مِن التَّهالُك إلى الانفتاح: كيف سيُعيدُ اتفاق طهران مع واشنطن هيكلة الاقتصاد الإيراني؟

  • أحدثَ الاتفاق الأولي الإيراني-الأمريكي تفاؤلاً سريعاً في الأسواق الإيرانية؛ انعكس في صعود سوق الأسهم، وتحسُّن العملة، وتراجُع أسعار الذهب والدولار، باعتباره مؤشراً على احتمال تخفيف العقوبات وعودة الإيرادات النفطية. 
  • يُعدُّ النفط المدخل الأهم لإعادة هيكلة الاقتصاد الإيراني؛ ورفع العقوبات على إيران قد يعيد الصادرات إلى مستويات مرتفعة، ويُنهي شبكات البيع غير الرسمية وخصومات “النفط الرمادي”، ويُعيد القطاع إلى سيطرة الحكومة بدلاً من الشبكات المرتبطة بالعقوبات والمؤسسة العسكرية. 
  • قد يُضعف الاتفاق المحتمل بين إيران والولايات المتحدة “اقتصاد العقوبات” عبر إنهاء أنماط المقايضة، والزبون الحصري، وشبكات الالتفاف على العقوبات، ما يعني إعادة ربط الاقتصاد الإيراني بالأسواق والنظام المالي العالمي. 
  • من المتوقع أن يُفضي رفع العقوبات عن إيران إلى تغيير جذرية لخريطة شركائها التجاريين والاستثمارات فيها؛ إذ قد تنتقل إيران من اقتصاد متمركز حول الصين والجوار إلى تنويع أوسع مع الاقتصادات الغربية، مع احتمال تدفق استثمارات خارجية ضخمة، خصوصاً في قطاعات النفط والبتروكيماويات والبنية الإنتاجية. 
  • مع ذلك، فإن نجاح مسار الانفتاح الاقتصادي المستقبلي لإيران ليس مضموناً؛ إذ إن هذا المسار سيواجه مقاومة من المؤسسات والطبقات المستفيدة من اقتصاد العقوبات، وعلى رأسها الشبكات المرتبطة بالحرس الثوري، فضلاً عن عقبات أخرى مثل وضع إيران مع مجموعة العمل المالي ولوائح الإرهاب.

 

أظهرت الأسواق الإيرانية تفاعلاً إيجابيّاً كبيراً مع أنباء توصُّل الجانبين الإيراني والأمريكي إلى مذكرة تفاهم أولية، لا باعتبارها نقطة تُنهي أسابيع من المواجهة العسكرية التي نالت من البنية الاقتصادية الإيرانية فحسب ودفعته إلى حافة الانهيار، وإنما بوصفها نقطة انطلاق لمسارٍ دبلوماسي يمكن أن تكون حصيلته إعادة تأهيل الاقتصاد الإيراني برمته، ورفع القيود التي أثقلت كاهله لعدّة عقود، وأثرت في طبيعته، وآليّات عمله، ومناهجه.

 

ويمكنُ ملاحظة تجليّات هذا التفاؤل في جميع الأسواق في إيران؛ إذ بدا واضحاً على سوق الأسهم الإيرانية التي سجّلت ارتفاعاً بنحو مليوني نقطة، بعد افتتاحها مجدّداً عقب إغلاقٍ استمر لأكثر من خمسين يوماً، لتستقر عند 5,160 ألف نقطة، وتحقق مكاسب بنحو 38.7% خلال أقل من شهر. ومن المتوقع أنْ ينعكس هذا التفاؤل أيضاً على مؤشرات اقتصادية لم يتمّ نشرها بعدُ، مثل مؤشر التضخم الذي سجل مستوياتٍ قياسيةً في خلال الشهور الثلاثة الأخيرة نتيجة الحرب، ومؤشّر السيولة التي استقرت نسبة نموّها عند أعلى المستويات في الربيع الماضي. وفي السياق ذاته، عززت العملة الإيرانية قيمتها في وجه الذهب والدولار، بعد موجة من الانهيار وصلت معها أسعار العملة الإيرانية إلى مستوياتٍ غير مسبوقة تاريخيّاً. إذ انخفض الذهب من 209 مليون تومان إلى 158 ملين تومان للعملة الذهبية، لتكون حصيلته انخفاضاً بحوالي 24.4% في خلال أقلّ من 30 يوماً، في حين بلغت نسبة الانخفاض للدولار نحو 16.8%؛ حيثُ تراجعت قيمة الدولار مقابل العملة الإيرانية من 186.4 ألف تومان إلى 155 ألف تومان.

 

التداعيات على هيكل الاقتصاد الإيراني

يبدو تحسُّن المؤشرات الاقتصادية نتيجة الأنباء المتفائلة حول الاتفاق الأوَّلي الأمريكي-الإيراني، مجرد طليعة للنتائج التي يمكن أن يتمخض عنها تحقيق “الاتفاق النهائي” الذي من شأنه أن يُغير الكثير في هيكل الاقتصاد الإيراني، وفي خريطة لاعبيه، إذا ما كتب له النجاح. وفي هذا السياق يمكن توقُّع الآتي:

 

  • استئناف نشاط القطاع النفطي: يشكّل قطاع النفط عماد الاقتصاد الإيراني بشكلٍ عام، والرّافد الأساسي لموازنته العامة على وجه التحديد. وضمن الآثار الفورية للتفاهُم الأولي على صعيد النفط، شهدت المبيعات الإيرانية من خام النفط قفزةً سريعةً غداة إبرام مذكرة التفاهُم الأمريكية-الإيرانية. وكانت المبيعات قد انخفضت في مايو إلى نحو 300 ألف برميل نتيجة الحرب والحصار، بعد استقرارها عند 1.87 مليون برميل في مارس الماضي. فقد أشارت مصادر إيرانية إلى تحقيق صادرات بنحو 25 مليون برميل من خام النفط في أقلّ من أسبوع عقب الإعلان عن التوصل إلى مذكرة التفاهم، فيما قدَّرت مصادر دولية حجم الصادرات الإيرانية في خلال الفترة ذاتها، بنحو 36 مليون برميل. وإذا أخذنا بالحسبان النفط الذي أُحتِفَظ به نتيجة الحصار الأمريكي على متن شاحنات النفط الإيرانية المتكدسة في الخليج، وفي خزانات النفط التي تمتلكها إيران، فإنه سيكون متوقعاً حينها أنْ تُلامس صادرات النفط الإيرانية نحو 100 مليون برميل في أقلّ من شهر؛ بما يعني مكاسب بحوالي 7 مليارات دولار، يبدو الاقتصاد الإيراني بأمسّ الحاجة إليها في اللحظة الراهنة. أما على مدى أطول فإن انهيار نظام العقوبات نتيجة الاتفاق مع الولايات المتحدة، يعني عودة إيران إلى صادرات عند 2.5 مليون برميل مُقرَّة ضمن الحصص المتفق عليها في “منظمة أوبك”، وهي أعلى بكثير من الحجم الذي توقعته الموازنة العامة الإيرانية من صادرات النفط في نسختها للعام الراهن. لكن ليس كل شيء يقتصر على زيادة المبيعات؛ إذْ من المفترض أنْ يتجاوز تأثير الاتفاق على قطاع النفط الإيراني مسألة زيادة المبيعات، وزيادة الإيرادات إلى مسائل أكثر عُمقاً، من بينها الآتي:

 

1. انتفاء الحاجة إلى “النظام البديل” الذي استند إليه القطاع النفطي الإيراني في خلال مرحلة العقوبات، وبما يؤدي إلى إعادة النفط الإيراني من دائرة “النفط الرمادي” في الأسواق العالمية، إلى دائرة “النفط النظامي”. وكانت العقوبات على كلٍّ من النفط، والشحن البحري، والنظام المالي والمصرفي الإيراني، قد أدت إلى نشوء “نظام خاص” تقوم إيران عبره ببيع النفط، والحصول على مستحقاته. وكان هذا النّظام يكلّف طهران نحو 15% من قيمة النفط المباع. كما يعني ذلك، أن إيران سوف تتلخص من عبء التخفيض المرتفع الذي كانت تلجأ إليه للتسويق لنفطها، حيث كان يبلغ أحيانا نحو 30% من السعر الحقيقي للنفط، وكل ذلك سيعمل على زيادة الإيرادات حتى من دون زيادة المبيعات. كما سيعني من ناحية أخرى، تهاوي تلك “الشبكة البديلة” التي حِيكت من حول مبيعات النفط الإيرانية، والتي تشكّلت من شبكات تهريب، وتفريع، وتبديل الشحنات النفطية والناقلات، وشبكات صرافة، وشركات وهميّة للمساعدة في نقل العائدات النفطية، وشبكات ثقة وارتباط تعمل خارج جسد الحكومة، وخارج النظم الرّقابية المعتادة في إيران.

 

أحدثَ الاتفاق الأولي الإيراني-الأمريكي تفاؤلاً سريعاً في الأسواق الإيرانية؛ انعكس في صعود سوق الأسهم، وتحسُّن العملة (شترستوك)

 

2. عودة قطاع النفط الإيراني إلى دائرة صلاحيات الحكومة الإيرانية؛ وكانت العقوبات قد عملت على إخراج مهمة بيع النفط من دائرة الحقوق الحصرية التي تمتلكها الحكومة، ووزارة النفط. إذ اضطرت الحكومة الإيرانية تحت ضغط العقوبات في خلال الأعوام الماضية إلى التنازل عن حقها الحصري في بيع النفط، والحصول على إيراداته، بغية زيادة إمكانية بيعه؛ بما أدى إلى تحويل حقوق بيع خام النفط إلى جهات في غالبيتها تابعة للمؤسسة العسكرية بشكل عام، و”الحرس الثوري” على وجه التحديد من دون أن تمتلك الحكومة رقابة على أسعاره، وصرف الإيرادات الناجمة عنه. وهو ما أدى على مرّ الأعوام إلى انخفاض نفوذ الحكومة، وتراجع تأثيرها على المشهد الاقتصادي الإيراني، وارتفاع استقلالية المؤسسة العسكرية عن المؤسسة السياسية. غير أن رفع العقوبات سيؤدي على الأرجح إلى استعادة النظام، إذا لم نأخذ بالحسبان المقاومة التي يمكن أن تُبديها المؤسسة العسكرية في وجه الإجراءات التي تُقلِّص نفوذها الاقتصادي.

 

3. إنهاء ظاهرتي “الزبون الحصري” و”المقايضة”؛ إذ يُنهي الاتفاق النهائي في حال التوصل إليه، ظاهرتين أساسيتين تركتا أثراً جوهريّاً في هيكل الاقتصاد الإيراني بشكل عام، والقطاع النفطي بصفة خاصة؛ فهو، أولاً، يقوض دعائم “ظاهرة المقايضة” التي اضطرت إيران إلى اللجوء إليها في ضوء العقوبات المفروضة على نظامها المصرفي والمالي، بما ترك أثراً كبيراً في الاقتصاد المحلي الإيراني، وقلَّص إلى درجات كبيرة حجم الإنتاج الداخلي. وسيؤدي تهاوي نظام المقايضة والعودة إلى إمكانية الحصول على النقد مقابل النفط إلى تغيير واضح في هيكل الاقتصاد الإيراني، بما يقدمه من إمكاناتٍ لتنشيط شبكة الإنتاج المحلي، ورفع الأغلال التي كانت على يد الحكومة في الإنفاق، وفي تشغيل مشاريع التنمية. ومن جهة ثانية، يُفترَض أن يُنهي الاتفاق النهائي ظاهرة “الزبون الحصري” للنفط الإيراني، بما لها من تداعيات على الأسعار، وشروط البيع؛ ففي ضوء العقوبات التي منعت الجهات العالمية من التعاون مع إيران، تحولت شبكة من المصافي الصينية المرتبطة بالحكومة إلى الزبون الحصري لخام النفاط الإيراني؛ إذ تُبيّن المعطيات أنها استحوذت على 90% من مبيعات النفط الإيرانية. وإذا كان إنهاء العقوبات يساعد على تحرير إيران نظريّاً من القيود التي كان يضعها “الزبون الحصري” على حجم المبيعات، وأسعارها، ونسبة الخصم، فإن التجربة تؤكد أن إيران سرعان ما تلجأ إلى تنويع سلة الزبائن للخروج من طائلة تلك القيود. إنه باختصار لا يعني زيادة في الإيرادات النفطية التي يبدو الاقتصاد الإيراني بحاجة إليها فحسب، وإنما يعني خروج النفط الإيراني من دائرة “النفط الرمادي” وعودته إلى قبضة الحكومة/الدولة، وانهيار الشبكة البديلة التي حيكت من حول “النفط والعقوبات”، وشكَّلت دعائم “اقتصاد العقوبات” بما تحمل الكلمة من معانٍ وتداعيات.

 

  • إعادة تشكيل خريطة الشركاء التجاريين لإيران: على الرغم من أهمية النفط، فإن تداعيات الاتفاق النهائي المرتقب بين إيران والولايات المتحدة، لا تقتصر على هذا القطاع، وإنما تتجاوزه إلى طبيعة الاقتصاد الإيراني بشكل عام. وأهم تلك التداعيات يمكن العثور عليها في التغيير الذي يمكن أن يؤدي إليه الاتفاق المرتقب في قائمة شركاء التجارة الإيرانية؛ فقد أدت سنوات من العقوبات إلى تغيير جوهري في خريطة أهم شركاء التجارة الإيرانية، باعتباره انعكاسا لـ “اقتصاد العقوبات”. وتُظهِر المعطيات أن حجم التبادل التجاري مع المجموعة المرتبطة بالاقتصاد الغربي انخفض نتيجة العقوبات المفروضة على إيران من 56.3% من إجمالي التبادل التجاري في 2001 إلى 16% في 2013، ثم إلى 8.3% في 2020، فيما ارتفع حجم التبادل التجاري مع كتلة مكونة من الصين والإمارات وتركيا وروسيا وأفغانستان من 43% في 2001 إلى 84% في 2013، و91.7% في 2020. وفي السياق ذاته، أدَّت الظروف الناجمة عن العقوبات إلى تقليص خريطة شركاء التجارة الإيرانية، وحصر جزء كبير منها على حلقة البلدان المجاورة؛ إذ تُبيِّن المعطيات أن نحو نصف التجارة الخارجية الإيرانية تمت مع مجموعة من هذه البلدان، بينما بلغ التبادل التجاري معها في عام 1403 الإيراني (2023-2024) نحو 74 مليار دولار من أصل 130 مليار دولار، بما يعني استقراره عند أكثر من 56% من إجمالي التبادل التجاري الإيراني. وبينما تُظهِر التجربة التاريخية أن إيران تمتلك رغبة كبيرة في العودة إلى تنويع الشركاء وإنعاش التبادل التجاري مع الاقتصادات الغربية، فإن من الوارد جداً أن يؤدي الاتفاق مع الولايات المتحدة إلى تغييرٍ واضح في خريطة شركاء التجارة التي أفرزها “اقتصاد العقوبات” والخروج من دائرة الاقتصاد المتمركز على الجيران، والعودة إلى تنمية العلاقات مع الاقتصادات الغربية.

 

يُعدُّ النفط المدخل الأهم لإعادة هيكلة الاقتصاد الإيراني (تعبيرية/شترستوك)

 

  • عودة تدفُّق الاستثمارات الخارجية إلى السوق الإيرانية: سيترك الاتفاق المحتمل بين الولايات المتحدة وإيران في حال نجاح وصمود مباحثاتهما في وجه العراقيل والعَقَبات المتوقعة، آثاراً جوهرية في تدفق الاستثمارات الخارجية إلى الاقتصاد الإيراني، وهو الأمر الذي أشارت إليه مذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين، عبر التأكيد على إنشاء صندوق استثمارات بقيمة 300 مليار دولار. وكانت العقوبات قد خلّفت حالة من “التعطش للاستثمارات الخارجية” نتيجة الاختلال الكبير الذي ظهر في موازنة الطب والإنتاج؛ إذ توقفت عجلة التنمية لأكثر من ثلاثة عقود من العقوبات، حُرمت خلالها الأسواق الإيرانية من مئات مليارات الدولار من الاستثمارات الخارجية المتوقعة أو المفترضة في الحالة الطبيعية. بل تُظهِر الأرقام أن تراجُع أداء الاقتصاد الإيراني قد أدَّى إلى مسار معكوس لحركة رأس المال والكفاءات؛ إذ أنتج ظاهرتي “هروب رؤوس الأموال”، و”هروب الكفاءات” من الاقتصاد الإيراني. وتؤكد المصادر الرسمية اليوم أن قطاع النفط والبتروكيماويات الإيراني وحدهما يحتاجان إلى نحو 300 مليار دولار من الاستثمارات للحفاظ على الرشاقة، ومستويات الإنتاج الطبيعية، بينما تُبيّن المعطيات أن تحقيق الأهداف التي وضعها صانع القرار الإيراني في برنامجه للتنمية، يحتاج إلى نحو 875 مليار دولار من الاستثمارات في غضون خمسة أعوام. وفي حين سيؤدي تدفق الاستثمارات إلى خلق عدد كبير من الوظائف، وتحسين المؤشرات الاقتصادية الأساسية، فإنه سيترك أثراً جوهريّاً في طبيعة الاقتصاد في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، سواءً عبر التأثير الذي يتركه دخول إيران إلى مسار التنافس الاقتصادي مع بلدان الشرق الأوسط أو بواسطة الانطباع الذي يتركه على الاقتصادات الخليجية، حين يفتح لها سوقاً كبيرة للاستثمارات.

 

وبطبيعة الحال سوف يحتاج تدفق الاستثمارات إلى الاقتصاد الإيراني إلى ما هو أكثر من الاتفاق مع الولايات المتحدة، أو إنهاء/تخفيف العقوبات؛ إذ سيكون بحاجة إلى تغيير في التشريعات الاقتصادية في إيران، بما يتناسب مع استقبال رؤوس الأموال، وضمان أمنها، كما سيكون بحاجة إلى رأب الصدع مع المؤسسات المالية العالمية مثل “مجموعة العمل المالي الدولية (FATF)” للخروج من قائمتها السوداء. كما سيتطلب وضع حلول لعقبات جانبية أخرى، مثل وجود “الحرس الثوري” على لوائح المنظمات الإرهابية في عدة بلدان، بما يعد عقبة أمام تعاون الشركات العالمية مع العديد من المؤسسات الاقتصادية الإيرانية التي ترتبط بدرجات مختلفة مع “الحرس الثوري”. لكنّه في المجمل، سيكون دفعة قوية تدفع المشهد الاقتصادي الإقليمي نحو إعادة ترتيب المسارات الاقتصادية، بما يتناسب مع وجود الاقتصاد الإيراني وتنافسيته الصاعد، وبوصفه السوق الواعدة الجديدة للاستثمارات. لكنها في الحين ذاته سوف تدفع الاقتصاد الإيراني نحو الخروج من حالة التهالك التي يعيشها، وتحسين المؤشرات الاقتصادية، كما تدفعه إلى إعادة ترتيب الأوراق بما يمكن أن يضر بمكانة بعض القطاعات، خصوصاً تلك المرتبطة بالمجال العسكري، والمؤسسات الثورية.

 

آفاق الاقتصاد الإيراني في ظل المفاوضات الحالية: سيناريوهات محتملة

السيناريو الأول: نجاح مسار المفاوضات، وبدء مسار الانفتاح الإيراني على الاقتصاد العالمي؛ ففي حال نجاح مسار المفاوضات بالتوصل إلى “اتفاق نهائي” بين الولايات المتحدة وإيران، ونجاح القوى السياسية الداعمة له في إيران بفرض رؤيتها للانفتاح الاقتصادي في المشهد الداخل، حينها يمكن توقُّع تغييرات هيكليّة في ملامح الاقتصاد الإيراني، كما يمكن توقُّع تغييرات كبيرة في خريطة الشراكات، والتفاعلات الاقتصادية الإقليمية؛ بما يُغير بشكل لافت ملامح المشهد الاقتصادي الإقليمي، سواء من طريق إعادة رسم علاقات التنافس الاقتصادي أو عبر فتح أبواب سوق اقتصادية واسعة، ومتعطّشة لاستقبال رؤوس الأموال العالمية، والإقليمية. وفي رؤية أكثر تفاؤلاً، سيكون مثل هذا الاتفاق، مدخلاً إلى عهد اقتصادي جديد في إيران، يتضمن تحسيناً للمؤشرات الاقتصادية، وتغييراً في طبيعة النموذج الاقتصادي، وتقليصاً لدور المؤسسات العسكرية/الثورية في الاقتصاد. وكلّ ذلك سيكون فاتحةً لعهد إقليمي جديد، تنتقل فيه المنطقة إلى “العصر الجيو-اقتصادي” عبر نقل مركز علاقات التنافس/الصراع مع إيران من المجال السياسي والعسكري إلى المجال الاقتصادي.

 

وعلى الرغم من أن المشهد يبدو منفتحاً على هذا الانتقال الكبير؛ إذ يبدي الجانبان الإيراني والأمريكي رغبةً في إنجاح مفاوضاتهما، فإن مسار الانفتاح الاقتصادي الإيراني سيُواجه عقبات لا يستهان بها، مثل المقاومة التي يمكن أن تُبديها المؤسسات المتنفذة التي أفرزها “اقتصاد العقوبات”، والتي تَعُدُّ الاتفاق تحدّياً لمنافعها، وذلك إلى جانب عقبات أخرى تجب معالجتها، مثل وجود “الحرس الثوري” على لوائح التنظيمات الإرهابية العالمية، أو المشكلات التي يُواجهها النظام المصرفي الإيراني نتيجة بقائه على اللائحة السوداء لـ “مجموعة العمل المالي الدولية (FATF)”.

 

من المتوقع أن يُفضي رفع العقوبات عن إيران إلى تغيير جذرية لخريطة شركائها التجاريين والاستثمارات فيها (أ.ف.ب)

 

السيناريو الثاني: إخفاق المفاوضات الراهنة، والعودة إلى مسارات التصعيد؛ ويفترض مثل هذا السيناريو أن المفاوضات الجارية مجرّد حلقة أخرى، تضاف إلى حلقات الفشل في رأب الصدع الإيراني/الأمريكي، وإنهاء العقوبات، أو استراحة بين معركتين، أو مجرّد رغبة بالابتعاد عن خط التوتر المسلح، بما ترتب عليه من أعباء اقتصادية، وسياسية، والعودة إلى خطوط التوتُّر السياسي والعسكري. والحصيلة ستكون واحدة، وهي: فشل المحاولة الراهنة، وإضافتها إلى ركام المحاولات السابقة، وبقاء الاقتصاد الإيراني معزولاً عن الاقتصاد العالمي؛ ما سيؤدي إلى استمرار الأزمة الاقتصادية التي تشهدها إيران، واقتراب إيران أكثر فأكثر من نموذج “الدولة الفاشلة” الذي حذَّر منه نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، قبيل سفره إلى سويسرا للمشاركة في جولة المفاوضات الأخيرة مع إيران. وعلى الرغم من وجود ما يدعم هذا السيناريو المتشائم فإنّ القلق داخل النظام السياسي الإيراني من تداعيات استمرار الأزمة الاقتصادية، والقلق العالمي من تداعيات تحول إيران إلى “بؤرة عدم استقرار”، أو “دولة فاشلة” ذات نزعة أيديولوجية، يمكن أن يَحوْلا دون تحقيق هذا السيناريو.

 

السيناريو الثالث: النجاح الجزئي للمفاوضات عبر الاتفاق على ملفات بعينها؛ ويفترض سيناريو كهذا ألّا تستطيع المحاولات الراهنة إنجاح التفاهم/الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة بشكل كامل، لكنّها تنجح في حلّ بعض الخلافات، بما يؤدي إلى تخفيف العقوبات. ولعلّه السيناريو الأكثر التصاقاً بالواقع حاليّاً، على الرغم من العقبات التي تقف في طريقه، والتي يتمثّل أهمها في إمكانيّة “فرز الملفات الخلافية المترابطة” إلى حد بعيد، وتحقيق التصالح على بعضها دون الآخر. ويمكن أن يفتح هذا السيناريو أبواباً في وجه الاقتصاد الإيراني، تُبعِدها عن مشارف الانزلاق إلى نموذج “الدولة الفاشلة”، وتُبعِد عنها شبح الاضطرابات السياسية، مقابل تراجُع التهديد الذي تمثله إيران للمشهد الإقليمي. وقد يعني ذلك انفتاحاً محدوداً للاقتصاد الإيراني على بعض الاستثمارات الدولية، والإقليمية الباحثة عن أسواق جديدة.

 

الخُلاصة 

أظهرت الأسواق الإيرانية تفاعلاً إيجابيّاً كبيراً مع أنباء توصُّل الجانبين الإيراني والأمريكي إلى مذكرة التفاهم الأولية بينهما. ولم يكن مُفاجئاً أنْ تستجيب الأسواق الإيرانية بهذا القدر من التلهُّف مع “مذكرة تفاهم” تفتح الباب أمام اتفاق نهائي مع الولايات المتحدة؛ فهذا التفاهُم الأولي كان يعني الحصول على مزيد من الإيرادات النفطية، وتحرير الأرصدة المجمدة لمعالجة الأزمة الخانقة التي يمرّ بها الاقتصاد الإيراني. لكنّه في الحين ذاته، يعني انتقالاً محتملاً للاقتصاد الإيراني من حالة العقوبات إلى حالة الاندماج في الاقتصاد العالمي، بكل ما تعنيه الكلمة من تحول هيكلي في حجم الاقتصاد، والمؤسسات التي أفرزها على مرّ أعوام طوال من الخضوع للعقوبات التي لم تقتصر على النفط، وإنما شملت الصناعة، والموانئ، والنقل، كما شملت القطاع المالي.

 

وسواء في مجال النفط أو في مجالات أخرى، فإن تداعيات “الاتفاق النهائي” المحتمل بين إيران والولايات المتحدة، لن تقتصر على زيادة الإيرادات الحكومية نتيجة ارتفاع مبيعات النفط أو تحرير الأرصدة المجمدة؛ إذ سيحمل الاتفاق ما هو أبعد، وأعمق من ذلك، عبر التأثير على طبيعة الاقتصاد الإيراني الذي تكيّف على مرّ أعوام طويلة مع العقوبات، وتحول إلى “اقتصاد عقوبات”، أو “اقتصاد ظل”، بحيث أفرز مؤسسات مختصة في الالتفاف على العقوبات، وأعاد رسم خريطة شركائه بما يتناسب معها، وانقطعت الصلات بينه، وبين الاقتصاد العالمي.

 

وعلى الرغم من النتائج الإيجابية الكبيرة المتوقعة من “مسار الانفتاح الاقتصادي” بسبب ما يحمله من تغييرات هيكليّة للاقتصاد الإيراني، والتي طال انتظارها في الداخل الإيراني، وما يُبشِّر به من تحسين للمؤشرات الاقتصادية الكُبرى، لكنّ مسار الانفتاح المحتمل، سيواجه – على الأغلب – عقباتٍ جمّة، قد تحول دون تحقيق هذه الغايات حتى إذا رُفعت العقوبات بالكامل، أو جرى تخفيفها؛ فالاقتصاد الإيراني الذي أعيد تشكيله في خلال عصر العقوبات على مدى الأعوام الماضية، أنشأ طبقة اقتصادية واجتماعية تعيش على حالة العقوبات، وتمتلك هذه الطبقة اليوم نفوذاً كبيراً في مطبخ القرار الإيراني، كما أدى إلى انخراط مؤسسات عسكرية/ثورية، على رأسها “الحرس الثوري” في نشاط اقتصادي واسع النطاق، أريد منه التحايل على العقوبات، لكنّه تحوّل إلى مكاسب استراتيجية للمؤسسة العسكرية/الثورية، سمحت بتوسُّع أدوار هذه المؤسسة، على مختلف الصُّعُد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

 

وعليه، فإن من المرجّح أن يواجه الاتفاق المحتمل بين الولايات المتحدة وإيران” مقاومةً لا يمكن الاستهانة بها، من جانب هذه المؤسسة العسكرية/الثورية، ومن جانب دوائر المصالح، والمنافع، المُتشكِّلة حول “اقتصاد العقوبات”. إذ سيؤدي الانفتاح الاقتصادي المتوقع نتيجة مثل هذا الاتفاق إلى تراجُع نفوذ هذه المؤسسات البديلة التي أفرزها “اقتصاد العقوبات”؛ ما سيشكّل تحدّياً رئيساً ينبغي على مسار الاتفاق أنْ يتغلّب عليه، إذا أُريد له النجاح.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M