الحوار الأوروبي-السوري: بدايةٌ مُتعثِّرة وانخراطٌ حَذِر

  • يَعكِس الحوار الأوروبي-السوري تحوّلاً براغماتياً أوروبياً من التركيز على حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية إلى أولوية الاستقرار، وعودة اللاجئين، وتعزيز التنسيق الأمني مع نظام الرئيس أحمد الشرع. 
  • اندفعت أوروبا إلى الانخراط مع سورية بفعل ضغوط ملف اللاجئين، وتراجُع موقعها الجيوسياسي في المنطقة، ورغبتها في موازنة النفوذين الأمريكي والتركي والحد من الحضور الروسي والإيراني.
  • تنظُر دمشق إلى الحوار مع الاتحاد الأوروبي بوصفه أداةً لاكتساب الشرعية وجذب التمويل والاستثمار، وتقديم سورية بوصفها شريكاً لوجستياً واقتصادياً وممراً استراتيجياً بين آسيا وأوروبا. 
  • لا يزال الخلاف الجوهري بين دمشق وبروكسل قائماً؛ إذ يربط الجانب الأوروبي التقدُّم في الحوار بإصلاحات سياسية وحوكمة شاملة، بينما ترفض دمشق الشروط السياسية، وتطالب بدعم اقتصادي وإعادة الإعمار قبل تحقيق أي تقدُّم في ملف اللاجئين. 
  • يُرجَّح أن يبقى مستقبل الحوار السوري-الأوروبي محدوداً وحَذِراً؛ فهو أقرب إلى إدارة المصالح والتباينات ومنع القطيعة، منه إلى بناء شراكة استراتيجية كاملة بين الطرفين، مع احتمال حصول تقدُّم في العلاقات الثنائية لدمشق مع بعض العواصم الأوروبية بوتيرةٍ أسرع. 

 

يُمثِّل إطلاق الاتحاد الأورِوبي حواراً سياسياً رفيع المستوى مع سورية نقطةَ تحول في العلاقات بين بروكسل ودمشق، من التركيز على مبادئ مثل حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، إلى التعامل بواقعية مع قضايا عودة اللاجئين وفرص التنسيق الأمني حيال التطورات الجارية في الإقليم.

 

تناقش هذه الورقة العوامل الجيوسياسية والاقتصادية التي دفعت الجانبين إلى الانخراط في الحوار، والقضايا المطروحة على أجندته.

 

الدوافع الأوروبية والسورية

شَهِدَ الموقف الأوروبي نهاية العام الماضي تحولاً ملحوظاً باتجاه إطلاق مسار جديد مع سورية، إذ يمكن القول إن الموقف الأوروبي تجاه حكومة الشرع انتقل من الشكّ والتردد إلى التعامل معها تحت داعي الضرورة الاستراتيجية. فقد التقى رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورزولا فون دير لاين الشرع في دمشق، وعرضا عليه إطاراً جديداً للتعاون يستهدف تكثيف الدعم الأوروبي لعملية انتقال سلمية وشاملة بقيادة سورية، وتلبية الاحتياجات الإنسانية، والمساهمة في جهود التعافي الاقتصادي. ويقوم على إحياء اتفاقية التعاون مع سورية وتأسيس شراكة سياسية بين الجانبين، وعقد حوار رفيع المستوى في النصف الأول من العام الجاري.

 

أتى التحول الأوروبي استجابةً لعوامل عدة، من أهمها:

 

  • قضية اللاجئين: يتعرَّض القادة الأوروبيون إلى ضغوط داخلية لإعادة أعداد كبيرة من اللاجئين إلى بلدانهم الأصلية. وتصاعدت تلك الضغوط بعد سقوط نظام الأسد. قادت ألمانيا مساراً داخل الاتحاد الأوروبي للانخراط مع حكومة الشرع من أجل الوصول إلى غايتها فيما يتعلق بإعادة اللاجئين السوريين، عبر دعم إعادة إعمار البلاد الخارجة من الحرب، من دون الالتفات إلى حقوق الإنسان أو المسار السياسي الداخلي في سورية. ويركز المسؤولون الألمان على ترحيل  “المجرمين وطالبي اللجوء المرفوضين من ألمانيا”. وعلى الرغم من التعقيدات القانونية التي يواجه هذا الخيار داخل ألمانيا نفسها، إلا أن تقييماً أوروبياً خلص مطلع العام الجاري إلى أن سورية لا تزال بلداً “غير آمن وفق قواعد الاتحاد الأوروبي“. وشرح المفوض الأوروبي للشؤون الداخلية والهجرة ماجنوس برونر، سياسة التكتل الموحد الحالية حيال سورية بأنها “استمرار تقديم الدعم الأوروبي لتحسين الأوضاع بما قد يُفضي إلى تغيير هذا التقييم مستقبلاً”، وفي الوقت نفسه تشجيع المهاجرين السوريين على العودة بشكل طوعي إلى بلادهم. من جهة أخرى، برز قلق لدى الأوروبيين حيال مسار السلطة الحاكمة في سورية، ومخاوف من فشلها في توفير الأمن الداخلي وإرساء حوكمة رشيدة، ما من شأنه أن ينعكس على الاستقرار في البلاد ويُعطِّل المساعي الأوروبية لإعادة اللاجئين، وقد يفتح الباب أمام موجات جديدة من اللاجئين تدق أبواب الدول الأوروبية.

 

  • عزلة أوروبية متزايدة على الصعيد الجيوسياسي: وجدت الدول الأوروبية نفسها معزولةً عن الحقائق الجديدة في منطقة الشرق الأوسط بعد السابع من أكتوبر 2023. في المقابل عزز الأمريكيون نفوذهم في لبنان وسورية والعراق، متقدمين على حساب النفوذ الإيراني المتراجع. ولم يُقيد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نفسه باشتراطات حقوق الإنسان في سورية، ومضى مبعوثه إلى سورية توم براك خطوات بعيدة في الانفتاح والتقارب مع دمشق. وهذه البراغماتية الأمريكية، مدفوعةً بالنصائح السعودية والتركية والقطرية، فتحت أبواب البيت الأبيض أمام الشرع. وقد انطلقت إدارة ترمب من أهمية ترسيخ التحول في المنطقة بعد سقوط نظام الأسد وملء الفراغ الإيراني عبر تثبيت حكم الشرع من أجل قطع الطريق على إحياء النفوذ الإيراني ودفع مصالح الأمن القومي الأمريكي في مواجهة الإرهاب، وجعل سورية “مختبراً لتوافق إقليمي” واسع يشمل دول الخليج وتركيا وإسرائيل. وفي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تنخرط دبلوماسياً مع دمشق من أجل توسيع هامش مناورتها الإقليمي، كان الاتحاد الأوروبي يقرر فرض عقوبات على قادة وكيانات لمشاركتها في ارتكاب مجازر الساحل (مارس 2025)، تتبع لما كان يسمى “الجيش الوطني” المدعوم تركيّاً، الأمر الذي أزعج القيادتين السورية والتركية. وبعد هذا القرار، نشأت ضغوط من كبار الدبلوماسيين العاملين في سفارات دول الاتحاد بدمشق من أجل تصحيح المسار الأوروبي والانخراط مع حكومة الشرع، وفقاً لاستراتيجية “الخطوة مقابل خطوة”.

 

يُمثِّل إطلاق الاتحاد الأورِوبي حواراً سياسياً رفيع المستوى مع سورية نقطةَ تحول في العلاقات بين بروكسل ودمشق (سانا)

 

  • التقارُب بين دمشق وكييف، ومصير القاعدتين الروسيتين على الساحل السوري: أتت الأحداث التي شهدتها المنطقة بعد الحرب الأمريكية/الإسرائيلية على إيران، لتدفع بعض الدوائر الأوروبية المتشككة بحكم الشرع، إلى تليين شكوكها نظراً لأهمية الثقل السوري في ميزان القوى ببلاد الشام. وقد شكلت زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى دمشق برفقة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ولقاؤهما الرئيس السوري مؤشراً على تشكُّل مثلث تنسيق تركي-سوري-أوكراني مُوجه بشكل أو بآخر ضد روسيا. وعلى حين ركز السوريون على آفاق التعاون بين البلدين فيما يتعلق بالأمن الغذائي، كشف زيلينسكي أن المباحثات مع الشرع تطرَّقت إلى التعاون العسكري والأمني. وأتت زيارة زيلينسكي بعد أيام من إعلان الشرع من لندن عن وجود ترتيبات لتحويل القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس إلى مراكز لتدريب القوات السورية، مما يلبي شرطاً أوروبياً أساسياً لفتح باب التعاون مع دمشق. وستكون حكومة الشرع بأمس الحاجة إلى مؤازرة في خلال مفاوضاتها المقبلة مع روسيا، وبخاصة بعد اتضاح أن الأخيرة أصبحت مورّد النفط الرئيس إلى سورية، وتسرُّب أنباء عن نية موسكو تشغيل قاعدتها البحرية في طرطوس. تُظهر هذه الأحداث أن أوروبا قد تستفيد من رفع مستوى حوارها مع الشرع لتحقيق هدفين: الأول تعزيز موقف دمشق السياسي في مواجهة المفاوض الروسي، والثاني موازنة النفوذ التركي في سورية.

 

أما الدوافع السورية من الحوار مع أوروبا فلم تتغير كثيراً، إذ لا تزال تتمحور حول البحث عن الشرعية والحصول على الدعم الاقتصادي. فمنذ بداية حكمه كان الشرع يعول على الاتحاد الأوروبي بوصفه مصدراً للتمويل والمساعدات الفنية والاقتصادية، إلا أنَّه اصطدم بالانتقادات الأوروبية لسجل حقوق الإنسان في عهده، وضعف مسار الانتقال السياسي وعدم شموله للسوريين كافة. وقد تهرَّب الشرع من زيارة برلين أول مرة، بذريعة اضطراره لمتابعة المعارك في شمال شرق سورية، لكنه عاد وزارها بعد اندلاع الحرب على إيران، وبالترافق مع تصاعُد نبرة الانتقادات الداخلية لإدارة حكومته للمرحلة الانتقالية، وتحديداً فيما يتعلق بالاقتصاد، والعملية السياسية، والحريات العامة. ومع تراجُع شعبية حكومته مؤخراً، رأى في الحوار مع الاتحاد الأوروبي رافعةً لاستعادة شيء منها.

 

علاوة على ذلك، دفعت الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج وإغلاق مضيق هرمز الحكومة السورية إلى التفكير في جذب رؤوس أموال أوروبية وبريطانية لتعويض أي نقص قد يحصل في التمويل القادم من دول الخليج العربية في ظل الأزمة القائمة. ومن جهة أخرى، قدم الشرع سورية بوصفها “ممراً برياً آمناً” لسلاسل التوريد وإمدادات الطاقة يربط آسيا بأوروبا. واختار الشرع قمة الاتحاد الأوروبي في قبرص في 23 أبريل 2026 ليُطلق رؤيته لسورية بصفتها شريكاً استراتيجياً لأوروبا وممر يربط آسيا الوسطى والخليج العربي بقلب القارة الأوروبية، لكنَّه نبَّه الأوروبيين إلى أنهم يحتاجون إلى سورية بالقدر ذاته الذي تحتاجه سورية إلى أوروبا.

 

أجندة الحوار

تنفيذاً للتوجه الأوروبي الجديد تجاه دمشق، عقد الاتحاد الأوروبي “منتدى تنسيق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وسورية” في بروكسل في 11 مايو 2026، بمشاركة وزراء دول التكتل الموحد ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، والذي تمخَّض عنه إعادة تفعيل اتفاقية التعاون بين “المجموعة الاقتصادية الأوروبية” وسورية المجمَّدة جزئياً منذ عام 2011، ورفع العقوبات المفروضة على وزيري الداخلية والدفاع السوريين، والإعلان عن حزمتين من الدعم المالي، بقيمة 355 مليون يورو، لدعم جهود إعادة الإعمار وتحقيق التعافي الاقتصادي، ومن “أجل فتح المجال أمام الاستثمارات العامة والخاصة”، والتعهُّد بتنظيم مؤتمر استثماري نهاية العام الجاري لدعم الاقتصاد السوري وتعزيز فرص إعادة الإعمار وعودة اللاجئين.

 

أتت انطلاقة الحوار السوري-الأوروبي في توقيت مناسب، إذ تحسَّنت العلاقات بين دمشق وباريس وخطَت العاصمتان خطوات مشتركة للتعامل مع الأزمة اللبنانية، كما ذاب الجليد بين سورية وكلٍّ من اليونان وقبرص، سيما بعد استهداف الحرس الثوري الإيراني وحزب الله الأراضي القبرصية في شهر مارس الماضي.

 

انتقل الموقف الأوروبي تجاه حكومة الشرع من الشكّ والتردد إلى التعامل معها تحت داعي الضرورة الاستراتيجية (أ.ف.ب)

 

مقاربة الحوار ذاتها

بينما عوّلت حكومة الشرع على الحوار مع أوروبا باعتباره نافذة للحصول على الدعم المالي للاقتصاد السوري المترنح ولإعادة إعمار البلاد، ركَّز الأوروبيون من جهتهم على الحوار باعتباره مدخلاً لدعم الانتقال السياسي وحلحلة مسألة اللاجئين السوريين.

 

أراد السوريون من الحوار تأسيس مسار مؤسسي ومُستدام يؤدي إلى بناء “شراكة استراتيجية قائمة على الندية والمنفعة المتبادلة والاحترام المتبادل“. وعرضوا في بروكسل مقاربة تتضمن الدعم الأوروبي للاستقرار وإعادة الإعمار في سورية، مقابل الاستفادة من سورية بوصفها ركيزة من ركائز الاستقرار الإقليمي وممراً آمناً لسلاسل التوريد. وبدا أن الأوروبيين لم يتجاوبوا مع المقاربة السورية، ما دفع الشيباني إلى مطالبة مَن يريد بناء شراكة قوية مع سورية أن يتخذ “خطوات عملية تقنع الشعب السوري”، مشدداً على أن سورية تبحث عن شركاء لا عمّن يضعها في “قفص الاتهام”، ورفض التدخل الخارجي في بناء مستقبل سورية. وذكّر الشيباني بالأزمات التي تسبب بها نظام الأسد للأمن الأوروبي، واعتبر أن جميع السوريين يتمتعون بكامل حقوقهم بناءً على حريتهم وليس طائفتهم، في رفض مبطن لإدراج قضايا الأقليات في الحوار السوري-الأوروبي. كما عرض وزير الخارجية السوري رؤيته للتحول الحاصل في سورية الجديدة بأنه “تتويج لمسار وطني سيادي ومؤسسي متراكم، في ظل انتقال يتم بقيادة وملْكية سورية”، وخلص إلى أن تفعيل التعاون السوري-الأوروبي يتطلب “إرادة سياسية حقيقية”.

 

في المقابل، عرض المسؤولون الأوروبيين مقاربتهم للحوار، الذي يصب في السياسة الأوروبية الأوسع لدعم “انتقال سلمي وشامل في سورية وتيسير تعافي البلاد اجتماعياً واقتصادياً“، وعدّوا إعادة تفعيل اتفاقية التعاون بين الجانبين تأكيداً على “إعادة الانخراط مع سورية، ودعم تعافيها الاقتصادي”، لذلك أتت المساعدات الأوروبية على هامش المنتدى، محدودة، تستهدف دعم مؤسسات الحكومة السورية العاملة على إعادة الإعمار، ولم تصل إلى حدود إطلاق الاتحاد الأوروبي برنامجاً واسعاً لإعادة إعمار سورية، كما كان يعول المسؤولون السوريون. وربطت المفوضة الأوروبية لشؤون البحر المتوسط دوبرافكا سويكا تحقيق المزيد من التقدم في العلاقة مع دمشق بتنفيذها “إصلاحات جوهرية“، تضمن مشاركة جميع السوريين في بناء مستقبل بلادهم، وإدارة شفافة للمال العام، والتزام الحكومة بسيادة القانون والعدالة في خلال المرحلة الانتقالية. ويُخطط الاتحاد الأوروبي للانتقال من التعاون التجاري إلى صياغة اتفاقية شراكة أوسع، شبيهة باتفاقيات أبرمها مع دول أخرى في المنطقة مثل مصر ولبنان، إلا أنها قد لا تنال رضا دمشق لاحتوائها بنوداً تتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان والمرأة. ويمكن وصف الهدف المرحلي للاتحاد الأوروبي من الحوار بتيسير انتقال سوري من الأزمة إلى مرحلة التعافي الذي يرتكز على بناء مستقبل أفضل للسوريين قائم على “بث الأمل”.

 

وفي صلب الاختلاف بين المقاربتين السورية والأوروبية، يكمن عدم تفاهم عميق حول ماهية الوضع السوري الحالي؛ إذ تعتبر حكومة الشرع أنها حكومة وطنية قائمة بذاتها، بينما يراها الاتحاد الأوروبي مجرد حكومة أمر واقع لم تتحول بعد إلى حكومة شرعية كاملة الأهلية.

 

عودة اللاجئين

طالب الطرف السوري بتوفير الظروف المناسبة اقتصادياً ومعيشياً وفي جميع مناحي الحياة من أجل إعادة اللاجئين، وعرض مقاربة أوسع تقوم على إعادة إعمار ينخرط فيها الاتحاد الأوروبي، تؤدي إلى تعزيز الاقتصاد السوري وتشجيع الاستثمار وتوفير السكن اللائق وتعزيز المؤسسات الوطنية، ورفضت الحكومة السورية العودة السريعة وغير المنظمة للاجئين، أو أن تفرض عليهم “عودة غير طوعية وغير كريمة”، كيلا يتحولوا إلى نازحين داخليين، ويُحدثوا “فوضى” داخل سورية. تعني المقاربة السورية أن الاتحاد الأوروبي سيكون مُلزماً بتقديم أموال واستثمارات من أجل إعادة بناء سورية قبل أن يتمكن من إعادة أي لاجئ إلى دياره. وهذا من شأنه أن يُبقي مسألة اللاجئين عامل ضغط على السياسات الوطنية في الدول الأوروبية. وتتعقد مسألة عودة اللاجئين أيضاً بسبب ما تشعر به الأقليات السورية، سيما العلوية والدرزية، من إقصاء من قبل حكومة الشرع، والذي قد يخلق موجةً جديدة من اللجوء إلى أوروبا.

 

تجد الدول الأوروبية أنها بحاجة إلى إطلاق مسارٍ ما لإعادة اللاجئين، ليس فقط كي تنهي الجدل البيزنطي حول أيهما يأتي أولاً: إعادة اللاجئين أم إعادة الأعمار، وإنما لأن التأخير في تثبيت الاستقرار في سورية قد يأتي بتكاليف أكبر على الأمن الأوروبي، لاسيما مع تربص تنظيم “داعش” وفصائل متطرفة سورية وأجنبية بحكم الشرع واستعدادها كي تنقض عليه، بما يدخل سورية في دوامة من الصراعات بين الفئات المتطرفة ويُذكي الصدامات العرقية والطائفية، ما قد يخلق موجة لجوء جديدة.  لذلك عرض المسؤولون الأوروبيون في خلال المنتدى، مقاربتهم التي تقوم على تقديم تمويل لتحفيز الاستثمارات في القطاعين العام والخاص، الأمر الذي يخلق بيئة تُمكّن الراغبين في العودة من الرجوع لبلادهم، وتعهّدوا بـ “عدم إجبار أي سوري على العودة إلى وطنه ما لم تتوافر الشروط“. كما عرض الأوروبيون تنظيم مؤتمر استثماري نهاية العام الجاري لدعم عودة اللاجئين.

 

يُمثِّل الحوار مع حكومة الشرع، بالنسبة لأوروبا، مدخلاً لدعم الانتقال السياسي وحلحلة مسألة اللاجئين السوريين (وكالات)

 

وفي السياق نفسه، ظهر خلاف سوري-أوروبي حول ما إذا كانت سورية قد أصبحت بلداً أمناً، وبينما لا يزال الاتحاد الأوروبي يُصنِّف سورية بلداً غير آمن، رفض وزير الخارجية السوري هذا التصنيف، مُستشهداً بأن الدول الأوروبية لم تعد تمنح صفة اللجوء لمن يغادر سورية، ونفى وجود “فوضى أمنية أو سياسية” في سورية. لم يؤدِّ الحوار السوري-الأوروبي إلى توافق حول هذه المسألة، إلا أن الأوروبيين اتخذوا خطوة بعد المنتدى من أجل المساهمة في تعزيز قدرات الحكومة السورية الأمنية، على طريق تغيير تصنيف سورية، تمثلت في رفع الاتحاد الأوروبي العقوبات عن وزارتي الداخلية والدفاع. ومن شأن هذه الخطوة أن تفتح باب التعاون بين الاتحاد الأوروبي وهاتين الوزارتين على تنفيذ برامج متخصصة لتدريب قوات الأمن السورية لتمكينها من تثبيت الاستقرار وتوفير الأمن للسوريين كافة.

 

وفي المحصلة، لم ينجح الطرفان الأوروبي والسوري في حل التناقض الأساسي في مواقفهما من مسألة اللاجئين؛ فبينما يذهب الأوروبيون إلى أن الحكومة السورية الانتقالية لم تتمكن بعد من بسط الأمن في البلاد، تؤكد دمشق أن سورية “بلد آمن” لكنها ترفض إعادة اللاجئين قبل توفير “البيئة الآمنة” و”إعادة الإعمار”.

 

الملفات الإقليمية والأمنية

نظراً لعدم امتلاك التكتل الأوروبي سياسة خارجية موحدة فعالة، فقد أدخلت بعض الدول الأوروبية مؤخراً مزيداً من البراغماتية على تفاعلها مع دمشق. وفي هذا الإطار، يأتي استقرار لبنان بوصفه قضية محورية للأمن الأوروبي، حيث تطالب دول أوروبية دمشق بضمان عدم تدفق الأسلحة إلى حزب الله، ودعم نزع سلاحه. كما يمكن للتعاون بين الجانبين أن يمتد إلى شمال العراق، حيث للدول أوروبية مصالح حيوية تتمثل في توفير الأمن لإقليم كردستان العراق ومكافحة “داعش” وأمن الطاقة. وفي هذه الحالة يشكل الانفتاح الفرنسي على التعاون مع دمشق في القضايا الإقليمية مؤشراً مهماً.

 

قادت باريس جهوداً أوروبية للتعاون مع الشرع في الساحة اللبنانية بعد جر حزب الله لبنان إلى الحرب مع إسرائيل. تحرك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نحو الشرع كي يتأكد من سلمية الحشود السورية على الحدود مع لبنان، ويُطلق آلية تنسيق بين الرئيسين السوري واللبناني جوزاف عون الذي أقلقته تلك الحشود. وتطور التعاون الدبلوماسي بين سورية وفرنسا إلى “تنسيق أمني وعسكري” يستهدف تدعيم الاستقرار في المنطقة، فيما أظهر رغبة فرنسية في دور أكبر للسوريين في تدعيم حكم عون إذا ما قرر حزب الله الخروج عليه. وقد اكتسب موقف دمشق أهمية حيوية بعد رفض الشرع طلباً أمريكياً بإرسال القوات المسلحة السورية إلى داخل الأراضي اللبنانية لقتال حزب الله، مما جعل سورية شريكاً مفيداً لتأمين استقرار بيروت ومنع انزلاقها نحو الفوضى. وتدعم باريس رؤية دمشق بوصفها “جاراً وشريكاً اقتصادياً” للبنان.

 

اكتسب هذا الأمر طابع الإلحاح بعد هجوم شنَّه حزب الله بعدد من المسيرات على القاعد البريطانية في قبرص، والهجمات التي تعرّضت لها “قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان” (اليونيفيل) من قبل حزب الله. وباتت قوات “اليونيفيل” بين فكي كماشة (أمريكي/إسرائيلي-إيراني) يستهدف التخلص منها. فنزولاً عند ضغط أمريكي، مدّد مجلس الأمن مهمة “اليونيفيل” للمرة الأخيرة إلى نهاية العام 2026 الجاري على أن تنسحب في خلال العام 2027، من دون توضيح البديل، مما من شأنه وضع النفوذ الفرنسي، والأوروبي عموماً، شرقي البحر الأبيض المتوسط على المحك.

 

وانعكس التعاون الفرنسي مع الشرع حول لبنان على تموضع جديد للسياسة الفرنسية حيال القضايا الداخلية السورية، فقد تحرك القائم بالأعمال الفرنسي جان باتيست فيفر، نحو السلطات المحلية في محافظة السويداء لبحث سبل دعمها في التعامل مع الوضع في السويداء بما يضمن وحدة سورية، كما عرض المساعدة على المسؤولين السوريين في تذليل أي صعوبات تواجه مسار دمج “قوات سورية الديمقراطية” (قسد) في مؤسسات الدولة السورية.

 

ومن جهة أخرى، يراقب الجانب الأوروبي عامةً، والفرنسي خاصةً، عن كثب، تحركات الجهاديين الأجانب في سورية، وبينهم مواطنون أوروبيون، ومستقبل عائلات تنظيم “داعش” من الجنسيات الأوروبية. وفي هذا المجال، حازت مقاربة الشرع، الخاصة بمنح الجهاديين الأجانب الذين قاتلوا ضد نظام الأسد الجنسية السورية ودمجهم في الحياة السورية، رضا باريس والعواصم الأوروبية. وتريد فرنسا حلاً مماثلاً لمشكلة أسر تنظيم “داعش” المحتجزين في مخيم الروج قرب مثلث الحدود العراقية-السورية-التركية، والذي لا يزال تحت سيطرة “قسد”

 

يُرجَّح استمرار الحوار السوري-الأوروبي، لكنْ ضمن حدودٍ ضيقةٍ تحكُمها الخلافات البنيوية بين الطرفين (أ.ف.ب)

 

الملفات الاقتصادية واللوجستية

دفع إغلاق إيران لمضيق هرمز الدولَ الأوروبية إلى التفكير في ممرات بديلة، حيث تطمح إلى دمج سورية في مشاريع الربط الإقليمي، بما فيها الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، الذي يعزز أمن الطاقة في أوروبا وسلاسل الإمداد، بعد تعطُّل نقل أكثر من 20 مليون برميل نفط يومياً من الخليج العربي. كما أدرك الأوروبيون أهمية الاستقرار في بلدان جوارهم بوصفه “شرطاً أساسياً لازدهارٍ واقتصادٍ أفضل” لهم. وفي هذا السياق، رفعت شركة “CMA CGM” الفرنسية العالمية، مستوى تعاونها اللوجستي مع سورية، حيث اتفقت مع دمشق (19 مايو) على تشغيل مرفأين جافين ضمن المنطقة الحرة في حلب وعدرا بريف دمشق، كما دعمت إعادة تشغيل خط السكك الحديد بين مرفأ اللاذقية الذي تشغّله حالياً، ومحطة عدرا العمالية التي ستشغلها مستقبلاً.

 

وفي تطور يصب في صالح خطط الاتحاد الأوروبي لتنويع مصادر الطاقة، وقّعت شركة “توتال إنرجيز” الفرنسية، بالشراكة مع شركتي “قطر للطاقة” و”كونوكو فيليبس”، اتفاقية مع “الشركة ‌السورية للبترول” بهدف التنقيب عن الغاز في “البلوك البحري رقم 3” قرب مدينة اللاذقية.

 

وأظهر هذان التطوران، إلى جانب التعاون الفرنسي-السوري حول لبنان، أن الدول الأعضاء في التكتل الأوروبي ستراعي مصالحها العليا مع دمشق، بغض النظر عن “الانخراط المتمهّل” للاتحاد الأوروبي وحواره المتطلِّب.

 

الخلاصة: الآفاق المستقبلية للحوار السوري-الأوروبي

من المرجح أن يستمر الحوار السوري-الأوروبي في خلال المرحلة المقبلة، لكنْ ضمن حدودٍ ضيقةٍ تحكُمها الخلافات البنيوية بين الطرفين. فبينما ترى أوروبا في سورية ساحةً مهمةً لحماية مصالحها الأمنية والجيوسياسية والاقتصادية، تسعى الحكومة السورية إلى توظيف الحوار لتعزيز شرعيتها والحصول على دعم اقتصادي، من دون تقديم تنازلات جوهرية في ملفات الإصلاح السياسي وحقوق الإنسان. لذلك، سيظل الحوار أقرب إلى أداة لإدارة التبايُنات ومنْع القطيعة، أكثر منه مساراً يؤدي إلى شراكة سياسية متكاملة أو تفاهمات استراتيجية عميقة. وفي المقابل، قد تتقدم علاقات دمشق مع بعض الدول الأوروبية بصورة أسرع عبر قنوات ثنائية، وبخاصة عندما تلتقي مصالحها الأمنية أو الاقتصادية المباشرة مع المصالح السورية.

 

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M