الانتخابات التشريعية الفلسطينية 2026: بين إعادة بناء الشرعية وتحولات الإقليم قراءة في المحددات والسيناريوهات وما بعد صندوق الاقتراع

الملخص التنفيذي

تدخل الساحة الفلسطينية في النصف الثاني من عام 2026 مساراً انتخابياً هو الأهم منذ عقدين. ففي 9 يوليو/تموز 2026 صدر مرسوم رئاسي حدد السبت 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 موعداً للانتخابات التشريعية، ودعا الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة إلى المشاركة في انتخاب مجلس تشريعي جديد. وأكدت لجنة الانتخابات المركزية جاهزيتها، ثم نشرت الجدول القانوني للعملية: تحديث التسجيل بين 15 و19 أغسطس، وتقديم القوائم بين 26 سبتمبر و7 أكتوبر، والحملة بين 6 و26 نوفمبر، والاقتراع المبكر لقوى الأمن في 26 نوفمبر، ثم الاقتراع العام في 28 نوفمبر.

لكن أهمية الانتخابات لا تنبع من موعدها وحده. فهي تأتي بعد عشرين عاماً من انتخابات 2006، وبعد انقسام مؤسسي وجغرافي طويل، وتعطل فعلي للمجلس التشريعي، وفشل محاولة انتخابات 2021، وحرب غيّرت قطاع غزة وموقع حماس والبنية الإقليمية المحيطة بالقضية الفلسطينية، وأزمة مالية حادة تواجه السلطة الفلسطينية. كما تأتي بعد تعديل جوهري لقانون الانتخابات، وبعد المؤتمر الثامن لحركة فتح، وفي سياق سياسي إقليمي ودولي شديد السيولة، يتزامن مع استحقاقات فلسطينية وإسرائيلية وأميركية خلال الخريف.

تخلص هذه الورقة إلى خمس نتائج رئيسية.

الخلاصة الأولى: الانتخابات تستطيع معالجة أزمة التمثيل، لكنها لا تستطيع بمفردها معالجة أزمة النظام. أزمة الشرعية الفلسطينية تتكون من ثلاث فجوات مترابطة: فجوة في التمثيل الشعبي نتيجة غياب الانتخابات؛ وفجوة في القدرة على تحويل الفوز الانتخابي إلى حكم فعلي؛ وفجوة في الاعتراف، أي قابلية الأطراف الإقليمية والدولية للتعامل مع الحكومة التي تنتجها الصناديق. يمكن لاقتراع ناجح أن يعالج الأولى فيما تبقى الثانية والثالثة من دون حل.

الخلاصة الثانية: الاختبار الأصعب ليس القدرة على تنظيم الاقتراع فحسب، بل قدرة النظام السياسي على استيعاب نتائجه ضمن القانون واستمرارية المؤسسات. أظهرت تجربة 2006 أن سلامة العد والفرز لا تكفي وحدها لضمان انتقال سياسي مستقر، كما أظهرت تجربة 2021 أن العملية قد تتعطل قبل الاقتراع نفسه. وبالتالي فإن نجاح نوفمبر 2026 لا يمكن قياسه بيوم التصويت فقط.

الخلاصة الثالثة: التعديل الانتخابي لعام 2026 يوسع المنافسة ويقيدها في الوقت ذاته. فقد ارتفع المجلس من 132 إلى 200 عضو، وانخفض الحد الأدنى لسن الترشح إلى 23 عاماً، وخفضت نسبة الحسم إلى 1%، وتعزز تمثيل النساء بوجود امرأة واحدة على الأقل بين كل ثلاثة مرشحين. لكن التعديل ألزم كل مرشح أيضاً بالالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً، وببرنامجها السياسي والوطني وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة. وهذا يضع الانتخابات أمام توتر جوهري بين توسيع التعددية وحماية المرجعية السياسية القائمة.

الخلاصة الرابعة: إسرائيل هي الطرف الخارجي الأكثر قدرة على التأثير ليس فقط في النتيجة وإنما في إمكانية إجراء الانتخابات نفسها. القدس، والاعتقالات، وحركة المرشحين والناخبين، والمعابر، والسيطرة الميدانية في أجزاء واسعة من غزة، وأموال المقاصة، كلها أدوات تجعل العملية الفلسطينية تجري داخل بيئة لا يسيطر الفلسطينيون على كامل شروطها.

الخلاصة الخامسة: 29 نوفمبر لا يقل أهمية سياسياً عن 28 نوفمبر. إذا لم تُحسم مسبقاً قواعد تشكيل الحكومة وانتقال المسؤوليات، والعلاقة بين الحكومة والرئاسة والأجهزة الأمنية، وإدارة غزة، والصلة بمنظمة التحرير، وآليات التعامل مع الضغوط المالية والخارجية المحتملة، فقد تنتقل أزمة الشرعية من سؤال «من يمثل؟» إلى سؤال «كيف تتحول النتائج إلى ممارسة فعلية للسلطة وفق القانون؟»

وعليه، فإن الأطروحة المركزية لهذه الورقة هي أن معالجة فجوة الانتخابات، على أهميتها، تحتاج إلى إطار سياسي ومؤسساتي قادر على استيعاب نتيجة تنافسية أياً كانت هوية القوى الفائزة والخاسرة، وضمان استمرار المؤسسات وتداول المسؤولية وفق القانون.

مقدمة: انتخابات بعد عشرين عاماً من الانتخابات

مثلت انتخابات يناير/كانون الثاني 2006 نقطة تحول في النظام الفلسطيني. فقد حققت قائمة «التغيير والإصلاح» المحسوبة على حركة حماس انتصاراً برلمانياً، لكن النتيجة لم تتحول إلى تداول مستقر للسلطة. دخل النظام في أزمة دستورية وسياسية وأمنية، وتعرضت الحكومة لضغوط وعقوبات خارجية، وتصاعد الصراع بين فتح وحماس، قبل أن ينتهي في 2007 إلى انفصال مؤسساتي بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

منذ ذلك الحين أصبح الانقسام جزءاً مؤثراً في بنية النظام السياسي. واصلت السلطة الفلسطينية إدارة مؤسساتها في الضفة الغربية ضمن القيود السياسية والميدانية القائمة، فيما أدارت حماس قطاع غزة فعلياً لسنوات؛ وفقد المجلس التشريعي قدرته على ممارسة دوره، واتسع الاعتماد على القرارات بقوانين في غياب سلطة تشريعية فاعلة.

جرت محاولة جديدة عام 2021. كان يفترض إجراء الانتخابات التشريعية في 22 مايو/أيار، لكن العملية أُجلت في 30 أبريل، وربط المرسوم استئنافها بتوافر شروط إجرائها في جميع الأراضي الفلسطينية، وفي مقدمتها القدس. وتبرز التجربة قيداً بنيوياً مهماً: الدعوة الفلسطينية إلى الانتخابات لا تعني بالضرورة امتلاك السيطرة الكاملة على المجال الجغرافي والسياسي الذي تجري فيه.

بين 2021 و2026 تغيرت البيئة جذرياً. الحرب في غزة منذ أكتوبر 2023، وما تلاها من وقف لإطلاق النار غير مستقر وترتيبات جديدة ومفاوضات حول نزع السلاح والإدارة والانسحاب الإسرائيلي، أعادت تعريف مستقبل القطاع. وحتى أغسطس 2026 ظلت إسرائيل تسيطر على ما بين 60 و70% من مساحة غزة وفق تقديرات ميدانية نقلتها رويترز، فيما استمرت الضربات رغم ترتيبات وقف إطلاق النار والخلاف حول تسلسل الانسحاب ونزع سلاح حماس.

في المقابل، جرى في أبريل/نيسان 2026 اقتراع محلي شمل دير البلح في غزة إلى جانب هيئات محلية في الضفة. بلغت المشاركة في دير البلح 23%، مقابل نحو 56% في الضفة، وأوضحت لجنة الانتخابات أن النزوح والدمار وعدم دقة السجل المدني مقارنة بالواقع السكاني الحالي أسهمت في انخفاض نسبة غزة. أثبتت التجربة أن إجراء اقتراع في جزء من القطاع ممكن تقنياً، لكنها أثبتت أيضاً أن نجاح تجربة بلدية محدودة لا يعني توافر شروط انتخابات تشريعية وطنية حرة في كامل غزة.

لذلك ينبغي النظر إلى انتخابات نوفمبر باعتبارها محاولة لاختبار النظام الفلسطيني نفسه، وليس فقط الأحزاب التي تتنافس داخله.

أولاً: السؤال المركزي والفرضية الحاكمة

السؤال المركزي هو:

هل تمثل الانتخابات التشريعية الفلسطينية لعام 2026 فرصة حقيقية لإعادة بناء الشرعية والنظام السياسي، أم أنها تجري داخل بنية سياسية وإقليمية قد تحولها إلى إعادة توزيع للشرعية داخل النظام القائم من دون معالجة أزمته البنيوية؟

ويقود ذلك إلى فرضية أكثر عمقاً:

هل تكمن المعضلة الفلسطينية الراهنة في غياب الانتخابات أساساً، أم كذلك في الحاجة إلى قواعد ومؤسسات وتوافقات تسمح للنظام باستيعاب نتيجة انتخابات تنافسية أياً كان توزيع القوى الذي تنتجه؟

للإجابة، تقترح الورقة التمييز بين ثلاثة مستويات للشرعية.

فجوة التمثيل

هي الفجوة الناتجة عن أن آخر انتخابات تشريعية جرت قبل عشرين عاماً. شخص يبلغ اليوم 38 عاماً تقريباً كان دون سن الاقتراع في 2006. وهذا يعني أن جزءاً كبيراً جداً من الجسم الانتخابي لم يشارك في اختيار مجلس تشريعي في حياته.

الانتخابات تستطيع علاج هذه الفجوة مباشرة.

فجوة القدرة على الحكم

الفوز بالمقاعد لا يعني بالضرورة امتلاك أدوات الحكم.

الحكومة الفلسطينية تحتاج إلى الإدارة العامة والأجهزة الأمنية والموارد المالية وحركة الوزراء بين المناطق ووصولها إلى غزة والتعامل مع إسرائيل والمانحين. لذلك يمكن لقائمة أن تمتلك شرعية انتخابية أقوى من قدرتها التنفيذية.

فجوة الاعتراف

يمكن لحكومة أن تكون منتخبة فلسطينياً ولا تكون مقبولة لدى إسرائيل أو الولايات المتحدة أو بعض المانحين. ويمكن، بالعكس، أن تكون حكومة مقبولة دولياً لكنها تعاني ضعفاً كبيراً في التمثيل الشعبي.

ومن ثم فإن إعادة بناء الشرعية تتطلب تقليص الفجوة بين من ينتخبه المجتمع، ومن يستطيع أن يحكم، ومن يستطيع النظام الدولي التعامل معه.

ثانياً: الإطار القانوني الجديد ، توسيع الباب وتحديد حدوده

أدخل القرار بقانون رقم 10 لسنة 2026 تعديلات هي الأكبر على النظام الانتخابي منذ سنوات. ارتفع عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 200 نائب، وانخفض سن الترشح إلى 23 عاماً، وخُفضت نسبة الحسم إلى 1%، وأصبح الحد الأدنى للقائمة 20 مرشحاً، مع تعزيز تمثيل المرأة بحيث تضم القائمة امرأة واحدة على الأقل بين كل ثلاثة مرشحين.

من وجهة نظر هندسة النظام الحزبي، لهذه التغييرات نتائج مهمة.

خفض نسبة الحسم يشجع القوى الصغيرة والمستقلين على خوض الانتخابات بدل الاندماج الإجباري في القوائم الكبرى. وخفض سن الترشح يتيح مشاركة جيل كان مستبعداً حتى بموجب قواعد 2021. وتعزيز حصة النساء يمكن أن يغير التركيب الاجتماعي للمجلس بصورة ملموسة.

لكن هذه الانفتاحات تقابلها شروط سياسية وقانونية تحدد إطار المنافسة.

فالقانون يشترط على المرشح الالتزام بالقانون الأساسي وبمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وببرنامجها السياسي والوطني وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.

وهنا يمكن تمييز مقاربتين في قراءة هذا الشرط.

ترى المقاربة الأولى أن النظام السياسي يحتاج إلى مرجعية دستورية وسياسية مشتركة، وأن المشاركة في مؤسساته تقتضي الالتزام بالأسس القانونية والسياسية الناظمة لها، ولا سيما في ضوء خبرة 2006 وما أعقبها.

في المقابل، ترى مقاربة نقدية أن اشتراط الالتزام ببرنامج سياسي محدد قد يضيّق نطاق التنافس بين البرامج، وتزداد حساسية المسألة في ضوء بقاء قوى سياسية واجتماعية وازنة، وفي مقدمتها حماس، خارج منظمة التحرير واختلافها مع أجزاء من برنامجها.

لا تحسم هذه الورقة هذا السجال أيديولوجياً، بل تسجل معضلته المؤسسية: توسيع قاعدة المشاركة يحتاج إلى التوفيق بين حماية المرجعية القانونية والسياسية للنظام وبين الحفاظ على قدر كافٍ من التعددية السياسية داخل العملية الانتخابية.

هذه إحدى المعضلات الأساسية لانتخابات 2026.

ثالثاً: شرعية العملية تسبق شرعية الصندوق

لا يصح اختزال نزاهة الانتخابات في سلامة العد والفرز.

في الحالة الفلسطينية ينبغي تقييم العملية عبر خمس حلقات: حرية الترشح، وحرية الحملات، وحرية الناخب، والمساواة الجغرافية، ثم إلزامية النتيجة.

قد تكون صناديق الاقتراع سليمة بينما تكون المنافسة التي سبقتها غير متكافئة. مرشح معتقل لا يملك فرصة مساوية لمرشح حر؛ وقائمة تستطيع عقد الاجتماعات في الضفة ولا تستطيع العمل في غزة ليست في بيئة انتخابية وطنية متكافئة؛ وناخب في القدس يحتاج إلى ترتيبات تقبلها السلطة القائمة على المدينة ليس في الوضع نفسه الذي يوجد فيه ناخب في رام الله.

وتشير تقارير حقوقية منشورة إلى تحديات تتصل بالحريات العامة في البيئات الفلسطينية المختلفة قبل انتخابات 2026. فقد أوردت Human Rights Watch في تقريرها لعام 2026 شكاوى تتعلق بالاعتقال التعسفي وسوء المعاملة على يد أجهزة السلطة خلال 2025، استناداً إلى بيانات الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان. وفي غزة وثقت منظمة العفو الدولية خلال 2025 تهديدات واستجوابات واعتداءات نُسبت إلى أجهزة أمن مرتبطة بحماس ضد محتجين.

المعيار المهني هنا واحد: ينبغي تقييم أي ادعاءات أو قيود على الحريات، في الضفة أو غزة، وفق القواعد القانونية ذاتها وبالاستناد إلى مصادر موثوقة، مع إدراج القيود الإسرائيلية بوصفها عاملاً ميدانياً مباشراً يؤثر في الحركة والاعتقال والوصول إلى المجال الانتخابي.

لذلك فإن معيار نزاهة الانتخابات يجب أن يشمل ثلاث بيئات أمنية وسياسية في آن واحد: السلطة الفلسطينية في الضفة، مراكز القوة الفلسطينية الفعلية في غزة، وإسرائيل باعتبارها القوة المسيطرة على المجال الجغرافي الأوسع.

رابعاً: فتح بعد المؤتمر الثامن هل تنتقل الوحدة التنظيمية إلى وحدة انتخابية؟

انعقد المؤتمر العام الثامن لحركة فتح بين 14 و16 مايو/أيار 2026، بمشاركة نحو 2,580 عضواً موزعين بين رام الله وغزة والقاهرة وبيروت، وانتخب المؤتمر اللجنة المركزية والمجلس الثوري.

من الناحية التنظيمية، وفر المؤتمر لحركة فتح فرصة لتجديد هياكلها قبل الانتخابات. لكن السؤال الانتخابي الحقيقي لا يتعلق فقط بانتخاب المؤسسات الداخلية، بل بقدرة الحركة على تحويل المؤتمر إلى قائمة موحدة قابلة للدفاع عنها أمام قواعدها.

أحد أهم دروس محاولة انتخابات 2021 كان أن الانقسامات داخل فتح يمكن أن تتحول بسرعة إلى قوائم انتخابية منافسة. وفي نظام تمثيل نسبي بنسبة حسم 1%، تنخفض الكلفة اللازمة أمام المنشقين لتشكيل قوائمهم الخاصة.

ولذلك ستشكل عملية اختيار المرشحين اختباراً أكبر من البرنامج الانتخابي نفسه.

إذا استطاعت القيادة بناء قائمة تضم الأقاليم، والشباب، والنساء، والتيارات التنظيمية المختلفة، يمكن للمؤتمر الثامن أن يؤدي وظيفة توحيدية.

أما إذا تحولت القائمة الرسمية إلى عملية استبعاد واسعة لشخصيات تتمتع بوزن محلي أو تنظيمي، فقد تخوض فتح الانتخابات ضد عدة نسخ من نفسها.

هذا مهم بصورة خاصة لأن الضرر الانتخابي الناتج عن الانشقاق لا يحتاج إلى أن تنجح القائمة المنشقة في الفوز بعشرات المقاعد؛ يكفي أن تقتطع أصواتاً من القائمة الرسمية في نظام نسبي.

ولهذا يعد عدد القوائم التي تضم شخصيات فتحاوية معروفة خارج القائمة الرسمية أحد أهم مؤشرات الإنذار المبكر التي ينبغي مراقبتها بعد 26 سبتمبر.

خامساً: حماس من سلطة غزة إلى سؤال الاندماج السياسي

دخلت حماس عام 2026 في وضع مختلف جذرياً عن 2006.

الحرب ألحقت خسائر واسعة بقيادتها وقدراتها ومؤسساتها، وتغيرت بنيتها القيادية. وفي يوليو/تموز 2026 اختارت الحركة خليل الحية قائداً عاماً جديداً. وفي الشهر نفسه أعلنت حل حكومتها الفعلية في غزة ونقل مسؤوليات مدنية إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية مدعومة في إطار ترتيبات ما بعد الحرب، مع بقاء الخلاف حول السلاح ودور الحركة الأمني.

هذا يخلق لحماس معضلة مختلفة عن معضلة 2006.

إذا شاركت رسمياً، فعليها معالجة الشروط القانونية الجديدة المتعلقة بمنظمة التحرير وبرنامجها.

إذا قاطعت، فقد تمنح خصومها فرصة إعادة تشكيل المؤسسات من دون مشاركتها، لكنها تستطيع الطعن في القدرة التمثيلية للنتيجة.

وإذا شاركت من خلال قائمة غير حزبية أو شخصيات قريبة منها، فقد تحاول الحفاظ على وزنها الشعبي مع تقليل الاحتكاك القانوني والخارجي.

لذلك لا ينبغي اختزال السؤال في «هل حماس قوية أم ضعيفة؟». السؤال الأهم هو أي شكل من أشكال المشاركة يخدم استراتيجيتها الجديدة؟

كما ينبغي تجنب افتراض أن خسائر إيران أو محور حلفائها ستؤدي آلياً إلى انخفاض التأييد الشعبي لحماس. السلوك الانتخابي لا يتبع خط الدعم العسكري ميكانيكياً. قد يعاقب الناخب الحركة على إدارة غزة وكلفة الحرب، وقد يصوت لها احتجاجاً على السلطة وفتح، وقد يميز بين رأيه في سلاح الحركة ورأيه في أدائها الحكومي.

آخر استطلاع شامل منشور بوضوح من المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية يعود إلى أكتوبر/تشرين الأول 2025، أي قبل التطورات السياسية المهمة في 2026؛ وقد أظهر آنذاك أزمة ثقة عميقة وتفوقاً لحماس على فتح في بعض مؤشرات التفضيل، لكن استخدام تلك الأرقام كتوقع مباشر لانتخابات نوفمبر 2026 سيكون غير منضبط منهجياً بسبب الفاصل الزمني والتحولات اللاحقة.

وعليه، فإن أول استطلاعات مهنية تُجرى بعد إغلاق باب الترشح في أكتوبر ستكون أكثر قيمة بكثير من استطلاعات ما قبل تحديد القوائم.

سادساً: ما بعد الثنائية، الفصائل والمستقلون والكتلة الثالثة

خفض نسبة الحسم إلى 1% يخلق فرصة جديدة للفصائل الصغيرة، لكنه يحمل خطراً موازياً.

الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وحزب الشعب وجبهة النضال الشعبي وغيرها تستطيع دخول المجلس بعدد أصوات أقل مما كان مطلوباً في أنظمة أكثر تقييداً. لكن نجاح عدة قوائم صغيرة قد ينتج مجلساً شديد التشرذم لا تستطيع فيه أي قوة تشكيل حكومة من دون مفاوضات معقدة.

هنا تصبح خيارات اليسار الفلسطيني استراتيجية لا انتخابية فقط: هل الحفاظ على الهوية الفصائلية أهم، أم بناء قائمة مشتركة تستطيع تشكيل كتلة برلمانية ذات وزن؟

والفرصة نفسها موجودة أمام المستقلين.

الانتخابات المحلية في أبريل قدمت إشارة محدودة إلى أن المجال المحلي لا ينقسم بالكامل بين فتح وحماس. في دير البلح حصلت قائمة مدعومة من فتح على ستة من أصل 15 مقعداً، بينما حصلت قائمة يُنظر إليها على أنها قريبة من حماس على مقعدين، وذهبت بقية المقاعد إلى قوائم أخرى. لكن المشاركة المنخفضة والظروف الاستثنائية تمنع تعميم النتيجة وطنياً.

لكي تظهر كتلة ثالثة وازنة في الانتخابات التشريعية، تحتاج أكثر من «استقلالية» اسمية. تحتاج إلى شخصيات ذات مصداقية وطنية، وشبكات محلية، وقدرة تنظيمية وإعلامية، ورسالة سياسية واضحة تتجاوز القول إنها ليست فتح ولا حماس.

وفي غياب ذلك، قد يتحول ما يسمى «المستقلين» إلى قوائم صغيرة مرتبطة عملياً بتيارات من القوى التقليدية.

سابعاً: الناخب الفلسطيني الجديد ، جيل ما بعد 2006

يمثل العامل الجيلي أحد أكثر متغيرات انتخابات 2026 تعرضاً للتقليل من أهميته.

شاب كان عمره عاماً واحداً في انتخابات 2006 سيكون في الحادية والعشرين في انتخابات 2026. ومن كان في السابعة عشرة آنذاك سيقترب اليوم من الأربعين ولم يسبق له التصويت في انتخابات تشريعية.

بالتالي لا تواجه القوى السياسية مجرد إعادة تعبئة جمهور قديم، بل مجتمعاً تكوّن جزء كبير من وعيه السياسي في فترة غياب العملية البرلمانية نفسها.

هذا الجيل عاش الانقسام بوصفه واقعاً ثابتاً لا حادثة مؤقتة. شاهد تراجع عملية السلام، وتوسع الاستيطان، وأزمات السلطة، وحروب غزة المتتابعة، ثم الحرب الكبرى بعد 7 أكتوبر 2023.

ولهذا قد لا يكون التصويت الأيديولوجي التقليدي هو النمط الوحيد.

يمكن أن يظهر تصويت احتجاجي لا يهدف إلى منح تفويض لبرنامج كامل بقدر ما يهدف إلى معاقبة القوى القائمة.

ويمكن أن يظهر تصويت عقابي مزدوج: ضد فتح بسبب السلطة والأداء في الضفة، وضد حماس بسبب تجربتها في حكم غزة وكلفة الحرب.

ويمكن أن تستفيد قوائم محلية أو مستقلة من فقدان الثقة بالهويات التنظيمية.

وفي المقابل، قد تكون المقاطعة الخيار السياسي الأكثر دلالة إذا اعتقد قطاع من الناخبين أن النتيجة لن تغير شكل الحكم.

وهنا يصبح معدل المشاركة ليس مجرد رقم انتخابي، بل مؤشراً على شيء أعمق: هل ما زال المواطن يعتقد أن تغيير ورقة الاقتراع يمكن أن يغير توزيع السلطة؟

ثامناً: الاقتصاد ، عندما يتحول الراتب إلى ورقة اقتراع

تدخل السلطة الفلسطينية الانتخابات وهي تواجه أزمة مالية شديدة.

في يوليو/تموز 2026 وصف البنك الدولي الوضع المالي بأنه أزمة حادة تهدد تقديم الخدمات الأساسية، وأكد ضرورة حل أزمة إيرادات المقاصة واستمرار الدعم الخارجي. كما قدر تقريره الاقتصادي الصادر في مايو أن العجز المالي لعام 2026 يمكن أن يتجاوز 1.2 مليار دولار قبل بعض التعديلات، وأن الفجوة تتسع بصورة أكبر بعد الاقتطاعات من إيرادات المقاصة.

لهذه الأزمة ثلاثة آثار انتخابية.

أولاً، تضر بالسلطة وحركة فتح لأن الناخب غالباً ما يعاقب الطرف الموجود في موقع الإدارة، حتى عندما يكون جزء كبير من الأزمة ناتجاً عن اقتطاعات إسرائيلية أو ظروف خارجة عن السيطرة الفلسطينية.

ثانياً، تضعف القطاع الخاص والطلب المحلي، فتوسع دائرة من يشعرون بتراجع الأداء الاقتصادي خارج الموظفين العموميين.

ثالثاً، تجعل السلطة أكثر عرضة للضغط بعد الانتخابات. فإذا كانت الحكومة الجديدة تعتمد على موارد يمكن لإسرائيل حجبها أو يستطيع المانحون تقليصها، فإن الانتقال الديمقراطي نفسه يصبح معرضاً للعقاب المالي.

من هنا تنشأ ضرورة التمييز بين حق الجهات الدولية في اتخاذ موقف سياسي من حكومة ما وبين تحويل الخدمات والرواتب الأساسية إلى أداة لإلغاء نتيجة انتخابية.

تاسعاً: غزة ، أكبر اختبار للمساواة الانتخابية

إجراء الانتخابات في غزة ليس مشكلة لوجستية فقط.

حتى أغسطس/آب 2026 ظلت مساحة واسعة من القطاع تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية، واستمر النزوح والدمار وعدم استقرار وقف إطلاق النار. كما ظل الخلاف قائماً حول ترتيب نزع سلاح حماس والانسحاب الإسرائيلي وانتقال الإدارة إلى اللجنة التكنوقراطية.

لكي تكون انتخابات غزة حرة فعلاً يجب الإجابة عن أسئلة عملية وسياسية في آن واحد: أين يصوت النازحون؟ كيف يحدث تحديث السجل السكاني؟ كيف تتحرك القوائم في القطاع؟ هل تستطيع القوائم المعارضة لحماس عقد اجتماعات؟ هل يستطيع المرشحون القادمون من الضفة دخول غزة؟ هل تستطيع اللجنة الوصول إلى المناطق الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية؟ وكيف تُنقل الصناديق والنتائج؟

نجاح انتخابات دير البلح يقدم خبرة تنظيمية مفيدة، لكنه يكشف كذلك حجم المشكلة: لجنة الانتخابات نفسها ربطت المشاركة المتدنية في المدينة بالنزوح والدمار والفجوة بين السجل المدني والواقع السكاني.

لذلك يمكن أن تنشأ أخطر حالات انتخابات نوفمبر إذا جرت العملية بصورة جيدة في الضفة وبصورة جزئية في غزة.

حينها لن يكون النزاع حول نزاهة الفرز، بل حول مدى وطنية التمثيل الناتج عن مجال انتخابي غير متساوٍ جغرافياً.

عاشراً: القدس ، هل تملك إسرائيل حق الفيتو الفعلي؟

دعوة مرسوم يوليو تشمل القدس صراحة، لكن القدرة الفلسطينية على تنفيذ هذه الدعوة داخل المدينة محدودة بسبب السيطرة الإسرائيلية.

وهنا يعود السؤال الذي أدى إلى أزمة 2021.

إذا سمحت إسرائيل بمشاركة المقدسيين وفق ترتيبات مقبولة، تزول واحدة من أكبر ذرائع التأجيل.

لكن إذا رفضت، فإن القيادة الفلسطينية تواجه ثلاثة خيارات: التأجيل الكامل، أو المضي دون مشاركة كاملة للقدس، أو تطوير آليات بديلة للاقتراع تحمل تحدياً سياسياً وقانونياً.

التأجيل يعيد إنتاج 2021، لكن بكلفة شرعية أعلى.

أما إجراء الانتخابات من دون القدس فيضعف الادعاء بأنها انتخابات وطنية تشمل الأراضي الفلسطينية كلها.

والخيار الثالث يفتح احتمالات المواجهة مع إسرائيل.

لذلك لا ينبغي انتظار أكتوبر لحل المشكلة. المطلوب توافق فلسطيني مسبق على أن رفض إسرائيل للترتيبات التقليدية لا يمنحها تلقائياً حق وقف العملية الوطنية بكاملها، مع تطوير بدائل عملية تسمح بأوسع مشاركة مقدسية ممكنة.

الحادي عشر: إسرائيل ، انتخابات فلسطينية داخل مجال تسيطر عليه قوة أخرى

تستطيع إسرائيل التأثير في انتخابات 2026 على أربعة مستويات مختلفة.

المستوى الأول هو إجراء الانتخابات نفسها من خلال القدس وغزة والحركة على الأرض.

الثاني هو توازن المنافسة عبر الاعتقالات والمنع من السفر أو التنقل.

الثالث هو المزاج الشعبي من خلال العمليات العسكرية والاستيطان والقيود الاقتصادية.

والرابع هو قابلية تنفيذ النتيجة عبر موقفها من الحكومة وأموال المقاصة والمعابر وحركة الوزراء والنواب.

وهذا يجعل إسرائيل مختلفة عن أي مانح أو دولة عربية: فهي لا تملك موقفاً من الانتخابات فقط، بل تملك أدوات مادية مباشرة داخل المسرح الانتخابي.

الثاني عشر: الانتخابات الإسرائيلية  ، متغير قريب زمنياً من الاستحقاق الفلسطيني

عند تاريخ قطع المعلومات، ظل موعد الانتخابات الإسرائيلية وتوقيت أي انتخابات مبكرة محتملة عنصراً متحركاً يحتاج إلى متابعة، وهو ما يجعل المشهد الإسرائيلي في الأسابيع السابقة للانتخابات الفلسطينية متغيراً ذا أثر محتمل في البيئة السياسية والأمنية المحيطة بالاستحقاق.

هذا التوقيت بالغ الأهمية.

حكومة يمينية أو يمينية متشددة

ترفع احتمال التضييق في القدس، وتشديد التعامل مع قوائم مرتبطة بحماس، واستمرار السياسات الاستيطانية والضغوط المالية.

لكن «اليمين» ليس وحدة كاملة؛ فالانقسامات حول التجنيد والحريديم وأحزاب اليمين الديني يمكن أن تجعل ائتلافاً يمينياً هشاً حتى إذا حصل على أغلبية.

حكومة أكثر وسطية

لا ينبغي افتراض أنها ستتحول تلقائياً إلى حكومة مؤيدة للمشروع الوطني الفلسطيني. التوافق الأمني الإسرائيلي أوسع من الانقسام الحزبي في قضايا كثيرة.

لكن حكومة وسطية قد تكون أقل ميلاً إلى تحويل الانتخابات الفلسطينية نفسها إلى ساحة مواجهة، وقد تكون أكثر قابلية للاستجابة لضغط أميركي أو أوروبي في قضية القدس والمقاصة.

نتيجة غير حاسمة

قد تنتج مفاوضات ائتلافية خلال نوفمبر.

وهنا تظهر مفارقة: ضعف الحكومة السياسية قد يقلل القرارات الاستراتيجية الإسرائيلية ضد الانتخابات، لكنه قد يزيد دور المؤسسة الأمنية التي تميل عادة إلى إدارة المخاطر بصورة محافظة.

لذلك فإن هوية الحكومة الإسرائيلية لا تكفي؛ سرعة تشكيلها وتركيبتها الداخلية مهمتان بقدر النتيجة العددية.

الثالث عشر: انتخابات التجديد النصفي الأميركية في 3 نوفمبر

الانتخابات الأميركية لعام 2026 هي انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وليست انتخابات رئاسية. وتؤكد لجنة الانتخابات الفيدرالية أن موعد الانتخابات الفيدرالية العامة هو الثلاثاء 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026.

وهذا يضعها قبل الانتخابات الفلسطينية بخمسة وعشرين يوماً فقط.

الأثر المباشر يجب ألا يُبالغ فيه. إدارة الرئيس دونالد ترامب ستظل صاحبة القرار التنفيذي في السياسة الخارجية خلال نوفمبر، ولن ينتقل الكونغرس الجديد فوراً إلى إعادة صياغة السياسة الفلسطينية.

لكن النتيجة ستؤثر في هامش الإدارة السياسي.

إذا خسرت الإدارة وحزبها أرضية واسعة، قد تصبح أكثر اهتماماً بتحقيق إنجاز خارجي سريع أو أكثر حذراً من تحمل كلفة سياسية جديدة.

أما إذا عززت موقعها، فقد يمنحها ذلك ثقة أكبر في فرض رؤيتها للترتيبات الفلسطينية وغزة.

ويضاف إلى ذلك أن الحرب الأميركية–الإيرانية أصبحت جزءاً من السياسة الداخلية الأميركية. في استطلاع Reuters/Ipsos مطلع أغسطس، أيد الحرب نحو 35% فقط، بينما توقع نصف المستطلعين مزيداً من الفوضى في الشرق الأوسط.

وبالتالي فإن ارتباط الملف الفلسطيني بالسياسة الأميركية في نوفمبر لن يمر فقط عبر إسرائيل، بل عبر حساب أوسع يتعلق بإيران وغزة وأسعار الطاقة والسياسة الداخلية.

الرابع عشر: الحرب الأميركية–الإيرانية ، المتغير الذي أعاد ترتيب الإقليم

دخلت الولايات المتحدة وإيران في حرب مفتوحة منذ فبراير/شباط 2026، واستمر القتال خمسة أشهر على الأقل حتى أغسطس. في 6 أغسطس قال ترامب إنه يعتقد أن الحرب قد تنتهي قريباً، بينما كانت المفاوضات حول مضيق هرمز مستمرة، بالتوازي مع استنزاف عسكري ومخاوف إقليمية واسعة.

أثر الحرب على الانتخابات الفلسطينية يمر عبر أربع قنوات.

إيران وحماس

تراجع قدرة إيران على تمويل أو تسليح حلفائها يمكن أن يضعف البيئة الاستراتيجية التي كانت تعمل فيها حماس.

لكنه لا يعني بالضرورة انخفاضاً موازياً في الأصوات. الناخب لا يصوت على ميزان الصواريخ الإقليمي؛ وقد يكون ضعف الارتباط الإيراني عاملاً يسمح لحماس بتقديم نفسها كقوة فلسطينية أكثر استقلالاً، أو قد يعزز الاعتقاد لدى منتقديها أن رهانها الإقليمي أنتج أثماناً مرتفعة.

لذلك يجب اختبار العلاقة لا افتراضها.

دول الخليج

الحرب رفعت مخاطر أمن الطاقة والبنية التحتية في السعودية والخليج. ووصلت التوترات في أغسطس إلى تحذيرات سعودية من هجمات محتملة لقوى مرتبطة بإيران، بالتزامن مع اتفاق دفاع مشترك سعودي–تركي–باكستاني.

هذا يجعل الاستقرار الفلسطيني أكثر ارتباطاً بأجندة إقليمية لمنع توسع الصراعات.

الاقتصاد

تهديد الملاحة في هرمز يرفع أسعار الطاقة وكلفة إعادة الإعمار والتمويل الدولي. وبالتالي يمكن للحرب البعيدة جغرافياً عن فلسطين أن تؤثر في الموارد المتاحة للسلطة وغزة.

الولايات المتحدة وإسرائيل

كلما استهلك الملف الإيراني مزيداً من الموارد السياسية والعسكرية الأميركية والإسرائيلية، تغيرت الأولويات المخصصة للساحة الفلسطينية.

وقد يؤدي انتهاء الحرب إلى إعادة التركيز على غزة، بينما يؤدي استمرارها إلى جعل الانتخابات الفلسطينية قضية ثانوية داخل صراع إقليمي أكبر.

الخامس عشر: مصر والأردن والخليج وقطر وتركيا ، ما الذي تريده البيئة العربية؟

من الخطأ البحث عن «الموقف العربي» بصيغة واحدة.

مصر تنظر إلى الانتخابات من خلال غزة ورفح والأمن والتهجير ومستقبل إدارة القطاع. أولويتها هي وجود سلطة فلسطينية قادرة على منع الفراغ وتوحيد الإدارة من دون انهيار أمني.

الأردن أكثر حساسية تجاه الضفة والقدس والاستيطان وأي سيناريو يخلق فراغاً سياسياً أو موجة عدم استقرار بالقرب من حدوده.

السعودية والإمارات تميلان إلى التركيز على استقرار المؤسسات وقابلية إعادة الإعمار وتقليل ارتباط الملف الفلسطيني بمحاور عسكرية إقليمية.

قطر وتركيا تمتلكان قنوات سياسية أكبر مع حماس، ما يمنحهما دوراً محتملاً في تسهيل صيغة مشاركة أو انتقال سياسي لا يعيد الحكم الحمساوي السابق ولا يستبعد الحركة اجتماعياً وسياسياً بالكامل.

أما المشترك بين معظم هذه الأطراف فهو أن الانتخابات ليست غاية بحد ذاتها؛ المطلوب بالنسبة إليها، بدرجات مختلفة، هو نتيجة قابلة للحكم تمنع عودة غزة إلى الحرب وتمنع انهيار السلطة في الضفة.

والبيان المشترك الصادر عن عدد من الدول الإقليمية في أغسطس بشأن غزة يظهر درجة من تقاطع المواقف إزاء الحاجة إلى وقف التصعيد، وإن بقيت الاختلافات واسعة حول الترتيبات النهائية.

السادس عشر: المجلس الوطني ومنظمة التحرير، انتخابات داخل مشروع أكبر لإعادة التمثيل

تكتسب الانتخابات التشريعية معنى إضافياً لأنها ليست الاستحقاق الفلسطيني الوحيد في 2026.

في 2 فبراير أصدر الرئيس مرسوماً يدعو الفلسطينيين في الوطن والشتات إلى انتخابات المجلس الوطني في نوفمبر/تشرين الثاني 2026، «حيثما أمكن»، وفق التمثيل النسبي الكامل، وتحت إشراف لجنة الانتخابات المركزية.

هذا يفتح فرصة لإعادة وصل مسارين انفصلا تدريجياً: مسار السلطة الفلسطينية بوصفها سلطة حكم في الأرض المحتلة، ومسار منظمة التحرير بوصفها إطار التمثيل الوطني الأوسع.

لكن هذا المسار يخلق أسئلة أيضاً.

ماذا لو أنتج المجلس التشريعي ميزان قوى مختلفاً جذرياً عن تركيبة مؤسسات المنظمة؟

كيف تُدمج القوى غير المنضوية في المنظمة؟

وهل ينتج عن انتخاب المؤسستين تجديد مزدوج للشرعية أم ازدواج جديد بينها؟

الخطر هو تجديد السلطة من دون إصلاح تمثيل المنظمة، أو إصلاح المنظمة من دون إعادة تنظيم علاقتها بمؤسسات الحكم.

لذلك فإن انتخابات 2026 يجب أن تُقرأ باعتبارها إعادة تركيب محتملة لنظام الشرعيات الفلسطينية، لا مجرد انتخابات برلمان محلي.

السابع عشر: مصفوفة من يستطيع تعطيل ماذا؟

الطرف منع الانتخابات تغيير بيئتها التأثير في النتيجة تعطيل ما بعدها أدواته الرئيسية
الرئاسة والسلطة مرتفع مرتفع متوسط مرتفع المرسوم، الإدارة، الأمن، الحكومة
فتح محدود منفردة متوسط مرتفع مرتفع التنظيم والقائمة والمؤسسات
حماس مرتفع في غزة مرتفع مرتفع مرتفع جداً المشاركة أو المقاطعة والنفوذ التنظيمي
لجنة الانتخابات ضعيف سياسياً مرتفع تقنياً محدود محدود الإدارة والتنظيم والرقابة
إسرائيل مرتفع جداً مرتفع جداً مرتفع غير مباشر مرتفع جداً القدس، الحركة، الاعتقال، المعابر، المقاصة
الولايات المتحدة محدود مباشراً متوسط غير مباشر مرتفع الدبلوماسية والتمويل والعلاقة بإسرائيل
المانحون ضعيف قبل الاقتراع محدود محدود مرتفع مالياً التمويل والتعامل مع الحكومة
مصر محدود متوسط محدود/متوسط متوسط/مرتفع غزة، رفح، الوساطة
الأردن محدود متوسط محدود متوسط القدس والضفة والدبلوماسية
قطر وتركيا محدود متوسط متوسط متوسط الوساطة والعلاقة بحماس
السعودية والإمارات محدود متوسط محدود مباشراً متوسط/مرتفع الدعم المالي والسياسي

المغزى ليس أن الناخب بلا قوة، بل أن سلطة الناخب تنتهي عند توزيع المقاعد، بينما تملك أطراف أخرى قدرة كبيرة على تحديد ما إذا كان توزيع المقاعد سيتحول إلى حكم. وهذا هو جوهر فجوة القدرة.

الثامن عشر: خريطة التأثير والإنذار المبكر

العامل الطبيعة درجة التأثير الاحتمال سرعة التأثير الأكثر تأثراً التحكم الفلسطيني مؤشر الإنذار
ترتيبات القدس مختلط حاسم مرتفع سريع العملية كلها محدود موقف إسرائيلي رسمي
إمكانية الاقتراع في غزة مختلط حاسم مرتفع متدرج غزة والشرعية الوطنية جزئي انتشار مراكز الاقتراع والسيطرة الميدانية
مشاركة حماس داخلي حاسم متوسط فوري النظام الحزبي مرتفع إعلان رسمي قبل الترشح
وحدة فتح داخلي مرتفع جداً متوسط سريع فتح مرتفع ظهور قوائم منشقة
الاعتقالات الإسرائيلية خارجي مرتفع مرتفع فوري المرشحون والمعارضة ضعيف اعتقال مرشحين
المقاصة والرواتب مختلط مرتفع مرتفع أسابيع السلطة وفتح محدود نسبة صرف الرواتب
الحريات في الضفة داخلي مرتفع متوسط مستمر المعارضة مرتفع الاعتقالات والشكاوى
الحريات في غزة داخلي مرتفع متوسط مستمر منافسو حماس جزئي تهديد الحملات
نتيجة إسرائيل خارجي مرتفع مؤكد أسابيع الجميع معدوم تركيبة الائتلاف
التجديد النصفي الأميركي خارجي متوسط مؤكد غير مباشر السياسة الخارجية معدوم نتيجة 3 نوفمبر
الحرب مع إيران خارجي متوسط/مرتفع قائمة سريع الاقتصاد وحماس معدوم وقف الحرب أو تصعيدها
المستقلون داخلي مرتفع متوسط سريع فتح وحماس مرتفع أسماء القوائم
المشاركة الشبابية داخلي مرتفع غير معلوم يوم الاقتراع النظام التقليدي مرتفع التسجيل والاستطلاعات
موقف المانحين خارجي حاسم بعد الاقتراع متوسط سريع الحكومة محدود تصريحات ما قبل التصويت
قبول النتائج داخلي حاسم غير مضمون فوري النظام كله مرتفع اتفاق معلن قبل الاقتراع

يمكن تقسيم هذه العوامل وظيفياً إلى أربع مجموعات: عوامل قادرة على منع الانتخابات، وعلى رأسها القدس وغزة والتصعيد العسكري؛ عوامل تغير النتائج مثل انقسام فتح وحماس والمستقلين والاقتصاد؛ عوامل تحدد الاعتراف بالنتيجة مثل إسرائيل والولايات المتحدة والمانحين؛ وعوامل تفجر أزمة ما بعد الانتخابات مثل الأمن وغزة ورفض النتيجة والتمويل.

التاسع عشر: السيناريوهات حتى نهاية 2026

النسب التالية تقديرات تحليلية وليست تنبؤات إحصائية، وينبغي إعادة تقديرها بعد إغلاق باب الترشح وظهور الموقف النهائي لحماس وتركيبة الحكومة الإسرائيلية.

السيناريو الأول: انتخابات شاملة نسبياً ونتيجة قابلة للاستيعاب

درجة الاحتمال التحليلي: متوسط

تُحل قضية القدس بصيغة عملية، وتتسع المشاركة في غزة، وتشارك القوى الرئيسية، وتأتي النتيجة موزعة بصورة تسمح بتشكيل ائتلاف لا يواجه فيتو فلسطينياً أو خارجياً مطلقاً.

هذا أفضل السيناريوهات مؤسساتياً.

لا يشترط أن تكون الانتخابات مثالية؛ يكفي أن تكون القيود في حدود لا تغير جوهر المنافسة وأن تقبل الأطراف النتيجة.

الرابح الأكبر: النظام السياسي نفسه.

السيناريو الثاني: انتخابات تجري ولكن تحت قيود وعدم مساواة

درجة الاحتمال التحليلي: متوسط إلى مرتفع

تجري الانتخابات في موعدها، لكن مشاركة القدس تكون محدودة، والوضع في غزة غير متساوٍ، وتحدث اعتقالات أو قيود على مرشحين.

النتيجة تحصل على الشرعية القانونية لكنها تبقى محل نزاع سياسي.

هذا السيناريو يعالج فراغ المجلس لكنه لا يحسم أزمة الشرعية.

السيناريو الثالث: التأجيل أو التعطيل

درجة الاحتمال التحليلي: متوسط

قد يحدث بسبب القدس، أو عجز واسع عن الاقتراع في غزة، أو تصعيد إسرائيلي–فلسطيني، أو أزمة سياسية داخلية بشأن حماس.

وسيكون التأجيل في 2026 أكثر ضرراً من 2021، لأن النظام سيكون قد مر بسلسلة من الاستحقاقات المحلية والوطنية وأعلن موعداً محدداً ووضع جدولاً تنفيذياً.

التأجيل الثاني سيجعل السؤال الشعبي ليس «متى الانتخابات؟» بل «هل يستطيع هذا النظام أصلاً إجراء انتخابات عندما تصبح نتائجها غير مضمونة؟».

السيناريو الرابع: انتخابات ناجحة تقنياً وأزمة سياسية في اليوم التالي

درجة الاحتمال التحليلي: منخفض إلى متوسط

تجري العملية بنزاهة نسبية، لكن تفوز حماس أو قائمة قريبة منها، أو تظهر أغلبية معارضة لا تستطيع فتح السيطرة عليها، أو تأتي حكومة لا تقبل إسرائيل التعامل معها.

هذا السيناريو هو الأخطر استراتيجياً لأن أزمة الشرعية فيه تنشأ بعد نجاح الانتخابات لا بسبب فشلها.

قد تعود أزمة التمويل والأمن والصلاحيات والمقاطعة الخارجية بصورة تشبه 2006 ولكن في بيئة أكثر تدميراً وهشاشة.

السيناريو الخامس: مجلس مجزأ وكتلة ثالثة صانعة للحكومة

درجة الاحتمال التحليلي: منخفض

تتراجع حصة فتح وحماس معاً، وتدخل عدة قوائم صغيرة بفعل نسبة الحسم المنخفضة.

لا يستطيع أي طرف تشكيل حكومة منفرداً، وتصبح كتلة ثالثة أو عدة قوائم مستقلة حاسمة.

قد يكون هذا بداية نظام تعددي، لكنه قد ينتج أيضاً عدم استقرار دائماً إذا لم توجد ثقافة ائتلافية وقواعد دستورية واضحة.

العشرون: اختبار الضغط ، عندما تتفاعل الأزمات

الواقع لا يتحرك بعامل واحد. لذلك ينبغي اختبار السيناريوهات مركبة.

إذا فازت قائمة قريبة من حماس وتشكلت في الوقت ذاته حكومة إسرائيلية يمينية متشددة، قد تجتمع أزمة الاعتراف مع المقاصة والحركة والاعتقالات، ما يجعل الحكومة الجديدة تواجه اختبار بقاء قبل أن تبدأ العمل.

إذا انقسمت فتح وتزامن ذلك مع أزمة رواتب في أكتوبر ونوفمبر، يمكن أن يتحول الغضب الاقتصادي إلى تصويت عقابي مضاعف ويصبح المنافس الأكبر لفتح قوائم ذات جذور فتحاوية أصلاً.

إذا قاطعت حماس وانخفضت المشاركة الشبابية والعامة، يمكن أن ينتج مجلس قانوني لكنه ضعيف الادعاء بأنه جدد الشرعية الوطنية.

إذا ظهرت كتلة ثالثة كبيرة وأصبح المجلس شديد التشرذم، قد يتحول اختراق الثنائية إلى أزمة تشكيل حكومة.

أما إذا تعثرت القدس بينما نجحت الاستعدادات في بقية المناطق، فستواجه القيادة أحد أصعب القرارات: هل تمنح الرفض الإسرائيلي قدرة على وقف الاقتراع الوطني، أم تمضي في نموذج بديل يتحمل كلفة سياسية ورمزية؟

هذه السيناريوهات المركبة أكثر واقعية من افتراض تغير كل عامل بصورة منفردة.

الحادي والعشرون: 29 نوفمبر ، الاختبار الذي يبدأ بعد إغلاق الصناديق

يجب ألا يكون السؤال الأول صباح 29 نوفمبر «من فاز؟».

هناك خمسة أسئلة تسبقه في الأهمية المؤسسية.

هل قبل الخاسر النتيجة؟

هل يستطيع الفائز تكوين أغلبية؟

هل يستطيع تشكيل حكومة وفق قواعد متفق عليها؟

هل تستطيع الحكومة ممارسة السلطة فعلاً في الضفة وغزة؟

هل يستطيع النظام تحمل الضغط الإسرائيلي والدولي الناتج عن هوية الحكومة؟

إذا فازت حماس أو قائمة قريبة منها يجب أن يكون واضحاً مسبقاً ما إذا كانت الكتلة الأكبر ستُكلف بتشكيل الحكومة وما المعايير التي ستتعامل بها الرئاسة معها. أما انتظار النتيجة ثم وضع القواعد وفق هوية الفائز فسيجعل الانتخابات نفسها موضع نزاع.

أما إذا فازت فتح دون أغلبية ستحتاج إلى شركاء. وهذا يمكن أن ينتج تحولاً إيجابياً نحو الحكم الائتلافي، أو يعيد إنتاج المحاصصة إذا تأسس الائتلاف على المناصب لا البرامج.

في حين إذا ظهرت كتلة ثالثة قد تكون أهم نتيجة في النظام الحزبي منذ 2006. فالكتلة الثالثة لا تحتاج إلى الفوز لتغيير النظام؛ يكفي أن تمتلك عدداً من المقاعد يجعل تشكيل الحكومة مستحيلاً دونها.

إذا تشرذم المجلسى، انخفاض نسبة الحسم يزيد الاحتمال. حينها تصبح صلاحيات حكومة تصريف الأعمال والمهل الدستورية وصلاحيات الرئيس حاسمة.

إذا رفضت إسرائيل التعامل مع النتيجة

إسرائيل تستطيع جعل الرفض مادياً لا دبلوماسياً فقط: المقاصة، المعابر، التصاريح، حركة الوزراء، واعتقال النواب.

لذلك ينبغي ألا يكون الرد مجرد إعلان سياسي باحترام النتيجة، بل وجود خطة لحماية القدرة على الحكم.

إذا أوقف المانحون أو قلصوا التمويل ستظهر فجوة الاعتراف بأوضح صورها.

سلطة لا تستطيع دفع رواتب موظفيها بسبب هوية الحكومة المنتخبة ستواجه أزمة تجعل استقلال الإرادة الانتخابية ناقصاً.

ماذا يحدث للأجهزة الأمنية؟ هذه أخطر مسألة داخلية.

يجب تحديد العلاقة بين الحكومة والرئاسة والأجهزة مسبقاً، خصوصاً إذا جاءت الرئاسة والحكومة من تيارين مختلفين.

القرارات بقوانين

  • سيجد المجلس الجديد أمامه إرثاً تشريعياً ضخماً صدر في غيابه.
  • الإلغاء الشامل غير عملي، والتصديق الآلي يفرغ البرلمان من وظيفته.
  • المطلوب لجنة مراجعة تشريعية تتولى تصنيفها ضمن جدول زمني: إقرار، تعديل، أو إلغاء.

غزة

  • إذا بقيت اللجنة التكنوقراطية منفصلة فعلياً عن الحكومة المنتخبة، يظهر مركز سلطة إضافي.
  • وإذا جرى دمجها فوراً من دون تسوية أمنية، قد ينهار ترتيب ما بعد الحرب.
  • المطلوب نموذج مرحلي يربط الإدارة المدنية بالحكومة المنتخبة ويعالج الأمن في مسار متفق عليه.

الثاني والعشرون: معضلة «الفائز الذي قد لا يحكم»

في الديمقراطيات المستقرة تكون السلسلة تقريباً:

انتخابات  مقاعد  أغلبية  حكومة  سلطة تنفيذية.

في الحالة الفلسطينية تصبح السلسلة:

انتخابات  مقاعد  موقف الرئاسة  ائتلاف  الأجهزة الأمنية  غزة  إسرائيل  المقاصة  المانحون  القدرة على الحكم.

  • كل حلقة يمكن أن توقف الانتقال بين الشرعية الانتخابية والسلطة الفعلية.
  • لهذا فإن أخطر احتمال ليس أن يفشل الفلسطينيون في تحديد الفائز.
  • الأخطر هو أن يعرف الجميع الفائز ولا يعرف أحد إن كان يستطيع الحكم.

الثالث والعشرون: التناقضات الكبرى التي تكشفها الانتخابات

أول تناقض هو إجراء انتخابات في ظل الاحتلال: المؤسسات الفلسطينية المدعوة إلى تنظيم العملية لا تملك سيطرة كاملة على المجال الجغرافي الذي يتحرك فيه الناخب والمرشح، ولا سيما في القدس وأجزاء من الضفة وغزة.

الثاني هو مطالبة الناخب باحترام النتيجة مع ضرورة وجود ضمانات مؤسسية لاحترامها من جميع الأطراف. فترسيخ ثقافة قبول الخسارة يحتاج إلى قواعد معلنة تمنع تعطيل النتائج بوسائل غير قانونية، سواء من فاعلين داخليين أو بفعل ضغوط خارجية.

الثالث هو العلاقة بين السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير. فتحديث شرعية مؤسسات الحكم يحتاج إلى أن يُقرأ بالتوازي مع مسار تجديد مؤسسة التمثيل الوطني، بما يقلل احتمالات ازدواج الشرعيات.

الرابع هو حماية النظام مقابل المنافسة المفتوحة. شروط الالتزام بالمرجعية السياسية قد تُفهم باعتبارها حماية لمؤسسات النظام، لكنها في الوقت ذاته تقلل المجال المتاح أمام القوى التي تختلف مع هذه المرجعية.

الخامس هو إنهاء الانقسام بالانتخابات. الانتخابات يمكن أن تكون أداة لتسوية الانقسام إذا سبقتها قواعد لتقاسم السلطة؛ ويمكن أن تصبح أداة لإعادة إنتاج الانقسام إذا جاءت النتيجة قبل الاتفاق على قواعد الحكم.

أما التناقض الأعمق فهو كيفية الجمع بين تمثيل الإرادة الشعبية وبين إنتاج مؤسسات قادرة على العمل في بيئة دولية وإقليمية معقدة.

إذا أصبح القبول الخارجي شرطاً يسبق الإرادة الانتخابية ويحددها، تضيق مساحة الاختيار الشعبي.

وفي المقابل، فإن تجاهل واقع الاعتماد المالي والقيود الإسرائيلية قد يفصل الممارسة الديمقراطية عن شروط ممارسة السلطة الفعلية.

المطلوب، لذلك، ليس المفاضلة بين الشرعية الشعبية والواقعية السياسية، بل بناء مؤسسات تقلل قدرة الضغوط الخارجية أو الاختلالات الداخلية على تعطيل المخرجات القانونية للعملية الانتخابية.

الرابع والعشرون: القرارات التي يجب اتخاذها قبل 28 نوفمبر لا بعده

تأجيل الاتفاق على قواعد ما بعد الاقتراع إلى ما بعد ظهور النتيجة يحمل مخاطر مؤسسية، لأن مواقف القوى قد تتأثر بموقعها الجديد كفائز أو خاسر.

المطلوب قبل الاقتراع:

  • أولاً، اتفاق مكتوب على قبول النتيجة القانونية وعدم استخدام القوة لتغييرها.
  • ثانياً، بروتوكول لتكليف الحكومة وتشكيلها إذا لم تحصل قائمة على الأغلبية.
  • ثالثاً، تحديد واضح لعلاقة الحكومة والرئاسة بالأجهزة الأمنية.
  • رابعاً، بروتوكول لتسليم الوزارات والملفات وحماية الإدارة العامة.
  • خامساً، اتفاق على العلاقة بين إدارة غزة والحكومة الناتجة عن الانتخابات.
  • سادساً، خطة فلسطينية وعربية للتعامل مع احتمال تجميد المقاصة أو التمويل.
  • سابعاً، آلية واضحة لربط موازين القوى الناتجة عن المجلس التشريعي بعملية تجديد منظمة التحرير.

إذا لم تُحسم هذه الأسئلة قبل الاقتراع، فإن 29 نوفمبر سيبدأ بمفاوضات على قواعد كان يفترض أن تكون قد حُسمت قبل معرفة الفائز.

الخامس والعشرون: ما الذي ينبغي مراقبته من الآن وحتى 28 نوفمبر؟

المؤشر إذا تحرك في اتجاه إيجابي إذا تحرك في اتجاه سلبي
قرار حماس مشاركة مباشرة أو صيغة مقبولة تزيد التمثيل مقاطعة واسعة تضعف الشرعية
وحدة فتح قائمة موحدة تقلل تشتت الأصوات قوائم فتحاوية منافسة
القدس اتفاق مبكر أو بدائل واضحة استمرار الغموض حتى أكتوبر
غزة توسع المجال المدني ومراكز الاقتراع استمرار السيطرة العسكرية والنزوح
الاعتقالات امتناع نسبي عن استهداف المرشحين حملة اعتقالات سياسية
الرواتب والمقاصة انتظام نسبي يخفف التصويت الاقتصادي أزمة حادة قبل الاقتراع
نتيجة إسرائيل حكومة أكثر قابلية لإدارة الاستحقاق ائتلاف يعارض العملية بوضوح
نتيجة أميركا إدارة ذات هامش دبلوماسي أوسع استقطاب يضيق هامشها
إيران خفض التصعيد الإقليمي استمرار الحرب أو توسعها
المستقلون ظهور كتلة ذات قيادة وبرنامج قوائم كثيرة ضعيفة
التسجيل الشبابي ثقة نسبية بجدوى الاقتراع عزوف واسع
الاستطلاعات انخفاض عدم الحسم والمقاطعة ارتفاع الممتنعين
الحريات انخفاض الاعتقالات والشكاوى تضييق في الضفة أو غزة
الإعلام وصول متقارب للقوائم تحيز أو منع ممنهج
خطاب قبول النتيجة تعهدات واضحة قبل التصويت شروط مسبقة للاعتراف بالفائز

لا ينبغي قراءة أي مؤشر منفرداً. الخطر الحقيقي يظهر عندما تتحرك عدة مؤشرات في الاتجاه نفسه.

على سبيل المثال، غموض القدس + حملة اعتقالات + استمرار النزوح في غزة يرفع احتمال التأجيل بدرجة أكبر من أي عامل منفرد.

أما مشاركة حماس + وحدة فتح + ظهور كتلة ثالثة + ضمانات مسبقة لقبول النتيجة فيرفع احتمال انتخابات تنافسية تنتج إعادة توزيع حقيقية للسلطة.

السادس والعشرون: معيار النجاح ، أربعة مستويات لا مستوى واحد

ينبغي الحكم على انتخابات 2026 وفق أربعة مستويات.

النجاح الإجرائي: أن يستطيع المواطن التصويت وأن تحسب الأصوات بصورة سليمة.

النجاح التمثيلي: أن تستطيع المكونات السياسية والاجتماعية الرئيسية المشاركة والتعبير عن نفسها.

النجاح المؤسساتي: أن تنتج الانتخابات مجلساً وحكومة يمارسان صلاحيات حقيقية.

النجاح النظامي: أن تُحترم النتائج القانونية، ويتم تشكيل الحكومة وممارسة الصلاحيات وفق القواعد الدستورية والقانونية، وتستمر المؤسسات من دون عنف أو انهيار مالي أو انقسام جديد.

يمكن أن تنجح انتخابات نوفمبر في المستوى الأول وتفشل في الرابع.

وهذا هو الفارق بين اقتراع ناجح وانتقال سياسي ناجح.

السابع والعشرون: توصيات السياسات

1.      إقرار «اتفاق ما قبل النتيجة»

تدعو الورقة القوى والقوائم المشاركة، قبل بدء الحملة الانتخابية، إلى إعلان مبادئ مكتوب يتضمن احترام النتائج النهائية الصادرة وفق القانون، ورفض استخدام القوة أو الموارد العامة أو النفوذ المؤسسي لتعطيل تطبيقها.

الهدف ليس إنشاء ميثاق أخلاقي رمزي، بل تقليل إمكان تغيير قواعد العملية بعد معرفة النتائج.

  1. وضع بروتوكول معلن لانتقال المسؤوليات وتشكيل الحكومة

يُعد، من خلال حوار مؤسسي فلسطيني وقانوني، بروتوكول يوضح إجراءات تكليف الحكومة وتشكيلها، ووضع حكومة تصريف الأعمال، وتسليم الوزارات والملفات، والعلاقة بين الحكومة والرئاسة، وحدود الصلاحيات وفق القانون.

ينبغي إعلان المبادئ الإجرائية الأساسية للبروتوكول قبل الاقتراع، بما يمنع تفسير القواعد تبعاً لهوية الفائز.

3.      إعداد خطة وطنية للقدس وغزة

القدس وغزة هما أضعف حلقتين جغرافياً.

ينبغي وضع آليات بديلة للمقدسيين، ونظام خاص للنازحين في غزة، وخيارات لمراكز الاقتراع المتنقلة أو البديلة حيث تسمح الظروف، بدل انتظار الأزمة قبل ابتكار الحلول.

  1. بناء شبكة أمان مالية لحماية استمرارية الخدمات الأساسية

توصي الورقة بأن تقود الحكومة ووزارة المالية، بالتنسيق مع الشركاء العرب والدوليين والاتحاد الأوروبي والمؤسسات المالية ذات الصلة، حواراً مسبقاً حول آليات تحمي استمرارية الصحة والتعليم والوظائف العامة الأساسية إذا تعرضت المالية العامة لضغط حاد بعد الانتخابات.

لا تعني الشبكة منح أي حكومة حصانة من المساءلة؛ بل الفصل بين الخلاف السياسي وبين بقاء المؤسسات.

  1. تعزيز الحياد الأمني وحرية الحملات بمعيار موحد

ينبغي تطوير آلية مستقلة وسريعة لتلقي شكاوى الاعتقال أو التهديد أو التدخل في الحملات في الضفة وغزة، وإحالتها إلى الجهات المختصة ونشر بيانات دورية عنها وفق معايير موحدة.

6.      إنشاء لجنة انتقال تشريعي فور انتخاب المجلس

تتولى مراجعة القرارات بقوانين الصادرة خلال سنوات غياب المجلس وفق جدول زمني، بدل إعادة فتح المنظومة القانونية كلها دفعة واحدة.

7.      ربط المجلس التشريعي بمسار إصلاح منظمة التحرير

ينبغي بحث آلية مؤسساتية وقانونية تتيح أخذ موازين القوى الجديدة الناتجة عن الانتخابات في الاعتبار ضمن مسار تجديد منظمة التحرير، بما يقلل احتمالات ازدواج الشرعيات ويحافظ على مكانة المنظمة التمثيلية.

8.      تثبيت الدورية الانتخابية

أهم دليل على نجاح انتخابات 2026 لن يظهر في ديسمبر 2026 بل عندما يحين موعد الانتخابات التالية.

ويقتضي تثبيت الدورية الانتخابية تطوير قواعد وإجراءات تجعل الدعوة إلى الانتخابات واستحقاقاتها ممارسة مؤسسية منتظمة، لا عملية تتوقف في كل دورة على تفاوض سياسي جديد.

الخاتمة: ما الشرط الذي يفصل بين «حدث انتخابي» وإعادة بناء النظام؟

يمكن للانتخابات أن تنتج مجلساً جديداً من دون أن تنتج نظاماً سياسياً جديداً. ويمكنها أن تمنح القوى أوزاناً انتخابية حديثة من دون أن تنهي ازدواج السلطة بين الضفة وغزة، أو التوتر بين الحكومة والرئاسة، أو الفجوة بين السلطة ومنظمة التحرير، أو الاعتماد الاقتصادي على إسرائيل والمانحين.

لذلك فإن الشرط الذي إذا غاب تصبح انتخابات 2026 مجرد حدث انتخابي هو:

وجود اتفاق مسبق وواضح على أن النتائج القانونية ستُترجم إلى توزيع فعلي للمسؤوليات والصلاحيات وفق أحكام القانون وقواعد تشكيل الحكومة، بصرف النظر عن هوية القوى الفائزة أو الخاسرة، ومن دون استخدام القوة أو الموارد العامة لتعطيلها.

أما الشرط الذي يمكن أن يجعلها بداية لإعادة بناء النظام فهو:

تحويل الانتخابات من استحقاق استثنائي تحدد تفاصيله موازين القوة إلى مؤسسة دورية تكون قواعدها أسبق من النتيجة وأعلى من المصالح الآنية للفائز والخاسر.

ليست الانتخابات علاجاً للاحتلال، ولا ضماناً للوحدة، ولا حلاً تلقائياً لغزة أو الأزمة المالية.

لكنها يمكن أن تؤدي وظيفة تاريخية أكثر واقعية: إنشاء طريقة شرعية لإدارة الخلاف الفلسطيني حول هذه الملفات.

إذا عرفت القوى السياسية مسبقاً أن الفوز والخسارة كلاهما يجريان داخل نظام يحفظ المشاركة القانونية والاستمرارية المؤسسية؛ وإذا وجد المستقلون مجالاً تنافسياً متكافئاً؛ وإذا لمس المواطن أن لصوته أثراً في توزيع السلطة؛ وإذا أمكن الحد من أثر القيود الخارجية على تنفيذ النتائج، فسيكون اقتراع 2026 قد تجاوز مجرد تجديد مجلس تشريعي.

أما إذا كانت بعض النتائج القانونية غير قابلة للتنفيذ عملياً بسبب تعطيل داخلي أو ضغط مالي أو قيود خارجية، فإن السؤال لن يعود عمن فاز في الانتخابات، بل عن مدى قدرة العملية الانتخابية على إنتاج سلطة قابلة للممارسة.

وفي هذا المعنى، فإن التحدي الفلسطيني في 2026 ليس الوصول إلى الصندوق.

التحدي هو بناء نظام يستطيع البقاء بعد أن يتكلم الصندوق.

الخلاصة

لن يُقاس نجاح انتخابات 2026 بمن يفوز في 28 نوفمبر وحده، بل بمدى قدرة النظام الفلسطيني وبيئته المحيطة في اليوم التالي على تحويل النتائج القانونية إلى مؤسسات تعمل، ومعارضة تمارس دورها، وتداول للمسؤولية يجري وفق القانون، من دون أن تحل القوة أو الضغوط المالية أو القيود الخارجية محل صندوق الاقتراع

ملاحظة منهجية حول المصادر

اعتمدت الورقة، بحسب طبيعة كل موضوع، على المصادر الفلسطينية الرسمية ولجنة الانتخابات المركزية في المواعيد والإطار القانوني؛ وعلى البنك الدولي في الوضع المالي والاقتصادي؛ وعلى لجنة الانتخابات الفيدرالية الأميركية في موعد انتخابات 2026؛ وعلى الكنيست ومصادر إخبارية دولية موثوقة في المشهد الإسرائيلي؛ وعلى Reuters في التطورات الجارية في غزة والحرب الأميركية–الإيرانية؛ وعلى Human Rights Watch وAmnesty International في مسائل الحريات والانتهاكات؛ وعلى المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية عند تناول الرأي العام، مع تجنب تحويل الاستطلاعات الأقدم من التطورات السياسية الحالية إلى توقع انتخابي مباشر.

أما السيناريوهات الواردة في الورقة فهي تقديرات نوعية تحليلية وليست نتائج استطلاع أو نموذج تنبؤي. وقد صُنفت بحسب درجة الاحتمال النسبي، وينبغي تحديثها بعد حسم مواقف القوى الرئيسية، وإغلاق باب الترشح، وظهور تركيبة القوائم، واتضاح التطورات الإسرائيلية والإقليمية ذات الصلة.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M