| ملخص |
| يشهد مجال الترجمة المتخصصة تحولات عميقة بفعل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، ولا سيما أنظمة الترجمة الآلية العصبية وأدوات إدارة المصطلحات، وهو ما أفضى إلى إعادة النظر في مفهوم الكفاءة في الترجمة بصفة عامة والكفاءة المصطلحية بصفة خاصة، حيث لم يعد تكوين المترجم مقتصرا على إتقان اللغات المترجم منها وإليها والمجالات المعرفية المتخصصة التي سيترجم فيها فحسب، بل أصبح مطالبا أيضا باكتساب القدرة على توظيف التقنيات الرقمية وإدارة الموارد المصطلحية والتحقق من جودة المخرجات الآلية.
وفي هذا السياق، يهدف هذا المقال إلى دراسة مفهوم الكفاءة المصطلحية في ضوء التحولات الرقمية الراهنة، وتحليل المعارف التي تقوم عليها هذه الكفاءة، واستجلاء التحديات الجديدة التي تواجه تكوين المترجم المتخصص في عصر الذكاء الاصطناعي. كما يسعى إلى اقتراح رؤية جديدة لبرامج تكوين المترجمين تضطلع بها المؤسسات الجامعية، بما يضمن إعداد مترجم قادر على التفاعل مع التقنيات الحديثة دون التفريط في الأسس النظرية والمناهج الإجرائية لعلم المصطلح. واعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، مدعوما بالمقاربة المقارنة وتحليل نماذج تطبيقية من بعض النصوص المتخصصة. وخلصت إلى أن الكفاءة المصطلحية لم تعد تقتصر على معرفة المقابلات المصطلحية، بل أصبحت كفاءة مركبة تجمع بين الإلمام بالأنظمة المفاهيمية والبحث الوثائقي المتخصص وإدارة الموارد المصطلحية والاستخدام النقدي لأدوات الذكاء الاصطناعي. كما بيّنت أن هذه التقنيات، رغم ما توفره من إمكانات متقدمة في معالجة المصطلحات وإنتاج الترجمات، لا تغني عن الخبرة البشرية في تحليل المفاهيم وضبط العلاقات المصطلحية وتقييم جودة المخرجات الآلية. وانتهت الدراسة إلى أن تطوير برامج تكوين المترجمين يقتضي اعتماد نموذج تكويني متكامل يزاوج بين التكوين اللغوي والمصطلحي والتخصصي والتكنولوجي، بما يؤهل المترجم للتفاعل مع التقنيات الحديثة والحفاظ على دوره في ضمان الدقة المفاهيمية والاتساق المصطلحي وجودة التواصل المتخصص. الكلمات المفتاحية: الكفاءة المصطلحية، الترجمة المتخصصة، الذكاء الاصطناعي، تكوين المترجم، البحث الوثائقي المتخصص |
المقدمة
أصبحت الترجمة المتخصصة اليوم من أكثر المجالات تأثرا بالتحولات الرقمية المتسارعة. فقد أدى انتشار الترجمة الآلية العصبية وأنظمة إدارة المصطلحات وقواعد البيانات المعرفية إلى إعادة تشكيل بيئة العمل الترجمية وإلى ظهور متطلبات مهنية جديدة لم تكن مطروحة بالحدة نفسها في العقود السابقة. وفي هذا السياق برزت الحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم الكفاءة المصطلحية بوصفها إحدى الركائز الأساسية التي تقوم عليها الترجمة المتخصصة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى الدور المركزي الذي يؤديه المصطلح في ضمان دقة التواصل العلمي والتقني والمهني، حيث يمكن أن ينعكس كل خلل في اختيار المصطلح أو فهمه أو توظيفه على جودة الترجمة المنجزة، وبالتالي على دقة المعارف المتخصصة المنقولة. ومن ثم فإن السؤال لم يعد متعلقا بضرورة امتلاك المترجم لكفاءة مصطلحية فحسب، وإنما أيضا بطبيعة هذه الكفاءة التي يجب أن يكتسبها في ظل بيئة رقمية تتداخل فيها المعارف اللغوية والمتخصصة والتكنولوجية. وفي هذا السياق، يسعى هذا المقال إلى معالجة الإشكاليات المتعلقة بدور الكفاءة المصطلحية في تكوين المترجم المتخصص في عصر الذكاء الاصطناعي، وبكيفية إعادة تقنيات الذكاء الاصطناعي صياغة مفهوم هذا النوع من الكفاءة، إضافة إلى دراسة المتطلبات الجديدة التي ينبغي أن يستجيب لها تكوين المترجم المتخصص في المؤسسات الجامعية.
وقد اعتمد هذا المقال منهجا وصفيا تحليليا يقوم على التحليل المفاهيمي لمفهوم الكفاءة المصطلحية ومكوناتها في ضوء أدبيات علم المصطلح والترجمة المتخصصة، مع توظيف المقاربة المقارنة لإبراز التحولات التي طرأت على هذا المفهوم في ظل تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وأدوات الترجمة الرقمية. كما استند البحث إلى الوصف والتحليل النقدي للمعارف والمهارات التي تقوم عليها الكفاءة المصطلحية، مدعّما ذلك بأمثلة تطبيقية مستمدة من مجال المصطلحات والترجمة المتخصصة، قصد بيان كيفية توظيفها في فهم النصوص المتخصصة ومعالجة إشكالاتها المصطلحية، وصولا إلى اقتراح تصور لتطوير برامج تكوين المترجم المتخصص بما ينسجم مع متطلبات البيئة الرقمية الراهنة.
- أهمية الكفاءة المصطلحية في مجال الترجمة المتخصصة
لم تعد الترجمة المتخصصة في التصورات الحديثة فعلا لغويا يقتصر على نقل المعاني من لغة إلى أخرى، بل أصبحت عملية معرفية مركبة تستدعي استيعاب البنى المفاهيمية التي تؤسس الخطابات العلمية والتقنية والمهنية. وفي هذا السياق تبرز الكفاءة المصطلحية بوصفها إحدى الركائز الأساسية التي تقوم عليها ممارسة الترجمة المتخصصة، نظرا لدورها الحاسم في الربط بين المعارف المتخصصة وصياغتها اللغوية داخل النصوص المتخصصة.
ولا يعدّ المصطلح مجرد وحدة معجمية قابلة للاستبدال بمقابل لغوي في لغة أخرى، وإنما هو تمثيل لغوي لمفهوم ينتمي إلى نسق معرفي محدّد، ويكتسب قيمته من موقعه داخل شبكة من العلاقات المفاهيمية الخاصة بمجال معيّن. لذلك لا يتوقف نجاح المترجم المتخصص على كفاءته اللغوية وحدها، بل يرتبط بقدرته على فهم المفاهيم واستيعاب العلاقات التي تربط بينها داخل كل نظام مفاهيمي، بما يمكّنه من اختيار المقابلات المصطلحية الأكثر دقة وملاءمة للسياق المتخصص الذي يترجم فيه.
وفي هذا السياق يعتبر لانيي الذي جاء ذكره عن طريق نافارو (2016)، أن الكفاءة المصطلحية هي بمثابة المعرفة التي تمكّن من فهم بنية النظام المفاهيمي الخاصّ بمجال معيّن، ومن إيجاد الحلول المناسبة إزاء القضايا التي تثيرها المفاهيم والمصطلحات أثناء نقلها من لغة إلى أخرى.
لذلك، تمثل الكفاءة المصطلحية لدى المترجم ركيزة أساسية لضمان الدقة المفاهيمية والانسجام المصطلحي عند نقل النصوص المتخصصة من لغة إلى أخرى. وهي بذلك تسهم بصورة مباشرة في تحقيق جودة المنتج الترجمي ودقة التواصل العلمي والتقني بين المتخصصين.
- المعارف التي تقوم عليها الكفاءة المصطلحية
تفترض الكفاءة المصطلحية ضرورة أن يكون المترجم المتخصص على دراية وثيقة بالمعارف المتأتية من علم المصطلح. ويمكن أن تنقسم هذه المعارف، حسب كابريه (1998)، إلى نوعين: معارف نظرية وأخرى عملية.
1.2. المعارف المصطلحية النظرية
لقد استأثرت باهتمام الباحثين في مجال علم المصطلح العديد من المحاور؛ لعلّ أهمّها المحور الذي يعنى بالبحث في العلاقات القائمة بين المفاهيم والمصطلحات التي تسمّيها داخل اللغات المتخصصة. ويعتبر هذا المبحث من المباحث الأساسية التي اهتمّ بها علم المصطلح. كما أنّ المبحث الذي ظهر لاحقا (في بداية التسعينات) حول طرق معالجة المصطلحات آليا لا يقلّ أهمية عن المبحث الأوّل، وهو مبحث يهدف إلى تجميع المصطلحات وتخزينها ومعالجتها وترجمتها وتنسيقها عن طريق استخدام الحاسوب وذلك في إطار المعالجة الآلية للغة. كما يهدف إلى تخزين المعلومات المتعلقة بهذه المصطلحات والمساعدة على فهمها، وهي معلومات يحتاج إليها المصطلحي والمترجم على حدّ سواء، مثل تحديد المجال الذي ينتمي إليه كل مصطلح من هذه المصطلحات، ومفهومه، والسياق الذي يرد فيه، والتعريف المرتبط به حسب الحقل المعرفي الفرعي الذي ينتمي إليه، ومقابله في اللغات الأخرى، وغير ذلك من المعلومات المرتبطة بالمصطلح. وقد ترتّب عن هذين المبحثين الأساسيين في علم المصطلح، علاوة على وضع أسسه النظرية العامة، وضع بعض المصادر أو الموارد الأخرى المساعدة على تخزين المصطلحات ومعالجتها آليا لغرض استعمالها لاحقا في مجال علم المصطلح وفي مجالات أخرى مثل الترجمة المتخصصة. ومن بين هذه المصادر التي تمّ وضعها، يمكن أن نذكر على وجه الخصوص: بنوك المصطلحات (les banques de termes)، وقواعد بيانات المصطلحات (les bases de données terminologiques)، والقواميس الالكترونية (les dictionnaires électroniques)، والتطبيقات (les applications)، والبرمجيات الخاصة بالترجمة (les logiciels de traduction)، وغيرها من المصادر الأخرى التي يمكن أن تلعب دورا كبيرا في الترجمة المتخصصة.
ويجدر بنا أن نشير في هذا السياق إلى أنّ المعارف النظرية الناتجة عن هذا النشاط المصطلحي ضرورية للمترجم المتخصّص؛ فالمعرفة مثلا بأنّ لكلّ مجال اختصاص أساسي أو فرعي مصطلحاته الخاصة به، وأنّ هذه المصطلحات تعكس بنية النظام المفاهيمي للمجال الذي تنتمي إليه، حيث يرتبط كلّ مصطلح من هذه المصطلحات بمفهوم معيّن ودقيق داخل كلّ مجال، لهي من المعارف المصطلحية النظرية الأساسية التي يجب أن تتوفّر لدى المترجم في المجالات المتخصصة، لأنّ هذه المعرفة ستحدّد منذ البداية طريقة تعامله مع المفاهيم والمصطلحات العلمية أو التقنية التي يحويها النص الأصلي وكيفية إعادة صياغتها في اللغة الهدف. وللاستدلال على ذلك بأمثلة، سنتناول نصا متخصّصا في مجال المعلوماتية كتب باللغة العربية، ونحاول فهمه بالاعتماد على بعض المعارف المصطلحية النظرية. وفيما يلي هذا النص:
| المكونات العامة للحاسب الآلي (المكونات المادية)
بالنظر إلى أي جهاز حاسب آلي نجد أنه يتكون من المكونات الرئيسية الثلاثة التالية: •الشاشة من أجل عرض النتائج •لوحة المفاتيح والفأرة من أجل إدخال البيانات •علبة النظام : وترى أشهر محتوياتها في هذا الجدول:
وربما أيضا بعض الملحقات الأخرى مثل الطابعة والماسحة الضوئية وعصى الألعاب والمجاهرات (السماعات). |
وليد الحملي: المنهج المبسط لمكونات الحاسب المادية والبرامجية، 2006، ص 12
إنّ المتأمّل في هذا النص يمكن أن نلاحظ أنّه متخصّص في مجال المعلوماتية، حيث تلعب المصطلحات الواردة فيه دورا هامّا في تحديد المجال الذي ينتمي إليه، وهو ما يبيّنه الجدول التالي:
| النص | المصطلحات الواردة فيه | المجال/المجال الفرعي |
| المكونات العامة للحاسب الآلي (المكونات المادية)
|
– الحاسب الآلي
– جهاز حاسب آلي – الشاشة – لوحة المفاتيح – الفأرة – البيانات – علبة النظام – محتويات العلبة – اللوحة الأم – المعالج المركزي – الذاكرة المخبئية – أطقم الرقاقات – منافذ الإدخال والإخراج – شقوق التوسعة – وسائط التخزين – القرص الصلب (هارديسك) – القرص المرن (فلوبي ديسك) – القرص المدمج (السي دي رووم السي دي رايتر) – أقراص التخزين الأخرى – بطاقات التوسعة – بطاقة الفيديو – بطاقة الصوت – المودم – بطاقة الشبكة – موائم سكزي – الطابعة – الماسحة الضوئية – عصا الألعاب – المجاهرات (السماعات) |
مجال المعلوماتية/قسم العتاد الصلب |
جدول عدد 1: المصطلحات الواردة في النص
بالاعتماد على النص المذكور أعلاه، يحدّد هذا الجدول المصطلحات الخاصّة بمجال المعلوماتية. وهذا يعني أنّ كلّ حقل معرفي له مصطلحاته الخاصة به (كابريه، 1998)، حيث تنتظم المصطلحات فيما بينها داخل كلّ مجال وفق نظام خاص يسمّى النظام المصطلحي، وكلّ مصطلح داخل هذا النظام يجب أن يشير إلى مفهوم معيّن ودقيق ضمن النظام المفاهيمي لنفس المجال (بنسليمان، 2021). فإذا أخذنا على سبيل المثال مصطلح “الفأرة” الذي ورد في هذا النص، سنجده يشير إلى مفهوم خاص بمجال المعلوماتية، وهو ذلك الجهاز الصغير في حجم قبضة اليد يشبه شكل الفأر، يتمّ توصيله بالحاسب عبر كابل، وعندما يتمّ تحريك الفأرة على السّطح تقوم كرة دائريّة أسفله بإرسال المعلومات للحاسب فيتحرّك المؤشّر على الشّاشة، وبالضغط على زرّ معيّن يتمَّ تنفيذ الأمر المشار إليه (معجم المعاني الجامع). ومفهوم الفأرة هذا لا يمكن أن يتغيّر إلاّ إذا تغيّر المجال الذي ينتمي إليه نفس المصطلح أو نفس التسمية (la dénomination)، حيث تشترك أحيانا بعض المجالات في نفس التسمية، لكن يجب أن تحيل التسمية في كل واحد منها على مفهوم خاصّ. والدليل على ذلك أنّ هذا المصطلح يشير في مجال النجارة إلى المفهوم الخاص بالأداة التي يستخدمها النجّار لتقشير الخشب وتسويته وتنعيمه (معجم المعاني الجامع)، في حين يرتبط نفس المصطلح في علم الحيوان بالمفهوم الخاص بالحيوان الذي تنسب إليه الفصيلة الفأرية من رتبة القوارض (المعجم الوسيط). وهذا الأمر ينطبق على جميع المصطلحات المشتركة بين مجالين أو أكثر.
وللوقوف بكل دقة على المفاهيم المرتبطة بالمصطلحات الواردة في النص المراد ترجمته، – وهذا، كما قلنا، يندرج ضمن المرحلة الأولى من عملية الترجمة، أي مرحلة فهم مضمون النص في اللغة المصدر -، على المترجم أن يكون عارفا بالنظام المفاهيمي الخاص بالمجال العلمي أو التقني الذي ينتمي إليه هذا النص، لأنّ هذا النظام الذي يتجسّد فيه المجال ككلّ يتشكّل من المفاهيم التي ينقلها النص ومن بقية المفاهيم الأخرى التابعة لنفس المجال، ومن العلاقات القائمة بينها. وهذا يعني أنّ معرفة المترجم بهذا النظام ستمكّنه من ضبط مفاهيم المصطلحات الواردة في النص الأصلي بكلّ دقة، ومن إدراك العلاقات القائمة بينها وبين المفاهيم الأخرى في نفس المجال.
وبالرجوع إلى النص الذي ورد فيه مصطلح “الفأرة” لمحاولة تحديد نظامه المفاهيمي، أي النظام الذي تشكّل من مفهوم “الفأرة” (souris) ومن بقية المفاهيم الواردة في النص مثل مفهوم “الشاشة” (écran)، ومفهوم “لوحة المفاتيح” (clavier)، ومفهوم “علبة النظام” (boîtier de l’ordinateur)، وغيرها من المفاهيم المدرجة في الجدول، يمكن أن يخلص المترجم إلى أنّ الأمر يتعلق في هذا النص بالنظام المفاهيمي الخاص بالمكوّنات المادية لجهاز الحاسوب وليس بمكوّناته البرمجية المشغّلة له، لأنّ مكوّنات الحاسوب تنقسم، كما نعلم وكما هو معلوم عند أهل الاختصاص، إلى قسمين رئيسيين هما قسم العتاد الصلب أو عتاد الحاسوب (Matériel informatique)، أي المكونات المادية الملموسة للحاسوب، وقسم البرمجيات أو البرامج المشغّلة له (logiciels) الذي ينقسم بدوره إلى نوعين هما البرامج الخاصة بنظام التشغيل (Système d’exploitation)، وبرامج التطبيقات (applications) (زهيوة، 2016).
ثمّ إنّ المتأمّل في مختلف المفاهيم الواردة في هذا النص وفي العلاقات القائمة بينها داخل هذا النظام المفاهيمي الخاص بالمكوّنات المادية لجهاز الحاسوب، سيجد أن هذه المفاهيم تنتظم داخل هذا النظام وفق مستويين كبيرين هما مستوى المفاهيم الرئيسية، وهي التي تعكس المكونات المادية الرئيسية للحاسوب (الفأرة، والشاشة، ولوحة المفاتيح، وعلبة النظام)، ومستوى المفاهيم الفرعية، وهي التي تنحدر من أحد هذه المفاهيم الرئيسية، وتتمثل هنا في جملة المفاهيم التي تعكس المكونات التي تشكّل “علبة النظام”، وهي: “اللوحة الأم” (Carte mère)، و”وسائط التخزين” (Supports de stockage)، و”بطاقات التوسعة” (Cartes d’extension).
وفيما يتعلّق بالمستوى الأول من النظام الذي يتشكل من المفاهيم الرئيسية، نجد لوحة المفاتيح (Clavier) التي تعرّف بأنّها جهاز يحتوي على أزرار للأحرف والأرقام والرموز الخاصة، بالإضافة إلى أزرار أخرى خاصة بوظائف محددة، والتي تتمثّل وظيفتها في إدخال البيانات إلى جهاز الحاسوب عن طريق الضغط على تلك الأزرار الموجودة عليها. وتلعب الفأرة دورا هاما في ذلك من خلال تحريك المؤشر على شاشة الحاسوب وتوجيهه. ولا يمكن التفاعل مع جهاز الحاسوب إلا باستخدام هذين الجهازين (لوحة المفاتيح والفأرة). وتعدّ الشاشة التي يظهر عليها المؤشر الذي توجهه الفأرة جزءا أساسيا من أجزاء هذا النظام، لأنها تقوم بدور الإخراج الإلكتروني الذي تعرض من خلاله المعلومات (بيانات، أو صور، أو فيديو، أو رسومات) الموجودة عبر الجهاز، والتي يتمّ التحكم في شأنها وتوجيهها بواسطة لوحة المفاتيح والفأرة. وتعدّ أيضا علبة النظام جزءا أساسيا من أجزاء نظام الحاسوب، لأنه، فضلا عن كون بقية الأجزاء الثلاثة التي ذكرناها سابقا موصولة بها، فهي تحوي جميع أجزاء الحاسوب الداخلية التي يتمّ من خلالها تشغيل الحاسوب وتمكينه من القيام بوظائفه.
أمّا على مستوى الدرجة الثانية من هذا النسق، المتمثّل في المفاهيم الفرعية، فإنّ كلّ مكوّن منه يشكّل، بدوره كما يتّضح، نسقا مفاهيميا مستقلا، يضمّ مجموعة من المفاهيم التي تنتظم فيما بينها وفق شبكة من العلاقات. فاللوحة الأم التي تتكوّن من “المعالج المركزي” (Unité centrale de traitement/Processeur central)، و”الذاكرة المخبئية” (Mémoire cache)، و”الذاكرة العشوائية” (Mémoire vive)، و”أطقم الرقاقات” (Jeu de puces)، و”منافذ الإدخال والإخراج” (Ports d’entrée/sortie)، و”شقوق التوسعة” (Fentes d’extension) تصل بين جميع مكونات الحاسوب وتربط بينها، وهي بالتالي المسؤولة عن ترتيب البيانات التي يتم نقلها بين الأجزاء الأخرى للحاسوب وتنظيمها. أمّا وسائط التخزين التي تشمل القرص الصلب (Disque dur)، والقرص المرن (Disquette)، والقرص المدمج (Disque compact)، وأقراص التخزين الأخرى، فهي توفر المساحات القادرة على حفظ البيانات حتى لا تضيع. أمّا فيما يتعلق ببطاقات التوسعة التي تشمل بطاقة الفيديو (Carte vidéo/Carte graphique)، وبطاقة الصوت (Carte son)، والمودم (Modem)، وبطاقة الشبكة (Carte réseau)، وموائم سكزي (Adaptateur SCSI)، فهي في علاقة مباشرة مع اللوحة الأم، إذ يتمّ إدخالها في فتحة التوسعة لهذه اللوحة لتحسين جودة المهام المحددة لها، كتحسين جودة الفيديو على الحاسوب بالنسبة إلى بطاقة الفيديو، وتحسين جودة الصوت بالنسبة إلى بطاقة الصوت.
وإذا بحثنا مثلا داخل اللوحة الأم عن الخصائص المشتركة بين الذاكرة المخبئية والذاكرة العشوائية، إضافة إلى الخصائص التمييزية التي تجعل منهما مصطلحين مختلفين يدلّ كلّ واحد منهما على مفهوم خاص، سنجد أنّ كليهما يعرّف بأنه ذاكرة تستخدم لغاية تخزين المعلومات وحفظها، وهي خاصية مشتركة بينهما، إلاّ أنّ الذاكرة المخبئية أصغر من الذاكرة العشوائية وأسرع منها، وأداء كل منهما مختلف عن الآخر، حيث تعتبر الذاكرة العشوائية بطيئة بالنسبة إلى المعالج المركزي عندما يقوم بقراءة وكتابة البيانات والتعليمات من وإليها بصفة متكررة، في حين تعتبر الذاكرة المخبئية أسرع في تعاملها معه، إذ تضطلع بتخزين المعلومات الأكثر طلبا من المعالج، بما يجعلها متاحة له على نحو سريع عند استدعائها.
2.2. المعارف المصطلحية العملية
نقصد بالمعارف المصطلحية العملية المعارف المصطلحية التي يجب أن يستخدمها المترجم المتخصص في مواجهة الصعوبات التي غالبا ما تعترضه أثناء ترجمة النصوص المتخصصة. ونظرا لطبيعة هذه الصعوبات المرتبطة أساسا بإشكالات فهم بعض المصطلحات وترجمتها، يغدو لزاما على المترجم المتخصص، حتى يستطيع القيام بالخيارات المناسبة واتخاذ القرارات الحاسمة، أن يطوّر أنماط تفكيره في الاستراتيجيات الكفيلة بتجاوز هذه الصعوبات أثناء عملية الترجمة. هكذا، فإنّ الكفاءة المصطلحية القائمة على المعارف المصطلحية العملية تمكّن المترجم من وضع استراتيجيات مختلفة تسمح له بالوصول بسرعة إلى تحديد نوع المشكلات المصطلحية التي تواجهه أثناء عملية الترجمة، ومن إيجاد حلول لها.
ونظرا لتجلّي هذه الصعوبات المصطلحية على مستويي المرحلتين الأولى والثانية من عملية الترجمة، أي عند السعي إلى استيعاب مضمون النص الأصلي عبر تحديد مفاهيم المصطلحات الواردة فيه وضبط خصائصها، أو أثناء إعادة صياغة هذا المضمون في اللغة الهدف من خلال البحث عن المقابل المناسب الذي يعبّر بدقة تامّة عن كلّ مفهوم من تلك المفاهيم، فإنّ ذلك يدلّ على أنّ المعارف المصطلحية العملية لا تنحصر في المرحلة الأولى من عملية الترجمة، كما هو الشأن بالنسبة إلى المعارف المصطلحية النظرية، بل تمتدّ لتشمل المرحلة الثانية أيضا. فكيف لهذا النوع من المعارف أن يساعد المترجم على حلّ المشكلات المصطلحية وعلى تجاوزها أثناء هاتين المرحلتين من عملية الترجمة؟
يفترض بالمترجم المتخصص قبل الشروع في عملية الترجمة أن يكون على دراية بالمصادر المصطلحية التي يتوفّر عليها أو المتاحة له، أي التي يمكن أن يحصل عليها، حتّى يتمكّن منذ البداية من وضع منهج استراتيجي ينظّم من خلاله عملية البحث في هذه المصادر والإفادة منها (فانديل وآخرون، 2008)، وهذا يعني أنّ عليه أن يكون مكتسبا لما تسمّيه نافارو (2016) عموما “الكفاءة في البحث الوثائقي” (la sous-compétence documentaire) أو ما نسمّيه بأكثر دقة الكفاءة في البحث الوثائقي المتخصص (la sous-compétence documentaire spécialisée)، نظرا لارتباط البحث الذي سيقوم به المترجم بالمصادر المتخصصة.
- الكفاءة في البحث الوثائقي المتخصص وأهميتها في الترجمة المتخصصة
تحظى العلاقة بين الكفاءة في البحث الوثائقي المتخصص والترجمة المتخصصة بحيز واسع من اهتمام الباحثين (دوريو، 1982/1990؛ جواديك، 2002؛ جيل، 2005؛ بارون، 2019)، لما يمثله هذا النوع من البحث بوصفه ركيزة جوهرية في تجويد مخرجات الترجمة المتخصصة.
وإذا كان البحث الوثائقي المتخصص في مجال الترجمة المتخصصة يقوم على البحث الاستراتيجي في مختلف الوثائق أو المصادر الورقية والالكترونية المتخصّصة، فإنّه يمكن تحديد كفاءة المترجم في البحث الوثائقي المتخصص في مدى قدرته على تحديد احتياجاته من هذه الوثائق أو المصادر المتخصصة، والاستراتيجيات والخطوات الرئيسية التي سينتظم وفقها بحثه الوثائقي، وأدوات البحث التي سيعتمدها (بارون، 2019). ونظرا إلى أنّ عملية الترجمة تقوم على مرحلتي الفهم وإعادة الصياغة، فإنّنا نرى وجوب اقتران كفاءة المترجم في البحث الوثائقي المتخصص بهاتين المرحلتين على نحو متكامل.
1.3. الكفاءة في البحث الوثائقي المتخصص في مرحلة الفهم
يعتمد عموما فهم النّصوص المتخصّصة على الإلمام بالمعارف المتخصصة التي تنقلها هذه النصوص، لذلك يعتبر دولايل (1982) أنّ صعوبة ترجمة هذا النوع من النصوص تعود أساسا إلى طبيعة المعلومات المتخصصة التي تنقلها. وهي معلومات، نظرا لتقنيتها المتفاوتة حسب المجالات، تتصف عموما بالدقة وأحيانا بالتعقيد. لذلك، وحتّى يتمكّن المترجم من ترجمة النصوص المتخصصة على أحسن وجه، وجب عليه أن يتوفّر على معرفة دقيقة في حقل التخصص الذي يترجم منه وإليه (بيرمان، 1999).
وبناء على ذلك، تغدو الكفاءة في البحث الوثائقي المتخصص متطلبا حتميا للمترجم في مرحلتي الفهم وإعادة الصياغة على حد سواء؛ وهو ما ستتضح معالمه لاحقا عند تحليل آليات الانتقال بين لغة الأصل واللغة الهدف، لأن فهم النص المصدر لا يعتمد فقط على مجرّد توفّر “المصادر المصطلحية” (les sources terminologiques) و”غير المصطلحية” (les sources non-terminologiques) (جيل، 2005) التي يمكن أن يلجأ إليها المترجم لمحاولة فهمه، وإنما أيضا على الاستراتيجية التي سيعتمدها المترجم في بحثه الوثائقي المتخصص وفقا لحاجياته من هذه المصادر، علاوة على رصيده المعرفي المرتبط بالمجال الذي يتحدث عنه النص. فكلّما كان المترجم متمكّنا من مجال النص المراد ترجمته، أمكن له بيسر فهم النص فهما دقيقا. و”ما هو تقني ومتخصص بالنسبة إلى مترجم ما، ليس بالضرورة كذلك بالنسبة إلى مترجم آخر” (بن محمد، 2018).
وهذا يعني أن البحث الوثائقي المتخصص المرتبط بمرحلة الفهم لا يجري دائما بنفس الوتيرة مع جميع المترجمين، سواء من حيث إستراتيجية البحث والخطوات اللازم إتباعها، أو من حيث نوع المصادر التي يمكن اللجوء إليها، لأنّ الأمر لا يتعلق بطبيعة النص المراد ترجمته فحسب، وإنما أيضا بعلاقة المترجم بهذا النص وبمدى عجز مخزونه المعرفي عن فهمه (بن محمد، 2018). لذلك نعتقد أن إستراتيجية البحث الوثائقي ومستوى العمق فيه يتحدّدان بناء على طبيعة النص وعلى ما يعرفه المترجم عن الموضوع الذي يتحدث عنه النص، وهو ما تذهب إليه دوريو حين تعتبر أنّه كلّما كانت المعلومات التي يمتلكها المترجم حول موضوع النص قليلة، وجب على البحث الذي سيقوم به أن يكون واسعا ومعمّقا (دوريو، 1988).
وإذا أردنا أن نحدّد أهمّ استراتيجيات البحث الوثائقي المتخصص في مرحلة الفهم، فإنّنا نؤكّد في البداية على أهمّية أن تكون اللغة التي سيعتمدها المترجم المتخصص في بحثه هي نفسها لغة النص المصدر (اللغة المنقولة)، لاسيّما إذا كان يترجم من اللغة الأصلية، أي اللّغة التي كتب بها النص لأوّل مرّة. وتكمن أهمية البحث باللغة المصدر في كون المعلومات التي يبحث عنها المترجم لإثراء رصيده المعرفي حول موضوع النص المراد ترجمته تكون أكثر قابلية للفهم والاستيعاب عندما تأتي بلغتها الأصلية. فمن الأسهل التعامل مع المصطلحات، أو كما تسمّيها دوريو الكلمات المفاتيح (دوريو، 1988)، في اللّغة نفسها على أن يتمّ التّعامل معها في لغة أخرى. كما نعتقد أنّه يمكن للمترجم بعد أن ينتهي من البحث باللغة المصدر أن يقوم بالبحث في مرحلة ثانية باللغة الهدف؛ كما يمكن أن يراوح بينهما، وهو ما قد يسهم في تعزيز فهمه للنص المصدر في ضوء مقارنته بين المعلومات المكتوبة باللغتين.
كما يجدر بالمترجم في هذه المرحلة أن يقرأ النص عدة مرّات حتى يتمكّن من الوقوف على جميع المعلومات والمصطلحات والمفاهيم الواردة فيه. ويكتسي هذا الأمر أهمية بالغة، لأنّه سيتسنّى للمترجم بعد ذلك تحديد ما فهمه وما لم يستطع فهمه منها. وهو ما سيمكّنه لاحقا من تحديد المعلومات التي يحتاجها لفهم ما لم يفهمه (جزئيا أو كليا)، والمصادر المصطلحية وغير المصطلحية التي يمكن أن تفيده في البحث عن هذه المعلومات، والأدوات التي سيستعملها لإجراء هذا البحث.
وللاستدلال على ذلك ببعض الأمثلة، سنحاول فيما يلي تحديد بعض الاستراتيجيات التي يمكن أن يعتمدها المترجم في بحثه الوثائقي المتخصص ليتمكن مثلا من الفهم الجيّد لنص “المكونات العامة للحاسب الآلي (المكونات المادية)” الذي سبق أن تناولناه عند دراسة دور المعارف المصطلحية النظرية في فهم بنية النظام المفاهيمي لهذا النص.
بعد قراءة هذا النص عدة مرات، يمكن للمترجم:
أن يحدّد المجال الذي ينتمي إليه النص وموضوعه، وهما كالآتي:
-المجال: المعلوماتية
– الموضوع: وصف المكونات المادية للحاسب الآلي (أو الحاسوب)
أن يستخرج جميع المعلومات والمصطلحات التي يتضمنها النص، ويمكن تحديدها كما يلي:
– المعلومات:
- يتكوّن أيّ جهاز حاسب آلي من المكونات الرئيسية التالية: الشاشة ولوحة المفاتيح والفأرة وعلبة النظام وربّما أيضا من بعض الملحقات الأخرى مثل الطابعة والماسحة الضوئية وعصى الألعاب والمجاهرات (السماعات).
- وظيفة الشاشة هي عرض النتائج.
- وظيفة لوحة المفاتيح والفأرة هي إدخال البيانات.
- أشهر محتويات علبة النظام هي اللوحة الأم، ووسائط التخزين، وبطاقات التوسعة.
- تحمل اللوحة الأم المعالج المركزي، والذاكرة المخبئية، والذاكرة العشوائية، وأطقم الرقاقات، ومنافذ الإدخال والإخراج، وشقوق التوسعة.
- تتكوّن وسائط التخزين من القرص الصلب (هارديسك)، والقرص المرن (فلوبي ديسك)، والقرص المدمج (السي دي رووم والسي دي رايتر)، ومن أقراص أخرى.
- تشمل بطاقات التوسعة بطاقة الفيديو، وبطاقة الصوت، والمودم، وبطاقة الشبكة، وموائم سكزي.
– المصطلحات: يمكن حصرها في الجدول التالي:
| جهاز الحاسب الآلي
الشاشة لوحة المفاتيح الفأرة البيانات علبة النظام اللوحة الأم وسائط التخزين بطاقات التوسعة الطابعة الماسحة الضوئية عصى الألعاب المجاهرات المعالج المركزي |
الذاكرة المخبئية
الذاكرة العشوائية أطقم الرقاقات منافذ الإدخال منافذ الإخراج شقوق التوسعة القرص الصلب القرص المرن القرص المدمج بطاقة الفيديو بطاقة الصوت المودم بطاقة الشبكة موائم سكزي |
جدول عدد 2: المصطلحات الواردة في النص الذي عنوانه:
“المكونات العامة للحاسب الآلي (المكونات المادية)”
يمكن أن تتفاوت نسبة المعرفة ونسبة الجهل بها من مترجم إلى آخر وذلك بالنظر خاصّة إلى مدى تمكّنه من المجال الذي ينتمي إليه هذا النص، ومدى قدرة رصيده المعرفي على فهمه. وإذا افترضنا مثلا أن المترجم لم يفهم جيّدا المعلومة الخاصة بوظيفة الشاشة، كما تمّت الإشارة إلى ذلك في النص المراد ترجمته، بأنّها تتمثل في “عرض النتائج”، ولم يفهم أيضا بعض المصطلحات مثل “أطقم الرقاقات”أو “شقوق التوسعة”، فإنّه يكون بذلك قد حدّد ما يجهله في النص.
أن يحدّد المعلومات التي يحتاجها لفهم ما لم يفهمه في النص. ويمكن أن تنقسم هذه المعلومات بحسب ما لم يفهمه إلى نوعين:
- معلومات غير مصطلحية تتعلق بمجال المعلوماتية بشكل عام وبالجانب المادي لجهاز الحاسب الآلي بشكل خاص، وتهدف هذه المعلومات هنا إلى تحديد وظيفة شاشة الحاسب الآلي بكل دقة، وذلك في إطار علاقتها المباشرة وغير المباشرة ببعض المكونات الأخرى للحاسب.
- معلومات مصطلحية تعين على فهم المصطلحات وضبط المفاهيم التي تشير إليها ضمن الحقول المعرفية التي تنتمي إليها، وهي تهدف هنا إلى تحديد الخصائص المفاهيمية لكلّ من المصطلحين: “أطقم الرقاقات” و”شقوق التوسعة” في مجال المعلوماتية، وهو ما سيسمح بتحديد موقعهما داخل النظام المفاهيمي لهذا المجال، وفهم العلاقات القائمة بينهما وبين المفاهيم الأخرى القريبة التي تنتمي إلى نفس النظام.
أن يحدّد المصادر التي سيبحث فيها عن هذه المعلومات. ويمكن أن يقسّم المترجم هذه المصادر بحسب نوع المعلومات التي يبحث عنها. ولمّا كانت هذه المعلومات تنقسم في النص إلى نوعين: معلومات غير مصطلحية وأخرى مصطلحية، فإنّه يجدر بالمترجم أن يجري بحثه أيضا من خلال مصادر غير مصطلحية وأخرى مصطلحية. يشمل النّوع الأوّل من هذه المصادر أساسا المقالات وكتب التّبسيط العلمي والكتب المتخصّصة، في حين يتمثّل النّوع الثاني أساسا في القواميس العامّة والمتخصّصة وبنوك المصطلحات وقواعد بيانات المصطلحات. ويجدر بالمترجم أن ينتقل تدريجيّا أثناء بحثه في هذه المصادر، سواء كانت ورقية أو إلكترونية، من الأساسيّة أو العامّة (المبسّطة) إلى تلك المعمّقة أو المتخصّصة (بلاسارد، 2007).
وفي محاولة فهم المعلومة الخاصّة بوظيفة شاشة الحاسب الآلي في علاقتها ببعض المكوّنات الأخرى للحاسب، يجدر بالمترجم إذن البحث في بعض المصادر غير المصطلحية كقراءة ما كتب مثلا في بعض المقالات الإلكترونية التي اهتمّت بهذا الموضوع، والتي يمكن تصفّحها عبر شبكة الانترنيت. وفيما يلي عرض لبعض هذه المواقع المفيدة:
صورة عدد 1 ملتقطة من شاشة الحاسوب لبعض المواقع الالكترونية من المصادر غير المصطلحية
صورة عدد 2 ملتقطة من شاشة الحاسوب لبعض المواقع الالكترونية من المصادر غير المصطلحية
وبعد الانتهاء من قراءة بعض المقالات الواردة في هذه المواقع، يمكن للمترجم أن يحصل على بعض المعلومات التي تعتبر بالنسبة إليه بمثابة المكمّلات المعرفية حول المعلومة الغامضة التي جاءت في النص (الشاشة من أجل عرض النتائج). وفيما يلي عرض لأهمّها:
| تعرض شاشة الحاسب الآلي المعلومات الموجودة عبر جهاز الكمبيوتر، سواء كانت بيانات أو صور أو فيديو أو حتى رسومات.
]…[ كما تعرض واجهة المستخدم والبرامج المفتوحة عبر الجهاز.تتصل شاشة الكمبيوتر بجهاز الكمبيوتر من خلال كيبل يتصل بمنفذ بطاقة الفيديو أو باللوحة الأم الموجودة عبر الجهاز. […] فإنّ شاشة الكمبيوتر تُعدّ جزءا أساسيا من أجزاء نظام الكمبيوتر، فعلى الرغم من أنه يُمكن للجهاز العمل بدون شاشة إلّا أنها الطريقة الرئيسية التي يتفاعل المُستخدِم من خلالها مع الجهاز وبدونها لن يكون بإمكان المُستخدِم تحديد ما يفعله عبر الجهاز. |
تعريف_شاشة_الكمبيوترhttps://mawdoo3.com/
| شاشة الكمبيوتر هي محول عرض يعرض المعلومات التي تتم معالجتها بواسطة بطاقة الفيديو الخاصة بالكمبيوتر. عندما تقوم بطاقة الفيديو أو بطاقة الرسومات بتحويل المعلومات الثنائية من 1 و0 إلى صور، يتم عرض هذه الصور على الشاشة المتصلة مباشرة. |
| شاشة الحاسوب هي إحدى المكونات المادية لجهاز الحاسوب، وتعتبر من أساسيات جهاز الحاسوب. وتتمثل أهمية شاشة الحاسوب في الآتي:
· شاشة الحاسوب تسمح برؤية جميع العمليات والمهام التي يمكن تنفيذها على جهاز الحاسوب.
|
ما-أهمية-شاشة-الحاسوبhttps://ujeeb.com/
كما يمكن للمترجم أن يجري بحثه في هذا النوع من المصادر باللغة الهدف، خاصّة وأنّ الكتابات الأولى التي تحدثت عن موضوع النص المراد ترجمته (المكونات المادية للحاسوب) ظهرت بشكل خاص باللغات الأوروبية مثل الإنجليزية والفرنسية. وفيما يلي عرض لبعض المعلومات التي يمكن أن يجدها المترجم باللغة الفرنسية، والتي يمكن أن تثري رصيده المعرفي حول الموضوع الذي يبحث عنه:
| Un écran d’ordinateur est un périphérique de sortie vidéo d’ordinateur. Il affiche les images générées par la carte graphique de l’ordinateur. Grâce au taux de rafraîchissement d’écran élevé, il permet de donner l’impression de mouvement. Il permet donc de travailler agréablement, de visionner de la vidéo, des films, de jouer à des jeux vidéo, de saisir des textes, etc. |
https://fr.wikipedia.org/wiki/%C3%89cran_d%27ordinateur
| L’écran est la partie de l’ordinateur qui va afficher un contenu. Il fait partie de ce qu’on appelle l’interface homme-machine : vous communiquez avec l’ordinateur via la souris et le clavier, et l’ordinateur affiche ses données sur l’écran. |
https://cours-informatique-gratuit.fr/cours/composition-de-base-ordinateur-unite-centrale/
نؤكد في هذا السياق على أهمية الانتقال من المصادر العامة أو البسيطة إلى المصادر المتخصصة والأكثر تعمقا، وهو ما قمنا به عندما انتقلنا في هذا المثال من موقع ويكيبيديا إلى درس في الإعلامية.
أمّا فيما يتعلق بتحديد الخصائص المفاهيمية للمصطلحين المذكورين أعلاه، فيمكن للمترجم أن يبحث عن ذلك في بعض المصادر المصطلحية الإلكترونية في اللغتين المصدر والهدف على حد سواء، لأنّ ما يهم المترجم في هذه المرحلة هو تحديد مفهوم المصطلح في اللغة المصدر وليس البحث عن المصطلح المقابل في اللغة الهدف. وفيما يلي أهمّ ما يمكن أن يجده من تعريفات مصطلحية وردت في بعض القواميس الإلكترونية، مثل معجم الانطولوجيا العربية والقاموس المصطلحي الكبير (Grand dictionnaire terminologique) ومعجم مصطلحات المعلوماتية والاتصالات.
تعريف مصطلح “طقم رقاقات” في معجم الانطولوجيا العربية
تعريف مصطلح “شقب توسيع” في معجم مصطلحات المعلوماتية والاتصالات
في هذا التعريف الأخير، ومن خلال التسمية المصطلحية “شقب توسيع”، قد يبدو أنّ معجم مصطلحات المعلوماتية والاتصالات يعرّف مفهوما آخر غير المفهوم الذي نبحث عنه والمعبّر عنه بالتسمية المصطلحية “شقوق التوسعة”. إلا أنه بعد الوقوف على الخصائص المفاهيمية المضمّنة في هذا التعريف (مقبس في الحاسوب، تتمثل وظائفه في: -حمل لوحات التوسيع، و -ربطها إلى مسرى الحاسوب، -وتعزّز سمات الحاسوب وإمكاناته) وربطها من جهة بالمجال (المعلوماتية) ومن جهة أخرى بالمصطلح الإنجليزي المقابل expansion slot يدرك أن هذا التعريف يحدد خصائص مفهوم “شقوق التوسعة” الذي نبحث عنه وليس مفهوما آخر. وفي هذا دلالة على أن ما يهمّنا أكثر عند محاولة فهم بعض المصطلحات بالبحث عنها في المصادر المصطلحية هو التركيز على خصائصها المفاهيمية ضمن الأنظمة المفاهيمية التي تنتمي إليها وليس على تسمياتها التي قد تختلف في بعض الأحيان من معجم إلى آخر.
2.3. الكفاءة في البحث الوثائقي المتخصص في مرحلة إعادة الصياغة
لا تقلّ مرحلة إعادة الصّياغة أهمّية عن مرحلة الفهم، ويمكن إرجاع ذلك إلى دور المترجم المتمثّل أساسا، كما يعتبره جيل (جيل،2005)، في فهم النّص المراد ترجمته ثمّ إفهام الآخرين ما فهمه من ذلك النّص عن طريق إعادة التّعبير عنه بلغة أخرى (اللّغة الهدف). لذلك نؤكّد على ضرورة توفّر الكفاءة في البحث الوثائقي المتخصص في هذه المرحلة، خاصّة عندما يتعلّق الأمر بترجمة النّصوص العلميّة والتقنية التي تتّصف بلغتها المتخصّصة وبدقّة المعلومات التي تنقلها، حتّى يتسنّى للمترجم إتباع إستراتيجية في البحث الوثائقي تمكّنه من تجاوز الصّعوبات والمشكلات التي قد تحول دون إنجازه ترجمة وفيّة للنّص الأصلي سواء من حيث اختيار المصطلحات المعادلة والصّيغ التّعبيرية التّخصّصيّة المتداولة في المجال أو من حيث إعادة التّعبير بكلّ دقّة عن جميع المعلومات الواردة فيه.
ويجدر بالمترجم في هذه المرحلة ألاّ يقلّل من أهمّية المعاجم الثّنائية الورقيّة، وخاصّة الالكترونيّة، في بحثه الوثائقي المتخصّص، ولكن في المقابل لا يجب أن يكون بحثه مقتصرا عليها، لأنّ ما يبحث عنه المترجم ليس فقط المصطلحات، وإنّما أيضا معرفة اللّغة المتخصّصة المستعملة في المجال الذي ينتمي إليه النّص. صحيح أنّ اللغات المتخصصة تتميّز بالكم المصطلحي الذي تحتويه (لورا، 1995)، وهذه خاصيتها الأساسية، إلاّ أن المصطلحات ليست كل ما تمثله هذه اللغات إذا أخذنا بعين الاعتبار بعض خصائصها الأخرى وخاصة منها الأسلوبية والوظيفية. لذلك نرى أن المعاجم الثنائية وخاصة منها المتخصصة يمكن أن تمثل المصدر الأساسي للبحث عن المصطلحات المعادلة، في حين يمكن اعتبار المصادر الأخرى الورقيّة، وخاصّة الالكترونيّة، المكتوبة باللّغة الهدف مثل المقالات وكتب التّبسيط العلمي والكتب المتخصّصة المصدر الأساسي للإلمام بما يسمّى “اللّغات المتخصّصة” (langues spécialisées).
يتّفق العديد من الباحثين، على غرار دوريو (1988) وحمزة (2009) وبن برينيس (2021)، على المخاطر التي يمكن أن تحفّ بعمليّة التّرجمة عند الاستعمال الحصري للمعاجم الثّنائيّة بحثا عن المصطلحات. وترجع دوريو (1988) هذه المخاطر إلى القصور الذي يشوب عموما المعاجم ثنائيّة اللّغة والمعاجم المتعدّدة اللّغات، لذلك تؤكد هذه الباحثة على ضرورة أن يحذر المترجم منها عند استعمالها. في حين يعتبر حمزة أنّ هذه المعاجم، نظرا لكونها، في غالب الأحيان، هي قوائم تضمّ مصطلحات فنّ من الفنون، وفي مقابل كلّ مصطلح منها لفظ معادل يقترحه المؤلّف، فهذا يعني، بالنّسبة إليه، أنّها لا تراعي نقل المفاهيم بقدر ما تراعي نقل المصطلحات، والحال “أنّ أصل المشكلة في المفاهيم ونقل المصطلح قبل نقل المفاهيم جري وراء السراب وقلب للمسألة على عقبها”. ويزداد الأمر سوءا، عندما يكون المترجم من غير الاختصاص، حيث سيكتفي عندما يريد نقل النّصّ الأصليّ إلى العربيّة (مثلا) بأن يستبدل بالمصطلح الأجنبي المصطلح العربي المقابل له، “حتّى لكأنّ النّصّ ذو ثقوب، تنقل ألفاظه إلى العربيّة، ثم يؤتى بالمصطلح العربي فيه لملء الثّقب الذي خلّفه غياب المصطلح الأجنبي” (حمزة، 2009). أمّا بن برينيس، فترى أنّ هذه المخاطر ناجمة عن طبيعة المعاجم المزدوجة التي يكتفي فيها أصحابها بإقامة تقابلات للمصطلحات خارج السّياق، وهو ما من شأنه أن يحول دون فهم المترجم للمصطلحات المتداولة في مجالاتها، علاوة على تعسير عملية الإلمام بلغات الاختصاص (بن برينيس، 2021).
غير أنّنا نعتقد أنّه كلّما تمّ الاستئناس في عملية البحث عن المصطلحات المعادلة بالمعاجم الثنائية التي تقدّم المعادل الأجنبي فضلا عن التعريف المصاحب لكل مصطلح ضمن الحقل المعرفي الدقيق أو المجال الفرعي الذي ينتمي إليه، كلّما تمكّن المترجم من الاختيار الأنسب للمصطلحات المعادلة التي يبحث عنها. وتكمن أهمية البحث في هذا النوع من المعاجم في كون “التعريف المصطلحي” (la définition terminologique) الذي تسنده هذه المعاجم إلى كلّ مصطلح يلعب دورا مهمّا في تحديد المفهوم الذي يحيل عليه من خلال ضبط خصائصه التي تميزه عن غيره من المفاهيم وتحديد موقعه ضمن الجهاز المفاهيمي للمجال العلمي أو التقني الذي ينتمي إليه. وهذا الأمر من شأنه أن يجعل المترجم يقف بدقة على المفهوم الذي يشير إليه كل مصطلح في اللغتين المترجم منها والمترجم إليها على حدّ سواء.
ولتحديد أهمّ استراتيجيات البحث الوثائقي في مرحلة إعادة الصياغة، نؤكّد إذن على أهمية أن يبدأ المترجم البحث عن المصطلحات المعادلة في المعاجم الثنائية الورقية وخاصة الالكترونية مع ضرورة أن يعتمد في بداية البحث المعاجمَ اللغوية العامة (les dictionnaires de langue générale) والمعاجم المتخصّصة (les dictionnaires spécialisés) التي تقترح المعادل الأجنبي والتعريف المصطلحي الذي يحدّد مفهومه ضمن النظام المفاهيمي الخاص بالمجال الذي ينتمي إليه. وللاستدلال على ذلك بأمثلة، سنأتي فيما يلي بنصّ مختصّ في الهندسة (la géométrie) كتب باللغة العربية، ثم ننقله إلى الفرنسية مستعينين في ذلك بمعجم متخصص في الرياضيات. وفيما يلي هذا النص:
الإدارة العامة لتصميم وتطوير المناهج، المساحة، الحساب المساحي، حساب مساحات الأشكال الهندسية، السعودية، 2004، ص 103
بعد قراءة هذا النص ومحاولة فهمه عن طريق ضبط الخصائص المفاهيمية للمصطلحات الواردة فيه والوقوف على جميع المعلومات التي يحتويها – وهذا العمل يتنزل كما هو معلوم ضمن مرحلة الفهم -، كما يبيّن ذلك الجدول التالي:
| المصطلحات | تعريفها | خصائصها المفاهيمية | المعلومات التي
ينقلها النص |
| المساحة | – “(الهندسة) عدد الوحدات المربّعة صحيحا أو كسرا التي يضمّها محيط لشكل هندسيّ مستو” (معجم اللغة العربية المعاصر)
– “المقدار الذي يميّز كل صنف من السطوح المتكافئة” (المصطلح الرياضي قاموس مدرسي في الرياضيات فرنسي عربي/ عربي فرنسي) (معجم المصطلح الرياضي) |
– مقدار قيس شكل هندسي أو جسم ما
– وهو يحدد عدد الوحدات المربعة صحيحا أو كسرا التي يضمها محيط هذا الشكل الهندسي |
يقدّم النص معلومات دقيقة حول خصائص المربّع وكيفية احتساب مساحته: – المربّع هو شكل هندسي له أربعة أضلع متساوية وأربع زوايا قائمة – يتمّ احتساب مساحة المربّع بضرب طول الضلع في نفسه مرتين – وللاستدلال على ذلك، يقدّم النص (مثالا) لقطعة أرض على شكل مربّع، طول ضلعها يبلغ 25.60 مترا. ولتحديد مساحة هذه الأرض (الحلّ) يقترح النص ضرب طول هذا الضلع في نفسه لتبلغ مساحة الأرض 655.36 م2 |
| المربّع | – ” (الهندسة): شكل هندسي يتكون من أربعة أضلاع متساوية وأربع زوايا قائمة” (معجم اللغة العربية المعاصر)
– “في الهندسة: أ) هو رباعي الأضلاع المحدّب ومتقايس الأضلاع الذي يكون أحد قطاعاته الزاوية قائما. ب) هو رباعي تكون أضلاعه المتقابلة متوازية وله ضلعان متتاليان متقايسان ومتعامدان. ج) هو متوازي الأضلاع الذي له ضلعان متتاليان متقايسان ومتعامدان. د) هم معيّن له قطاع زاوي قائم” (معجم المصطلح الرياضي) |
– هو شكل هندسي
– له أربعة أضلاع متساوية – له أربع زوايا قائمة |
|
| رباعي الأضلاع | – “(الهندسة) شكل هندسيّ مستوٍ محدود بأربعة أضلاع مستقيمة، يتلاقى كلُّ ضلعين متجاورين في نقطة تسمَّى بالرأس” (معجم اللغة العربية المعاصر)
– “مضلّع له أربعة أضلاع” (معجم المصطلح الرياضي) |
– هو شكل هندسي
– له أربعة أضلاع مستقيمة |
|
| الضلع | – “جمع أضلاع وأضلُع وضُلُوع:
(الهندسة): أحد خطوط الشكل الهندسي” (معجم اللغة العربية المعاصر) – “1) في المضلّع: هو كل قطعة مستقيم (أو طولها) تربط بين رأسين متواليين في المضلع… 2) في القطاع الزاوي: هو أحد نصفي المستقيمين اللذين لهما أصل واحد ويحدّان القطاع الزاوي…” (معجم المصطلح الرياضي) |
– هو أحد خطوط الشكل الهندسي
– وهو خط مستقيم يربط بين رأسين متواليين في الشكل الهندسي |
|
| الزاوية القائمة | – “ذات 90 درجة” (معجم اللغة العربية المعاصر)
-” مجموعة القطاعات الزاوية في المستوى والتي تقيس فتحتها بالدرجة 90″ (معجم المصطلح الرياضي) |
– هي زاوية
– لها فتحة قدرها 90 درجة |
جدول عدد 3: المصطلحات والمفاهيم والمعلومات التي ينقلها النص الرياضي الهندسي العربي المراد ترجمته إلى الفرنسية
سنعمل في مرحلة موالية، أي في مرحلة إعادة الصياغة، على نقل هذا النص إلى اللغة الفرنسية. وللقيام بذلك، سنبحث في البداية عن المعادلات الفرنسية للمصطلحات التي قمنا باستخراجها من النص المصدر باعتبارها تمثل المصطلحات المفاتيح، مراعين في الوقت نفسه الخصائص المفاهيمية لهذه المصطلحات كما جاءت في النص العربي والخصائص المفاهيمية للمصطلحات المعادلة في اللغة الفرنسية التي جاءت في نفس المجال (الهندسة) كما يقترحها المعجم المختص في مجال الرياضيات “المصطلح الرياضي قاموس مدرسي في الرياضيات فرنسي عربي/ عربي فرنسي” لعبد العزيز بوزيّان وفريد النّجّار، وهو ما يبيّنه الجدول التالي:
| المصطلحات العربية | خصائصها المفاهيمية | المصطلحات
الفرنسية المعادلة |
تعريفها في قاموس (المصطلح الرياضي) |
| المساحة | – مقدار قيس شكل هندسي أو جسم ما
– وهو يحدد عدد الوحدات المربعة صحيحا أو كسرا التي يضمها محيط هذا الشكل الهندسي |
Aire | – L’aire est la grandeur caractérisant des surfaces équivalentes.
– Mesurer l’aire d’une surface consiste à comparer cette aire avec celle d’une surface considérée en tant qu’une unité d’aire. Généralement l’unité de mesure des aires est l’aire d’un carré dont le côté mesure l’unité de mesure des longueurs. |
| المربّع | (في الهندسة)
– هو شكل هندسي – له أربعة أضلاع متساوية – له أربع زوايا قائمة |
Carré | (en géométrie)
a) C’est un quadrilatère convexe équilatéral dont l’un des secteurs angulaires est droit. b) Le carré est un quadrilatère dont les côtés opposés sont parallèles et qui a deux côtés consécutifs isométriques et perpendiculaires. c) C’est un parallélogramme ayant deux côtés consécutifs isométriques et perpendiculaires. d) Le carré est un losange ayant un secteur angulaire droit. |
| رباعي الأضلاع | – هو شكل هندسي
– له أربعة أضلاع مستقيمة |
Quadrilatère | C’est un polygone ayant quatre côtés. |
| الضلع | -هو أحد خطوط الشكل الهندسي
– وهو خط مستقيم يربط بين رأسين متواليين في الشكل الهندسي |
Côté | 1) D’un polygone
C’est le segment (ou sa longueur) joignant deux sommets consécutifs de ce polygone. 2) D’un secteur angulaire C’est l’une des deux demi-droites de même origine limitant le secteur angulaire. |
| الزاوية القائمة | – هي زاوية
– لها فتحة قدرها 90 درجة |
Angle droit | C’est l’ensemble des secteurs angulaires du plan dont la mesure de l’écart en degrés est 90. |
جدول عدد 4: المصطلحات الرياضية الهندسية الواردة في النص العربي ومعادلاتها الفرنسية
بناء على ما تمّ إيجاده في معجم “المصطلح الرياضي” من مصطلحات فرنسية معادلة تتوافق مع المفاهيم التي تعبّر عنها المصطلحات العربية، فإنّنا يمكن أن ننقل النص العربي إلى اللغة الفرنسية كما يلي:
| Le carré est un quadrilatère à quatre côtés égaux avec quatre angles droits dont les deux côtés opposés sont parallèles. L’aire du carré est calculée selon la formule suivante :
Aire du carré = longueur du côté × longueur du côté Exemple : Calculez l’aire d’une parcelle de terrain ayant la forme d’un carré de 25.60 m de côté destinée à la construction d’un immeuble résidentiel. Résolution : Aire du carré = longueur du côté × longueur du côté 25.60 × 25.60 = 655.60 m2 |
الترجمة الفرنسية للنص الرياضي الهندسي العربي
إنّ المتأمّل في هذه الترجمة يمكن أن يلاحظ أنّها استوفت شروط الترجمة العلمية، وخاصة شرطي حسن اختيار المصطلحات المناسبة في اللغة الهدف وإعادة صياغة المعلومات الواردة في النص الأصلي بكل دقة. ويعزى هذا الأمر بالأساس إلى خصائص المعجم المزدوج المتخصص في الرياضيات الذي استعملناه عند البحث عن المصطلحات المعادلة، حيث يراعي هذا النوع من المعاجم، كما رأينا في الجدولين السابقين، نقل المفاهيم قبل نقل المصطلحات.
ولمزيد الحرص على أن تكون هذه الترجمة مراعية لخصائص اللغة الفرنسية المتخصّصة المستخدمة في مجال الهندسة، يجدر بالمترجم التثبت من ذلك على ضوء المصادر الأخرى غير المصطلحية الورقية وخاصة الالكترونية المكتوبة باللغة الفرنسية مثل المقالات وكتب التّبسيط العلمي والكتب المتخصّصة. وأهمّ إجراء يمكن أن يقوم به المترجم هنا هو أن يأخذ الصيغ التّعبيرية التّخصّصيّة التي اختارها عند ترجمة النص ويبحث عنها في مختلف هذه المصادر المتخصّصة التي اهتمّت بموضوع النّص. وفي هذا السياق نؤكّد على أهمية أن يركّز البحث على المصادر الالكترونية نظرا لتوفّرها بغزارة عبر شبكة الانترنت ونظرا أيضا لسرعة الوصول إليها. ويمكن أن نستدلّ على ذلك بمثال؛ وهو البحث في هذه المصادر عن الصيغة التعبيرية الفرنسية (aire du carré) التي تمّ اختيارها للتعبير عن معادلها العربي “مساحة المربّع”. عند البحث عن هذه الصيغة الفرنسية، يجب ألاّ يغيب عن المترجم بعض المفاهيم الأساسية التي ارتبطت بها في النص المصدر مثل مفهوم الحساب من خلال المصطلح “تحسب” الذي تمّ نقله إلى الفرنسية عن طريق المصطلح الفرنسي (calculer)، ومفهوم القاعدة من خلال مصطلح “القانون” الذي قمنا بترجمته باستعمال المصطلح الفرنسي (formule) باعتباره المصطلح الأدق والأكثر تداولا في هذا السياق. وبمجرّد كتابة هذه العبارة والنقر عليها في الخانة الخاصة بعملية البحث عبر محرك البحث “قوقل” (Google) مثلا، تظهر قائمة العناوين الالكترونية التي تحيل القارئ على ما كتب حول الموضوع من مقالات وكتب وغيرها، وهو ما تبيّنه صورة شاشة الحاسوب التالية:
صورة عدد 3 ملتقطة لشاشة الحاسوب بحثا عن بعض المصادر الالكترونية التي كتبت حول موضوع النص
ثم يتصفّح المترجم هذه العناوين باحثا عن المصدر الذي يستجيب أكثر من غيره لما يبحث عنه خاصة فيما يتعلّق بالمفاهيم التي ذكرناها سابقا والمصطلحات التي تسمّيها. وفي هذا السياق، يمكن أن يعتمد مثلا ما جاء في الدرس الرياضي الذي يحمل عنوان: (LES AIRES DES SURFACES PLANES). وفيما يلي مقتطف من هذا الدرس:
مقتطف من الدرس الرياضي: LES AIRES DES SURFACES PLANES
إنّ القارئ لهذا النص يمكن أن يقف على أغلب المصطلحات والصيغ التعبيرية الاصطلاحية الفرنسية التي يبحث عنها (calcul – aire – carré – côté – résolution – formule – aire du carré – calculer l’air)، ويعزى ذلك أساسا إلى أنّ هذا النص الفرنسي كتب في نفس الموضوع وفي نفس المجال الذين كتب فيهما النص العربي موضوع الترجمة.
- 4. الكفاءة المصطلحية في مواجهة التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي
شهد مجال الترجمة المتخصصة خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة بفعل التطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي، ولا سيما مع تطور أنظمة الترجمة الآلية العصبية مثل Google Translate وDeepL والنماذج اللغوية الكبرى التي باتت قادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات اللغوية وإنتاج ترجمات تتسم بدرجة معتبرة من السلاسة والانسجام. وقد أسهمت هذه التحولات في إعادة تشكيل الممارسات المهنية للمترجم المتخصص، كما أعادت طرح التساؤل حول موقع الكفاءة المصطلحية ووظيفتها داخل عملية الترجمة المتخصصة.
فإذا كانت الأدوات الرقمية قد ساعدت على تسريع عمليات البحث المصطلحي وتيسير الوصول إلى الموارد المتخصصة، فإنها في الوقت نفسه غيّرت طبيعة المهام التي يضطلع بها المترجم، حيث لم يعد دوره مقتصرا على البحث عن المقابلات المصطلحية وإدراجها في النص المترجم، بل أصبح مطالبا بمراجعة المخرجات الآلية وتقويمها والتحقق من سلامة الاختيارات المصطلحية التي تقترحها الأنظمة الذكية وضمان اتساقها مع النظام المفاهيمي الخاص بالمجال التخصصي المعني. كما أصبحت إدارة الموارد اللغوية والمصطلحية وتوجيه الأنظمة الذكية وتقييم جودة المحتوى المولّد آليا من المهام التي تندرج ضمن نطاق عمله المهني.
غير أن التطور الذي حققته تطبيقات الذكاء الاصطناعي لا يعني تراجع أهمية الكفاءة المصطلحية أو الاستغناء عنها، بل على العكس من ذلك، كشف عن الحاجة المتزايدة إليها. فالأنظمة الذكية، مهما بلغت درجة تطورها، تظل معتمدة على الأنماط الإحصائية والمعطيات المتوفرة في البيانات التي درّبت عليها، وهو ما يجعلها عرضة لإنتاج حلول مصطلحية تفتقر أحيانا إلى الدقة المفاهيمية أو إلى الملاءمة السياقية. وقد تقدّم هذه الأنظمة مقابلات تبدو سليمة من الناحية اللغوية، لكنها لا تعكس الاستعمال المصطلحي المعتمد داخل الحقل المتخصص أو لا تنسجم مع البنية المفاهيمية التي ينتمي إليها المصطلح.
لذلك، تظل الخبرة البشرية عنصرا حاسما في مراقبة جودة المخرجات الآلية وتوجيهها، حيث يبقى المترجم المتخصص الشخص الوحيد القادر على الربط بين المصطلح ونظامه المفاهيمي والتداولي، وعلى استحضار المعارف المتخصصة والخلفيات الثقافية التي تتجاوز ما يمكن أن توفره الخوارزميات. كما أن اتخاذ القرار المصطلحي في كثير من الحالات لا يقوم على معايير لغوية فحسب، بل يستند إلى عمليات تحليل وتأويل ومفاضلة بين بدائل متعددة، وهي عمليات تظل مرتبطة بالقدرة البشرية على الفهم النقدي والتقدير السياقي.
وبناء على ما تقدم، لا ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه بديلا للكفاءة المصطلحية، وإنما باعتباره أداة داعمة تعزز من فاعلية المترجم وتوسّع إمكاناته المهنية. فكلما ازدادت قدرة الأنظمة الذكية على إنتاج المحتوى اللغوي، ازدادت الحاجة إلى مترجم يمتلك كفاءة مصطلحية راسخة تمكّنه من تقييم هذا المحتوى والتحقق من دقته وضمان توافقه مع متطلبات التواصل العلمي والتقني المتخصص.
- رهانات تكوين المترجم المتخصص في ظل التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي
أفضت التحولات التي شهدتها الترجمة المتخصصة بفعل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي إلى إعادة النظر في التصورات التقليدية لتكوين المترجم. فالمهارات اللغوية التي كانت تشكل في السابق جوهر التكوين لم تعد كافية وحدها للاستجابة لمتطلبات الممارسة المهنية المعاصرة، بل أصبح من الضروري إعداد مترجم يمتلك كفاءات معرفية ومصطلحية وتكنولوجية متكاملة تمكنه من التفاعل مع بيئة عمل تتسم بالتعقيد والتغير المستمر.
ويتمثل أول هذه الرهانات في البعد المعرفي، حيث تقوم الترجمة المتخصصة أساسا على فهم المحتوى العلمي والتقني قبل نقله إلى لغة أخرى. وقد أدى التسارع الكبير في إنتاج المعرفة وتزايد التخصصات الدقيقة إلى ارتفاع الحاجة إلى مترجم قادر على استيعاب الأنساق المفاهيمية الخاصة بالمجالات التي يترجم فيها، وعلى مواكبة المستجدات العلمية التي تؤثر بصورة مباشرة في البنية المصطلحية لهذه المجالات. لذلك، يجدر بتكوين المترجمين أن ينتقل من التركيز على المعرفة اللغوية العامة إلى تنمية القدرة على اكتساب المعرفة المتخصصة وتحليلها وتوظيفها.
ويرتبط بذلك رهان تكنولوجي لا يقل أهمية عن الرهان المعرفي التخصصي فرضته المكانة المتنامية التي أصبحت تحتلها الأدوات الرقمية في مختلف مراحل العملية الترجمية، حيث أصبح المترجم المعاصر في حاجة ماسة إلى إتقان بيئات العمل الرقمية واستيعاب آليات اشتغال أنظمة إدارة المصطلحات وذاكرات الترجمة وأدوات استخراج المصطلحات وتطبيقات الترجمة الآلية والذكاء الاصطناعي التوليدي. ولا ينبغي أن يقتصر تكوين المترجم على تعريفه بهذه الأدوات، بل يجب أن يركز على تنمية قدرته النقدية في استخدامها وتقييم نتائجها وتحديد حدودها وإمكاناتها.
أما على المستوى المصطلحي، يتمثل التحدي في التنامي المتسارع للمفاهيم الجديدة وما يرافقه من إنتاج مستمر للمصطلحات في مختلف المجالات المعرفية، الأمر الذي يقتضي تكوين مترجم يمتلك القدرة على البحث المصطلحي الاستراتيجي، وعلى فهم آليات التوليد المصطلحي وتقويم المقابلات المتاحة واختيار الأنسب منها وفق مقتضيات الاستعمال في كل مجال اختصاص. كما يتطلب الأمر تعزيز مهارات إدارة الموارد المصطلحية وبناء المسارد وقواعد البيانات التي تضمن الاتساق المصطلحي داخل المشاريع الترجمية.
وفي سياق متصل، يبرز تحدّ مؤسسي يتمثل في اتساع الفجوة بين التحولات التي يعرفها سوق الترجمة ومتطلبات الممارسة المهنية من جهة، وبين ما تقدمه بعض برامج التكوين الجامعي من جهة أخرى، حيث يفرض التطور السريع للتقنيات الرقمية مراجعة مستمرة للمناهج والمقررات وآليات التدريب، بما يضمن انسجامها مع المهارات المطلوبة في البيئات المهنية الحديثة. ولم يعد كافيا أن يقتصر تكوين المترجم على الجوانب النظرية، بل أصبح من الضروري تعزيز التكوين بالأشغال التطبيقية القائمة على المشاريع الواقعية والتفاعل مع الأدوات والتقنيات المستخدمة في سوق العمل.
وإلى جانب هذه الأبعاد المعرفية والتكنولوجية والمؤسسية، تفرض تطبيقات الذكاء الاصطناعي إشكالات أخلاقية متزايدة تتعلق بموثوقية المحتوى المولّد آليا وحماية المعطيات واحترام الملكية الفكرية وتحديد المسؤولية المهنية عن الأخطاء المحتملة التي يمكن أن ترتكبها المخرجات الآلية. وهو ما يجعل من الضروري إدماج البعد الأخلاقي ضمن برامج تكوين المترجمين، بما يرسخ لديهم ثقافة الاستخدام المسؤول للتقنيات الرقمية ويعزز وعيهم بالآثار المهنية والعلمية المترتبة على توظيفها.
وبناء على ما تقدم، يمكن أن نخلص إلى أن التحدي الحقيقي الذي يواجه مؤسسات تكوين المترجمين اليوم لا يتمثل في مجرد إدماج أدوات الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية، بل في بناء نموذج تكويني جديد يحقق التوازن بين المعرفة المتخصصة والكفاءة المصطلحية والخبرة التكنولوجية والوعي الأخلاقي، بما يضمن إعداد مترجم قادر على توظيف التقنيات الحديثة بكفاءة دون التفريط في دوره المعرفي والنقدي داخل العملية الترجمية.
- نحو نموذج تكويني متكامل للمترجم المتخصص في العصر الرقمي
تكشف التحولات التي تشهدها الترجمة المتخصصة اليوم أن النماذج التقليدية لتكوين المترجم لم تعد قادرة بمفردها على الاستجابة لمتطلبات الممارسة المهنية في بيئة تتسم بالتطور التكنولوجي المتسارع والتجدد المستمر للمعرفة والمصطلحات. ومن ثمّ، تبرز الحاجة إلى إعادة بناء التصورات التكوينية السائدة على أساس رؤية شمولية تدمج بين الأبعاد المعرفية والمصطلحية والتكنولوجية والأخلاقية، بما يضمن إعداد مترجم قادر على التفاعل الفعّال مع التحولات التي يشهدها قطاع الترجمة.
وينبغي أن تنطلق هذه الرؤية من تعزيز التكوين المصطلحي بوصفه أحد المكونات الجوهرية في عملية الترجمة المتخصصة، وذلك من خلال ترسيخ المعرفة النظرية بالمفاهيم والمصطلحات وآليات بنائها وتنظيمها، وتنمية القدرة على تحليل الأنساق المفاهيمية واستيعاب العلاقات التي تربط بين مكوناتها. كما يتعين إيلاء عناية خاصة لتطوير مهارات البحث الوثائقي المتخصص، باعتباره الأداة الأساسية التي تمكّن المترجم من الوصول إلى المعرفة المتخصصة والتحقق من دقة المعلومات والمقابلات المصطلحية في سياقاتها المختلفة.
وفي ظل الحضور المتزايد للذكاء الاصطناعي داخل بيئات العمل الترجمية، يصبح من الضروري إدماج التكوين التكنولوجي ضمن البرامج الجامعية بصورة منهجية، حتى يتمكّن المترجم من فهم هذه الأدوات واستثمارها استثمارا واعيا وفعالا، وليس بهدف استبدال المهارات البشرية بالأدوات الرقمية. ويشمل هذا الأمر تدريب المترجمين على أنظمة إدارة المصطلحات وذاكرات الترجمة وأدوات استخراج المصطلحات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي المختلفة، مع التركيز على تنمية القدرة على تقييم مخرجاتها ومراقبة جودتها وحدودها.
كما تقتضي متطلبات الممارسة المهنية الحديثة تعزيز التكوين التطبيقي القائم على إدارة المشاريع المصطلحية والترجمية، بما يسمح للطلبة باكتساب خبرة عملية في تنظيم الموارد المصطلحية وتوثيقها وتحيينها وضمان اتساقها داخل المشاريع متعددة الأطراف واللغات. ويستدعي ذلك أيضا توثيق الصلة بين مؤسسات التكوين والقطاعات المهنية من خلال تطوير الشراكات وبرامج التدريب الميداني التي تتيح للطلبة الاحتكاك المباشر بمتطلبات سوق العمل وتحولاته.
ولا يكتمل هذا النموذج التكويني إلا بتنمية التفكير النقدي لدى المترجمين المستقبليين، بما يمكّنهم من التعامل مع المخرجات الآلية باعتبارها مقترحات قابلة للتقويم والمراجعة، وليست حقائق نهائية جاهزة للاعتماد. فكلما ازدادت قدرة الأنظمة الذكية على إنتاج المحتوى اللغوي، ازدادت الحاجة إلى مترجم يمتلك القدرة على التحليل والتقييم واتخاذ القرار المصطلحي والمعرفي المناسب في ضوء السياق التخصصي والتواصلي.
وإلى جانب ذلك، تفرض البيئة الرقمية المعاصرة ضرورة ترسيخ البعد الأخلاقي في التكوين، من خلال تعزيز الوعي بقضايا الموثوقية العلمية وحماية البيانات واحترام الملكية الفكرية والمسؤولية المهنية المرتبطة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. فالتحديات التي تطرحها هذه التقنيات لا تقتصر على الجانب التقني، بل تمتد إلى أبعاد معرفية ومجتمعية وقيمية تتطلب من المترجم قدرا عاليا من الوعي والمسؤولية.
وبناء على ما تقدم، فإن مستقبل تكوين المترجم المتخصص لا يكمن في الإحلال التدريجي للتقنيات محل الإنسان، بل في بناء تكامل وظيفي بين الخبرة البشرية والإمكانات التي توفرها الأدوات الذكية. فالمترجم الذي يتطلبه العصر الرقمي هو ذلك الذي يجمع بين المعرفة المتخصصة العميقة والكفاءة المصطلحية الراسخة والقدرة على توظيف التكنولوجيا بصورة نقدية ومسؤولة، بما يضمن جودة الترجمة وموثوقيتها في بيئات معرفية وتواصلية متزايدة التعقيد.
الخاتمة
خلصت هذه الدراسة إلى أن التحولات الرقمية التي يشهدها مجال الترجمة المتخصصة، وما رافقها من تطور متسارع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لم تقلل من أهمية الكفاءة المصطلحية، بل أعادت تأكيد مركزيتها داخل العملية الترجمية وأبرزت أبعادا جديدة لها. فكلما ازدادت قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على إنتاج الترجمات ومعالجة النصوص المتخصصة، ازدادت الحاجة إلى مترجم يمتلك كفاءة مصطلحية راسخة تمكّنه من فهم البنى المفاهيمية للمجالات المتخصصة، وتقييم المخرجات الآلية والتحقق من دقتها واتساقها مع المعايير العلمية والتواصلية المعتمدة.
وقد أظهر التحليل أن الكفاءة المصطلحية لم تعد تقتصر على معرفة المقابلات المصطلحية أو حسن توظيفها، وإنما أصبحت كفاءة مركبة تجمع بين المعرفة النظرية بعلم المصطلح، والقدرة على تحليل الأنظمة المفاهيمية، وإدارة الموارد المصطلحية، والبحث الوثائقي المتخصص، والتفاعل النقدي مع أدوات الذكاء الاصطناعي. كما بيّن البحث أن هذه الأدوات، على الرغم مما توفره من إمكانات متقدمة في استخراج المصطلحات وإدارة قواعدها والمساعدة على الترجمة، لا تستطيع أن تحل محل الخبرة البشرية في معالجة التعقيد المفاهيمي والخصوصيات التداولية والثقافية التي تميز النصوص المتخصصة، لأن المصطلح يظل مرتبطا بأنظمة معرفية وسياقات استعمالية تتجاوز مجرد المطابقة اللغوية.
وتؤكد هذه النتائج أن التحدي الذي تواجهه المؤسسات التي تعنى بتكوين المترجمين لا يتمثل في إدماج التقنيات الرقمية ضمن البرامج التعليمية فحسب، وإنما في إعادة بناء التصور العام للكفاءة الترجمية بما يحقق التكامل بين التكوين اللغوي والمصطلحي والمعرفي والتكنولوجي والأخلاقي، ويؤهل المترجم لاستثمار أدوات الذكاء الاصطناعي استثمارا واعيا يقوم على التحليل والنقد واتخاذ القرار، بما يحافظ على دوره بوصفه وسيطا معرفيا مسؤولا عن ضمان الدقة المفاهيمية والاتساق المصطلحي وجودة التواصل المتخصص.
ومع ذلك، تظل نتائج هذه الدراسة مرتبطة بطبيعتها النظرية التحليلية، حيث اقتصرت على تحليل الأدبيات العلمية ومناقشة المفاهيم وتوظيف أمثلة تطبيقية توضيحية، دون الاستناد إلى دراسة ميدانية أو تجريبية تقيس أثر الذكاء الاصطناعي في الممارسات الفعلية للمترجمين أو في برامج تكوينهم. كما أن التطور السريع والمتواصل لتقنيات الذكاء الاصطناعي يجعل بعض الاستنتاجات الواردة في هذه الدراسة قابلة للمراجعة والتطوير كلما ظهرت أدوات جديدة أو تغيرت أنماط استخدامها في الترجمة المتخصصة.
وانطلاقا من هذه الحدود، تبرز مجموعة من الاتجاهات البحثية التي يمكن أن تثري هذا المجال، من أهمها: إجراء دراسات ميدانية لقياس مستوى الكفاءة المصطلحية لدى المترجمين والطلبة في ظل استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي؛ وتحليل أثر هذه الأدوات في جودة القرارات المصطلحية ودقة الترجمة المتخصصة؛ وتقييم فاعلية دمج أنظمة إدارة المصطلحات والذكاء الاصطناعي التوليدي في برامج تكوين المترجمين؛ وإنجاز دراسات مقارنة بين الممارسات الترجمية البشرية والمخرجات الآلية في مجالات تخصصية مختلفة؛ فضلا عن بحث الأبعاد الأخلاقية والمعرفية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في الترجمة، ولا سيما ما يتصل بالمسؤولية المهنية وموثوقية الموارد المصطلحية وضمان جودة التواصل العلمي والتقني.
وفي ضوء ما تقدم، يمكن القول إن مستقبل الترجمة المتخصصة لا يتجه إلى إحلال الآلة محل المترجم، وإنما إلى إعادة تعريف أدواره في بيئة مهنية تتكامل فيها الخبرة البشرية مع القدرات التقنية المتقدمة. وسيظل نجاح المترجم المتخصص رهينا بقدرته على الجمع بين الكفاءة المصطلحية الراسخة والمعرفة التخصصية العميقة والتمكن من التقنيات الرقمية، بما يضمن استمرارية دوره في إنتاج المعرفة المتخصصة ونقلها بدقة وفاعلية عبر اللغات والثقافات.
الشكر والتقدير
يُعرب المؤلف عن تقديره للجهود العلمية المتراكمة في مجالي علم المصطلح والترجمة المتخصصة، والتي شكّلت منطلقاً نظرياً ومنهجياً لهذا البحث.
الموافَقَة الأخلاقية
لم تتطلب هذه الدراسة الحصول على موافقة لجنة لأخلاقيات البحث، لأنها دراسة نظرية وصفية تحليلية لم تشمل مشاركين بشريين أو حيوانات، ولم تتضمن جمع بيانات شخصية أو حساسة.
مُساهمات المُؤَلِّف
أنجز محي الدين بن محمد بنسليمان جميع مراحل البحث، بما في ذلك بلورة الفكرة، وتحديد المنهجية، وجمع المصادر والمراجع، وتحليل الأدبيات والنماذج التطبيقية، وصياغة النسخة الأصلية للمقالة، ومراجعتها وتحريرها. كما قرأ المؤلف النسخة النهائية ووافق على نشرها، ويتحمل المسؤولية الكاملة عن محتواها.
بيان الإفصاح
يُصرح المؤلف بعدم وجود أي تضارب في المصالح المالية أو المهنية أو الشخصية يمكن أن يكون قد أثّر في إعداد هذا البحث أو في نتائجه.
التمويل
لم يتلقَّ هذا البحث أي تمويل أو دعم مالي محدد من أية مؤسسة عامة أو خاصة أو غير ربحية.
نبذة عن المؤلف
محي الدين بن محمد بنسليمان أستاذ مساعد للتعليم العالي، متخصص في علوم المصطلحات والترجمة بالمعهد العالي للغات بتونس، جامعة قرطاج. حاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة أورليان الفرنسية، وعضو في «مخبر المباحث الدلالية واللسانيات الحاسوبية» بجامعة منوبة، كما يتولى تنسيق الإجازة الوطنية في الترجمة بالمعهد العالي للغات بتونس. له عدد من البحوث والمؤلفات في علم المصطلح والترجمة المتخصصة، من أبرزها كتاب المصطلحات العلمية الفرنسية وترجمتها إلى العربية في القرن التاسع عشر (صدر باللغة الفرنسية). تتركز اهتماماته البحثية في علم المصطلح والترجمة المتخصصة.
المصدر