تمهيد إجرائي: طبيعة الجلسة وسياقها الأممي
عقد مجلس الأمن الدولي بتاريخ 22 يوليوز 2026 جلسة نقاش مفتوحة رفيعة المستوى برئاسة وزيرة خارجية جمهورية الكونغو الديمقراطية (تيريز كاييكوامبا فاغنر) تحت عنوان: “حوكمة الموارد الطبيعية: الأساس الذي يقوم عليه السلام والأمن والازدهار”.
- طبيعة المخرجات الأممية: لم تُسفر الجلسة عن إقرار مسودة قرار إلزامي تحت الفصل السابع أو صدور إعلان رئاسي ملزم، بل شَكّلت منصة استعراض إستراتيجي استندت بالأساس إلى التقرير الشامل المرفوع من الأمين العام للأمم المتحدة، السيد أنطونيو غوتيريش، ومداخلات ممثلي المنظمات الدولية (بما فيها منظمة التجارة العالمية ممثلة بمديرتها العامة نغوزي أوكونجو-إيويالا).
- الأثر الإجرائي والإستراتيجي: تُعد هذه الجلسات بمثابة “تأسيس إجرائي وتأطيري لبناء التوافق السياسي الدولي، وتوثيق الشواهد الحقوقية والأنماط الإجرامية التي يُبنى عليها لاحقاً إصدار قرارات حظر، أو توسيع نطاق عقوبات الشراء، أو صياغة صكوك دولية ملزمة لتتبع سلاسل التوريد.
أولاً: السياق والمحددات العامة والإشكالية الجيوسياسية
تُشكل جلسة 22 يوليوز 2026 تحولاً مفهوماً في العقيدة الدولية لمكافحة النزاعات؛ حيث انتقل الخطاب الأممي رسمياً من مجرد إدارة النتائج الإنسانية الحرجة إلى التشخيص الدقيق لجذور العنف المتمثلة في استنزاف الموارد الطبيعية والمعادن الحيوية.
1. الإشكالية المركزية:
تتمحور الإشكالية المعروضة أمام المجتمع الدولي في عجز آليات الحوكمة التقليدية عن كبح النهب المنظم للثروات (كالليثيوم، الكوبالت، النيكل، العناصر الأرضية النادرة، والذهب). هذه الموارد لم تعد مجرد سلع تجارية، بل أضحت العصب الإستراتيجي والشرط الحاكم للثورة الرقمية، وصناعات الذكاء الاصطناعي، والتقنيات العسكرية، والانتقال الطاقي العالمي.
2. الدواعي الإستراتيجية:
- عولمة التنافس الجيوسياسي: تحويل مناطق الاستخراج في إفريقيا والبلدان النامية إلى مسارح حروب بالوكالة بين القوى الكبرى، لتأمين سلاسل إمداد التقنيات الحديثة على حساب أمن الشعوب.
- إفلاس آليات “العناية الواجبة” الطوعية: أثبتت التجربة الميدانية أن الاعتماد على المسؤولية المجتمعية الاختيارية للشركات العابرة للقارات أخفق في منع تدفق “معادن الدم” إلى الأسواق المتقدمة.
- مأسسة اقتصاد الحرب: اتساع اعتماد الميليشيات والجماعات الإجرامية العابرة للحدود على التعدين غير المشروع لتأجيج الاقتتال وتقويض سيادة الدول.
ثانياً: الأبعاد القانونية والتنفيذية لتقرير الأمين العام (22 يوليوز 2026)
أسس الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش لمبادئ أربعة تشكل مرجعية دولية لحوكمة الموارد:
- العدالة التوزيعية والسيادة على الثروة: كسر النمط الاستثماري القديم القائم على استخراج المواد الخام وتجريد المجتمعات المحلية من قيمتها المضافة، وتكريس مبدأ الاستفادة العادلة للشعوب المنتجة.
- شفافية سلاسل القيمة الممتدة (Value Chains): توسيع نطاق الشفافية والمساءلة ليشمل كافة مراحل السلسلة من الاستخراج والتصنيع إلى التحويل والتسويق النهائي.
- التسوية السلمية والبعد السياسي: التعاطي مع الوصول إلى الموارد وتقاسم عوائدها كملف سياسي وسيادي محوري في معاهدات إحلال السلام وإعادة الهيكلة الأمنية.
- الربط بين المناخ والأمن: إدماج المتغيرات البيئية والتغير المناخي ضمن أطر الوقاية من الاقتتال والتنافس على المياه والأراضي والمعادن.
ثالثاً: القراءة النقدية للتقرير (التركيز الانتقائي وحالة مالي ودول الساحل)
بالرغم من القيمة الحقوقية العالية لشعار الأمين العام: “لا مزيد من الاستغلال، ولا مزيد من النهب”، واستشهاده بالنُّسخ الصريحة لاقتصاد الحرب في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية والسودان؛ إلا أن القراءة النقدية تكشف عن مقاربة انتقائية تُغفل أنماطاً مركبة لاستنزاف الموارد في منطقة الساحل الإفريقي، وتحديداً في مالي، حيث تتداخل التهديدات الإرهابية الوجودية مع تحديات الحوكمة وإعادة بناء مؤسسات الدولة:
- الضغط الإرهابي وتآكل سيادة الدولة: تواجه دول الساحل تمدداً خطيراً للجماعات الإرهابية والمسلحة العابرة للحدود، مما يضع مؤسسات الدولة تحت ضغط أمني وجودي يستنزف مواردها المحدودة.
- مخاطر “أمننة الموارد” كاستجابة اضطرارية: في ظل تراجع الدعم الدولي التقليدي، تتجه السلطات القائمة إلى مقايضة عوائد الموارد الطبيعية (كالذهب واليورانيوم) بتوفير خدمات الحماية التسليحية والأمنية العاجلة من أطراف دولية أو شركات أمنية خاصة، مما يُشكل حلولاً وقتية تُرهق الاقتصاد الوطني على المدى الطويل.
- استغلال الإرهاب للثغرات التنموية: تستغل الجماعات المتطرفة حالة الفراغ التنموي والتنافس على مناطق التعدين التقليدي لتجنيد الشباب وتغذية أنشطتها المسلحة، مما يحول الموارد الطبيعية من عصب للتنمية إلى وقود للاقتتال الداخلي.
مخطط تحليلي: الدورة الخبيثة لارتهان الموارد في أقاليم الهشاشة والأمننة
[1] تمدد التهديدات الإرهابية وتآكل الشرعية الدستورية
[2] اللجوء لسياسات “أمننة الموارد” ومقايضتها بالحماية مع أطراف أجنبية
[3] حرمان المجتمعات المحلية وتفاقم التهميش التنموي
[4] نشوء جماعات مسلحة مضادة واقتتال على مسالك التهريب و التعدين التقليدي
تفكيك مراحل الدورة الخبيثة:
- 1. المرحلة الأولى (تحدي السيادة): ينشأ الفراغ الأمني نتيجة تمدد الجماعات الإرهابية، مما يُضعف كفاءة المؤسسات الوطنية ويضغط على الشرعية الدستورية للدولة.
- المرحلة الثانية (أمننة الموارد): تلجأ السلطات القائمة -تحت شعار الضرورة الأمنية القصوى- إلى مقايضة عوائد التعدين والمعادن الحيوية بتسليح عاجل أو خدمات حماية أجنبية.
- المرحلة الثالثة (التهميش التنموي): يُقتطع عائد الثروة الوطنية لصالح الفاتورة الأمنية والشركاء الأجانب، مما يحرم السكان المحليين من التنمية والخدمات الأساسية.
- المرحلة الرابعة (إعادة إنتاج الصراع): تخلق مظالم التهميش والتنافس على مناطق التعدين التقليدي بيئة خصبة لنشوء حركات مسلحة مضادة، لتكتمل الدورة بالعودة إلى المربع الأول من الاضطراب الشامل.
رابعاً: دراسات حالة ميدانية
1. شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية (مناجم الكوبالت والرقمنة العالمية)
- المشهد الميداني: سيطرة الميليشيات المسلحة على شبكات التعدين التقليدي للكوبالت والنتائج الإنسانية الكارثية (عمالة الأطفال، السخرة، والانتهاكات البيئية).
- البُعد التكنولوجي: استغلال الأرباح لتمويل صراعات مسلحة ممتدة، بينما تُدمج هذه المعادن ضمن سلاسل توريد كبرى شركات التكنولوجيا والبطاريات والذكاء الاصطناعي العالمية دون تتبع أخلاقي.
2. السودان (تعدين الذهب واقتصاد الحرب العابر للحدود)
- المشهد الميداني: توظيف عوائد الذهب والصمغ العربي خارج الأطر الرسمية للميزانية العامة للدولة لتمويل أطراف الصراع المسلح.
- الأثر الإقليمي: ربط التجارة غير المشروعة بالشبكات المعقدة للتهريب الإقليمي والدولي، مما يُجهض فرص الحل السياسي ويُرسخ إفلات الجناة من العقاب.
3. مالي ودول الساحل (المعادلة بين مكافحة الإرهاب وحوكمة الثروة)
- المشهد الميداني: خوض الدولة لمواجهة شرسة ضد التنظيمات الإرهابية، يرافقها اعتماد متزايد على اقتطاع نسبة من العائدات التعدينية لتغطية الفاتورة الأمنية والعسكرية المرتفعة، وإعادة تشكيل الأطر القانونية المنظمة للتعدين تحت إدارة السلطات القائمة.
- الرؤية الحقوقية: تأكيد دعم الدولة في مواجهة الإرهاب، مع التنبيه إلى أن تعزيز الحوكمة الشفافة والعودة إلى المؤسسات الدستورية التشاركية هما الضمان الوحيد لمنع التنظيمات الإرهابية من استغلال المظالم الاقتصادية، ولضمان توجيه عائدات الموارد لبناء أجهزة أمنية وتنموية مستدامة.
خامساً: الأبعاد القانونية والمسؤولية الجنائية الدولية
إن معالجة هذه الاختلالات تتطلب الانتقال من الأطر التوصياتية إلى القواعد الآمرة في القانون الدولي:
- المسؤولية الجنائية للشركات العابرة للقارات: متابعة الشركات والمؤسسات التي تشتري “معادن الدم” بتهمة الشراكة الضمنية والتمويل غير المباشر للجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وفق أحكام نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية والقانون الدولي الإنساني.
- إلزامية “العناية الواجبة الشاملة” : فرض تقنيات التتبع الرقمي الإجباري وتقارير الشفافية الصارمة على الشركات المشتريّة لضمان خلو المنتجات التقنية والذكية من خامات استُخرجت في ظروف انتهاك لحقوق الإنسان.
- بطلان العقود الناتجة عن التغييرات غير الدستورية: إقرار مبدأ قانوني دولي ينص على أن أي عقود أو امتيازات تعدينية تُمنح في ظل تغييرات غير دستورية للحكم أو تحت سيطرة أطراف غير نظامية تُعد عقوداً باطلة بطلاناً مطلقاً، لانتهاكها مبدأ سيادة الشعوب الدائمة على مواردها الطبيعية.
سادساً: التوصيات والمطالبات الإجرائية الموجهة
1. إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة:
- صياغة اتفاقية دولية ملزمة تحظر استيراد وتداول الموارد والمعادن المستخرجة من مناطق النزاعات المسلحة أو الأقاليم الخاضعة لسلطات غير دستورية.
- توسيع نطاق العقوبات الصادرة تحت الفصل السابع لتشمل شبكات التهريب والشركات العابرة للحدود التي تشتري الموارد غير المشروعة.
2. إلى التكتلات الإقليمية والدولية (الاتحاد الإفريقي، الاتحاد الأوروبي):
- تفعيل مبدأ “الاستعادة والتعويض للشعوب” لتجميد واسترداد الأصول والمبيعات التي جرت بأسعار تفضيلية أو بطرق غير قانونية خلال فترات الانقلابات والنقاط الساخنة.
- اشتراط وجود برلمانات منتخبة وأجهزة رقابية مستقلة كشرط أساسي لإقرار أو تجديد أي اتفاقيات استخراجية مع الدول النامية.
3. إلى قطاع الصناعات الذكية والتكنولوجيا:
- الالتزام المؤسساتي بالشفافية البرمجية وسلاسل التوريد، وضمان تطبيق معايير “العدالة التكنولوجية” التي ترفض بناء التقدم الرقمي على استغلال الشعوب المنتجة للمواد الخام.
سابعاً: الخلاصة
إن تحقيق السلام المستدام والحوكمة العادلة للموارد لن يتحقق باقتصار التركيز على بؤر نزاع معينة وتجاهل أخرى. إن الربط بين التنافس التكنولوجي العالمي، والأنظمة غير الدستورية، واقتصادات الحرب في إفريقيا (من الكونغو والسودان إلى مالي والساحل) هو الطريق الوحيد لترجمة شعار الأمم المتحدة “لا مزيد من الاستغلال، ولا مزيد من النهب” إلى واقع حقوقي وقانوني ملزم لحماية الشعوب وصون كرامتها.