زيارة وزير الخارجية السوري إلى لبنان: النتائج والتداعيات

  • جاءت زيارة وزير الخارجية السوري للبنان لتوضيح مقاربة الحكومة السورية تجاه الأزمة اللبنانية، ونزع المخاوف من تصريحات الرئيس ترمب بخصوص التدخل السوري لنزع سلاح حزب الله، والسعي لتوحيد الجهود السورية واللبنانية إزاء التفاوض مع إسرائيل.
  • أسفرت زيارة الشيباني عن نتائج محدودة، ففي الوقت الذي طمأن القوى السياسية اللبنانية حول السياسة السورية تجاه بيروت، وتم الإعلان عن تشكيل اللجنة العليا اللبنانية-السورية، إلا أنها لم تنجح في جسر الفجوة كلياً مع بيروت. 
  • كشفت زيارة الشيباني طموح حكومة الشرع للعب دور أكبر على الساحة اللبنانية، وأثارت بعض القلق من إعادة تعريف المصالح الوطنية السورية تجاه لبنان بما يتماهى مع الرؤى التركية.

 

زار وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، في 2 يوليو 2026، لبنان، وعقد سلسلة واسعة من اللقاءات مع كبار المسؤولين والزعماء السياسيين اللبنانيين، في ظل مخاوف أثارتها تصريحات أمريكية عن احتمال تدخل عسكري سوري في لبنان. حمل الشيباني إلى المسؤولين اللبنانيين مقاربة الرئيس أحمد الشرع للتعامل مع الملف اللبناني، والتي تقوم على رفض التدخل العسكري في لبنان، واحتواء الأزمة اللبنانية عبر خطوات أمنية وسياسية واقتصادية، بما يمهّد لتوحيد الجهود السورية واللبنانية في التفاوض مع إسرائيل بشأن ترتيبات أمنية وانسحاب قواتها من جنوبي البلدين.

 

تتناول الورقة السياق الإقليمي والدولي للزيارة وأهداف دمشق منها، ثم مجرياتها وردود الفعل اللبنانية عليها، لتستعرض من ثم نتائج الزيارة، والتحديات والعقبات التي تواجه الدور السوري في لبنان.

 

دوافع زيارة الشيباني إلى لبنان

تتالت جملة من التطورات التي جعلت زيارة مسول سوري رفيع المستوى إلى بيروت ضرورةً بالنسبة إلى دمشق.أتت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني للبنان في ظل ما أحدثته تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن احتمال توكيل سورية بدور لنزع سلاح حزب الله، مع إبدائه انزعاجه من الأسلوب الدموي الذي يتبعه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تنفيذ هذه المهمة. تسببت تصريحات الرئيس ترمب بإرباك الساحة اللبنانية، كما أثّرت سلباً في جهود الحكومة السورية، المدعومة تركياً، للنأي بنفسها عن الحرب الدائرة في المنطقة بين الأمريكيين والإيرانيين، ولبناء علاقة قائمة على الاحترام والندية مع الدولة اللبنانية. رفض الرئيس السوري أحمد الشرع التدخل العسكري في الشؤون اللبنانية عدة مرات، وجاءت زيارة الشيباني إلى لبنان لتأكيد سياسة الشرع للمسؤولين اللبنانيين.

 

في 26 يونيو، وقّع لبنان وإسرائيل، بوساطة أمريكية، “اتفاق إطار” لمعالجة القضايا الأمنية والعالقة بينهما. دق الاتفاق ناقوس الخطر داخل الأروقة السورية، لأن الحكومة اللبنانية عقدته من دون التشاور مع نظيرتها السورية. جراء الاتفاق، وجد الشرع نفسه أمام واقع جديد في جنوب لبنان؛ إذ كرست إسرائيل احتلال قسم من الأراضي اللبنانية إلى حين نزع سلاح حزب الله من المناطق الواقعة إلى شمال نهر الليطاني، على الأقل، في تطور من شأنه شرعنة الاحتلال الإسرائيلي وسلاح حزب الله معاً، وزيادة حدة النزاع الداخلي بين الحكومة اللبنانية والحزب، مع ما لذلك من تداعيات على الأمن السوري. كما تتحسب دمشق من أن تستخدم إسرائيل الاتفاق اللبناني وسيلة لفرض المنطقة الأمنية جنوبي سورية، ومنصةً لزيادة مطالبها خلال المفاوضات مع دمشق. علاوةً على ذلك، يخشى الشرع أن يقنع نتنياهو إدارة ترمب بإنهاء مهمة قوة “الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك في الجولان” (أندوف) أسوةً بما جرى لـ “قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان” (اليونيفيل)، لاسيما أن ترمب اعترف عام 2018 بالضم الإسرائيلي للجولان.

 

من جهة أخرى، أثار شبح عودة النفوذ الإيراني إلى لبنان من بوابة مذكرة التفاهم الموقعة بين طهران وواشنطن في 18 يونيو، قلقاً عميقاً في دمشق. بموجب المذكرة، حصلت إيران على حق التدخل في الشؤون اللبنانية، والذي تكرس بعد اتفاقها مع الولايات المتحدة خلال محادثات جنيف  على تشكيل خلية فض اشتباك تضمهما إلى الدولة اللبنانية. لم تنجح إيران في تحويل مذكرة التفاهم أو اتفاق جنيف إلى واقع فعلي، لكنها لم تتراجع عن ذلك، حتى الآن، بينما تكافح لاستعادة تأثيرها على الساحة اللبنانية. وسيؤدي النجاح الإيراني في ذلك، إلى تداعيات خطيرة على الأمن السوري، خصوصاً بعدما حوّل ضباط الحرس الثوري الإيراني الأراضي اللبنانية إلى قاعدة نفوذهم المركزية في بلاد الشام عقب سقوط نظام الأسد، واستقطبوا مجموعات من جنود وضباط الجيش السوري السابق إلى معسكرات ومخيمات سكنية على الأراضي اللبنانية.

 

عامل إضافي دفع الشرع إلى التحرك لبنانياً، يتعلق بمصالح حليفه التركي. فقد أثار المسؤولون اللبنانيون غضب أنقرة لتجاهلهم مصالحها الحيوية، سواء لدى توقيع الرئيس جوزيف عون مع نظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس، اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين البلدين في 26 نوفمبر 2025، والذي انتقدته وزارة الدفاع التركية، أو عندما أعلنوا انفتاحهم، تحت تأثير فرنسي، على الانضمام إلى مبادرة “الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا”، والتي تضم إسرائيل، القوة المنافسة لأنقرة. كما تجاهل المسؤولون اللبنانيون نظراءهم الأتراك خلال  المفاوضات التي أفضت إلى توقيع اتفاق الإطار، بالرغم من محاولة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (6 يونيو) دعم الموقف اللبناني خلال تلك المفاوضات عبر التشديد على أن أمن بيروت ودمشق من أمن تركيا.

 

وهناك عامل تأخذه دمشق في الاعتبار، يتمثل في موقف الدول الأوروبية حيال الملف اللبناني، بعد اللطمة التي وجهتها واشنطن إلى الوجود الأوروبي في لبنان، سواء عبر إنهاء مهمة “اليونيفيل” أو استبعاد الدول الأوروبية من اللجان التي شكلتها مع إيران وإسرائيل حول لبنان. وللحفاظ على دور أوروبا في لبنان، أطلق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني (25 يونيو) تحالفاً دولياً لتشكيل “قوة متعددة الجنسيات” أو قوة تتبع الأمم المتحدة لتخلف “اليونيفيل”، في خطوة من شأنها التأثير، بشكل إيجابي، على المصالح السورية في الجولان ولبنان.

 

إذن، وجدت حكومة الشرع نفسها وسط التجاذبات الدولية بين الأمريكيين والأوروبيين، والإقليمية حول لبنان. في حين يضغط ترمب لدفع سورية إلى التحرك ضد حزب الله، يصر أردوغان على بقائها محايدة. وبينما تتهدد الأخطار سورية جراء اتفاق الإطار الإسرائيلي-اللبناني، تُنذر مذكرة إسلام أباد واتفاق جنيف بين طهران وواشنطن بعودة إيران إلى الشؤون اللبنانية، الأمر الذي قد يزعزع الاستقرار في سورية، على المديين المتوسط والبعيد. ومع ذلك، لم ينجح الأمريكيون أو الإيرانيون أو الإسرائيليون، إلى الآن، في تحقيق أهدافهم الرئيسية في لبنان، ويبدو أن الثقل السوري ضروري لترجيح كفة الأطراف المتصارعة، لذلك بدت الطريق ممهدة أمام الشرع كي يطلق تحركه الجديد حيال لبنان، والذي افتتحه بزيارة وزير خارجيته إلى هذا البلد.

 

رؤية الشرع للتعامل مع لبنان 

استبق الشرع زيارة الشيباني باستعراض مقاربته الخاصة بالشأن اللبناني. خلال مقابلة مع إحدى وسائل الإعلام العربية، طمأن الشرع (21 يونيو) اللبنانيين عموماً، و“الشيعة” خصوصاً، إلى أن سورية لا تشكل أي خطر عليهم. وبالرغم من أنه ألمح إلى مخاطر “انتشار قوات مرتبطة بحزب الله” في سهل البقاع، على أمن سورية، إلا أنه أبدى استعداداً للحوار مع الحزب، معلناً رفضه الحل العسكري لقضية سلاح حزب الله. من جهة أخرى، دعا الشرع إلى حل “متكامل” للأزمة اللبنانية، عبر “مسارات اقتصادية وسياسية واجتماعية”، وتقديم “ضمانات أمنية متبادلة” لاستقرار سورية ولبنان. وتقترح المقاربة السورية بناء مسار لبناني “سياسي توافقي” يواكب عملية حصر سلاح حزب الله بيد الدولة اللبنانية، على أن يرتكز هذا المسار إلى اتفاق الطائف والدعم السوري. وفيما يتعلق بالاحتلال الإسرائيلي، تقترح المقاربة تفعيل التنسيق بين الحكومتين السورية واللبنانية لتأمين “انسحاب إسرائيلي” من البلدين. وتشدد أخيراً على عدم تدخل الأطراف اللبنانية في الشأن السوري الداخلي، عبر الفلول.

 

في خلال الزيارة، أوضح الشيباني للرئيس عون “اللغط” بخصوص احتمالات التدخل السوري العسكري في لبنان، كما سلّمه دعوة الرئيس الشرع له لزيارة سورية. بدا عون متحفظاً على تلبية الدعوة، ما لم تكن “الملفات المطلوبة جاهزة، مثل ترسيم الحدود”، بالرغم من أن الشرع أعلن في شهر يونيو الماضي تأجيل هذا الملف تحديداً. وخلال لقائه رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، وّقع الشيباني اتفاقية لإنشاء اللجنة العليا السورية-اللبنانية، وطالب بتسليم ما تبقى من المواطنين السوريين في السجون اللبنانية، كما دعا، بشكل غير مباشر، إلى إطلاق سراح السجناء غير السوريين الذين اعتُقلوا لمناصرتهم الثورة السورية “لانتفاء أسباب توقيفهم”. وتحدثت معلومات عن تحفظ نقله الشيباني إلى المسؤولين اللبنانيين، بشأن اتفاق الإطار اللبناني-الإسرائيلي.

 

كرر الشيباني استعداد دمشق للحوار مع حزب الله “إذا اقتضت المصلحة“، خلال لقائه رئيس مجلس النواب وزعيم حركة أمل نبيه بري، بينما بدا الأخير أكثر انفتاحاً على التعاون والتنسيق مع السوريين بعدها، مؤكداً أن الوزير السوري لم يتطرق إلى ملف حزب الله “على الإطلاق”. أما حزب الله فقد قيم بإيجابية زيارة الشيباني، وبدا سعيداً بالتهدئة مع دمشق، لكنه اشترط لتحسين العلاقات معها، اتخاذ حكومة الشرع إجراءات لتحسين وضع الشيعة في سورية.

 

جالَ الشيباني على القوى المعادية لنظام الأسد، مثل الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي والزعيم الدرزي وليد جنبلاط، وقائدي حزبي الكتائب والقوات اللبنانية، كما زار مفتي الجمهورية الشيخ عبداللطيف دريان والبطريرك الماروني بشارة الراعي. دعا جنبلاط بعد اللقاء، إلى بناء علاقات متوازنة بين لبنان وسورية، ووجّه تحذيراً مزدوجاً إلى الذين لم يقتنعوا أن نظام الأسد قد سقط، في إشارة إلى حزب الله، وإلى من يتبنى “اتفاق أسوأ من اتفاق 17 أيار لعام 1983″، في إشارة مبطنة إلى الرئيس عون. وحذّر من وضع لبنان تحت الوصاية الإسرائيلية، مفضّلاً عليها إقامة علاقة متوازنة مع دمشق، وجدد مطالبته الدولة اللبنانية بـ “ضبط الحدود” مع سورية.

 

ووصل الشيباني إلى طرابلس، حيث التقى فعالياتها السياسية والاجتماعية والدينية في دار الفتوى، وحظي باستقبال شعبي، إلا أنه أحجم عن عقد لقاء مع “هيئة علماء المسلمين” أو الصلاة في مسجد السلام، كما امتنع عن لقاء بهية الحريري مراعاةً -على ما يبدو- لموقف الرياض الرافض لأي انفتاح عربي على “تيار المستقبل”. وتسبب هذا الأمر بغضب في أوساط تيار المستقبل وداخل الأوساط اللبنانية السنية المؤيدة للشرع، على السواء.

 

تعكس زيارة الشيباني اعتماد دمشق أدوات جديدة، ولغة مختلفة، وقنوات تواصل رسمية في مقاربتها للعلاقة مع لبنان، بما يوحي بمحاولة فتح صفحة جديدة بين البلدين. غير أن هذا التغيير في الأسلوب لا يعني تغيراً في الهدف الاستراتيجي؛ إذ تهدف الزيارة، في جوهرها، إلى إعادة إحياء الدور السوري في لبنان.

 

نتائج الزيارة ومآلاتها على الدور السوري في لبنان

أراد الشيباني من خلال زيارته إلى لبنان، أن يقدم المقاربة السورية للتعامل مع سلاح حزب الله والوضع اللبناني، وأن يتعرف إلى وجهات نظر القادة اللبنانيين حيال دور بلاده المقبل، لتضمينها في حديث الشرع خلال لقائه الرئيس الأمريكي على هامش انعقاد قمة “حلف شمال الأطلسي” (الناتو) في العاصمة التركية أنقرة. سار الشيباني خطوة جديدة في طريق التعاون مع الحكومة اللبنانية عبر إعلان إنشاء اللجنة المشتركة العليا، بالرغم من الصعوبات التي تواجهها دمشق في التعامل مع الرئيس عون، وأرسى قناة اتصال مع الثنائي الشيعي عبر رئيس مجلس النواب، كما مهّد الأرضية لأي حوار مستقبلي مع حزب الله. في الوقت نفسه، أبرزت زيارة الشيباني تحالفات حكومة الشرع على الساحة اللبنانية، واستعرضت الثقل السوري في مدينة طرابلس والشمال اللبناني.

 

إلا أن الشيباني لم يتمكن من جسْر الفجوة بين دمشق وبيروت، إذ فشلت جهوده في إقناع الحكومة اللبنانية بالإفراج عما تبقى من الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية، وتجنب المسؤولون اللبنانيون التعليق على المسألة أو ذكرها في تصريحاتهم العلنية أو بياناتهم الرسمية. وبالرغم من أن الشيباني شدد على “الاحترام المتبادل للسيادة وحسن الجوار”، إلا أنه دعا المسؤولين اللبنانيين، بشكل غير مباشر، إلى إطلاق سراح “السجناء غير السوريين” ممن اعتُقلوا لمناصرتهم المعارضة السورية.

 

وبالنسبة لاتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، فقد حاذر الشيباني الاعتراض عليه علانية، ملمحاً إلى أن الاتفاق لم يوقف “الاعتداءات الإسرائيلية” على لبنان، وأنه لا يحظى بإجماع داخل الطيف السياسي اللبناني، ودعا إلى إجراء حوار لبناني “هادئ” بشأنه. في المقابل، تحاشى الرئيس عون، والذي يرعى مسار المفاوضات اللبنانية مع إسرائيل، مناقشة الاتفاق مع الوزير السوري. بل ركز عون على وضع أسس واضحة للعلاقة اللبنانية-السورية، أهمها: عدم التدخل في الشؤون الداخلية لكلا البلدين، واشترط ألا يكون الدور السوري الذي تبنيه دمشق مشابهاً لدورها في الماضي، وألا تقف حكومة الشرع مع طرف لبناني ضد طرف آخر.

 

علاوةً على ذلك، أبدى عون تحفظاً على عزم الشرع تأجيل ترسيم الحدود بين سورية ولبنان، ووصف الترسيم بأنه أحد الملفات “المطلوب” إنجازها. كما رفض التجاوب مع مطلب الشيباني الملح رفع مستوى التنسيق القائم بين البلدين في ضبط الحدود والتوصل إلى “تفاهمات أمنية“. ولم يُبدِ حماسة حيال إعلان اللجنة المشتركة السورية-اللبنانية.

 

واجهت زيارة الشيباني تعقيدات الساحة اللبنانية التقليدية، ومساعي القوى اللبنانية إلى اجتذاب الدعم الخارجي لتحركاتها الداخلية. وعلى سبيل المثال، رحب رئيس مجلس النواب بموقف الشرع المحايد على الساحة اللبنانية، وسعى إلى اجتذاب السوريين إلى موقف الرافض لاتفاق الإطار، نظراً لما اعتبره مخاطر الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان على أمن سورية، و“محاولات” إسرائيل زرع “الفتنة في لبنان أو بينه وبين سورية لتفجير الحرب السنية-الشيعية”، بما من شأنه أن يضع دمشق في مواجهة مع واشنطن والرئيس اللبناني والقوى اللبنانية الحليفة لها. في المقابل، طالب رئيس حزب القوات اللبنانية، سمير جعجع، الشيباني بمساعدة سورية “للتخلص من النفوذ الإيراني في لبنان”. كما أثارت زيارة الشيباني إلى طرابلس بلبلة بين الأوساط السنية وقلقاً بين القوى المسيحية في لبنان، وخشية من عزم حكومة الشرع تحويل الشمال اللبناني إلى قاعدة نفوذها المستقبلي.

 

إقليمياً ودولياً، أبرزت مقاربة الشرع وزيارة الشيباني، انحياز دمشق المتزايد إلى الرؤية التركية للدور السوري في لبنان، على حساب ما يريده ترمب من تدخل سوري ضد حزب الله. ونظراً للعداء الإسرائيلي-التركي، ترى أنقرة في حزب الله أحد الأثقال الموازنة في صراعها مع تل أبيب، وتريده من أجل المحافظة على ميزان القوى الإقليمي، لكن بشرط أن يقدم ضمانات أمنية بخصوص صواريخه، ويمتنع عن التدخل في الشأن السوري، ويوقف دعم فلول نظام الأسد في لبنان أو داخل سورية.

 

مع ذلك، قد لا يَكون بإمكان الشرع التهرب من متطلبات السياسة الأمريكية في المنطقة. ومهما يكن من أمر، فقد أطلقت زيارة الشيباني السياسة السورية الجديدة في لبنان، وكشفت حجم الصعوبات والتحديات التي ستواجهها دمشق في توجيه تلك السياسة.

 

استنتاجات

كشفت زيارة الشيباني للبنان عن طموح حكومة الشرع للعب دور أكبر على الساحة اللبنانية، إلا أن تلك الزيارة أثارت بعض الهواجس حيال مساعي دمشق لإعادة تعريف المصالح الوطنية لسورية بما يتماهى مع الرؤى التركية للسياسات الإقليمية. كما أن أي مبادرة سورية حيال لبنان لا تتعاطى بواقعية مع رجحان كفة القوة الإسرائيلية في جنوبي سورية ولبنان، ستحمّل سورية تبعات خطيرة للغاية، ولربما تسببت في انكشاف الموقع السوري الهش، ومواقع دول الخليج أمام تركيا وإيران.

 

إن بناء السياسة السورية تجاه لبنان على إمكانية احتواء قوة حزب الله ضمن ترتيب أمني جديد مُعادٍ لإسرائيل، يحمل في داخله تناقضاً خطيراً، فإن نجح الحزب في التحرر من ضغوط الدولة اللبنانية والضغوط الأمريكية، فعلى الأرجح أن يعاود سيرته الأولى في الضغط على أمن سورية، أما إذا نجحت واشنطن والرياض وتل أبيب في إخضاع الحزب، فسيؤدي ذلك إلى هزيمة سياسية لدمشق التي رفضت طلبات ترمب المتكررة بالتدخل ضد الحزب. كما أن القوى اللبنانية المتحمسة للعلاقة مع دمشق، والتي تشترط دعمها للتخلص من النفوذ الإيراني، ستراجع موقفها حيال حكم الشرع إذا أصرّ على سياسته الانفتاحية على الحزب، ما لم تكن تلك السياسة جزءاً من استراتيجية متفق عليها مع واشنطن والرياض.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M