- تؤشر قمَّة حلف شمال الأطلسي المرتقبة في أنقرة إلى لحظة مفصلية في مسار العلاقات بين الحلف ودول الخليج، في ظل التحولات الأمنية والاقتصادية التي فرضتها الحرب مع إيران وتداعياتها على أمن الملاحة والطاقة. وقد أبرزت هذه التطورات محدودية الأُطُر الأمنية القائمة، وفي مقدمتها مبادرة إسطنبول للتعاون، التي ظل تأثيرها مُقيَّداً بفجوة التوقعات بين الطرفين، وغياب بعض الفاعلين الخليجيين الرئيسيين، وتباين أولويات التهديد، فضلاً عن انشغال الحلف بأولوياته الأوروبية منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
- تبدو البيئة الاستراتيجية الراهنة أكثر ملاءمة لتعميق التعاون بين الجانبين، انطلاقاً من حاجة دول الخليج إلى تنويع شراكاتها الأمنية، وحرص “الناتو” على حماية المصالح المرتبطة بأمن الطاقة واستقرار الممرات البحرية. ومن ثمَّ، فإن المسار الأكثر واقعية لا يتمثل في عضوية خليجية داخل الحلف، بل في بناء شراكة دفاعية مُعزَّزة تتيح توسيع مجالات التنسيق والتدريب وتبادل المعلومات والتعاون في الأمن البحري والدفاع السيبراني وأمن البنية التحتية الحيوية.
- مع ذلك، فإن نجاح هذا المسار يظل رهناً بقدرة الجانبين على تجاوز القيود السياسية والمؤسسية القائمة، سواء داخل “الناتو” أو داخل مجلس التعاون الخليجي، وبمدى استعداد الدول الخليجية لطرح مبادرات عملية وموحدة تمنح هذه الشراكة مضموناً استراتيجياً قابلاً للتنفيذ والاستدامة.
تُمثِّل قمَّة حلف شمال الأطلسي (الناتو) المرتقبة في أنقرة يومي 7 و8 يوليو 2026، لحظةً فارقةً في تاريخ العلاقات عبر الأطلسي مع دول الخليج، إذ من المتوقع أن تشارك الدول الخليجية الأربع الأعضاء في مبادرة إسطنبول للتعاون، وهي دولة الإمارات والكويت وقطر والبحرين، في القمَّة، مدفوعةً بالتداعيات الأمنية والاقتصادية الناجمة عن الحرب بين الولايات المتحدة/إسرائيل وإيران، والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز منذ أوائل مارس الماضي.
تسعى هذه الورقة إلى تحليل القيود الهيكلية التي أعاقت مبادرة إسطنبول للتعاون لفترة طويلة، والدوافع التي تحثُّ كلا الجانبين على تعميق تعاونهما في هذه المرحلة، والنطاق الواقعي لهذا التعاون وأشكاله الممكنة.
مبادرة إسطنبول
تأتي قمة حلف “الناتو” في أنقرة في لحظة حاسمة من التحولات الجيوسياسية، حيث تعيش المنطقة منذ 28 فبراير الماضي على وقع الحرب الأمريكية/الإسرائيلية ضد إيران، والاعتداءات الإيرانية ضد دول مجلس التعاون الخليجي وتعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز الذي يُعد الممر البحري الأكثر أهمية في سلاسل إمداد الطاقة العالمية. في ظل هذا الوضع الوجودي المُلح، ستشارك الدول الخليجية الأربع الأعضاء في مبادرة إسطنبول للتعاون في القمة، وهي المبادرة التي أُنشئت في خلال قمة الحلف التي انعقدت في إسطنبول عام 2004، بهدف تعزيز التعاون الأمني على أساس ثنائي بين “الناتو” والدول الشريكة في منطقة الشرق الأوسط الأوسع. وتشمل أنشطة المبادرة مجالاتٍ تتراوح بين التخطيط الدفاعي وميزانية الدفاع ومكافحة الإرهاب ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل والتأهب المدني.
وتطورت المبادرة عبر عدة مراحل رئيسة. ففي عام 2008، اتخذت الشراكة بُعداً متعدد الأطراف مع انطلاق أول اجتماع “الناتو + 4”. وكان البيان الختامي لقمة ستراسبورغ-كيل لعام 2009 أول وثيقة رسمية لحلف شمال الأطلسي تُقرّ بالترابط الأمني بين الكتلتين، مُعترفةً بأن “أمن واستقرار منطقة الخليج أمران بالغا الأهمية للحلف”. وفي عام 2012، أصبحت الإمارات أول دولة في المنطقة تفتتح بعثة دائمة لها في مقر حلف الناتو، ثم أُنشئ مركز إقليمي لمبادرة التعاون الدولي لحلف الناتو في الكويت عام 2017، وهو الأول من نوعه في المنطقة. وأصبح مركز الكويت منذ ذلك الحين أهم مخرجات المبادرة. ومنذ تأسيسه، أشرف المركز على أكثر من 50 برنامجاً لبناء القدرات تشمل الأمن البحري والدفاع السيبراني والاستجابة للهجمات الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية، فضلاً عن إدارة الأزمات.
وعلى الرغم من ذلك، فإن نتائج المبادة لم تكن في مستوى التوقعات، وتُفسِّر عدة عوامل مترابطة حدودَ نجاحها على مدى عقدين من الزمن، من أبرزها ما يأتي:
أولاً، تبايُن التوقعات الاستراتيجية. فقد تمثلت العقبة الأساسية في اختلاف ما يتوقعه كل طرف من هذه العلاقة. فبينما يسعى حلف “الناتو” إلى تزويد شركائه في الخليج بالخبرات العملياتية والقدرات الدفاعية، تبدو دول الخليج أكثر اهتماماً بالحصول على ضمانات حماية من طريق الانضمام إلى إطار عمل يقوده “الناتو”، وهو أمر لا يستطيع الحلف توفيره. لقد نظر “الناتو” إلى مبادرة التعاون الدولي بوصفها أداةً لتطوير قطاع الدفاع وبناء القدرات لهذه الدول، بينما سعت دول الخليج إلى ما يشبه مظلة أمنية.
ثانياً، تردُّد الفاعلين الإقليميين الرئيسيين. فقد صُمِّمَت مبادرة التعاون مع وضع دول مجلس التعاون الخليجي بأكملها في الاعتبار، إلا أن المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان لم تنضما إليها رسمياً، على الرغم من مشاركتهما في أنشطة مختارة ضمن إطار المبادرة. وقد حدّ غياب مسقط والرياض هيكلياً من شمولية المبادرة الإقليمية وعمقها العملياتي.
ثالثاً، تَحوُّل أولويات الحلف الأطلسي مع شن روسيا الحرب ضد أوكرانيا في فبراير 2022؛ فقد أدى تحويل “الناتو” تركيزه الاستراتيجي نحو جناحه الشرقي بسبب الحرب إلى استنزاف الموارد المؤسسية والسياسية بعيداً عن الانخراط في دول الخليج. وقد دفع تصاعد التهديدات الأمنية الملحة مؤخراً في جوار “الناتو” المباشر، الحلفَ إلى إعادة تركيز اهتمامه على الشؤون الداخلية.
رابعاً، تبايُن تصورات التهديدات بين أطراف المبادرة. إذ تُعدّ الاختلافات في المصالح الأمنية بين دول مبادرة إسطنبول للتعاون، وغياب تهديدات مشتركة جوهرية، وتدخل قوى خارجية معقدة في المنطقة، عواملَ أسهمت في الحد من إمكانات التعاون في هذه المبادرة. فعلى مدى العقد الماضي، لم تكن دول الخليج وحلفاؤها في “الناتو” يواجهون التهديدات نفسها في الوقت نفسه وبالدرجة نفسها من الإلحاح.
لكن ما جرى ويجري منذ فبراير 2026، قد غيّر حسابات الأمن لدول الخليج بطرق لم يكن من الممكن لأي مبادرة دبلوماسية أن تُحققها. فقد كشفت الحرب مع إيران عن مواطن ضعف هيكلية في بنية الأمن الخليجي، وهي ثغرات عجزت سنوات من الاتفاقيات الدفاعية الثنائية عن معالجتها بشكل كامل. وفي الوقت نفسه ازداد اهتمام حلف شمال الأطلسي بتعميق الانخراط في منطقة الخليج، لاسيما مع تأثر دوله بتداعيات انقطاع صادرات الطاقة والأسمدة والمنتجات البتروكيماوية الأخرى التي خلّفها إغلاق مضيق هرمز. وتتوزع حوافز الجانبين في تعزيز التعاون في اللحظة الحالية على ثلاثة مجالات أساسية:
1. الدفاع: قلبت الحرب مع إيران موازين الأمن والاقتصاد في دول الخليج على نحو جذري، كما رسَّخ المسار الدبلوماسي الأمريكي، الموازي للحرب، قلقاً لدى دول الخليج بشأن موثوقية الولايات المتحدة. لذلك فهي تسعى إلى تنويع شراكاتها الأمنية بما يتجاوز الإطار الثنائي مع الولايات المتحدة. ومن شأن تعزيز العلاقة المؤسسية مع الناتو، بدلاً من الاعتماد على أي حليف منفرد، أن يوفر حماية من تقلبات السياسة الأمريكية، لاسيما في ظل إدارة دونالد ترمب. وفي المقابل، تُمثِّل دول الخليج، بما تملكه من صناديق ثروة سيادية ضخمة وبرامج طموحة لتحديث جيوشها، شركاء محتملين ذوي أهمية بالغة للصناعات الدفاعية الغربية. ومن شأن شراء دول الخليج لمعدات بمعايير حلف الحلف الأطلسي، وإجراء مناورات مشتركة وتطبيق معايير التشغيل البيني، أن يُعزز بشكل ملموس قدرات كلا الجانبين، وأن يسهم في تلبية متطلبات تقاسم الأعباء التي تُعدّ جوهرية في سياسات الحلف الحالية.
2. الطاقة: بالنسبة لدول الخليج التي لا تزال اقتصاداتها تعتمد على صادرات الطاقة، فإن إغلاق مضيق هرمز لا يمثل أزمة أمنية فحسب، بل حالة طوارئ اقتصادية وجودية. لذلك من شأن ضمانات الأمن البحري المؤسسية من حلف شمال الأطلسي أن تُعالج هذا الضعف بطرق لا يمكن لأي اتفاقية ثنائية أن تعالجها بالكامل. وفي المقابل برزت هشاشة أوروبا أمام اضطرابات إمدادات الطاقة بشكلٍ جليّ في أزمة مضيق هرمز. وتتأثر الاقتصادات الأوروبية بشدة بصدمات أسعار النفط الناجمة عن اضطرابات منطقة الخليج، مما يجعل استقرار المنطقة مصلحة أساسية للحلف الأطلسي، وهو أمر لم تكن المفاهيم الاستراتيجية الأطلسية لما قبل عام 2022 وأزمات الطاقة الحادة التي ضربت أوروبا، قد استوعبته بالكامل.
3. البُعد الجيوسياسي: يسود في منطقة الخليج قلق بشأن النظام الإقليمي ما بعد الحرب، إذ يدفع تلاشي القيادة الإيرانية السابقة وبروز قيادة جديدة في طهران، والاعتداءات الإيرانية غير المسبوقة في نطاقها وشدتها ضد دول الخليج، والمسار غير المؤكد للصراع إلى إعادة نظر جذرية في بنية الأمن الخليجي. وربما يُنظر إلى تعميق العلاقات بين حلف شمال الأطلسي ودول الخليج بوصفهِ إطاراً تكميلياً أو مؤقتاً ريثما تناقش دول المنطقة ترتيباتها الدفاعية الجماعية. وفي المقابل، تأتي دعوة دول الخليج إلى قمة أنقرة مدفوعة جزئياً بخطة حلف شمال الأطلسي لتعزيز جناحه الجنوبي. وقد أقرّ المفهوم الاستراتيجي للحلف لعام 2022 بأن عدم الاستقرار على طول الجوار الجنوبي، من منطقة الساحل إلى الخليج العربي، يُشكّل تهديدات مباشرة لأمن الحلف من طريق الهجرة والإرهاب وانقطاع إمدادات الطاقة. كما يسعى “الناتو” إلى مواجهة التوغل الروسي والصيني في المنطقة، في ظل تراجُع إيران، حيث تسعى موسكو وبيجين إلى ترسيخ مكانتهما بوصفهما شريكين أمنيين بديلين للجهات الفاعلة الإقليمية. ويُعدّ انخراط الحلف الأطلسي مع دول الخليج جزئياً بمنزلة منافسة لمنع هذا التحول في التحالفات. وفي الوقت نفسه تُتيح قمة أنقرة، بالنسبة للناتو، فرصة لإعادة بناء التماسك عبر الأطلسي حول أجندة مشتركة يمكن للحلفاء الأوروبيين دعمها، ألا وهي أمن الخليج وحرية الملاحة البحرية، دون الحاجة إلى تأييد أي إجراءات أحادية الجانب للولايات المتحدة، إذ لم تؤيد المملكة المتحدة وفرنسا -اللتان تقودان مبادرة لتأمين الملاحة في مضيق هرمز- الحرب الأمريكية ضد إيران، كما رفضتا الانضمام إلى الحصار البحري الأمريكية على إيران، مما زاد من حدة التوترات داخل الحلف.
نطاق التعاون وأشكاله
يتمثل أحدُ القضايا المحورية لقمة أنقرة في تحديد الشكل المؤسسي الذي ينبغي أن تتخذه العلاقة المعمقة بين حلف الناتو ودول الخليج. ومن الواضح أن منح دول الخليج العضوية في الحلف خيار غير واقعي؛ فضمانات الدفاع الجماعي المنصوص عليها في المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي تحمل التزامات سياسية وعسكرية هائلة، لا ترغب دول الناتو، سيما الأوروبية منها، في تقديمها لشركائها في الشرق الأوسط. كما أن نموذج العضوية يتعارض مع استراتيجية خليجية مدارها عدم الانحياز ضمن الأحلاف. ومع أن الكويت والبحرين وقطر تُصنّف حلفاء رئيسيين من خارج الناتو بموجب القانون الأمريكي، فإن هذا التصنيف لا يستلزم توفير ضمانات دفاع جماعي، ولطالما فضّلت دول الخليج الترتيبات الثنائية التي تحافظ على مرونتها.
أما من الناحية الواقعية، فإن النتيجة الأكثر عمليةً وجدوى لقمَّة أنقرة هي إنشاء إطار عمل رسمي للشراكة الدفاعية المعزَّزة ضمن، أو بالتوازي مع مبادرة التعاون الدولي. وهذا النموذج -المُشابِه لبرنامج الفرص المعززة التابع لحلف الناتو، والذي بموجبه تمتعت دول مثل أستراليا وفنلندا وجورجيا والأردن والسويد (قبل الانضمام) بوصول أعمق إلى آليات الحلف الأطلسي- سيوفر لدول الخليج مشاركة منظمة ومؤسسية دون التزامات عضوية رسمية. وفي إطارٍ مُكافئٍ لإطار عمل برنامج الفرص المعززة، يمكن لأعضاء مبادرة التعاون بين الدول الأربع الوصول إلى بروتوكولات تبادل المعلومات الاستخباراتية السرية، ومعايير قابلية التشغيل البيني وبرامج التدريب المشتركة المصممة خصيصاً لبيئات التهديد في الخليج، والمشاركة الرسمية في عمليات التخطيط لحلف الناتو بشأن القضايا التي تؤثر في أمن الخليج، وإنشاء هيكل اتصال دائم في مقر حلف الناتو مع إمكانية وصول موسَّعة، وكذلك المشاركة في التدريبات البحرية المشتركة التي تُغطي ممرات هرمز وبحر العرب والبحر الأحمر.
وليس مهماً إذا اتخذ ذلك التعاون شكلَ ترتيب رسمي منظم أو إطار عمل أكثر مرونة وانسيابية، فالأهم بالنسبة لحلف الناتو هو ضمان استمرار انخراط دول الخليج والتزامها بعلاقات وثيقة مع الحلف. ويُحقق نموذج الشراكة الخارجية هذا الهدف عبر تقديم ما هو أكثر من مبادرة التعاون الدولي الحالية، مع عدم بلوغه التزامات المادة الخامسة. وحتى في حال غياب إطار رسمي جديد، لا يزال بإمكان قمَّة أنقرة تحقيق تقدم ملموس عبر تعميق التعاون العملي ضمن هيكل مبادرة التعاون الدولي القائمة. ويشمل ذلك تطوير المركز الإقليمي الكويتي ليصبح مركزاً متكاملاً للتخطيط والتنسيق المشترك، وإنشاء قوة مهام دائمة للأمن البحري بين دول الخليج وحلف شمال الأطلسي، وإطلاق فرق عمل مشتركة للكل من الدفاع السيبراني والدفاع الجوي ضد الصواريخ والمسيرات. ومع أن هذا النهج أقل أهمية من الناحية الرمزية مقارنةً بإطار شراكة جديد، إلا أنه يتميز بخصيصة قابلية التنفيذ، إذ يُعزز الأسس المؤسسية القائمة بدلاً من بناء بنية جديدة من الصفر.
الفرص والقيود
لكي تُشكِّل قمَّة أنقرة نقطة تحوّل حقيقية بدلاً من كونها فرصة ضائعة أخرى، يتعيَّن على دول الخليج أن تُقدِّم مقترحات جوهرية وملموسة مثل:
- مبادرة الأمن البحري بين دول الخليج والناتو لمضيق هرمز: إنّ أهمّ اقتراح يمكن لدول الخليج تقديمه حالياً، هو إنشاء آلية دائمة للأمن البحري، مُصممةً خصيصاً لمضيق هرمز ومنطقة الخليج العربي الأوسع. فمن شأن هذه الآلية أن تُرسّخ التنسيق البحري الذي أظهرت الأزمة الراهنة الحاجة الماسة إليه. ويكون من مهام هذه الآلية دمْج تتبع السفن في الوقت الفعلي، وتقييم التهديدات، ووضع بروتوكولات تنسيق المرافقة. وهذا يحوّل أزمة هرمز من مشكلة ثنائية بين الولايات المتحدة وإيران إلى قضية أمنية جماعية ذات أهمية سياسية لأعضاء الحلف الأوروبيين الذين كانوا مترددين في الانجرار إلى الصراع الأمريكي-الإيراني، لكنهم في الوقت نفسه شديدو الحساسية لاضطرابات إمدادات الطاقة من الخليج العربي. ويمكن بهذا الصدد تطوير المبادرة التي تقودها المملكة المتحدة وفرنسا لحماية الملاحة في مضيق هرمز، بحيث يتولى الحلف قيادة هذه العملية مع إتاحة المشاركة فيها للدول الراغبة.
- إطار عمل أمن الطاقة بين دول الخليج وحلف شمال الأطلسي: عبر اقتراح إقامة حوار رسمي حول أمن الطاقة ضمن إطار مبادرة البنية التحتية الحيوية، يربط أمن إنتاج النفط والغاز في الخليج بولاية حماية البنية التحتية الحيوية لحلف الناتو. سيكون ذلك مهماً لأعضاء الناتو الأوروبيين، لاسيما الأكثر عرضة لانقطاعات إمدادات الطاقة، وسيمنح مبادرة البنية التحتية الحيوية بُعداً اقتصادياً ملموساً يتجاوز التعاون العسكري البحت. ويمكن أن يشمل هذا الإطار خطط طوارئ لمسارات إمداد بديلة، مثل تجاوز مضيق هرمز عبر خطوط الأنابيب، وعمل تدريبات مشتركة لحماية هذه المسارات.
- اتفاقية للدفاع السيبراني والبنية التحتية الحيوية: لم تستهدف الهجمات الإيرانية ضد دول الخليج البنية التحتية العسكرية فحسب، بل استهدفت أيضاً وعلى نطاق أوسعٍ الأصول المدنية والاقتصادية، مثل الموانئ والمطارات ومصافي النفط وخزاناته ومعامل الغاز ومرافق الاتصالات. وتُعد خبرة حلف الناتو في مجال حماية البنية التحتية التي برزت في خلال الحرب الأوكرانية، وأيضاً في مجال الدفاع السيبراني، التي طُوّرت بواسطة مركز التميز التعاوني للدفاع السيبراني في تالين، ذات أهمية بالغة لدول الخليج. لذا، ينبغي على دول الخليج اقتراح اتفاقية خليجية للدفاع السيبراني وحماية البنية التحتية الحيوية، حيث يتبادل حلف الناتو معلومات التهديدات وبروتوكولات الكشف ومعايير تعزيز أمن البنية التحتية للطاقة.
في المقابل، يواجه مسار تطوير مبادرة التعاون في قمة أنقرة العديد من القيود، التي تتعلق بالوضع الخليجي أو بحلف شمال الأطلسي، أبرزها الآتي:
- الصَّدع عبر الأطلسي: عمّقت الحربُ في إيران الخلافَ بين الولايات المتحدة وأوروبا داخل الناتو وخارجه. فالقمَّة التركية التي من المتوقع أن تُهيمن عليها الانقسامات الداخلية للتحالف ستُقلّل من فرص إطلاق مبادرات استراتيجية جديدة مع شركاء الخليج. لذا، ينبغي على دول الخليج تعديل توقعاتها وفقاً لذلك، وصياغة مقترحاتها في شكل بنودٍ تُوحّد جدول الأعمال حول أمن الطاقة وحرية الملاحة بوصفها القضايا التي تتلاقى فيها مصالح الولايات المتحدة وأوروبا والخليج. كما أن القمَّة المقبلة ستواجه تحدي الترددات السياسية الأوروبية، فلطالما توخّت بعض الدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو، لاسيما فرنسا وألمانيا، الحذر بشأن توسيع نطاق صلاحيات الحلف ليشمل منطقة الخليج، خشية التورط في الصراعات الإقليمية، ونظرة الغرب إلى الحلف بوصفه أداةً للتدخل الغربي. لذلك ينبغي صياغة مقترحات دول الخليج بما ينسجم مع المصالح الأوروبية مباشرةً بدلاً من الاقتصار على الدفاع الجماعي ضد إيران.
- التبايُنات داخل دول مجلس التعاون الخليجي: لا تملك دول الخليج هيكلاً مؤسسياً موحداً للدفاع، وربما لا تملك تصوراً موحداً لذلك. وهذا يجعل من المبادرات الثنائية أكثر تأثيراً في هياكل الدفاع الوطنية الخليجية من أي مبادرات جماعية أخرى. فقد واجه حلف شمال الأطلسي صعوبة في تحقيق نفوذ حقيقي في منطقة الخليج بسبب هيمنة الاتفاقيات الثنائية مع دول المنطقة، والتباينات الإقليمية حول تصورات التهديدات وتضارُب المصالح الأمنية، فضلاً عن غياب هياكل دفاعية، إذ حافظت كل دولة خليجية على اتفاقياتها الدفاعية الثنائية مع الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى، مما قلل من حافزها للاستثمار بكثافة في إطار متعدد الأطراف، فضلاً عن إشكالية غياب السعودية وعمان عن مبادرة إسطنبول تحديداً، ما يعني أن أي طار عمل جديد بين دول الخليج وحلف الناتو من المُستحسَن أن يضم الدولتين لكي يكون أكثر شمولية من الناحية الاستراتيجية.
استنتاجات
تأتي قمَّة أنقرة لحلف الناتو في يوليو 2026 عند منعطف غير مسبوقٍ، حيث تتضافر عوامل عدة، منها ضعف الأداء المزمن للأطر المؤسسية، وتقلُّبات سياسات القوى العظمى، والصدمة الحادة للحرب الإقليمية، لتخلق فرصة والتزاماً في آن واحد. وقد حققت الحرب الإيرانية ما لم تستطع أي مبادرة دبلوماسية تحقيقه، إذ أظهرت، بشكل ملموس، تكاليف الفجوة الأمنية الراهنة. وأُجبرَت دول الخليج على توضيح تحالفاتها الاستراتيجية جراء الاعتداءات الإيرانية. وبالنسبة لحلف الناتو، فإن الحسابات واضحة بالقدر نفسه، فلا يمكن للحلف أن يدّعي -بمصداقية- حماية النظام الدولي القائم على القواعد بينما يترك لدولة تقويض القانون الدولي للبحار عبر التحكُّم بأهم ممر مائي في العالم. لذا، تتوقف آفاق العلاقة بين الحلف والخليج على شكل التعاون الذي ستتخذه. ولا يزال التحالف الدفاعي الكامل غير قابل للتحقيق، وغير مرغوب فيه لأيٍّ من الطرفين، نظراً لحساسية مسألة السيادة والقيود السياسية الكبيرة، إلا أن إطار الشراكة الدفاعية المعززة يُمثِّل أفقاً قابلاً للتحقيق فعلاً، وبخاصة مع إدراك دول الخليج في خلال الحرب الأخيرة أن الشراكات الأمنية المتعددة المستويات تُمثِّل ضمانة لأمن الخليج.
وفي المديين القريب والمتوسط، سيتحدد مسار العلاقة بين الحلف ودول الخليج بثلاثة عوامل: أولها التسوية ما بعد الحرب في إيران، وثانيها التماسك الداخلي لحلف الناتو نفسه، والعامل الثالث والأهم هو مدى استعداد دول الخليج لتقديم قيمة أمنية متبادلة. والحقيقة أنَّه لأول مرة منذ عشرين عاماً، تكون العلاقة بين حلف الناتو ودول الخليج مهيأة للنجاح، فلم تكن الفجوة بين الإمكانات المؤسسية والواقع الاستراتيجي أضيق مما هي عليه الآن.