هل للصحافة الإنسانية القدرة على تغيير حياة الناس؟

يتعين على الصحافة أن تتغلب على اليأس وأن تمضي قدماً من خلال سرد القصص والرصد للانتهاكات والمآسي ومن أجل إيصال أصوات المجتمعات والأشخاص المتضررين ونشر التقارير والأخبار والقصص التي تدعم الاستجابة الإنسانية. من الضروري أن تركز الصحافة الإنسانية على الأزمات الخفية أو المنسية، وتغطية الصراعات…

تظهر لنا الصحافة الإنسانية نوعا آخر من العمل خلال التغطية للأزمات والتي من شانها تسليط الضوء على معرفة أسباب الأزمات وإنتاج التقارير الواقعية وجهود الإنقاذ سواء من خلال الصحافة التقليدية، أو من خلال صحافة تركز على حملات المناصرة التي تهدف إلى تحسين الخدمات الإنسانية والاستحواذ على الغالبية العظمى من التغطية الإخبارية، ورفع مستوى الوعي، وجمع الأموال، وإطلاق صافرة الطوارئ المبكرة.

العراق إنفصال عن مستويات المعاناة

شهد العراق أزمات إنسانية رهيبة وتراكمت خلال حقبات زمنية طويلة لم تلاق تغطية إعلامية كافية، نتيجة للمعايير والممارسات الصحفية التقليدية وهذا يمكن أن نطلق عليه (الانفصال عن مستويات المعاناة) وهو ما يؤدي إلى تفاقم الأزمات يوم بعد آخر وبالتالي سيضعف التوجه نحو الحلول وكذلك التصدي للتبعات السلبية لهذه الأزمات.

خلفت الأزمات الإنسانية في العراق مآسي وأضرار نفسية وجسدية لن يتم الإبلاغ عنها أو كشفها بشكل مؤثر ولم تحظ باهتمام إعلامي كاف، وفي مجمل هذه الأزمات وعلى سبيل المثال واستنادا إلى بيانات وزارة التخطيط العراقية إن نسبة الفقر في العراق تتراوح بين 22-25%. وتتصدر محافظة المثنى (جنوب غرب) المحافظات الأشد فقرا بنسبة 52% تليها محافظتا الديوانية وذي قار جنوبا بنسبة 49%.

وإن نسبة الفقر في المحافظات المحررة من قبضة تنظيم داعش وصلت إلى 41% كما في محافظة نينوى. أما في الوسط فتتراوح نسبة الفقر بين 15-17%، في الوقت الذي تجاوزت فيه العاصمة بغداد نسبة 12% وهو ما ينطبق على مدن إقليم كردستان.

وفي تقرير لموقع الجزيرة نت بتاريخ 17/10/2022 بعنوان “ربع العراقيين فقراء” حيث يرى التقرير أن الفقر بلغ نحو 25% من السكان، فيما تقدر أعداد الفقراء في البلاد بنحو 11 مليونا من بين 42 مليونا هم عدد سكان العراق. وتفيد البيانات الرسمية بأن قرابة 3 ملايين عراقي يتلقون منحا مالية شهرية من الحكومة، من أصل 9 ملايين يستحقون المساعدة.

من جهتها القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية غفلت الى حد كبير عن توالي هذه الأزمات ونتائجها المدمرة وبالتالي فهي لم تمد يد العون الى الصحفيين العاملين في المجال الإنساني وأثرت على عملهم بشكل سلبي، بل بعض الصحفيين دفعوا ثمنا باهظا مقابل عملهم، بمعنى أن وظيفة الصحفي الإنساني غالبا ما تكون محفوفة بالمخاطر، لا سيما باعتبارهم “جهات مراقبة”.

بل حتى أننا اليوم لم نشهد عمل للصحافة المتخصصة وكذلك للصحافة الاستقصائية وما لهما من القدرة على التغطية الدقيقة والموضوعية والتدريب وتعبئة الجهات المتخصصة وأفراد المجتمع لمشاركة رسائل الاستعداد للكوارث مع المجتمعات الأخرى، بحيث يتم تقليل الدمار والخسائر بشكل كبير عند وقوع الكوارث، بل تلعب الصحافة المتخصصة دورا مهما وفرصة للحد من المعاناة من خلال اتباع نهج استباقي في التعامل مع الكوارث، لذلك تعمل على تقليل نقاط الضعف الأساسية وبناء ثقافات قادرة على الصمود خلال فترة الأزمات.

الصحافة الإنسانية في سياقات دولية

لخص كل من “كيت رايت” استاذ كلية العلوم الاجتماعية والسياسية، جامعة إدنبرة، المملكة المتحدة، و”ميل بونس” استاذ قسم الصحافة، بجامعة لندن، و”مارتن سكوت” محاضر أول في الإعلام والتنمية الدولية، جامعة إيست أنجليا، ومن خلال بحث معمق استخدموا فيه مقابلات نادرة مع 30 من المديرين وكبار صناع السياسات في 16 من أكبر الدول المانحة في العالم، وجد الباحثين أن غالبية المؤسسات التي تعتمد التغطية الإخبارية الوطنية المفاجئة يمكن أن تزيد من مستويات المساعدات الإنسانية الطارئة المخصصة للأزمات.

وقالوا إن هذا التأثير يعمل من خلال تحفيز مؤسسات المساءلة الأخرى (الجمهور والمجتمع المدني والمسؤولين المنتخبين) الذين يمارسون الضغط على بيروقراطيات المساعدات للإعلان عن تمويل إضافي.

ولهذه النتائج هناك آثار مهمة على الجهات المانحة الحكومية، والمنظمات الإخبارية، ووكالات المعونة، وعلى فهمنا الأوسع لكيفية تأثير التغطية الإخبارية على السياسة الخارجية.

ثم أوضحوا من خلال المقابلات كيف أثرت وسائل الإعلام على المتلقين، من خلال تحفيز الجمهور ومنظمات المجتمع المدني وخاصة المسؤولين المنتخبين، الذين مارسوا بعد ذلك الضغوط على الوزارات الحكومية للإعلان عن تمويل إضافي.

وأشار البحث أيضا إلى أن صناع السياسات في الحكومة ربما يعيدون التفكير في كيفية تخصيص التمويل ل “الأزمات المنسية”، استنادا إلى غياب التغطية الإخبارية.

الصحافة وصناعة القرار

من خلال ما تقدم يمكننا القول ان للصحافة والإعلام أن تعمل كوسيط وتجمع الأطراف المتنازعة حول المعاناة الانسانية، وفيما يلي بعض الطرق المهمة التي من شأنها أن تؤثر على صناع القرار والمجتمعات:

  1. للصحافة الإنسانية القدرة من خلال التواصل مع الجهات الفاعلة الإنسانية التي تجد نفسها تتفاعل مع وسائل الإعلام.
  2. تغيير مواقف وتصورات الجهات المسببة للأزمات والكوارث الإنسانية، وتزويدهم بالمعلومات كعامل مساهم في حل المشكلات.
  3. تساهم الصحافة في صياغة وتوضيح الحلول المقترحة من خلال العمل السلمي والإنساني.
  4. تعبئة المجتمع الدولي لاتخاذ الإجراءات اللازمة والمساعدة في حل الصراع، والهدف من ذلك هو ممارسة الضغط على الأطراف المتصارعة، أو مواجهة الأزمات التي تسببها الطبيعة، وتحديد الموارد الخارجية والداخلية لمواجهة الأزمات.
  5. تقديم تصوير حقيقي للأزمات، ومحاربة الإشاعة والمعلومات، فإن التغطية الصادقة والشفافة تساهم في خلق ثقة متبادلة في حل النزاعات أو تقديم المساعدات.
  6. نشر المبادئ الإنسانية والقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان والقواعد القانونية والأخلاقية.
  7. يمكن للصحافة الموضوعية أن تقوض الصور النمطية الضارة وتعزيز إعادة إضفاء الطابع الإنساني خلال فترات الأزمات.

خاتمة

يتعين على الصحافة أن تتغلب على اليأس وأن تمضي قدماً من خلال سرد القصص والرصد للانتهاكات والمآسي ومن أجل إيصال أصوات المجتمعات والأشخاص المتضررين ونشر التقارير والأخبار والقصص التي تدعم الاستجابة الإنسانية.

من الضروري أن تركز الصحافة الإنسانية على الأزمات الخفية أو المنسية، وتغطية الصراعات وآثارها المدمرة لدول ومجتمعات مهمشة تقع في قلب الأزمات وتغيب عن أنظار الرأي العام.

كذلك أن يكون هناك تفاعل بين وسائل الإعلام والسياسة والاقتصاد وفي مقارنة مع الأزمات وآثارها بالتزامن مع تواتر القصص الخبرية، وأن يكون النشر في وسائل إعلام مؤثرة وبشكل مكثف، تهدف الى تعبئة الوكالات الإنسانية والتدخلات الدبلوماسية التي تضغط تجاه تفادي الأزمات ونتائجها المدمرة.

 

المصدر : https://annabaa.org/arabic/iraqipress/38113

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M