق أم حق مقيد؟

إن الحرية بالإطلاق هـي التحـرر مـن القيـود التـي تكبـل طاقـات الإنسـان وإنتاجـه؛ سـواء كانـت قيـودا ماديـة أو قيـودا معنويـة، فهـي تشـمل الـتخلص من العبودية لشخص أو جماعة، والـتخلص مـن الضـغوط المفروضة على شخص ما لتنفيذ غرض ما، والتخلص من الإجبار والفرض. والمعنى الشائع للحرية عند عموم الناس: هي أن للإنسان أن يختار مـا يشـاء من سلوك في قول أو فعل أو اعتقاد، دون أن يرهـب أحـدا مـن الناس، أو يتـأثر بضغط، أو يمارس عليه إكراه طالما أن تصرفه ضمن قواعد وضـوابط تحقـق النبـل والارتقاء، وتعود بالنفع على الفرد والمجتمع، أي أن الحـرية هي قدرة الإنسان على فعل ما يريد، وترك ما لا يريد دون إكراه.

إن القران الكريم حافل بآيات تدل كلها على إعطاء الإنسان حرية الاختيار الواسعة، ليس في علاقاته مع غيره من بني جنسه، وحسب بل حتى في علاقته مع الخالق، والقاعدة العامة في الإسلام هي (لا إكراه) وهي من أعظم القواعد الإنسانية التي وجدت في الأرض. حيث قال الله تعالى في كتابه الكريم (لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغيّ، فمَن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم)، وكذلك فان القرآن الكريم يحفل بآيات عديدة تؤكد كون الإنسان مخيراً بين (النجدين إما شاكراً وإما كفورا) و(من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فعليها وما أنت عليهم بوكيل) و(من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).

يقول السيد الشيرازي: من أصول الإسلام المسلّمة والمؤكّدة مسألة حرية اختيار الدين؛ قال تعالى: (لا إكراه في الدين)، بل ليكن معلوماً ـ قبل كلّ شيء أنّ الإسلام وحده هو دين الحرّية. فحتّى المدارس والمبادئ الأخرى التي ظهرت منذ قرون وما زالت ترفع شعار الحرّية لا واقع للحرية فيها سوى الاسم. أمّا الإسلام فهو دين الحريات مبدأً وشعاراً، وقولاً وعملاً. وهذا موضوع طويل يتطلّب من الباحث أن يطالع الفقه الإسلامي بتعمّق، من أوّله إلى آخره، لكي يعرف كيف أنّ الإسلام التزم بمبدأ (لا إكراه في الدين) في مختلف مجالات الحياة.

لقد شنّ أهل مكّة حرباً ظالمة على رسول الله صلى الله عليه وآله قلّ نظيرها في التاريخ. فلقد عُرف صلى الله عليه وآله بينهم بالصدق والأمانة حتى لقّبوه بالصادق الأمين، ولكنهم مع ذلك حاربوه إلاّ قليلاً منهم، عسكرياً واجتماعياً واقتصادياً ونفسياً، حتى بلغ الأمر بهم أنّهم كانوا لا يردّون تحيّته إذا حيّاهم. ورغم كلّ ما فعله المشركون من أهل مكّة مع رسول الله صلى الله عليه وآله إلاّ أنّ التاريخ لم يحدّثنا أنّه صلى الله عليه وآله أجبر ولو شخصاً واحداً على الإسلام، ولو أنّه صلى الله عليه وآله أراد أن يجبر أهل مكّة على الإسلام لأسلموا كلّهم تحت وطأة السيف، لكنّه صلى الله عليه وآله لم يفعل ذلك ولم يجبر أحداً على الإسلام.

هكذا روى التاريخ عن سلوك نبينا صلى الله عليه وآله: يحاربه قومه مع ما يعرفونه من صدقه وأمانته ونبله وكرم أخلاقه، بمختلف أنواع الحروب القاسية ويطردونه من موطنه ومسقط رأسه، ثم يتركهم أحراراً وما يختارون من دين وطريقة حياة؟! لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يهديهم وينصحهم ويوضّح لهم طريق الرشد ويميّزه عن طريق الغيّ ثم يترك الاختيار لهم (فمَن شاء فليؤمن ومَن شاء فليكفر) (قد تبيّن الرشد من الغيّ فمَن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى) (وهديناه النجدين) (إنّا هديناه السبيل إمّا شاكراً وإمّا كفوراً) هذا هو أسلوب الإسلام، لا ضغط ولا إكراه فيه.

وهكذا الحال في سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله مع اليهود والنصارى. فلقد ردّ صلى الله عليه وآله عشرات الحروب والاعتداءات التي شنّها أهل الكتاب دون أن يجبر أحداً منهم على الإسلام. لم يسجّل التاريخ ولو حالة واحدة يكون فيها رسول الله صلى الله عليه وآله قد أجبر ذمياً على اعتناق الإسلام، مع أنّه كان الحاكم الأعلى في الجزيرة العربية وكان بيده السيف والمال والقوّة الكافية.

ولم يرد قيد على حرية الإنسان إلا قيد واحد هو عدم الإضرار بالآخرين عند ممارسة حريته وشؤونه الخاصة، وفي الحقيقة هذا ليس قيدا على الحرية بل هو خارج نطاق الحرية أصلا لأن حرية الإنسان إنما تكون في حدود عدم التعدي على حقوق الآخرين وإلا لا تعد الحرية حرية بل تعديا وجرما يحاسب عليه مرتكبها. أي أن الإسلام يقول اعمل ما تشاء، فلك حرية العمل شريطة ألا تضرّ غيرك؛ فإنّه (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام) والإسلام يضرب بشدّة على يد الظالم ومَن يريد إلحاق الضرر بالآخرين، وبعد ذلك فأنت حرّ في كلّ أمورك، في ذهابك ومجيئك وسفرك وعلاقاتك، فلا ضغط ولا جبر ولا إكراه، ولا كبت للحرية في الإسلام، ولكن ثمة توجيهات وإرشادات تبيّن لك السلوك الأحسن، تقول: هذا صحيح وهذا مستحبّ، وهذا مفضّل، وهذا مكروه.

ورغم النصوص القرآنية والنبوية والتراثية الدالة على حق الحرية كحق أساسي من حقوق الإنسان إلا أن ما نصطلح عليه اليوم بالبلدان الإسلامية هي أبعد ما يكون عن حق الحرية، والقيود التي تفرض على المسلمين في هذه البلدان قد تكون أكثر من القيود التي تفرض في البلدان غير الإسلامية. وحكام وملوك وأمراء ورؤساء هذه البلدان رغم أنهم بعيدون عن الإسلام وعن منهجه وتعامله مع الإنسان إلا أنهم دائما ما يبررون قوانينهم وإجراءاتهم المقيدة للحرية من أنها تستند إلى الإسلام أو على تراث المسلمين وهو سند لا أساس له من الصحة.

يرى الإمام الشيرازي أن (هناك تهمة وجّهها بعض المستشرقين إلى الإسلام ويردّدها بعض الشباب الذين لا يعرفون الإسلام حق معرفته. فهم يقولون: إنّ الإسلام كلّه محرّمات وقيود ونواهٍ. ونحن نقول لهم: بالعكس تماماً فإنّ الحرية الموجودة في الإسلام لا يوجد لها نظير في أيّ مكان. خذوا أكثر بلدان العالَم ادعاءً للحرية كفرنسا والولايات المتّحدة مثلاً، ترى القيود الكثيرة للسفر منها وإليها، وفي جوانب كثيرة أخرى. فهذه القيود موجودة في كلّ دول العالَم وإن كانت في بلداننا أشدّ. أمّا الإسلام فلا يوجد فيه مثل هذا، فلا يقول لك الإسلام: أين تسكن؟ وأين تذهب؟ وكيف تذهب؟ ومتى تذهب؟ بل يقول لك: إنّ الله خلقك وهو الذي أعطاك الفكر والعقل فلا تكن عبد غيرك، ولا يجب أن تخبر الدولة عن خروجك ودخولك، وإقامتك ورحيلك، وما تستورد وما تصدّر ـ غير المحرّمات ـ لكن الإسلام يضع لك التوجيهات ويقول لك إن التزمت بها تفلح وإلاّ تخسر).

نخلص مما تقدم أن:

1. الحرية في الإسلام تنطلق من أنها حق لكل إنسان، وهي فطرة الله التي فطر عليها الإنسان مـن يـوم ولادته، لأن الله تعالى قد كرم الإنسان وفضله على سائر مخلوقاته، وهـي أيضـا في إطـار ترك الإنسان يفعل ما يريد، ويترك ما لا يريد مختارا دون إكراه.

2. إن الإسلام يهدي ويرسم الطريق، وبعده لا إكراه في الدين، وكلّ أنواع الإكراه مرفوضة فيه. والحرية التي يمنحها الإسلام في مختلف المجالات ليس لها نظير ولا شيء يقرب منها في تاريخ العالَم حتى في هذا اليوم المسمّى بعصر الحريات.

3. إن حرية الاختيار في النصوص الدينية تفسح المجال لأن يمارس الإنسان دوره الإيجابي في الحياة ويتحمل مسؤوليته إزاء نفسه والآخرين في ظل القانون الإلهي العادل الذي يجعل العمل الحسن مؤدياً إلى الخير والعمران والسعادة، والعمل السيئ يؤدي بصاحبه إلى كل ما يتعلق بعواقب من سنخ العمل نفسه، من شقاء وضياع وفشل.

4. أعطى الإسلام الإنسان حرية الفكر وحرية القول، وحرية العمـل لك إنسان لكنفي الإطار المعتدل الصحيح (مـن عدم الإضرار بالآخرين وعدم الإضرار البالـغ بالنفـس) حتـى أن الأكل والـشر بالمضريـن ضررا بالغا لا يجـوزان لأنهـما إضرار بالنفـس، والسـباب بالقـول والـضرب ونحوهما غير جائـز لأنهما إضرار بالآخرين، والاسـتفادة من مواهب الحيـاة أكثر من القدر الصحيح لا يجوز، لأنه إضرار بالأجيال القادمة.

 

رابط المصدر:

https://annabaa.org/arabic/rights/25870

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M