خور عبد الله العراقي : مواقف وتداعيات

ملخص :

يُعدّ ملف خور عبد الله قضية محورية في العلاقات العراقية-الكويتية، حيث تتداخل فيها أبعاد سيادية وقانونية واقتصادية معقدة  ، يتمحور النزاع حول المجرى الملاحي الذي يفصل بين البلدين، وقد تصاعدت حدة الخلاف بعد قرار المحكمة الاتحادية العليا العراقية الأخير الذي ألغى اتفاقية تنظيم الملاحة في الخور الموقعة عام 2012.

يهدف هذا البحث إلى تحليل التباين في المواقف العراقية الرسمية الحكومية والبرلمانية التي أبدت التزاماً بالاتفاقية، مقابل الموقف القضائي والموقف الشعبي الرافض لها والمطالب بالسيادة الكاملة على   المجرى  المائي  .

يُظهر هذا التناقض الداخلي أنه لم يقتصر على كونه اختلافاً في وجهات النظر، بل كان له تداعيات سلبية عميقة ، فقد أدى إلى إضعاف الموقف التفاوضي للعراق أمام الأطراف الإقليمية والدولية، مما أبطأ من وتيرة حل النزاع وترك الباب مفتوحاً أمام احتمالية التصعيد.

كما أن هذا التضارب أثار انقسامات سياسية وشعبية داخل العراق نفسه، مما يهدد الاستقرار الداخلي ،على المستوى الاقتصادي، قد تؤثر هذه التوترات على المشاريع التنموية الحيوية، مثل ميناء الفاو الكبير، الذي يعتمد نجاحه على استقرار الملاحة في ذلك المجرى المائي.

وعليه، فإن هذا البحث يخلص إلى أن التحدي الأكبر الذي يواجه العراق ليس فقط الخلاف مع الكويت، بل قدرته على توحيد موقفه الرسمي والشعبي لحماية مصالحه الوطنية.

  1. المقدمة

يُمثل خور عبد الله ممرًا مائيًا استراتيجيًا حيويًا في شمال الخليج العربي، يفصل بين الكويت والعراق ويمتد إلى الداخل العراقي ليشمل ميناء أم قصر، ما يجعله شريانًا أساسيًا للتجارة والملاحة لكلا البلدين.

يعود الجدل حول ترسيم الحدود في هذا الممر إلى الجذور التاريخية  بين البلدين ، حيث وُضعت خطوطه الأولية في المعاهدة الأنجلو-عثمانية عام 1913 ، وأُكدت تلك الحدود في اتفاقية العقير عام 1922.

وقد عمل العراق منذ عام 1964 على حفر خور عبد الله و كريه وتنظيفه وانتشال الغوارق، باعتباره ملك عراقي صرف منذ ذلك الوقت حيث استخدامه في الملاحة البحرية طيلة الفترة التي سبقت احتلال العراق للكويت عام 1990 لغرض تصدير النفط الخام ، فضلاً عن استيراد وتصدير السلع والمواد الأساسية من والى العراق، ويكتسب خور عبدالله اهميته الحيوية والاستراتيجية بالنسبة للعراق من كونه المنفذ الوحيد لعدد من الموانئ العراقية ومنها  ميناء ام قصر في اطلالتها على الخليج العربي، وقد أثار خور عبدالله خلافا بين العراق والكويت، إذ إن كل دولة كانت تبحث عن تحقيق مصالحها وبسط سيادتها على أكبر مساحة ممكنة من البحر للاستفادة من المزايا الكبرى المترتبة على ذلك، وقد تعاظم هذا الخلاف بعد قيام العراق عام2010 بإنشاء  ميناء الفاو الكبير على الجانب العراقي ، وذلك على الجزء الشمالي منه الذي اعتبره بعضهم من أكبر موانئ الشرق الأوسط، فيما عملت الكويت على إنشاء ميناء مبارك عام 2013 ، ذلك على الضفة الغربية من خور عبد الله وعلى الساحل الشرقي لجزيرة بوبيان، وكان العراق قد اعترض على قيام الكويت بإنشاء هذا الموقع المذكور كونه يؤدي الى خنق منفذ العراق الوحيد ، إضافة إلى تقييد الملاحة في الخور وعرقلة حركة الملاحة في خور عبد الله من وإلى الموانئ العراقية كميناء أم قصر وخور الزبير والتقليل من الأهمية الاقتصادية لها وخاصة ميناء الفاو الكبير، وهو ما من شأنه الحاق الضرر بالعراق سياسياً واقتصادياً لاسيما وان الاقتصاد العراقي يعد اقتصاداً ريعي يعتمد على النفط بنسبة %90 بالرغم من أن الكويت كان لها بدائل جغرافية أخرى لإقامة هذا الميناء الكويتي ، لكونها لا تعاني من ضيق سواحلها البحرية كما يعاني منها العراق، إلا أن الكويت رفضت الاعتراض العراقي وأصرت على موقفها .

تم توقيع اتفاقية لتنظيم الملاحة بين العراق والكويت عام 2012، وصادق عليها البرلمان العراقي سنة 2013 حيث نظمت آلية الملاحة والحقوق البحرية بين البلدين، استناداً إلى قرارات مجلس الأمن الدولي، رقم 833 الصادر عام 1993 الذي ثبت الحدود البحرية بين الدولتين بعد حرب الخليج ،مع ذلك ظل الملف محط خلاف داخلي وخارجي بين العراق والكويت بين من يرى أن الاتفاق يحفظ مصالح الطرفين، ومن يصفه بأنه تنازل عن جزء من السيادة، في ٤ /أيلول/ 2023 اصدرت المحكمة الاتحادية العليا في العراق قرارًا ببطلان القانون رقم 42 لسنة 2013  (قرار محكمة اتحادية رقم 105/اتحادية/194/2023)، على أساس مخالفته للمادة 61/ رابعاً من الدستور، التي تشترط تصديق المعاهدات بقانون يصدر بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب، المحكمة رأت أن التصديق السابق لم يستكمل الإجراءات الدستورية السليمة، ولا يجوز الاستناد إلى قانون قد تعطلت آليات تطبيقه بعد تعديل النظام السياسي العراقي عام 2005، أي عدم دستورية تصديق الاتفاقية بسبب غياب قانون خاص ينظم المعاهدات الدولية، وذلك أوجب إلغاء مشروعية الاتفاق محليًا، رغم بقائها سارية دولياً ، هذا القرار أحدث جدلاً شعبياً وسياسياً بين مؤيد حيث اعتبره كثيرون انتصارًا لسيادة القانون، ومعارض حيث اعتبره اخرون تفريط في السيادة البحرية العراقية، في تموز 2025، اجتمع كل من (رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء، ورئيس البرلمان) وأعلنوا عن سعيهم على إعادة التشريع بطريقة دستورية تحافظ على مصالح العراق وتعيد الاستقرار القانوني، أي التوصل إلى اتفاق جديد يعيد تصديق الاتفاقية بشكل قانوني، لكن البرلمان كان لا يزال منقسماً، حيث تحذر كتلة برلمانية كبيرة من أن إعادة التصديق بدون تعديل قد تمثل تنازلاً غير مقبول ، كما ان بعض الكتل السياسية تطالب بإلغاء الاتفاق نهائيًا، في حين ترى أخرى ضرورة الحفاظ على العلاقات مع الكويت مع تعديل بعض البنود، اما موقف القضاء العراقي فقد صرح رئيس المجلس القضائي الأعلى العراقي فائق زيدان منتقدًا قرار المحكمة الاتحادية بأنه إلغاء لحكم سابق نهائي  وانتهاك لمبدأ عدم جواز إعادة النظر في أحكام باتت نهائية مما يهدد مصداقية العراق القانونية دوليًا، وقد تواصلت الاحتجاجات الجماهيرية في بغداد والبصرة، حيث طالب المحتجون البرلمان برفض الاتفاق الذي يمثل تقاسم للسيادة ، وشنت حملات تطالب المجتمع الدولي بالتدخل عبر الأمم المتحدة أو منظمات حقوقية، لان قضية خور عبدالله تتجاوز النزاع على حدود الممر البحري ليشمل قضايا مصيرية أخرى ، مثل حرية العراق في الوصول إلى ميناء الفاو الكبير، والتعاون الاقتصادي والسياسي مع الكويت، فضلاً عن مبدأ سيادة الدولة وقوة المؤسسات القانونية العراقية، هذه الأبعاد تجعل الملف معقدًا ويتطلب توازناً دقيقاً بين المصالح الوطنية والالتزامات الدولية.

  • هدف البحث :

يهدف هذا البحث إلى تحليل الأسس التاريخية والقانونية لاتفاقيات ترسيم الحدود في خور عبد الله، وتقييم الأبعاد السيادية والاقتصادية لاتفاقية تنظيم الملاحة، ووضعها في سياق القانون الدولي للبحار وتوثيق المواقف والتداعيات المختلفة حول الموضوع .

  • إشكالية البحث:  

تكمن الإشكالية في التناقض الحاد بين المواقف العراقية من ملف خور عبد الله، حيث أبدت الجهات الرسمية (الحكومة والبرلمان) التزامًا بالاتفاقيات المبرمة، بينما اتخذت السلطة القضائية والموقف الشعبي مسارًا مغايرًا برفض تلك الاتفاقيات والمطالبة بالسيادة الكاملة، هذا التضارب لم يؤدِ فقط إلى إرباك الموقف العراقي، بل أضعف قدرته على التفاوض وحل النزاع بشكل فعال.

لذلك يبرز سؤال الإشكالية الجوهري:

ما هي التداعيات والآثار التي نتجت عن هذا التناقض في المواقف العراقية ؟.  

  • فرضية البحث :

إن التباين  في المواقف العراقية (الحكومية، البرلمانية، القضائية، الشعبية) من ملف خور عبد الله قد ‏أضعف موقف العراق التفاوضي وأدى إلى تداعيات سلبية على المستويين السياسي والاقتصادي، مما أثر على ‏استقرار العلاقات مع الكويت وأخر وتيرة المشاريع التنموية الحيوية.‏

  • منهجية البحث :

اعتمدَ البحثُ المنهج التاريخي لتتبع السياقات الزمنية والقرارات الدولية لملف خور عبد الله، متكاملاً مع المنهج الوصفي التحليلي لتفكيك مواقف الفواعل الوطنية والإقليمية، وتحليل تداعياتها الاستراتيجية والقانونية  وتأثيرها على المصالح البحرية العراقية.

  • هيكلية البحث :

ستتضمن هيكلية هذا البحث  مقدمة وخاتمة  ، ومبحثين  يتناول المبحث الاول : الإطار النظري والقانوني  لاتفاقية خور عبدالله ، بينما يتطرق المبحث الثاني الى المواقف الرسمية والاقليمية من خور عبد الله وفق مواقف وتداعيات رسمية وشعبية معتمده وواضحة  .

2- الإطار النظري والقانوني لخور عبدالله

يستند الفهم التحليلي لأزمة تنظيم الملاحة في خور عبد الله إلى تداخل وثيق بين المقتربات النظرية للعلاقات الدولية والمحددات القانونية الحاكمة، تفكيكاً لأبعاد النزاع وخلفياته .

2 -1- نظرية الاعتماد المتبادل : تقدم نظرية الاعتماد المتبادل المعقد لروادها (روبرت كوهين وجوزيف ناي) تفسيراً علمياً دقيقاً لظاهرة التداخل التشابكي بين التناقضات القانونية والسياسية الداخلية للدول وبين سلوكها الدبلوماسي الخارجي. وتتلخص فرضيات هذه النظرية في أن العلاقات بين الدول لم تعد تقتصر على القنوات الدبلوماسية الرسمية الموحدة للحكومات التنفيذية، بل أصبحت تتأثر بشدة بمواقف وأدوار الجهات الفاعلة والمؤسسات الدستورية والتشريعية داخل الدولة نفسها كالقضاء والبرلمان والمجموعات الاقتصادية المحلية (Robert Keohane and Joseph Nye، 2012، p. 24).

وهنا يبرز التأصيل النظري لأزمة خور عبد الله من خلال مستويين متناقضين يفسران السلوك العراقي :

  • مستوى الانفتاح والربط الإقليمي (السلطة التنفيذية) : تحركت الحكومة العراقية (عام 2012) وفق منطق الاعتماد المتبادل الذي يفترض أن تنظيم الملاحة وتصفير الأزمات الحدودية سيعزز البيئة الاستثمارية، ويؤمن قنوات الاتصال والتبادل التجاري ويحمي مشاريع التنمية الكبرى من الكلف والمعوقات السياسية.
  • مستوى القيود الدستورية والسيادية (المؤسسات الداخلية (: يفسر هذا المقترب النظري كيف تعمل المؤسسات القضائية والتشريعية مثل كوابح داخلية تمتلك سلطة نقض الالتزامات الخارجية حمايةً للسيادة الوطنية وحقوق المجتمعات المحلية كالصيادين، وهو ما أنتج فجوة الامتثال الدولي عقب قرار المحكمة الاتحادية العليا لعام 2023 (أرثر لاليهام، 2021، ص 148)

2- 2- التعريف بخور عبد الله وأهميته الاستراتيجية

خور عبد الله هو ممر مائي بحري حيوي واستراتيجي في شمال الخليج العربي،  هو يُعد بحد ذاته، هو القناة الملاحية التي تفصل بين الحدود البحرية للعراق والكويت ويعمل كممر أساسي لوصول السفن إلى موانئ الرئيسية، ونُظمت الملاحة فيه بموجب اتفاقية تنظيم الملاحة البحرية الموقعة بين العراق والكويت عام 2012 والمصادق عليها عام 2013، التي هي جزء من التزامات العراق الدولية الناتجة عن قرار مجلس الأمن رقم 833 لسنة 1993، الذي رسّم الحدود البحرية بين البلدين ، مع ضمان حق المرور لكلا الدولتين.

وتعتبر  الأهمية الاستراتيجية لخور عبد الله بالنسبة للعراق في اعتباره  شريان حيوي والممر المائي الأوحد الذي يربط جمهورية العراق بالعالم الخارجي بحراً، كونه نقطة الوصل البحرية الرئيسية لكافة موانئ العراق التجارية الكبرى، ومنها أم قصر وخور الزبير، وهو منفذ التجارة الرئيسي الذي يمتلكه العراق مع العالم ، سواء كانت صادرات النفط أو استيراد السلع والبضائع الأساسية، وأي تأثير على الملاحة فيه يهدد بتعطيل حركة الاقتصاد الوطني بأكمله، ويؤثر مباشرة على الموانئ العراقية في مواجهة الموانئ الإقليمية الأخرى، كما تتأثر  بذلك مستقبل مشاريع التنمية الكبرى، مثل ميناء الفاو الكبير وطريق التنمية المستقبلي ، حيث يعتمد نجاح هذين المشروعين، الذي يسعى العراق من خلالهما  إلى تحوله الى مركز تجاري وممر بري-بحري يربط آسيا بأوروبا، ويضمن سيادة العراق ومرور السفن العملاقة بأمان وحرية عبر قناته الملاحية لخور عبد الله دون عواقب ، كما يمثل الخور حدوداً بحرية دولية مُرسَّمة بين العراق والكويت ،الذي يجعل مسألة تنظيم الملاحة وإدارة القناة قضية سيادية بامتياز تؤثر على مستقبل البلاد، والى ربط المشاريع التنموية حيث لوّحت أطراف نيابية عراقية بتعليق أو إبطاء مشاريع حيوية مشتركة، مثل اتفاقيات الربط السككي التجاري، كرد فعل على أزمة الخور  لكونه المنفذ البحري الوحيد للعراق، لذلك فان الخلافات المتعلقة بترسيمه أو إدارته تستدعي الحفاظ على السيطرة عليه لضمان الملاحة العراقية وفقاً للأعراف والقوانين الدولية.

2- 3- الموقع الجغرافي لخور عبد الله

يقع ‏ خور عبدالله ما بين جزيرة بوبيان ورية التابعة للكويت وشبة ‏جزيرة الفاو  ويمتد خور عبدالله  الى داخل الاراضي العراقية ليشكل خور الزبير الذي تقع فيه ام قصر التابعة ‏للعراق ويبلغ اتساع مدخله 12 ميل بحري ويتراوح عمق قناته ما بين 4-5 قامات ويقل العمق عند الطرف الشمالي لجزيرة وربة وتجري الى الشمال من وربة قناة عميقة تصل خور عبدالله بخور الثعالب  الذي تقع عليه ام قصر بينما يمتد خور بوبيان من خور عبدالله جنوب وربة الى خور الصبية ( سمر عبدالله هويدي ، حنان حسن ملاح ،2020 ، ص 119) .  ‏

ويتمتع خور عبد الله بموقع جغرافي حيوي، و يقع في أقصى الشمال الغربي من الخليج العربي ، بذلك يشكل ممر مائي حدودي دولي فاصلاً بين العراق والكويت، كونه المنفذ البحري الوحيد الذي يسمح بالوصول إلى الموانئ العراقية الحيوية كـ ميناء أم قصر و خور الزبير وهنا تكمن أهميته الاستراتيجية .

خريطة رقم (1) توضح موقع خور عبدالله

المصدر : وزارة النقل والمواصلات، الشركة العامة للموانئ العراقية ، العمليات ، الاحصاءات، العراق ، البصرة ،2011.

2 -4 – الاثار المترتبة عن تطبيق اتفاقية خور عبدالله

2- 4- 1- أثار توقيع اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله جدلاً واسعاً وعميقاً داخل العراق، منقسمًا بين تيارات مؤيدة ترى فيها التزامًا ضروريًا بالقانون الدولي، وتيارات معارضة تخشى المساس بالسيادة والمصالح الاقتصادية الوطنية،ومع أن الهدف الأساسي للاتفاقية كان تنظيم الملاحة البحرية بين الدولتين، فقد ترتب عليها آثار قانونية مهمة وتداعيات واسعة على طبيعة العلاقات العراقية-الكويتية، وتعتبر هذه الاتفاقية مرحلة التفاوض والتوقيع، كنقطة تحول في مسار تلك العلاقات التي كانت تتسم بالتوتر الحاد والقطيعة الطويلة منذ فترة النظام السابق في العراق واحتلال الكويت عام 1990، ويُعد مشاركة أمير الكويت في قمة بغداد عام 2012 مؤشراً بارزاً على بداية مسار التقارب الدبلوماسي بين البلدين، حيث ان التوقيع على الاتفاقية رسخ هذا التحسن في الجانب السياسي وتحسين العلاقات المشتركة بينهما .

2- 4-2-  يُعد خور عبد الله من أبرز القنوات الملاحية في المياه الإقليمية، وبسبب وضعه كمنفذ بحري حيوي، فإن إقرار مبدأ الإدارة المشتركة بموجب الاتفاقية يُنظر إليه على أنه يُقلص قدرة العراق على إدارة وتنظيم حركة الملاحة البحرية بشكل مستقل. يُخشى أن يؤدي هذا التقاسم في السيطرة إلى فرض قيود غير مباشرة قد تُقلل من حجم التجارة البحرية العراقية، مما يضر بالاقتصاد الوطني ويحد من القدرة على استغلال هذا الممر الحيوي بشكل كامل بما يخدم مصالح العراق التنموية والاقتصادية الطموحة. ( حازم حميد جبر، 2025 ، ص 201) .

2-4 -3-  يعتبر الممر الملاحي في خور عبد الله موقع اقتصادياً حيوياً للعراق، حيث انه الشريان الرئيسي لنقل البضائع وتصدير النفط عبر موانئه الرئيسية، أبرزها أم قصر،  ولذلك، يُنظر إلى الاتفاقية على أنها قد تودي في مضاعفة الضغوط الاقتصادية على الجانب العراقي، وذلك في ظل تقليص مساحة السيادة البحرية المستقلة في الممر، وتُشكّل هذه القيود المتوقعة عقبة كبيرة ،أمام تعزيز التجارة البحرية وتنمية الاقتصاد الوطني، خصوصاً وأن العراق يعاني بالفعل من أزمات اقتصادية متلاحقة تجعل استغلال هذا الممر بأقصى طاقته أمراً ضرورياً ومهماً لمصالحه التنموية.

وان سيطرة الكويت على هذا الممر الملاحي قد يخلق تهديدا طويل الامد للاقتصاد العراقي ، بما أن العراق يعتمد بشكل كبير على التجارة البحرية  فإن أي تقليص فعلي في سيطرة العراق على هذا الممر المائي الحيوي قد يحدّ بشكل كبير من قدرته على تحقيق الاستفادة الاقتصادية الكاملة من هذا المورد الاستراتيجي،  وعليه يمكن القول إن استمرار العمل بهذه الاتفاقية ، في ظل مخاوف تقييد السيادة، قد يؤدي إلى تكبيل الإمكانات الاقتصادية للعراق وتعميق مشاكله الاقتصادية بشكل أكبر في المستقبل (سوسن صبيح حمدان ، 2013 ، ص18) .

2 -4-4-  أيضا تضرر قطاع الصيد البحري العراقي بشكل خاص بسبب الاتفاقية، حيث يُعد خور عبد الله ممرًا حيويًا للصيد ، وأظهرت القيود الجديدة مشكلة ضحالة السواحل العراقية، إذ أدت التغييرات والقيود الناتجة عن مشاريع بحرية مثل ميناء مبارك إلى تقليص مساحات الصيد المتاحة للصيادين العراقيين ، كما يُخشى من تأثير هذه المشاريع على النظام البيئي والتنوع الحيوي، ويُشكّل هذا الضرر تهديداً مباشراً لمصدر الرزق الرئيسي للعديد من المجتمعات الساحلية، مما يفاقم الوضع الاقتصادي في تلك المناطق (حازم حميد جبر، 2025 ، ص205) .

3– المواقف الرسمية والاقليمية من خور عبد الله :

تبلورت المواقف الرسمية والإقليمية حول أزمة خور عبد الله بين مسارات دبلوماسية سعت لاحتواء الأزمة وفق المقررات الدولية، وبين توازنات قوى إقليمية رأت في تنظيم الممر المائي أداة لإعادة صياغة النفوذ البحري والاقتصادي في شمال الخليج العربي.

3- 1-  الموقف الرسمي للحكومة العراقيةالموقف التنفيذي )

3- 1- 1- في بداية الامر اعتبرت الحكومة العراقية ان الترسيم الخاص باتفاقية خور عبد الله الذي جرى إقراره في تلك المرحلة، مرفوض منطلقة من اعتبار أن الامتثال لهذا القرار يشكل تخلياً عن جزء من سيادتها ، بناءً على ذلك اتخذت الحكومة إجراءات عملية تمثلت في الامتناع عن قبول أو تنفيذ هذا الترسيم  .

3- 1- 2- زار وفد تفاوضي عراقي الكويت قبل زيارة رئيس الوزراء العراقي الاسبق نوري المالكي، مكوناً من عدد من الشخصيات الحكومية البارزة، حيث ترأس الوفد وزير الخارجية إلى جانب وزير المالية ووزير النقل، كما شمل الوفد وكيل وزير الخارجية الاسبق محمد حجي حمود، بالإضافة إلى مجموعة من المستشارين وأفراد مقربين من رئيس الوزراء،  وكانت هذه الزيارة تهدف إلى بحث سبل حل بعض القضايا العالقة بين العراق والكويت، بما في ذلك مسألة الترسيم البحري في خور عبد الله . وقد جاءت الزيارة في وقت حساس حيث سعى الوفد العراقي إلى استكشاف فرص الحوار والتفاوض مع الجانب الكويتي في محاولة لتخفيف التوترات وتحقيق بعض المكاسب السياسية والاقتصادية للعراق ، لكن ومع وجود مواقف متباينة ظل التوصل إلى اتفاق شامل بشأن القضايا الرئيسية معلقاً في ظل تعقيدات العلاقة بين البلدين وتأثيرات القرارات الدولية(حازم حميد جبر ، 2025، ص 200) .

3 -1 – 3 – ترأس الوفد الكويتي وزير الخارجية الشيخ صباح الصباح وكان المفاوض الرئيس من الجانب الكويتي هو خالد جارالله، وكان الهدف الأساس من المفاوضات بالنسبة للكويت هو ضمان خروج العراق من طائلة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وهو ما كان يمثل جزءاً من سياستها لإعادة العلاقات بين البلدين إلى مسارها الطبيعي بعد سنوات من التوترات (جريدة الانباء الكويتية ، 2011).

ورغم هذا بُرزت عدت انتقادات من بعض أعضاء الوفد العراقي مفادها أن الجانب الكويتي استغل الأوضاع الداخلية الصعبة التي يمر بها العراق، بما فيها الضعف السياسي وغياب الاستقرار، بذلك عمل الجانب الكويتي على تعزيز مصالحه على حساب الحقوق العراقية ، ورأى هؤلاء أن الكويت كانت تهدف إلى فرض شروط صارمة من شأنها أن تفاقم التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجه العراق.

3- 1- 4 –  بعد قرار المحكمة الاتحادية العليا العراقية بعدم دستورية قانون تصديق الاتفاقية، والذي استند إلى مخالفة توفر نصاب التصويت المطلوب في البرلمان (المادة 61/ رابعًا من الدستور)، اتخذت حكومة السوداني ورئاسة الجمهورية مسارين رئيسيين متوافقين للطعن بالقرار كالتالي:

  • الطعن والمطالبة بالعدول عن القرار: قام رئيس الوزراء محمد شياع السوداني ورئيس الجمهورية بتقديم طعنين منفصلين لدى المحكمة الاتحادية العليا يطالبان فيهما بالعدول عن قرار بطلان قانون الاتفاقية البحرية الذي اقرت المحكمة بنقضه وبطلانه .
  • مبررات الطعن الحكومي: ارتكز موقف حكومة السوداني في الطعن على:-
  • المحافظة على الالتزامات والاتفاقات الدولية: حيث رأى السوداني أن إلغاء الاتفاقية يمس المادة الثامنة من الدستور العراقي التي تلزم العراق باحترام التزاماته الدولية ومراعاة مبدأ حسن الجوار، كما استند إلى اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات التي تمنع طرفاً من الاحتجاج بقانونه الداخلي كمبرر لعدم تنفيذ معاهدة دولية .
  • طبيعة الاتفاقية الثنائية : صرح رئيس الحكومة ومستشاروه أن الاتفاقية تتعلق بتنظيم الملاحة في خور عبد الله، وليست ترسيمًا للحدود، وأن ترسيم الحدود تم بالفعل بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 833 لسنة 1993 ، وشدد على أن إلغاء الاتفاقية سيؤدي إلى أمر يضر العمل  في إجراءات النقل والإدامة مع الكويت الشقيق .
  • قرار الرئاسات الحكومية الثلاث: في اجتماع لاحق ضم رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب، تم التوصل إلى اتفاق يمثل المسار الحكومي النهائي:
  • ضرورة قيام مجلس النواب باتخاذ الإجراء التشريعي المطلوب لمعالجة الموضوع ، وإعادة تشريع قانون التصديق على الاتفاقية تشريعيا وفق النظام البرلماني ، وفقاً لما أوجبه قرار المحكمة الاتحادية.
  • سحب طلب الالغاء المقدم من رئاسة مجلس الوزراء ورئاسة الجمهورية إلى المحكمة الاتحادية لانتفاء الحاجة، بعد المضي في المسار القانوني التشريعي.
  • تأكيد العراق الامتثال والالتزام بالاتفاقيات الدولية والمواثيق الأممية وقرارات مجلس الأمن الدولي
  • أن تعامل حكومة محمد شياع السوداني مع اتفاقية خور عبد الله أثارت حالة من الخلاف السياسي والقانوني الواسع داخل الأوساط العراقية، فقد نالت اتهامات مباشرة من جهات نيابية وسياسية للحكومة، حيث رأت هذه الجهات أن محاولة التأثير على قرار المحكمة الاتحادية أو تأخير تنفيذه يمثل ‘تعطيلاً متعمداً’ لحكم قضائي نافذ ، وتعالت حدة الانتقادات إلى حد مطالبة بعض النواب برفع دعاوى قضائية ضد رئيس الحكومة، بسبب عدم إصداره الموافقة اللازمة لإيداع قرار المحكمة (الذي يبطل الاتفاقية) لدى الأمم المتحدة والمنظمة البحرية الدولية (IMO) ، كما ذهبت بعض الآراء إلى اتهام الإدارة الحكومية بالسعي لاسترضاء دول الجوار، وتحديداً دولة الكويت، لغرض تأمين الدعم الإقليمي أو تحقيق مصالح مرتبطة بفعاليات دولية، في المقابل، وقد أكدت القيادات العليا في الدولة، التي تضم رئيس الوزراء، على أهمية التعامل بمسؤولية وحذر مع الملفات ذات البعد الدولي، محذرة من مغبة استغلال هذه القضايا في المزايدات السياسية والإعلامية، وهو قد يضر بالحقوق والمصالح الخارجية للعراق.

وبشكل عام يعتبر موقف حكومة السوداني الذي  يتبنى المسار التشريعي والدبلوماسي والذي  يهدف إلى تصحيح الخلل الإجرائي (المتعلق بنصاب التصويت) ، هو الذي أدى إلى بطلان قانون الاتفاقية بدلاً من إلغائها بشكل نهائي ، ويأتي هذا التوجه دلالة على حرص الحكومة  على استدامة المصالح الملاحية والتجارية للعراق ، وتفادي للمخاطر القانونية والدولية المترتبة على الانسحاب من التزامات سابقة.

 3-2- موقف البرلمان العراقي (التشريعي) .

3- 2- 1- تميز موقف البرلمان العراقي من اتفاقية خور عبدالله لترسيم الحدود البحرية مع الكويت بالتضارب والجدل الحاد فبعد أن عُرضت الاتفاقية على مجلس النواب (الموقعة في عام 2012 كاتفاقية دولية أولية)، واجهت معارضة قوية داخل الأوساط السياسية، ووُصفت بأنها مذلة ، مما عكس الانقسام الواسع حول بنود ترسيم الحدود البحرية، وعلى الرغم من هذه المعارضة الشديدة، تمت إعادة التصويت على الاتفاقية مما أفضى إلى تمريرها ليصادق عليها البرلمان العراقي بتاريخ 25/11/2013 لاستكمال الإجراءات الدولية لترسيم الحدود البحرية بين الدولتين  (حازم حميد جبر، 2025 ص198) .

3-2-2- وعند إقرار الاتفاقية ارتفعت حدة الاتهامات المتبادلة داخل قبة البرلمان ، رأت مجموعة من المشرعين من النواب أن المصادقة تشكل إهدار وضياع للحقوق و للسيادة الوطنية، متهمين الحكومات والدورات التشريعية السابقة بالتوقيع على وثيقة تتضمن تنازل غير مقبول عن مساحات حيوية من الأراضي والمياه الإقليمية العراقية لصالح دولة الكويت.

3-2-3- كما ترى بعض الأطراف الأخرى في مجلس النواب أن الاتفاقية الخاصة بخور عبدالله تعد خطوة طبيعية لاستكمال ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، ويشير هذا الرأي إلى أن الاتفاقية ليست وليدة اللحظة، بل تعد امتداداً لقرارات دولية ملزمة، لاسيما القرار 833 الصادر في عام 1993 الذي رسم الحدود البرية ويؤكد المؤيدون أن هذه الاتفاقية تعزز سيادة القانون الدولي وتدعم استقرار العلاقات الثنائية بين العراق والكويت، من خلال وضع إطار قانوني واضح يجنب أي نزاعات مستقبلية حول المناطق الحدودية (احمد تقي فصيل، 2025، ص443-469 ) .

3-2-4-  يعتقد المنتقدون في مجلس النواب أيضا أن اتفاقية خور عبد الله اهملت ولم تخدم المصالح الوطنية. بل تمثل تراجعاً عن أراضٍ ومياه عراقية لصالح الكويت، ويوكد هؤلاء على أن الاتفاقية أدّت إلى فقدان العراق السيطرة على ممر ملاحي حيوي، مما قلص منافذه البحرية بشكل كبير، واعتبروه سابقة خطيرة تؤثر سلباً على السيادة والمستقبل الاقتصادي للبلاد ،كما يذهب المنتقدون إلى أن العراق أصبح عملياً بلا منفذ بحري فعّال على الخليج العربي، ما يزيد من التحديات الاقتصادية التي تواجهه ويؤثر سلباً على قدرته على تطوير موانئه وتعزيز نشاطه التجاري، بالإضافة إلى ذلك، يرى البعض أن الاتفاقية قد تفتح الباب لتصعيد التوترات مع الكويت بدلاً من تسوية الخلافات والتصالح ، مما يستدعي إعادة تقييم شاملة لضمان حقوق العراق ومصالحه الاستراتيجية.

3-3- موقف المحكمة الاتحادية العليا من اتفاقية خور عبدالله (القضائي)

3- 3- 1– اصدرت المحكمة الاتحادية العليا بتاريخ 4/ 9/ 2023 قرارا قضى بعدم دستورية القانون المتعلق بالمصادقة على اتفاقية تنظيم الملاحة البحرية في خور عبدالله مع الكويت ، وجاء هذا الحكم استنادا الى الدستور العراقي الذي يشترط تنظيم المصادقة على المعاهدات والاتفاقية الدولية من خلال قانون يصدر بأغلبية ثلثي اعضاء  مجلس النواب  (حازم حميد جبر ، 2025 ، ص 208) .

وأشر قرار المحكمة إلى أن المصادقة السابقة على الاتفاقية  لم تراعِي الاجراءات الدستورية  المطلوبة الأمر الذي فجّر أزمة قانونية وسياسية جديدة في الداخل، هذا الحكم لم يقتصر على الجانب الداخلي، بل عكس عمق التوترات الحدودية المستمرة بين الدولتين الجارتين ، مع الأخذ في الاعتبار الأهمية الاقتصادية الحيوية لخوّر عبدالله كمنفذ بحري رئيسي للعراق (عبر ميناء أم قصر)، واهميته الاستراتيجية  الضرورية للمصالح الكويتية .

3- 3- 2 اتخذت المحكمة الاتحادية العليا في العراق القرار بعدم دستورية اتفاقية خور عبدالله الموقعة مع الكويت  عام 2012، واستند القرار على أسس قانونية وتشريعية بينت الخلل في آليات إقرار المعاهدات الدولية وعدم التزامها بالضوابط الإجرائية العليا التي نص عليها الدستور العراقي، وفيما يلي تحليل لتلك المحددات:

  • القانون رقم 42 لسنة 2014 : يشكل القانون رقم 42 لسنة 2014 الإطار القانوني الذي استند إليه البرلمان العراقي للمصادقة على اتفاقية خور عبدالله ، وقد وُقعت الاتفاقية عن الجانب العراقي من قبل وزير النقل الأسبق هادي العامري، وعن الجانب الكويتي من قبل وزير المواصلات سالم مثيب الأذينة ومع ذلك رأت المحكمة الاتحادية العليا أن هذا القانون لم يستوفِ الشروط الدستورية المطلوبة لإنفاذ الاتفاقية والمصادقة عليها (احمد تقي فصيل ، 2025، ص450) .
  • إشكالية التوافق الدستوري للمصادقة (قانون رقم 35 لسنة 2015): بعد إقرار العراق لاحقاً القانون رقم 35 لسنة 2015، الذي وضع متطلبات أكثر صرامة للتصديق على المعاهدات الدولية، بما في ذلك شرط موافقة أغلبية ثلثي أعضاء البرلمان، كما تنص عليه (الفقرة الرابعة من المادة 61 ) من الدستور العراقي بالتالي، فإن المصادقة السابقة بأغلبية بسيطة اعتُبرت غير متوافقة مع هذه النصوص الدستورية التي تنظم المصادقة على الاتفاقيات بعد صدور القانون رقم 35.
  • اتخذت المحكمة الاتحادية العليا العراقية وهي أعلى هيئة قضائية تراقب دستورية التشريعات، قراراها الحاسم ببطلان الاتفاقية، استندت في حكمها على أن القانون رقم 42 لسنة 2014 الذي أعتمد عليه البرلمان لإقرار الاتفاقية، وجدت انه يفتقر إلى الأساس الدستوري السليم، مما أدى إلى نقض الاتفاقية وإعلان عدم شرعيتها.
  • ادى الحكم القضائي بإيقاف العمل بالاتفاقية من قبل الجانب العراقي، وفق القانون وأدى ذلك الى انتهاء إلزاميتها في العراق ،في المقابل ظلت الاتفاقية سارية المفعول من الجانب الكويتي مما خلق تضارباً في المواقف نجم عنه تعقيدات قانونية ودبلوماسية بين العراق والكويت.

3-4- موقف الحراك الشعبي والبيئة المجتمعية (الموقف المحلي الفاعل) : لم تقتصر التفاعلات المحيطة باتفاقية خور عبد الله على الأروقة الرسمية، بل واجهت الاتفاقية رفضاً مجتمعياً ونخبوياً حاداً انطلق من اعتبارات جيواقتصادية وسيادية، إذ تبلور هذا الرفض عبر تنظيم تظاهرات شعبية واحتجاجات واسعة في محافظة البصرة وبغداد قادتها نقابات الصيادين ومجموعات من النخب الأكاديمية مدفوعين بالمخاوف من تقييد الملاحة الحرة وتضرر المصالح التاريخية للصيد العراقي، فضلاً عن خشية خنق المنفذ البحري المؤدي إلى المشاريع الاستراتيجية الكبرى كالفاو الكبير وطريق التنمية في مواجهة التمدد الملاحي الكويتي المتمثل بميناء مبارك الكبير، وهو ما شكّل جبهة ضغط محلية فاعلة حركت الرأي العام وحفّزت نواب البرلمان لتحريك دعاوى الإبطال أمام القضاء الدستوري العراقي.( حـازم حميد جبـر ، إلغاء المحكمة الاتحادية العراقية الاتفاقية خور عبد الله مع الكويت وأثرها في مستقبل العلاقات بين البلدين ، مركز الدراسات البصرة و الخليج العربي ، جامعة البصرة ، 2025،ص205) ، ينظر الى جدول رقم(1)

4-4 – المواقف الإقليمية والدولية : أثارت الترتيبات القانونية والميدانية لإدارة الممر المائي لخور عبد الله ردود أفعال متباينة على الصعيدين الإقليمي والدولي، إذ تراوحت المواقف بين دول الجوار التي رأت في المشهد فرصة لإعادة صياغة توازنات النفوذ البحري والاقتصادي في شمال الخليج العربي، وبين قوى دولية وأممية ركزت على حتمية الالتزام بالقرارات الأممية لضمان استقرار خطوط الملاحة الدولية ومنع تجدد النزاعات الحدودية كالاتي :

4 – 4- 1- موقف دولة الكويت : يعتبر الموقف الكويتي هو الطرف المقابل والمباشر في القضية، ويقوم على أساس ثابت لا يتغير وفق ما يلي :

  • الالتزام بقرارات الأمم المتحدة: يتمسك الموقف الكويتي بالاتفاقية كقرار لتطبيق وتنفيذ الترسيم الحدودي البحري النهائي الذي أقرته الأمم المتحدة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 833 لعام 1993،  وتعتبر الكويت الحدود مسألة مُنتهية ولا تقبل المراجعة من الناحية القانونية الدولية.
  • أهمية الاتفاقية الملاحية: ترى الكويت أن الاتفاقية ضرورة  لضمان السلامة الملاحية ومنع الحوادث في الممر البحري المشترك، وتُعتبرها اتفاقاً فنياً وإدارياً يخدم مصالح البلدين.
  • رد الفعل على قرار 2023 بعد صدور حكم المحكمة الاتحادية العليا العراقية بإلغاء اتفاقية خور عبدالله ، لم ترحب الحكومة الكويتية به وكان موقفها حاداً ورافضاً لقرار المحكمة الاتحادية العليا بعدم دستورية قانون التصديق، ولم تكتف الكويت بهذا الرفض بل استدعت سفير العراق لديها المنهل الصافي وسلمته مذكرة احتجاج  على حكم المحكمة الاتحادية (الكويت : حكم القضاء العراقي بشأن خور عبدالله به مغالطات تاريخية : موقع الجزيرة  الالكتروني ، 21/9/2023 )

وقد أفاد مركز البحوث والدراسات الكويتي في مذكرة قانونية، رداً على قرار المحكمة الاتحادية العليا العراقية الأخير بأن هذا الحكم يتناقض مع قرار سابق صادر عن المحكمة ذاتها بتاريخ 18 /ديسمبر/ 2014.

وفي سياق دعمها لاتفاقية تنظيم الملاحة البحرية في خور عبد الله، اعتمدت الكويت بشكل أساسي على القرار الأممي رقم 833 لسنة 1993، إلى جانب الوثائق التاريخية المتعلقة بعملية ترسيم الحدود ، ويُظهر هذا الاعتماد العميق على المرجعيات الدولية والتاريخية ، الأساس القانوني والسياسي الذي تتبناه الكويت لضمان الالتزام بالاتفاقية التي تعتبرها جزءاً من تعهدات دولية واجبة التنفيذ.

لذلك تنظر دولة الكويت إلى خور عبد الله على أنه ممر ملاحي حيوي ذو أهمية استراتيجية للتجارة البحرية، ولذلك  لا تعتبر تنظيم الملاحة فيه مجرد ضمان لمصالحها الخاصة فحسب، بل هو أيضاً تعهد قانوني دولي يدعم استقرار المنطقة، تعتمد الكويت الأبعاد القانونية مرجعاً أساسياً لموقفها من الاتفاقية مع العراق، وتعد قرار مجلس الأمن رقم 833 لسنة 1993 هو إطار دولي ملزم، وهذا يجعل الاتفاقية الموقعة بين البلدين بمثابة تطبيق عملي وامتداد قانوني لتنفيذ ذلك القرار، كما تستند الكويت في موقفها إلى مبدأ سيادة القانون الدولي مؤكدة أن الالتزام بالقرارات والاتفاقيات الدولية يعد ركيزة ضرورية لترسيخ احترام سيادة الدول والقانون الدولي.

4 – 4- 2 – موقف مجلس التعاون الخليجي من قضية خور عبدالله والغاء الاتفاقية  : يُعتبر موقف دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية موقفاً داعماً بشكل كامل للموقف الكويتي، وهو يمثل ثقلاً إقليمياً مهماً:

  • دعم السيادة الكويتية واستقرار الحدود و أكد مجلس التعاون عبر بياناته الرسمية، على الوقوف إلى جانب الكويت في مواجهة أي تهديد يمس سيادتها أو سلامة أراضيها وحدودها البحرية، ويشدد المجلس على ضرورة احترام العراق الكامل للاتفاقيات الدولية والحدود المُرسمة بين البلدين (حازم حميد جبر ، 2025،ص210) .
  • شدد مجلس التعاون الخليجي على اهمية احترام قرار المجلس رقم 833 في 93 الذي تم بموجبة ترسيم الحدود بين العراق والكويت بعد الحرب الخليج الثانية ، واعتباره الاساس القانوني الذي يحكم العلاقات الحدودية بين الدولتين ، وكما اكد المجلس ضرورة التزام العراق باتفاقية تنظيم الملاحة البحرية في خور عبدالله التي تم التوصل اليها بين الكويت وبغداد والتي ايداعها في الامم المتحدة ، دعا المجلس إلى استكمال ترسيم الحدود البحرية بين البلدين لما بعد العلامة البحرية162 وهي نقطة حدودية تقع في البحر وتعد جزءا من الاتفاقيات السابقة بين الدولتين ، وفقاً لقواعد ومبادئ القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام ، وهذا يؤكد حرص دول المجلس على حسم كامل الملف الحدودي بما يضمن الاستقرار الإقليمي. (البيان الصادر عن المجلس الوزاري لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في دورته الـ157 ، 7/9/2023)  .
  • لقد اتخذ مجلس التعاون لدول الخليج العربية موقفاً موحداً وحاسماً تمثل في الرفض القاطع لقرار المحكمة الاتحادية العليا في العراق الصادر في سبتمبر 2023 ، والذي قضى بعدم دستورية قانون تصديق اتفاقية تنظيم الملاحة البحرية في خور عبد الله مع دولة الكويت ، ويُعد هذا الموقف استمراراً لدعم المجلس الثابت لدولة الكويت في قضاياها الحدودية، مرتكزاً على مبدأ احترام السيادة والالتزام بالمواثيق الدولية، وقد عبر المجلس الوزاري في بيانات رسمية عن الرفض المطلق للحكم القضائي العراقي ، واصفاً إياه بأنه غير دقيق وخارج السياق ورافضاً ما تضمنته حيثياته من مغالطات تاريخية، مؤكداً أن أي إجراءات أو أعمال أحادية الجانب يتخذها العراق في هذا الشأن تعتبر باطلة ،  كما دعا المجلس الحكومة العراقية بوضوح إلى الالتزام الكامل بالاتفاقيات الثنائية والدولية المعنية ، وفي مقدمتها اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله الموقعة عام 2012 ، وبروتوكول المبادلة الأمني لعام 2008 ، مشدداً على ضرورة احترام سيادة دولة الكويت ووحدة أراضيها وحقوقها ، ويؤكد هذا الموقف على التمسك بمرجعية القرار الأممي 833 لسنة 1993 الخاص بترسيم الحدود، معتبراً الاتفاقية المُلغاة خطوة تنفيذية لهذا القرار الدولي الملزم ، وتجسدت هذه المرتكزات في بيان صريح يؤكد الرفض القاطع لأي انتهاك يمس سيادة الكويت أو ممراتها البحرية، مع تأكيد حق الكويت الكامل في الرد على أي خرق لسيادتها عبر القنوات القانونية الدولية، ويهدف هذا التوجيه الخليجي إلى الحيلولة دون تفاقم الخلافات إلى مرحلة قد تؤثر سلباً على التعاون الإقليمي أو استقرار منطقة الخليج ، ويضغط على العراق لإيجاد حلول دبلوماسية تضمن تنفيذ الاتفاقيات الموقعة مع الكويت.  (الوزاري الخليجي عن إلغاء العراق اتفاقية خور عبد الله: مخالفة للمواثيق ، وكالة موازين نيوز ،18/9/ 2023)

ومن خلال هذا التوجه يهدف المجلس إلى الحيلولة دون تصاعد الخلافات الى مرحلة قد تؤثر سلبا على التعاون الاقليمي أو على استقرار منطقة الخليج والعلاقات المشتركة بين البلدين .

4- 4- 3- المواقف الإقليمية والدولية تجاه إلغاء اتفاقية خور عبد الله

تأخذ قضية اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله وإلغاء قانون تصديقها أبعاداً تتجاوز الإطار الثنائي بين العراق والكويت، لتصبح اختباراً لمدى الالتزام بالشرعية والاتفاقيات الدولية على المستويين الإقليمي والدولي،  إن قرار المحكمة الاتحادية العليا العراقية الصادر في سبتمبر 2023 بعدم دستورية قانون التصديق قد أفرز مواقف واضحة من الجهات الرقابية والدولية، تدعو الى الدعوة للحوار والالتزام الشديد بمرجعية القانون الدولي ، وذلك يؤكد حساسية الملف وارتباطه الوثيق باستقرار الملاحة في الخليج العربي واستقرار الشرق الأوسط والعلاقات العربية المشتركة.

4-4- 3- 1- الموقف الإقليمي (جامعة الدول العربية والدور الوسيط)

يتخذ موقف جامعة الدول العربية من ملف اتفاقية خور عبد الله وإلغاء قانونها دور المراقب للموقف الإقليمي المعتمد على الاتفاقات والقوانين الدولية المعتمدة والمتعارفة ، والذي يسعى لتحقيق توازن دقيق بين حفظ التضامن العربي العام واحترام التعهدات الدولية لدول المنطقة ، يتسم هذا الموقف بالحياد الإيجابي الذي يهدف إلى احتواء الأزمة وتطويق تداعياتها دون التعمق في تفاصيلها القانونية المعقدة، وفي هذا السياق ، التزمت الجامعة بإصدار بيانات تدعو كلاً من الطرفين إلى تكثيف الخط الدبلوماسي وضبط النفس، وتغليب لغة الحوار كخطوات وحيدة لحل الخلافات المتعلقة بتطبيق الاتفاقيات الثنائية ، ويأتي هذا الموقف من الجامعة العربية  ليعكس رغبة الدول الإقليمية في تجنب تصعيد الخلافات إلى مستوى يهدد العلاقات البينية لدول المنطقة ، ويهدف إلى توفير مظلة إقليمية تتيح للدولتين تسوية خلافاتهما ودياً دون الحاجة لتدخل أطراف دولية إضافية ، كما يؤكد على ضرورة احترام الالتزامات الثنائية الموقعة ، بما فيها الاتفاقية موضوع الخلاف ، وكان مرتكزاً أساسياً في بيانات الجامعة، هذا التركيز ليس اعترافاً بشرعية الحكم القضائي العراقي بقدر ما هو تشديد على أن التراجع الفردي عن اتفاقيات دولية قد يهدد الأمن والسلم الإقليميين ، خاصة في منطقة الخليج المتميزة بتوتراتها  ومع ذلك ، تلتزم الجامعة بمبدأ عدم التدخل المباشر في تفاصيل الخلافات الحدودية المُنظَّمة والمعتمدة بموجب قرارات الأمم المتحدة السابقة ، ما يترك المسائل القانونية الفصلية للمرجعية الدولية، بذلك أقتصر دور الجامعة على التقارب السياسي لحل اللازمة وتوفير البيئة الملائمة للحل، وليس الفصل القانوني في نزاع مرتبط بقرار دولي نهائي.

4-4- 3- 2- الموقف الدولي (الأمم المتحدة ومجلس الأمن) ومرجعية القرار 833

يُشكل الموقف الدولي المتمثل في الأمم المتحدة ومجلس الأمن الإطار المرجعي والأكثر تأثيراً في قضية خور عبد الله ، وهو موقف يقوم على الأسس القانونية  التي لا تقبل التشكيك الإقليمي أو الداخلي ، ينطلق هذا الموقف من قرار مجلس الأمن رقم 833 لسنة 1993، الذي يمثل الإطار القانوني الدولي الذي حسم بشكل نهائي ترسيم الحدود البرية والبحرية بين الدولتين ، ولأن هذا القرار صدر تحت الفصل السابع من الميثاق ، فإنه يحمل صفة قرار نهائي والملزم لجميع الدول الأعضاء ، لذلك ومن وجهة نظر القانون الدولي ، فإن الحدود البحرية تُعتبر مسألة لا مجال لإعادة التفاوض بشأنها وتنظر الأمم المتحدة إلى اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله لعام 2012 على أنها تطبيق عملي ومهم لتنفيذ الحدود المُرسّمة بالفعل بموجب القرار 833 ، حيث نظمت بهدف تسهيل وإدارة الملاحة الآمنة ضمن تلك الحدود ، لذلك ، فإن أي تغيير في الاتفاقية الملاحية يُعتبر في نظر المجتمع الدولي تشكيكاً مباشراً في الترسيم الحدودي الثابت ذاته ، وهو ما تحذر منه المنظمات الدولية بشدة ،  وتعتبر إن إلغاء قانون الاتفاقية من طرف واحد داخلياً يعرض العراق لإدانات دولية واسعة ، إذ يُنظر إلى هذا التصرف على أنه رفض أحادي الجانب عن تعهدات دولية تم إيداعها لدى المنظمة ، ويُثير هذا التصرف قلقاً دولياً كبيراً لكونه يهدد بتقويض الاستقرار الأمني والحدودي الذي كرّس مجلس الأمن جهوداً كبيرة لترسيخه ، كما أنه ينتهك مبدأ الالتزام بالمعاهدات الدولية الذي يُعد حجر الزاوية في القانون الدولي ، ما يضر بسمعة العراق ومصداقيته ونتيجة لذلك نرى تتصاعد الضغوط الدولية على الحكومة العراقية  التي تجد نفسها مضطرة للموازنة

بين احترام قراراتها القضائية الداخلية وبين الوفاء بالتزاماتها الدولية الملزمة.

جدول رقم (1) الخارطة المقارنة لمواقف الفواعل الوطنية العراقية من اتفاقية خور عبد الله

الفاعل الوطني طبيعة الموقف والتوجه العام المرتكزات والمستندات الأساسية المسار الإجرائي والعملي
الحكومة  التنفيذية براغماتي / دبلوماسي: تحولَ من الرفض الأولي للترسيم إلى القبول به لتصفير الأزمات، ثم تبني مسار التصحيح الإجرائي لضمان الامتثال الدولي. – المادة (8) من الدستور العراقي 

-اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات.

– قرار مجلس الأمن الدولي رقم (833) لسنة 1993.

– الحفاظ على المصلحة الملاحية والتجارية ومشاريع النقل والإدامة مع الكويت.

– إرسال وفد تفاوضي وزاري لبحث الترسيم. 

– تقديم طعون منفصلة للمحكمة الاتحادية للعدول عن قرار الإبطال

– توجيه الرئاسات الثلاث نحو إعادة التصديق تشريعياً، وسحب طلبات الطعن القضائي لانتفاء الحاجة

البرلمان التشريعي شهد صراعاً بين جبهة مؤيدة تعتبر الاتفاقية استكمالاً للقرارات الدولية الملزمة، وجبهة معارضة واسعة (منتقدون) وصفتها بـ “المذلة” والتنازل غير المقبول عن المياه والأراضي العراقية. المؤيدون: تنظيم الملاحة، استقرار العلاقات، والامتثال للقرار الدولي 833. 

المعارضون :  إهدار السيادة الوطنية  فقدان السيطرة على ممر ملاحي حيوي، وخنق المنافذ البحرية العراقية اقتصادياً.

– تمرير قانون التصديق على الاتفاقية رقم (42) لسنة 2014 بأغلبية بسيطة. 

– توجيه اتهامات نيابية للحكومة بالسعي لاسترضاء دول الجوار.

– مطالبة بعض النواب برفع دعاوى قضائية ضد رئيس الحكومة لعدم إيداع قرار الإبطال لدى الأمم المتحدة .

المحكمة الاتحادية العليا دستوري / شكلي قطعيموقف حمائي يركز على سلامة الإجراءات التشريعية لإنفاذ القوانين بعيداً عن المواءمات السياسية، ممّا أنهى إلزامية الاتفاقية محلياً –  المادة (61/ رابعاً) من الدستور (اشتراط أغلبية الثلثين للتصديق( 

-قانون عقد المعاهدات رقم (35) لسنة 2015

– إبطال قانون المصادقة رقم (42) لسنة 2013 بموجب قرار الحكم بتاريخ 4/ 9/ 2023 

– إيقاف العمل بالاتفاقية رسمياً ممّا أحدث تضارباً قانونياً مع تمسّك الكويت بسريانها

الحراك الشعبي احتجاجي رافض: رفض مجتمعي ونخبوي للاتفاقية لاعتبارات جيواقتصادية  وسيادية، خشية تأثير الإدارة المشتركة للممر على مشاريع العراق الاستراتيجية. – حماية حقوق الصيد والمصالح التاريخية للعراق في الممر. 

– حماية جدوى ميناء الفاو وطريق التنمية من التنافس الملاحي الكويتي (مبارك) .

– تنظيم تظاهرات واحتجاجات شعبية واسعة في محافظة البصرة. 

– تشكيل جبهة ضغط محلي ونخبوي لدفع النواب لتحريك دعاوى الإبطال أمام المحكمة الاتحادية

 4-4- 3-3- محكمة العدل الدولية في النزاع بين العراق والكويت : يتحدد دور محكمة العدل الدولية باعتبارها الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة في حل النزاعات القانونية الدولية وفقاً لمبدأ الاختصاص الرضائي الذي يشترط موافقة الدول المتنازعة مسبقاً على إحالة القضية إليها، وفي سياق العلاقات العراقية-الكويتية ، لم يصدر عن المحكمة أي حكم قضائي أو فتوى قانونية مباشرة تخص ترسيم الحدود البحرية أو النزاع الناشئ حول اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله لعام 2012 ، نظراً لعدم قيام أي من الطرفين بتقديم دعوى رسمية مشتركة أمامها )بطرس غالي،  2018، ص 112).

وهنا يبرز التكييف الفقهي الحاسم لغياب دور المحكمة، إذ يرى فقهاء القانون الدولي أن محكمة العدل الدولية لا تملك سلطة رقابة قضائية دستورية تلقائية على خطوط الحدود المرسومة إقليمياً، ولا تستطيع التدخل لتعديل أو مراجعة الأوضاع القائمة ما لم يتفق الطرفان (العراق والكويت) طواعية على طلب ذلك منها عبر اتفاق خاص ، وهو أمر مستبعد سياسياً وعملياً في الوقت الراهن (علي إبراهيم، 2022، ص 189) .

ومن الناحية القانونية الصرفة، يظل اختصاص محكمة العدل الدولية غائباً عن أزمة خور عبد الله الحالية نتيجة لسببين جوهريين:

  • طبيعة النزاع الحالية (نزاع تفسير وتنفيذ لا نزاع ترسيم) : إن الخلاف الأخير المثار تركز حول دستورية وإلغاء اتفاقية ملاحة ثنائية (بموجب قرار المحكمة الاتحادية العليا في العراق رقم 105 / 194/اتحادية/2023)، وليس نزاعاً على خط الحدود الدولية المرسوم بحرياً أساساً، ومحكمة العدل الدولية لا تبسط ولايتها على القوانين أو القرارات الدستورية الداخلية للدول إلا إذا تحولت إلى خرق صريح لالتزام دولي نافذ ومستوفٍ لشروط الصحة الدولية ( عصام العطية، القانون الدولي العام، المكتبة القانونية، بغداد، 2024، ص 310) .
  • غياب شرط الولاية الجبرية للطرفين : لا يمكن للعراق أو الكويت مقاضاة الطرف الآخر منفصلاً (بإرادة منفردة) أمام محكمة العدل الدولية بشأن خور عبد الله، لعدم وجود شرط اختياري قبول الولاية الإلزامية بموجب المادة (36) من النظام الأساسي للمحكمة بشكل متبادل بين البلدين يغطي هذه الفئة من النزاعات، كما يخلو أرشيف الاتفاقيات الثنائية بينهما من بند شرطي يلزم باللجوء القضائي للمحكمة عند حدوث خلاف حول تفسير أو تطبيق اتفاقية عام 2012(محمد السعيد الدقاق، 2021، ص 142).

لذلك يمكن القول ، أن الموقف الدولي هو الأشد صرامة لأنه يرفض أي محاولة لتقويض التنظيم القانوني للحدود بين البلدين ، بينما يعمل الموقف الإقليمي على التخفيف من التوتر وتنسيق المواقف وتقاربها ،إن التحدي يكمن في قدرة الحكومة العراقية على إيجاد مخرج قانوني ودبلوماسي يعالج الخلل الشكلي (نصاب التصويت) الذي أدى إلى البطلان القضائي دون التراجع عن جوهر التزاماتها الدولية التي تضمن الاستقرار الملاحي والتجاري في المنطقة الحيوية.

5 . الخاتمة

يتبين أن ملف خور عبد الله يمثل أكثر من مجرد قضية ترسيم حدود أو تنظيم ملاحة، بل هو نقطة تقاطع حيوية تتشابك فيها السيادة الوطنية العراقية، والالتزامات الدولية والمصالح الاقتصادية الإقليمية.

لقد كشف المسار التاريخي للاتفاقية وصولاً إلى قرار المحكمة الاتحادية العليا بعدم دستورية قانون التصديق عليها عن وجود انقسام عميق في المواقف ، حيث ترى الأطراف الداخلية المنتقدة أن الاتفاقية تمثل تنازلاً عن حقوق العراق ومياهه، بينما تتمسك الحكومة بالمسار الدبلوماسي والتشريعي لتصحيح الخلل الشكلي ، وذلك التزاماً بمبدأ حسن الجوار وتفادياً لتعريض مكانة العراق الدولية للخطر.

في المقابل ، شكل الموقف الكويتي ودعم دول مجلس التعاون الخليجي له ضغطاً إقليمياً واضحاً، مؤكداً على شرعية الاتفاقية باعتبارها تطبيقاً لقرار مجلس الأمن 833، وضرورة الالتزام بالتعهدات الدولية لضمان استقرار الملاحة في هذا الممر الحيوي لتحقيق مصالح البلدين .

إن التداعيات المترتبة على هذا الملف واسعة، فهي لا تقتصر على الحركة التجارية والملاحية فحسب ، بل تمتد لتشمل العلاقات الثنائية والسمعة الدولية للعراق ،  ولذلك يبقى الحل الأمثل مرهوناً بقدرة القيادة العراقية على الموازنة الدقيقة بين حماية سيادتها ومصالحها الاقتصادية ، وبين الحفاظ على التزاماتها الدولية وتعزيز التعاون الإقليمي ، عبر مسار تشريعي ودبلوماسي شفاف يحظى بإجماع وطني وقبول دولي ، إن مستقبل خور عبد الله سيظل محكوماً بتغليب لغة القانون الدولي والمصالح المشتركة على المزايدات السياسية ، لضمان أمن واستقرار الملاحة في المنطقة بأسرها.

  • نتائج البحث : توصل البحث إلى أن قضية اتفاقية خور عبد الله تُشكل صراعاً جوهرياً بين السيادة الدستورية الداخلية للعراق والالتزامات القانونية الدولية الثابتة.
  • كانت اتفاقية خور عبد الله محط جدل سياسي مستمر داخل العراق مما جعلها عرضة للطعن القضائي، خاصة في مرحلة تغيرت فيها موازين القوى داخلياً، والأهم ، أن قرار المحكمة الاتحادية يعكس تنامي دور القضاء الدستوري في رسم ملامح السياسة الخارجية للدولة ، بما يجعل للوظيفة القانونية تأثيراً استراتيجياً مباشراً على الالتزامات الدولية.
  • ظهر توجه الحكومة العراقية في التعامل مع قرار إلغاء قانون تصديق اتفاقية خور عبد الله تفضيلاً واضحاً للمسار الدبلوماسي والتشريعي لمعالجة الخلل الشكلي الذي أدى إلى حكم المحكمة (وهو نقص نصاب التصويت في البرلمان)، بدلاً من الإقدام على الإلغاء الجذري للاتفاقية نفسها ، هذا الموقف الحكومي ليس عفوياً ، بل هو مدفوع باعتبارات واقعية تخدم المصالح العليا للدولة ، أهمها تجنب الأضرار الاقتصادية الجسيمة التي قد تلحق بحركة الاستيراد والتصدير، خاصة وأن خور عبد الله هو الممر الملاحي الأوحد للعراق ، كما يُعد هذا التوجه حتمياً لـ تجنب الإخلال بالالتزامات الدولية القائمة ، وهو ما كان سيضع العراق مباشرة تحت طائلة المساءلة القانونية أمام المجتمع الدولي ، وبذلك يؤكد المسعى الحكومي على جهد واعٍ لتحقيق الموازنة الدقيقة بين الامتثال لقرارات السلطة القضائية الداخلية والحفاظ على مصداقية الدولة ضمن المنظومة الدولية، كما يُعد هذا التوجه ضرورياً لـ تفادي خرق الالتزامات الدولية القائمة التي تضع العراق تحت طائلة المساءلة أمام المجتمع الدولي، مما يؤكد أن الحكومة تسعى للموازنة بين احترام القرارات القضائية الداخلية والحفاظ على مصداقية البلاد في المنظومة الدولية.
  • يؤشر رد الفعل الكويتي والخليجي الموحد إلى أن إلغاء الاتفاقية ، لم يُنظر إليه كخلاف ثنائي فحسب، بل كمساس بمنظومة التفاهمات الإقليمية والأمنية التي تأسست في المنطقة بعد عام 2003 ، وهي منظومة تقوم على احترام الحدود التي أقرتها الأمم المتحدة .
  • يعتبر المجتمع الدولي بقيادة الأمم المتحدة أن الاتفاقية هي تطبيق لـ القرار 833 لسنة 1993 الملزم ، وأن إلغاءها يُشكل تشكيكاً في الترسيم الحدودي الثابت مما يعرض العراق لضغوط قانونية دولية واسعة.
  • أن حل أزمة خور عبد الله لا يكمن في إلغاء الاتفاقية جذرياً بل في إيجاد مخرج تشريعي ودبلوماسي يحقق هدفين متزامنين : الوفاء بالمتطلبات الدستورية الداخلية إعادة التصديق بأغلبية الثلثين والالتزام بالمتطلبات الدولية (الحفاظ على جوهر الاتفاقية كضمانة للاستقرار الملاحي) ، وهو السبيل الوحيد للحفاظ على مصالح العراق الحيوية وتجنب المزيد من العزلة والضغوط الدولية.

التوصيات:

  • دعوة وزارة الخارجية العراقية إلى فتح قنوات تفاوضية دبلوماسية مباشرة مع الجانب الكويتي ، ‏بهدف صياغة ملحق فني وتكميلي للاتفاقية يضمن حماية الحقوق التاريخية للصيادين ‏العراقيين ، ويؤمن بصورة قطعية الجدوى الاقتصادية والاستراتيجية لميناء الفاو الكبير وطريق ‏التنمية ، لتبديد المخاوف المحلية وضمان تحقيق مبدأ المصلحة المتبادلة وحسن الجوار‎.‎
  • يوصي البحث الحكومة العراقية بضرورة الفصل التام بين المواقف السياسية والإعلامية ‏الداخلية وبين الالتزامات الأممية الثابتة لا سيما القرار رقم 833 ، والتمسك بالحلول القائمة ‏على قواعد القانون الدولي والمعاهدات لتنظيم الملاحة، بما يحافظ على السمعة الدولية للعراق ‏ويمنع تبلور ضغوط إقليمية أو دولية موحدة قد تؤثر سلباً على النفوذ البحري والاقتصادي ‏للعراق في شمال الخليج العربي‎.‎
  • توجيه الخطاب الإعلامي ومنصات التواصل الجماهيري نحو التهدئة والحد من منسوب التوتر الشعبي ، والابتعاد التام عن لغة التشنج أو التهجم المتبادل مع الجارة الكويت ، مع التأكيد على حصر إدارة هذا الملف السيادي المعقد عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية والأطر القانونية التخصصية ، ويأتي ذلك لقطع الطريق أمام محاولات التأجيج والضجيج الإعلامي، وضمان بيئة تفاوضية هادئة ومتزنة تحمي الحقوق والمصالح العليا للعراق ، وتصون في الوقت ذاته علاقات حسن الجوار والروابط التاريخية بين البلدين والشعبين الشقيقين.
  • كما يوصي البحث مجلس النواب العراقي بالتنسيق مع الرئاسات التنفيذية بالعمل على معالجة ‏الإشكال الشكلي الذي أشّره قرار المحكمة الاتحادية العليا، وذلك من خلال إعادة عرض ‏الاتفاقية أو ملحقاتها التنظيمية للتصويت داخل البرلمان وفق النصاب الدستوري الحاكم ‏‏(أغلبية الثلثين) المنصوص عليه في المادة‏‎ ‎‏61/‏‎ ‎رابعاً ، لضمان الموازنة بين السيادة الدستورية ‏الداخلية والالتزامات الدولية للعراق‎.‎
  1. 6قائمة المصادر والمراجع :
  • لاليهام، آرثر ، إدارة النزاعات الدولية، دار المعارف، القاهرة، 2021، ص 148.
  • إبراهيم، علي ،الرقابة القضائية على أعمال المنظمات الدولية، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، 2022، ص 189‏.
  • العطية، عصام ،القانون الدولي العام، المكتبة القانونية، بغداد، 2024، ص 310.
  • غالي، بطرس، القضاء الدولي والنزاعات الحدودية، دار النهضة العربية، القاهرة، 2018، ص 112‏.
  • فصيل، احمد تقي ، مدي احقية العراق في ابطال اتفاقية خور عبدالله وفقا للقانون الدولي ، مجلة واسط للعلوم الانسانية ، مجلد 21، العدد 2، جامعة واسط ، 2025، ص443-469.
  • جبر، حازم حميد ، الغاء المحكمة الاتحادية العراقية لاتفاقية خور عبدالله مع الكويت واثرها في مستقبل العلاقات بين البلدين ، مجلة دراسات البصرة ، العدد 59 ، 2025 ، ص 201.
  • هويدي، سمر عبدالله ، ملاح ، حنان حسن ،  الاثار والمعوقات المترتبة على اتفاقية خور عبدالله  ، مجلة ‏الفنون والآداب  وعلوم ‏الانسانيات  والاجتماع ، العدد 60 ، 2020 ، ص 119‏.
  • حمدان ، سوسن صبيح ، الحدود العراقية الكويتية واشكالية مبارك ، مجلة الجمعية الجغرافية العراقية ، العدد 99 ، 2013 ، ص18.
  • محمد السعيد الدقاق، القانون القضائي الدولي، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 2021، ص 142‏.
  • البيان الصادر عن المجلس الوزاري لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في دورته الـ157 ، 7/9/2023 ، شبكة المعلومات ‏الدولية الانترنت على الرابط :‏

‏https://gcc-sg.org/ar/MediaCenter/News/Pages/news2023-9-7-12.aspx‎‏ تاريخ الزيارة 12/10/2025 .

  • الكويت : حكم القضاء العراقي بشأن خور عبدالله به مغالطات تاريخية : موقع الجزيرة الالكتروني ، 21/9/2023 ، شبكة المعلومات الدولية الانترنت على الرابط : https://www.aljazeera.net/news/2023/9/21/ تاريخ الزيارة 12/10/2025.
  • الوزاري الخليجي عن إلغاء العراق اتفاقية خور عبد الله: مخالفة للمواثيق ، وكالة موازين نيوز ،18/9/ 2023 ، شبكة ‏المعلومات الدولية الانترنت على الرابط : ‏https://arabi21.com/story/1538081‎‏ ، تاريخ الزيارة 13/10/2025‏.
  • وزير الخارجية اكد وجود توافق  بين الكويت والعراق لإعادة فتح القنصلية الكويتية في البصرة ، جريدة الانباء الكويتية ، ‏‏2011 ، ‏https://www.alanba.com.kw/ar/kuwait-news/official/173192/18-022011‎
  • وزارة النقل والمواصلات، الشركة العامة للموانئ العراقية ، قسم العمليات ، الاحصاءات، العراق ، البصرة ،2011. ‏
  • Robert Keohane and Joseph Nye، Power and Interdependence، Longman، 4th ed، 2012، 24.‎

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M