هل تحول الفيس بوك الى فضاء للحمقى؟

دلال العكيلي

منذ أن أطلق المفكر والروائي الإيطالي أمبرتو إيكو (1932-2016) عبارته الشهيرة واصفاً شبكات التواصل الاجتماعي “بفضاء الحمقى” والجميع يردد هذه العبارة الوازنة سياسياً وأخلاقياً وثقافياً، كلما حانت ساعة نقد “ثقافة” شبكات التواصل الاجتماعي وجنودها. لكن يبدو أن “هؤلاء الحمقى”، يوماً بعد آخر، أصبحوا يدركون جيداً أهدافهم ويعرفون جيداً أصدقاءهم وأعداءهم، وبالتالي تحولوا إلى جيش منظم من “قطاع الطرق” على شبكات التواصل وإلى “زارعي الفتن” بامتياز.

يعبُر العالم الإعلامي والثقافي على المستوى السياسي والفكري فترة من الفوضى التكنولوجية والأخلاقية العارمة، التي تكاد أن تصبح غير متحكم فيها، وفي هذه الفوضى وباسم الحرية تتعرض مجموعة من القيم الإنسانية للانتهاك الصريح والمباشر، وفي ظل هذه الفوضى أيضاً يتم توزيع قيم فاسدة والدفاع عنها وإقصاء قيم أخرى ومحاصرتها، كل ذلك باسم “الديمقراطية” و”حرية الرأي” و”حرية التعبير”.

إن الخلل الأخلاقي والسياسي والثقافي المنتشر على فيسبوك وشبكات التواصل الاجتماعي بشكل عام، يمكن أن نجد له تفسيراً في التعميم والتوزيع “الطفروي” للثورات التكنولوجية في المجتمعات المتخلفة والنامية، لقد أصبح فيسبوك وفي ظرف قصير جداً سلوكاً ثقافياً شعبياً، أو يكاد، وقد حصل ذلك في غياب توزيع القيم الثقافية والفلسفية الضرورية لمثل هذه الحالة الحضارية المدينية الخطيرة.

إن توفر ديمقراطية توزيع نِعَم التكنولوجية قد تعود بالسلب على مجتمعات لم تعرف ولم تمارس يوماً ما ثقافة الديمقراطية السياسية والإعلامية والدينية في الممارسة الحياتية اليومية، فحرية التعبير ليست الفوضى، الحرية هي توأم الديمقراطية، والديمقراطية ليست اضطهاد الأكثرية للأقلية، الديمقراطية ليست ديكتاتورية الأكثرية ضد الأقليات بالاستناد إلى مرجعية “الكم أو العدد”.

لقد وضعت التكنولوجيا الحديثة الجميع في خانة واحدة وعلى منصة واحدة، في لعبة واحدة، لكن الكثير من اللاعبين الموجودين على الميدان لا يعرفون قوانين اللعبة أو لا يؤمنون بقوانين اللعبة، فهناك لاعبون صُنعوا وتكوّنوا داخل مسيرة شعوب تشكلت داخل بنيات الثقافة والقيم الإنسانية وحقوق الإنسان، ولاعبون آخرون، على الملعب نفسه، تكوّنوا في مجتمعات ثقافة القهر والقمع والكراهية والقتل والانتقام، تحوّلت شبكات التواصل الاجتماعي من منصات للحرية الفردية والجماعية، منصات للتواصل والتوعية والمقاومة والدعوة للتعايش، إلى منصات لتجييش البعض ضد البعض الآخر، إلى منصة لتوزيع ثقافة الكراهية والدم بين الشعوب ومرات بين أبناء الشعب الواحد.

راقب استخدامك قبل أن تنقلب حياتك

كشفت دراسة أمريكية حديثة أن الاستخدام المفرط لمواقع التواصل الاجتماعي وفي مقدمتها فيسبوك يتسبب في بعض الاختلالات السلوكية المشابهة للموجودة لدى مدمني الكوكايين والهيرويين ما ينعكس على قدرتهم على اتخاذ القرارت الصحيحة، يقضي الكثير من مستخدمي التواصل الاجتماعي وقتاً طويلاً في تصفح ما يجود به شريط أخبار موقع فيسبوك على اختلافها، منصرفين عن اهتمامات حياتية أخرى، ليصل الأمر في بعض الحالات إلى إدمان مفرط لا يمكن التخلص منه ويترك أثاراً على قرارتهم.

فقد توصلت دراسة لجامعة “ميشيغان” الأمريكية حول تأثير الاستخدام المفرط لمواقع التواصل الاجتماعي على قدرة المستخدمين على اتخاذ القرارات الصحيحة إلى أن الأشخاص الذين يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي مثل “فيسبوك” بإفراط يعانون من بعض الاختلالات السلوكية المشابهة للموجودة لدى مدمني الكوكايين والهيرويين، وطلبت الدراسة التي حملت عنوان “مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي بإفراط أقل قدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة”، من 71 مشاركاً إحصاء معدل استخدامهم لموقع فيسبوك تبعا لقياس يعرف باسم “مؤشر بيرغن لقياس إدمان فيسبوك”.

كما استخدم الباحثون الأداة البحثية الكلاسيكية المعروفة باسم “آي.جي.تي” والتي تقيس الفشل في اتخاذ القرارات الصائبة وأظهرت الدراسة أن أداء المستخدمين الذين يعتبرون أنفسهم مستخدمين مفرطين لفيسبوك، في عملية اتخاذ القرار كان أسوأ من نظرائهم الأقل استخداماً للشبكة أثناء ممارسة لعبة “آي.جي.تي”، التي تستخدم للكشف عن مجموعة كبيرة من الاختلالات العضوية والسلوكية من المصابين في الفص الأمامي للمخ إلى إدمان الهيرويين، لكن استخدامها لقياس إدمان مواقع التواصل الاجتماعي خطوة جديدة، وأشار موقع “تك كرانش” المتخصص في موضوعات التكنولوجيا إلى أنه رغم ضيق نطاق الدراسة المنشورة في دورية “مجلة الإدمان السلوكي” العلمية فإن نتائجها مثيرة للاهتمام وتتيح مسارات قليلة لأبحاث تالية في هذا المجال.

الأربعة الكبار

الحوار، الذي نُشِرَت نسخة منقحة منه على صفحات المجلة الأمريكية المتخصصة في شؤون التكنولوجيا والأعمال، يكشف مدى خطورة تأثير شركات التكنولوجيا الكبرى على المجتمع، وعزوف الحكومة عن إخضاعها للتنظيم أو تفكيكها كما فعلت مع شركات أخرى تعمل في مجالي النفط والاتصالات، في ظل انتشار التضليل والكراهية على شبكات التواصل الاجتماعي، أثناء الجائحة وقبيل انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2020، برز الأستاذ في جامعة نيويورك سكوت جالاواي، باعتباره أحد أشد منتقدي شركات التكنولوجيا الكبرى وشبكات التواصل الاجتماعي.

يُدَرِّس جالاواي إستراتيجية العلامات التجارية والتسويق الرقمي لطلبة السنة الثانية من ماجستير إدارة الأعمال، وهو مؤلف كتاب “الأربعة”؛ الذي يشرح كيف أصبحت شركات “أمازون” و”أبل” و”فيسبوك” و”جوجل” أربعًا من أكثر الشركات تأثيرًا على وجه الأرض، وجزءً من المؤتمر السنوي الذي شارك فيه جالاواي عن طريق برنامج “زووم”، لمناقشة كيفية استجابة الشركات “الأربع” للجائحة، واستفادتها من حالة تفشي فيروس كورونا المستجد، تواصل معه سوليفان على أمل أن يحصل على تصريحات لاذعة، ولم يخيب جالاواي آماله.

مواقع التواصل تتغذى على غضبنا

كلما زاد تفاعل الناس على وسائل التواصل الاجتماعي مع هذا المحتوى المثير للجدل، زاد ثراء هذه الشركات. وكلما زاد الاهتياج العام زاد التفاعل الشعبي، وبالتبعية زادت إعلانات شركات مثل “نيسان” ويوضح جالاواي أن هذه الخوارزميات استنتجت أنك إذا روجت للعلوم المعيبة التي يستند إليها رافضو التطعيم، فإن ذلك يزيد قيمة حملة الأسهم صحيح أن هناك أشخاص يعتقدون أن التطعيم سيئ، ويتعين سماع أصواتهم، ولكن لا يجب أن يهيمنوا على أخبار الصحة العامة حتى تبدأ في الحصول على هذه الموضوعات من أصدقائك على “فيسبوك” ويحذر من أن ذلك يبدأ في إضفاء شرعية على ما يقولونه، ثم ينتشر الميل المناهض للتطعيم، ويزيد عدد الأولاد والبنات في سن العامين، أو الأعوام الثلاثة الذين تبتر أطرافهم بسبب تفشي الحصبة التي كنا نعتقد أننا هزمناها منذ 30 أو 40 عامًا.

ويستطرد جالاواي أن شركات التواصل الاجتماعي تعد من أكثر المنظمات إضرارا بالكوكب ومارك زوكربيرج هو أخطر الأشخاص في العالم لأنه أضفى الطابع المؤسسي على الاعتلال الاجتماعي، ولديه موظفة شهيرة مثل شيريل ساندبرج التي تمتلك ملياري دولار للتغطية على أعمال واحدة من أسوأ المنظمات في العالم.

معلومات مضللة

مفارقة التي يرصدها مارتين، باعتباره مطلعًا على دهاليز الصناعة، أنه عندما يسيء “فيسبوك” التصرف، مثل نشر المعلومات المضللة أو جمع المعلومات الشخصية أو شيء من هذا القبيل، في اليوم التالي ترتفع أسهم الشركة بدلًا عن أن تنخفض، ويرد جالاواي بالقول إن في البداية كان الاستثمار في شركات التبغ رائعًا، وأعتقد أن الاستثمار في أسهم “فيسبوك” اليوم ما زال استثمارًا عظيمًا، كان هو شخصيًا يمتلك أسهمًا فيه حتى وقت قريب، لكنه أخيرًا قال: “حسنا، إذا كنت سأغضب على هذا النحو طوال الوقت، ربما يتعين على بيع أسهمهم”.

ويستدرك: لكن السبب في أننا ندفع ضرائب للحكومة، هو أننا نتوقع منهم أن يفكروا من أجلنا على المدى الطويل فسهم جنرال موتورز سيكون أعلى إذا سمح لهم بأن يصبوا الزئبق في النهر، وما لم يكن لديهم معايير تضبط مستوى الانبعاثات المسموح به في سياراته ولكننا قررنا أن ذلك سيئ بالنسبة لأمريكا وللأمريكيين على المدى الطويل؛ ولذا ننتخب من يقولون: “إن الانبعاثات سيئة، وصب الزئبق في مياه الشرب سيئ”.

ونحن لم نفرض شعوراً مماثلًا بالتعقل أو الحكم والتفكير طويل الأجل على شركات التكنولوجيا الكبيرة كما فعلنا مع كل شركة أخرى ويضرب جالاوي مثالًا بقوله أنه إذا بدأت مجلة مثل “فاست كومباني” فجأة في قذف الأشخاص والطعن فيهم وتمزيق انتخاباتنا ونشر المعلومات المضللة عن الجائحة، وإذا بدأ الناس يحملون جدّاتهم إلى غرفة الطوارئ، وهن يعانين من أعراض كوفيد-19، ويقولون: إن ابنتي تعتقد أن كوفيد-19 ليس سوى خدعة بسبب المقالات التي قرأتها في مجلة “فاست كومباني”، فإن المجلة ستنهار وتتوقف عن العمل.

……………………………………………………………………………………………………….
المصادر
– ساسة بوست
– اندبندنت عربية
– الكونسلتو
– DW

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M