نورد ستريم 2: الوجه الاقتصادي للصراع الروسي الأمريكي في أوروبا

عبد الامير رويح

 

مشروع خط أنابيب الغاز “نورد ستريم 2″، الذي ينقل الغاز الروسي مباشرة إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق، والذي تعمل الولايات المتحدة على عرقلته عبر فرض عقوبات على الشركات المشاركة فيه. خشية من تزايد النفوذ الروسي في سوق الطاقة الأوروبية. مايزال محط اهتمام واسع خصوصاً وان هذا المشروع الذي تؤيده ألمانيا وتنتقد الموقف الامريكي، تعارض دول أخرى في الاتحاد الأوروبي. حيث تم استئناف العمل في المشروع منذ بعد توقف استمر لمدة عام. وثمة تهديد بفرض عقوبات أمريكية جديدة بعد العقوبات التي تم فرضها قبل عام، وتحتاج العقوبات الجديدة إلى موافقة الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترمب.

هذه المخاوف وكما نقلت بعض المصادر ليست جديدة، فطالما كان للغاز الطبيعي القادم من الاتحاد السوفياتي ثم روسيا بعد تفكك الاتحاد، دور حاسم في تشغيل الاقتصاد الأوروبي لعقود، وهو ما يزيد المخاوف الأميركية من توسع النفوذ السياسي للكرملين في أوروبا عبر هذا الشريان المهم، ومن ثم تسعى واشنطن بشكل لا هوادة فيه لعرقلة مشروع (نورد ستريم 2) عبر فرض مزيد من العقوبات على الشركات المشاركة في المشروع، وفي الوقت نفسه تدعم بقوة تطوير غاز شرق المتوسط وتصديره إلى أوروبا ليحلّ بديلاً للروسي.

وفي وقت سابق كادت أن تندلع أزمة ديبلوماسية بين واشنطن وبرلين، جراء تعليقات للرئيس الأميركي دونالد ترمب، اتهم فيها ألمانيا بأنها أسيرة لروسيا عبر صفقات الغاز. وقال ترمب “أعتقد أنه من المحزن للغاية أن تجرى ألمانيا صفقة نفط وغاز ضخمة مع روسيا في الوقت الذي يفترض أن نحترس منها (روسيا) “. وأضاف الرئيس الأميركي أنه “من المفترض أن نحتمي من روسيا، لكنهم يدفعون مليارات الدولارات لها. أعتقد أن ذلك غير مناسب للغاية”. وتابع القول “إن ألمانيا، بقدر ما أشعر بالقلق، أسيرة لروسيا” وحثثت الناتو على النظر في القضية.

وسرعان ما ردت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل مشددة على أن بلادها تتخذ قراراتها بنفسها. وقالت “لقد اختبرت بنفسي وعشت عندما كانت ألمانيا تحت سيطرة الاتحاد السوفياتي، وأنا سعيدة جداً اليوم بأننا متحدون في الحرية كجمهورية ألمانيا الاتحادية، ويمكننا بالتالي القول إننا نستطيع تحديد سياساتنا الخاصة، واتخاذ قراراتنا الخاصة وهذا جيد جداً”.

وأعرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن اعتقاده عدم وجود خطر على مشروع نورد ستريم 2، رغم التهديد بفرض عقوبات أمريكية جديدة، وقال بوتين “إن المشروع في حكم المكتمل”. وقال بوتين “إن مشروع نورد ستريم 2 هو مشروع اقتصادي بحت”، وأعرب عن أمله في أن تحترم الحكومة الأمريكية الجديدة مصالح الحلفاء وأن تعود مرة أخرى إلى تنافس عادل في العالم، “فمن الواضح أن الاقتصاد الألماني سيستفيد من هذا المشروع”.

واتهم بوتين الأمريكيين بأنهم يسعون إلى منع توريد الغاز الروسي إلى أوروبا لكي يبيعوا غازهم المسال عالي التكلفة بدلا من الغاز الروسي، محذرا من أنه في حال فشل مشروع نورد ستريم فإن ذلك سيعني أن الطاقة في ألمانيا ستزداد تكلفتها. وتعتزم الإدارة الأمريكية إعاقة استكمال هذا الخط الذي انتهى جزء كبير منه، وتهدد بفرض عقوبات على الشركات المشاركة فيه.

ورفض الاتحاد الأوروبي وألمانيا وروسيا وصربيا العقوبات الأمريكية ضد الشركات المشاركة في مشروع “نورد ستريم 2”. لكن أوكرانيا وبولندا ودول البلطيق تخشى أن يزيد “نورد ستريم 2” نفوذ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عبر تمكين موسكو من تعزيز سيطرتها على تدفق الطاقة. وعلى الرغم من خلافاتها السياسية مع روسيا، ترى ألمانيا أن “نورد ستريم 2” يضمن لها مصدرا للطاقة صديقا للبيئة وأكثر استقرارا في وقت تبتعد فيه عن الفحم والطاقة النووية. وتشكل العقوبات ضغطاً على بعض شركات الطاقة الأوروبية.

وتهديدات واشنطن المتزايدة بفرض العقوبات ضد الشركات العاملة في (نورد ستريم 2) أثارت إدانة سريعة من القادة الأوروبيين، الذين وصفوه بأنه تدخل في حقهم السيادي في وضع سياسة الطاقة. وعلّق وزير الخارجية الألماني هيكو ماس ، بأن “الإدارة الأميركية لا تحترم حق أوروبا وسيادتها في أن تقرر بنفسها أين وكيف نحدد مصادر طاقتنا”. وقال رئيس السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، إنه “قلق للغاية من الاستخدام المتزايد للعقوبات، أو التهديد بفرض عقوبات من قبل الولايات المتحدة ضد الشركات والمصالح الأوروبية.” لكن يعتقد مراقبون أن المعركة حول (نورد ستريم 2) ستستمر وتتسع حتى بعد تغير ادارة ترامب وهو ما قد يسهم في خلق توترات وازمات جديدة قد تعيق عمل الرئيس الامريكي المنتخب جو بايدن الذي يسعى الى تصحيح اخطاء الادارة السابقة.

واكتشافات الغاز الهائلة في شرق البحر المتوسط، أثارت الآمال لتحول المنطقة إلى مركز لتصدير الطاقة لأوروبا لتحل بديلاً عن الغاز الروسي. وفي عام 2019 أعربت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عن دعمهما لبناء خط أنابيب “إيست ميد” الذي يمتد تحت البحر المتوسط مسافة 1900 كيلومتر، من إسرائيل وقبرص شرقاً إلى اليونان بكلفة تصل إلى سبعة مليارات دولار. ولكن بينما يستغرق بناء خط أنابيب (EastMed) ما يقارب سبع سنوات، ويواجه الأمر تحدياً تقنياً وفنياً في ظل الحاجة إلى مد الأنابيب في المياه العميقة للغاية.

ومن ثم يرى المحللون أن هناك مجموعة من البدائل لخط الأنابيب، وعلى رأسها مصر، باعتبارها البلد الوحيد بين دول المنطقة التي تمتلك منشآت تسييل الغاز، إذ يمكن نقله عن طريق السفن وتوفير منفذ تصدير إلى أوروبا وآسيا. كما أن التوترات في البحر المتوسط وسط مزاعم تركية في المناطق الاقتصادية التابعة لقبرص واليونان، تزيد العراقيل أمام مدّ خط إيست ميد.

عمل مستمر

قال اتحاد شركات نورد ستريم 2 الذي تقوده روسيا إنه انتهى من إرساء الأنابيب للمشروع في المياه الألمانية مستكملا العمل في جزء بطول 2.6 كيلومتر من خط الأنابيب الذي تعثر بسبب تهديد بعقوبات أمريكية. وقال اتحاد الشركات في بيان بالبريد الالكتروني “أتممنا هذا العمل” مشيرا إلى إرساء الأنابيب في المنطقة الاقتصادية الألمانية. وفي وقت سابق ، أظهرت بيانات رفينيتيف إيكون أن سفينة إرساء الأنابيب الروسية فورتينا غادرت موقع تشييد خط أنابيب الغاز نورد ستريم 2 في القطاع الألماني في بحر البلطيق.

واستأنفت فورتينا في وقت سابق العمل في خط الأنابيب الذي سيضخ الغاز مباشرة من روسيا إلى غرب أوروبا، متجاوزا أوكرانيا. وجرى تعليق العمل لمدة عام بسبب مخاطر عقوبات من الولايات المتحدة. وسيجعل خط الأنابيب أوروبا الغربية أكثر اعتمادا على الغاز الروسي وتقول واشنطن إنه سيكون له تأثير سلبي على أمن الطاقة لأوروبا. ومن المنتظر أن تواصل فورتينا تشييد خط الأنابيب في المياه الدنمركية.

وما زال أمام اتحاد الشركات الذي يبني خط الأنابيب والذي يقوده عملاق الغاز الروسي جازبروم مع شركاء غربيين، أن يقوم بإرساء أكثر من 100 كيلومتر من الأنابيب، رغم أن المشروع أكتمل بنسبة تزيد على 90 بالمئة. وقال مسؤولون كبار بالإدارة الأمريكية إن واشنطن تحث حلفاء أوروبيين وشركات خاصة على وقف العمل الذي قد يساعد في بناء خط الأنابيب وتستعد لفرض عقوبات أوسع على المشروع. وتهدد الإجراءات التي وقّع عليها الرئيس الأميركي دونالد ترامب أواخر العام الماضي بتجميد أصول وفرض قيود على التأشيرات بحق الشركات المنخرطة في عملية البناء.

حرب العقوبات

وفي وقت سابق حذر وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو المستثمرين في مشروعين روسيين لأنابيب الغاز الطبيعي من أنهم قد يواجهون عقوبات وأبلغ بومبيو أن المستثمرين الأوروبيين في مشروع خط أنابيب ”نورد ستريم 2“وفرع لخط أنابيب ”ترك ستريم“ قد يتعرضون لخطر عقوبات بموجب قانون أمريكي صدر في عام 2017 . وقال بومبيو ”هذا تحذير واضح إلى الشركات التي تساعد وتشجع مشاريع لنفوذ خبيث لروسيا بأنه لن يكون هناك تسامح معها. إما أن تخرجوا الآن أو تواجهوا خطر العواقب.“

ولدى الولايات المتحدة تخمة من الغاز الطبيعي وتحاول تصدير الغاز المسال إلى أوروبا. وتدعم أيضا مساعي لأوروبا لتنويع وارداتها من الغاز الطبيعي المسال من مصادر أخرى، بما في ذلك النرويج. وفي روسيا، نقلت وكالة تاس للأنباء عن المتحدثة باسم وزارة الخارجية ماريا زاخاروفا إن العقوبات على خطي أنابيب الغاز تعتبر ضغطا سياسيا. وقالت زاخاروفا ”هذا هو استخدام للضغط السياسي من أجل منافسة غير نزيهة… إنه مؤشر إلى ضعف النظام الأمريكي.“

من جانب اخر قال حليف للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إن مشروع قانون مطروح في مجلس الشيوخ الأمريكي يسعى لتوسعة عقوبات على خط أنابيب نورد ستريم-2 الروسي للغاز الطبيعي الممتد إلى أوروبا سينتهك القانون الدولي. وقال وزير الاقتصاد بيتر ألتماير ”لطالما نظرت الحكومة الألمانية إلى العقوبات التي تتجاوز إلى خارج الحدود الإقليمية على أنها تنتهك القانون الدولي ولا تساهم في التعاون العالمي“.

كما أعلن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أن بلاده ستموّل مشاريع في قطاع الطاقة تبلغ قيمتها مليار دولار في دول شرق ووسط أوروبا لتعزيز استقلالها في قطاع الطاقة في مواجهة روسيا. وصرّح بومبيو خلال مؤتمر “في إشارة إلى دعم سيادة أصدقائنا الأوروبيين وازدهارهم واستقلالهم في مجال الطاقة (…) تنوي الولايات المتحدة منح ما تصل قيمته إلى مليار دولار لتمويلات لدول وسط وشرق أوروبا الأعضاء في مبادرة البحار الثلاثة” التي تشمل 12 دولة من أعضاء الاتحاد الأوروبي.

وأضاف “نريد تحفيز استثمار القطاع الخاص في قطاعاتهم للطاقة بهدف حماية الحرية والديموقراطية في العالم”. وتجمع مبادرة البحار الثلاثة 12 دولة من الاتحاد الأوروبي تطلّ على بحر البلطيق والبحر الأدرياتكي والبحر الأسود. وتمتدّ من إستونيا وبولندا شمالاً إلى كرواتيا جنوباً ورومانيا وبلغاريا شرقاً. بحسب فرنس برس.

وتهدف هذه المبادرة إلى تعزيز التعاون بين أعضائها في مجالات الطاقة والبنى التحتية والأمن خصوصاً في مواجهة روسيا التي يعتبرها عدد من الدول الأعضاء تهديداً مباشراً. وتعترض هذه الدول على غرار الولايات المتحدة، خصوصا على مشروع أنابيب غاز “نورد ستريم 2” (السيل الشمالي 2) الذي يهدف إلى مضاعفة عمليات إرسال الغاز الروسي بشكل مباشر إلى دول غرب أوروبا مروراً في بحر البلطيق وصولاً إلى ألمانيا ومتجاوزاً بذلك شرق القارة.

مشاريع واتفاقات

في السياق ذاته دشن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين رسميا خط الأنابيب التركي للغاز (تورك ستريم)، الذي يرمز الى تقاربهما وسينقل الغاز الروسي الى تركيا وأوروبا. وخلال حفل في اسطنبول، وصف إردوغان تدشين خط الغاز، القادر على نقل 31,5 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنوياً، بأنه “حدث تاريخي للعلاقات التركية-الروسية وخريطة الطاقة الاقليمية”. وقال بوتين من جهته إن “الشراكة بين روسيا وتركيا تتعزز في كل المجالات رغم جهود من يعارضونها”.

وبعد كلمتيهما، فتح الرئيسان صماماً رمزياً لأنبوب غاز للإشارة إلى بدء العمل بهذا الخط. ويرمز هذا المشروع الذي بدأ بناؤه العام 2017 إلى التقارب القوي في العلاقات بين روسيا وتركيا بعد أزمة دبلوماسية العام 2015. ومع بدء العمل بخط أنابيب الغاز الجديد، تؤمن تركيا تغذية مدنها الغربية الكبرى التي تستهلك كمية كبيرة من الطاقة، وتفرض نفسها كذلك كممر أساسي للطاقة.

ويتيح المشروع لروسيا تغذية جنوب وجنوب غرب أوروبا بالغاز بدون الحاجة إلى المرور بأوكرانيا التي كانت الممر الرئيسي للغاز الروسي إلى أوروبا سابقاً، لكن ذلك تبدل مع تدهور العلاقات بين كييف وموسكو بشكل كبير منذ ضمّ روسيا لشبه جزيرة القرم وبدء النزاع مع الانفصاليين في شرق أوكرانيا عام 2014. ويتألف الخط التركي من أنبوبين متوازيين بطول 930 كلم، يصلان أنابا في روسيا ببلدة كييكوي في شمال غرب تركيا.

وبدأ بتغذية بلغاريا المحاذية لتركيا، وسيجري توسيع نطاق عمله تدريجاً نحو صربيا والمجر. ويأتي تدشين خط الغاز في ظل ازدياد التوتر في ليبيا وسوريا، البلدين اللذين لا تلتقي فيهما المصالح الروسية والتركية. وقال إردوغان خلال الحفل “مع روسيا، لم ندع خلافاتنا الأخيرة في وجهات النظر تضر بمصالحنا المشتركة”. كما أعلنت روسيا وأوكرانيا بنود اتفاق جديد لنقل الغاز ستمد بموجبه موسكو أوروبا بالغاز لمدة خمس سنوات إضافية على الأقل عبر أراضي أوكرانيا وستدفع لكييف 2.9 مليار دولار لإنهاء نزاع قانوني بين البلدين.

ويمثل الاتفاق انفراجة كبرى للدولتين اللتين تسعيان لحل نزاعاتهما المتعلقة بمنطقة دونباس في شرق أوكرانيا وبشأن شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا في 2014. وبموجب الاتفاق الجديد سوف تستخدم جازبروم الروسية، التي تمد أوروبا بما يزيد عن ثلث احتياجاتها من الغاز، وكيلا لحجز مرور 225 مليار متر مكعب من الغاز عبر أوكرانيا على مدى خمس سنوات.

وقالت جازبروم إن 65 مليار متر مكعب من تلك الكمية الإجمالية ستنقل في 2020 وستنخفض إلى 40 مليار متر مكعب في السنوات التالية. كما ستدفع جازبروم 2.9 مليار دولار لأوكرانيا في إطار التسوية. وفي المقابل من المتوقع أن توقع أوكرانيا تسوية قانونية وتسقط كل المطالبات القائمة بهدف حل الأمر قبل انتهاء أمد اتفاق الإمداد الحالي. وقال وزير الطاقة الأوكراني أليكسي أورجيل إن الاتفاق الجديد يعطي الطرفين خيار تمديد فترة الخمس سنوات لعشر سنوات أخرى. وأضاف أن رسوم نقل الغاز الروسي ستزيد.

 

رابط المصدر:

https://annabaa.org/arabic/economicreports/25868

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M