مقدمة
لم تنجح العقوبات الاقتصادية الأمريكية والدولية المفروضة على إيران منذ عقود في تحقيق عزل اقتصادي كامل لطهران، لكنها نجحت في إعادة تشكيل الاقتصاد الإيراني وشبكة علاقاته الخارجية بصورة عميقة. فقد أسهمت العقوبات في تقليص الاستثمار الأجنبي، ورفع تكلفة التمويل والتجارة والنقل والتأمين، وإضعاف قدرة الشركات الإيرانية على الوصول إلى التكنولوجيا والأسواق الغربية، لكنها دفعت، في المقابل، طهران إلى تطوير منظومة اقتصادية بديلة ترتكز بصورة متزايدة على الصين والدول المجاورة والقوى الآسيوية، وعلى شبكات غير مباشرة للتجارة والتمويل والنقل. (1)
وتكتسب هذه المنظومة أهمية أكبر خلال عام 2026، مع انتقال الضغوط الأمريكية بصورة متزايدة من استهداف المؤسسات الإيرانية ذاتها إلى استهداف الشبكة الخارجية التي تُمكّن طهران من بيع النفط والحصول على العملات والسلع والخدمات. ففي عام 2025 فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية بوزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على أكثر من 875 شخصًا وسفينة وطائرة في إطار حملة الضغط على إيران، ثم واصل خلال 2026 استهداف أسطول الظل وشبكات الوسطاء والمصافي والشركات المرتبطة بتجارة النفط الإيراني. (2)
وتظل الصين الحلقة الأهم في هذه المنظومة؛ إذ تشير التقديرات إلى أنها استوردت خلال عام 2025 نحو 1.4 مليون برميل يوميًا من النفط الإيراني، وهو ما جعلها المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، فيما تشير تقديرات أخرى إلى أن أكثر من 80% من النفط الإيراني المشحون إلى الأسواق الخارجية يتجه إلى الصين. (3) وفي المقابل، ترتبط إيران بعلاقات تجارية وطاقوية وجغرافية مع العراق وتركيا، وشبكات نقل واستثمار مع روسيا، وقنوات تجارية ولوجستية مع عُمان والهند وباكستان ودول القوقاز، بينما لعبت الإمارات، ولا سيما دبي، دورًا محوريًا في إعادة التصدير والوساطة التجارية والمالية.
ومن هنا، لم يعد السؤال المركزي هو ما إذا كانت العقوبات قادرة على عزل إيران بصورة كاملة، وإنما إلى أي مدى تستطيع الولايات المتحدة تفكيك شبكة العلاقات والممرات التي تسمح للاقتصاد الإيراني بالبقاء متصلًا بالاقتصاد العالمي. وتفترض هذه الورقة أن فعالية العقوبات لا تتحدد فقط بقدرتها على منع التجارة، وإنما بقدرتها على رفع تكلفة هذه التجارة وتقليص كفاءتها وقدرة إيران على تحويلها إلى إيرادات قابلة للاستخدام.
أولًا: الاقتصاد الإيراني بين الصمود والتآكل
لا يعني استمرار التجارة الإيرانية أن العقوبات لم تحقق أهدافًا اقتصادية؛ فعلى العكس، تعرض الاقتصاد الإيراني لضغوط هيكلية ممتدة. وتشير بيانات البنك الدولي إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي الإيراني بنحو 2.7% في السنة المالية 2025/2026 التي انتهت في مارس 2026، في ظل تصاعد التوترات وتعطل التجارة وارتفاع المخاطر المرتبطة بالطاقة والنقل ومضيق هرمز. (4)
ويعكس هذا الانكماش أحد أوجه تأثير العقوبات التي لا تظهر بالضرورة في حجم الصادرات وحده. فقد أدت القيود المالية والتجارية إلى تقليص قدرة إيران على الحصول على الاستثمارات والتكنولوجيا الأجنبية، ورفعت تكلفة نقل النفط وتأمينه وتمويل الصفقات، وأجبرت الشركات الإيرانية على الاعتماد بصورة أكبر على الوسطاء وشركات الواجهة والأساطيل التي تعمل في بيئة مرتفعة المخاطر.
ومع ذلك، يمتلك الاقتصاد الإيراني مجموعة من عناصر الصمود يصعب تجاهلها. فإيران دولة ذات قاعدة سكانية كبيرة، وموارد ضخمة من النفط والغاز، وقاعدة صناعية محلية واسعة نسبيًا، وحدود برية مع عدد من الدول، فضلًا عن موقع جغرافي يربط الخليج بالقوقاز وآسيا الوسطى والمحيط الهندي.
لذلك، لم يتحول الاقتصاد الإيراني إلى اقتصاد مغلق، وإنما أعاد توجيه مركز ثقله. فبدل الاعتماد الواسع على الأسواق والمؤسسات الغربية، أصبح أكثر ارتباطًا بالصين والجوار الإقليمي وبالقوى الآسيوية. وبعبارة أخرى، العقوبات لم تُنهِ اندماج إيران في الاقتصاد العالمي، لكنها غيرت طبيعة هذا الاندماج ورفعت تكلفته وقللت كفاءته.
ثانيًا: الجغرافيا الاقتصادية لإيران.. من الشريك التجاري إلى الممر الاستراتيجي
تكشف خريطة العلاقات الاقتصادية الإيرانية أن أهمية الشركاء لا يمكن قياسها بحجم التجارة وحده. فبعض الدول تؤدي وظيفة السوق، وبعضها يوفر الطاقة، وبعضها يمثل ممرًا للنقل، بينما تلعب دول أخرى دور الوسيط المالي أو الدبلوماسي.
ويمكن تقسيم شبكة إيران الاقتصادية إلى ثلاث دوائر رئيسية:
- الدائرة الأولى: الشريان الاقتصادي، وتمثله الصين بصورة أساسية.
- الدائرة الثانية: العمق الإقليمي، ويضم العراق وتركيا وروسيا وعُمان.
- الدائرة الثالثة: منافذ التنويع، وتضم الهند وباكستان وأرمينيا وأذربيجان.
وكانت الإمارات تمثل، تاريخيًا، حلقة إضافية شديدة الأهمية بسبب دورها في إعادة التصدير والخدمات التجارية والمالية، قبل أن تتعرض هذه القناة لضغوط حادة خلال أغسطس 2026.
وتوضح البيانات المتاحة تفاوت وزن هذه الدوائر. فالتجارة السلعية المسجلة بين إيران والصين بلغت نحو 32.38 مليار دولار في 2024، إلى جانب تدفقات نفطية ضخمة، بينما تجاوزت التجارة مع العراق 10 مليارات دولار في 2025. وبلغت التجارة السلعية المسجلة مع الإمارات نحو 28.17 مليار دولار في 2024، إلا أن هذا الرقم يتضمن وزنًا كبيرًا لإعادة التصدير، في حين بلغ تقدير التجارة غير النفطية الثنائية نحو 6.6 مليارات دولار. (5)
أما التجارة مع تركيا فتتراوح وفق التقديرات الجارية حول 5–6 مليارات دولار سنويًا، وبلغت التجارة السلعية المسجلة مع روسيا نحو 2.49 مليار دولار في 2024، بينما سجلت التجارة مع عُمان نحو 1.5 مليار دولار في 2025. وفي دائرة التنويع، بلغت التجارة مع الهند 1.63 مليار دولار في السنة المالية 2025/2026، بينما تتراوح التقديرات المتعلقة بباكستان بين 3 و4 مليارات دولار بحسب مدى احتساب التجارة غير الرسمية. (6)
ولا ينبغي التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها سلسلة محاسبية موحدة؛ إذ تختلف منهجيات القياس بين التجارة السلعية المسجلة، والتجارة غير النفطية، والتجارة الحدودية، وإعادة التصدير، والنفط المنقول عبر الوسطاء. لكن أهميتها تكمن في إظهار درجة التركيز الجغرافي المرتفعة في الاقتصاد الإيراني، وهي نقطة ستصبح حاسمة في تقييم قدرة واشنطن على تشديد العقوبات.
ثالثًا: الصين.. الشريان النفطي ومحدودية الرهان الإيراني
تمثل الصين الشريك الأكثر أهمية في قدرة إيران على تجاوز العزلة الاقتصادية. فقد استوردت نحو 1.4 مليون برميل يوميًا من النفط الإيراني في 2025، بينما تشير تقديرات إلى أن أكثر من 80% من النفط الإيراني المشحون إلى الأسواق الخارجية يتجه إلى الصين. (7)
وتكمن أهمية هذه التدفقات في أنها توفر لإيران أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في ظل صعوبة الوصول إلى النظام المالي الغربي. كما أن المصافي الصينية المستقلة، المعروفة باسم “Teapots”، أظهرت قدرة أكبر على التعامل مع النفط الإيراني المخفض، مستفيدة في بعض الفترات من خصومات تراوحت حول 8–10 دولارات للبرميل. (8)
وتعتمد هذه التجارة على شبكة معقدة من الوسطاء والسفن وشركات الشحن التي يمكن أن تغير أعلامها أو هياكل ملكيتها أو مساراتها، فضلًا عن آليات لإخفاء مصدر الشحنات. ولهذا تحولت الصين إلى أكثر من مجرد سوق للنفط الإيراني؛ فهي تمثل الممر التجاري الرئيسي الذي يمنع العقوبات من التحول إلى حصار اقتصادي شامل.
لكن هذا الاعتماد يمثل في الوقت نفسه نقطة ضعف استراتيجية. فكلما زاد تركيز الصادرات النفطية الإيرانية في سوق واحدة، زادت قدرة الضغط الأمريكي على التأثير في حجم الإيرادات الإيرانية، حتى من دون وقف التجارة بالكامل.
وتكشف تطورات أغسطس 2026 عن هذه الهشاشة بوضوح. فقد أشارت تقديرات حديثة في 21 أغسطس إلى تراجع الشحنات الإيرانية إلى الصين إلى نحو 534 ألف برميل يوميًا، مقابل متوسط يقارب 1.4 مليون برميل يوميًا في 2025؛ أي انخفاض يقترب من 62%. كما تراجعت مخزونات النفط الإيراني خارج منطقة الحصار من نحو 105 ملايين برميل إلى قرابة 80 مليون برميل، مع بقاء نحو 30 مليون برميل في المياه الآسيوية وفق تقديرات تجارية. (9)
وتشير هذه التطورات إلى تحول مهم: لم تعد العقوبات وحدها هي العامل المحدد لحجم التجارة، بل أصبحت اللوجستيات والشحن والتأمين والممرات البحرية عوامل حاسمة في تحديد قدرة إيران على تحويل النفط إلى تدفقات مالية.
ومع ذلك، لا يعني ذلك أن الصين ستتخلى عن إيران بسهولة. فبكين لديها مصلحة في الحصول على نفط منخفض السعر، لكنها في الوقت ذاته لا تريد تعريض البنوك الحكومية والشركات الكبرى لمواجهة مالية واسعة مع الولايات المتحدة. لذلك يرجح أن يستمر النمط الصيني القائم على المحافظة على التجارة مع تقليل الانكشاف المباشر للمؤسسات المالية الكبرى، وترك مساحة للمصافي المستقلة والوسطاء.
رابعًا: العراق وتركيا والإمارات.. العمق الإقليمي تحت ضغط العقوبات
إذا كانت الصين تمثل الشريان الخارجي الأكبر للاقتصاد الإيراني، فإن العراق وتركيا والإمارات تمثل حلقات إقليمية مختلفة الوظائف.
- العراق: شريك الطاقة الذي يصعب الاستغناء عنه
تتجاوز أهمية العلاقة الإيرانية–العراقية حجم التجارة المباشرة. فالعراق يعتمد على الغاز الإيراني لتشغيل قطاع الكهرباء، وتشير التقديرات إلى أن بغداد تنفق نحو 4–5 مليارات دولار سنويًا على الغاز الإيراني، بينما تتجاوز التجارة الثنائية 10 مليارات دولار. (10)
وهذا الاعتماد يفرض قيودًا على قدرة بغداد على تنفيذ سياسة قطيعة اقتصادية كاملة. فالضغط الأمريكي يمكن أن يستهدف المؤسسات المالية العراقية التي تتعامل مع إيران، لكن من الأصعب قطع العلاقة عندما يكون المورد الإيراني مرتبطًا بقطاع حيوي مثل الكهرباء.
ومع ذلك، تسعى بغداد إلى تقليل هشاشتها تدريجيًا، بما في ذلك البحث عن طرق بديلة لتصدير النفط بعيدًا عن الخليج، وتعزيز مسارات مثل خط كركوك–جيهان، إلى جانب مسارات محتملة عبر الأردن وسوريا. (11)
- تركيا: الجغرافيا التي تقاوم الحصار
تمثل تركيا بالنسبة إلى إيران سوقًا وممرًا في الوقت نفسه. وتدور التجارة الثنائية حول 5–6 مليارات دولار سنويًا وفق أحدث التقديرات، مع حضور قوي لقطاع الطاقة. (12)
وتتمثل الميزة الاستراتيجية لتركيا في الحدود البرية التي تمنح إيران منفذًا أقل تعرضًا لبعض القيود البحرية، وتوفر اتصالًا بالأسواق الأوروبية. لكن أنقرة تواجه معادلة دقيقة؛ فهي تستفيد من الطاقة والتجارة مع إيران، لكنها في الوقت نفسه مرتبطة بالنظام المالي والاقتصادي الغربي.
ومن ثم، من المرجح أن تحافظ تركيا على قدر من التجارة مع إيران، لكنها ستسعى إلى تجنب التحول إلى مركز مكشوف للالتفاف على العقوبات الأمريكية.
- الإمارات: الحلقة التي بدأت تتغير
لعبت الإمارات، وخاصة دبي، دورًا مهمًا في إعادة تصدير السلع إلى إيران، وفي توفير خدمات تجارية ومالية للشركات الإيرانية التي تواجه صعوبة في الوصول إلى النظام المالي العالمي.
لكن هذه القناة تعرضت لتغير حاد خلال أغسطس 2026، بعد إعلان الإمارات تعليق التجارة والمعاملات المالية مع إيران في أعقاب التصعيد العسكري. (13)
وتتجاوز أهمية هذه الخطوة حجم التجارة المباشرة؛ لأن أهمية دبي بالنسبة إلى إيران ارتبطت بوظيفتها كمنصة للوساطة وإعادة التصدير والوصول إلى السلع والخدمات. ولذلك فإن فقدان هذه القناة لا يعني بالضرورة توقف التجارة الإيرانية، لكنه يرفع تكلفتها ويجبر الشركات الإيرانية على البحث عن بدائل أطول وأكثر تعقيدًا.
خامسًا: روسيا وعُمان والهند وباكستان والقوقاز.. ممرات التنويع وحدود البديل
تكتسب روسيا أهمية متزايدة بالنسبة إلى إيران في النقل والطاقة والاستثمار، خصوصًا في إطار الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب الذي يربط روسيا بالمحيط الهندي عبر الأراضي الإيرانية.
وتكمن القيمة الاستراتيجية لهذا الممر في أنه يوفر بديلًا جزئيًا للمسارات التي تمر عبر أوروبا، ويمنح البلدين، اللذين يواجهان عقوبات غربية، حافزًا لتطوير منظومات نقل وتسوية مالية أقل اعتمادًا على البنية الغربية.
لكن روسيا لا تستطيع في الوقت الراهن أن تحل محل الصين كمصدر رئيسي للإيرادات الإيرانية؛ فقد بلغت التجارة السلعية المسجلة بين البلدين نحو 2.49 مليار دولار في 2024، وهو رقم لا يعكس الحجم السياسي والاستراتيجي للعلاقة. (14)
أما عُمان فتتميز بوظيفة مختلفة. فحجم تجارتها مع إيران أقل بكثير من الصين والعراق، إذ بلغ نحو 1.5 مليار دولار في 2025، لكن أهميتها تتجاوز القيمة التجارية؛ فهي تقع عند مدخل الخليج، وتحتفظ بعلاقات متوازنة مع طهران وواشنطن، كما لعبت دورًا في استضافة قنوات التفاوض بين الجانبين. (15) ومن ثم، فإن عُمان تمثل قناة اقتصادية ولوجستية ودبلوماسية في آن واحد.
وتحتفظ الهند بعلاقة اقتصادية مع إيران، لكن هامش المناورة الهندي أضيق بسبب ارتباطها بالنظام المالي الغربي وعلاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. وقد بلغت التجارة الهندية–الإيرانية نحو 1.63 مليار دولار في السنة المالية 2025/2026، مع أهمية خاصة لميناء تشابهار الذي يمثل بالنسبة إلى نيودلهي بوابة إلى أفغانستان وآسيا الوسطى بعيدًا عن الأراضي الباكستانية. (16)
أما باكستان، فتسعى إلى زيادة التجارة الثنائية مع إيران إلى 10 مليارات دولار، لكن جزءًا معتبرًا من التجارة الحدودية يظل غير رسمي أو متأثرًا بالقيود والعقوبات. كما توفر أرمينيا وأذربيجان منافذ مهمة لإيران نحو القوقاز، وتساعد ترتيبات النقل والطاقة والتجارة معهما على تقليل الاعتماد على الموانئ الخليجية. (17) وتكشف هذه الدائرة عن نقطة أساسية: شبكة إيران واسعة جغرافيًا، لكنها لا تزال تفتقر إلى بديل واحد قادر على تعويض الصين أو العراق أو الإمارات.
سادسًا: أسطول الظل والعقوبات الثانوية.. الحرب على تكلفة التجارة
يمثل أسطول الظل أحد أهم عناصر قدرة إيران على تجاوز العقوبات. ويضم هذا الأسطول ناقلات ووسطاء وشركات مسجلة في دول متعددة، ويعتمد على تغيير الملكية والأعلام والمسارات واستخدام ترتيبات مختلفة لإخفاء مصدر النفط أو وجهته.
وقد كثفت وزارة الخزانة الأمريكية استهداف هذه الشبكة. ففي عام 2025 فرضت واشنطن عقوبات على أكثر من 875 شخصًا وسفينة وطائرة في إطار حملة الضغط على إيران، وفي أبريل 2026 استهدفت 19 سفينة مرتبطة بنقل النفط الإيراني والغاز البترولي المسال والمنتجات النفطية والبتروكيماوية إلى الأسواق الخارجية. (18)
وتكشف هذه السياسة عن تطور في مفهوم العقوبات. فلم تعد واشنطن تستهدف المنتج الإيراني فقط، وإنما تستهدف السلسلة التي تربط المنتج بالمشتري: السفينة، وشركة التأمين، والوسيط، والمصفاة، والحساب المصرفي، وشركة إعادة التصدير.
وهنا لا تحتاج الولايات المتحدة بالضرورة إلى إيقاف صادرات النفط الإيرانية بصورة كاملة. يكفي أن تجعل العملية أكثر تكلفة وأطول زمنًا وأكثر مخاطرة، بما يؤدي إلى بيع النفط بخصومات أكبر وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وبالتالي انخفاض صافي الإيرادات التي تصل إلى طهران.
لكن لهذه الاستراتيجية تكلفة مقابلة. فارتفاع مخاطر الشحن في المنطقة لا ينعكس على إيران وحدها، بل يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين العالمية، وأن تنتقل نسبة من هذه التكلفة إلى المستهلكين وأسواق الطاقة.
سابعًا: مضيق هرمز.. نقطة القوة ونقطة الاختناق الإيرانية
يمثل مضيق هرمز الحلقة الجغرافية الأكثر حساسية في معادلة الاقتصاد الإيراني. ووفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، يمر عبر المضيق عادة نحو خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية. (19)
وتكمن المفارقة في أن إيران تستطيع استخدام موقعها الجغرافي كأداة ضغط على أسواق الطاقة العالمية، لكنها تعتمد في الوقت نفسه على الخليج والممرات البحرية المرتبطة به في تصدير جزء مهم من نفطها والحصول على الإيرادات.
ولهذا، فإن أي تعطيل طويل الأمد للملاحة في المضيق قد يتحول من أداة ضغط إيرانية على الخصوم إلى عامل ضغط على الاقتصاد الإيراني ذاته.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ضوء تراجع تدفقات النفط الإيراني إلى الصين خلال أغسطس 2026. فإذا استمر الضغط على حركة الشحن، فإن المشكلة الإيرانية لن تكون في وجود النفط تحت الأرض أو حتى وجود مشترين محتملين، وإنما في القدرة على نقل النفط بصورة آمنة ومنتظمة وتحويله إلى إيرادات مالية. (20)
وهنا تصبح الجغرافيا الاقتصادية أكثر أهمية من العقوبات القانونية ذاتها؛ إذ إن العقوبة تستطيع منع شركة أو بنك، لكن السيطرة على الممرات أو التأثير فيها يمكن أن يغير حسابات شبكة بأكملها.
ثامنًا: من الالتفاف على العقوبات إلى «اقتصاد المقاومة»
أنتجت العقوبات تحولًا في طبيعة الاقتصاد الإيراني. فلم تعد طهران تسعى فقط إلى العودة إلى النظام الاقتصادي العالمي، وإنما طورت ما يمكن وصفه بـ«اقتصاد المقاومة»، القائم على تقليل الاعتماد على الدولار، وتوسيع التجارة بالعملات المحلية، وزيادة الإنتاج المحلي، وتطوير العلاقات مع الشركاء الآسيويين والإقليميين.
وفي أغسطس 2026، دعا رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى تعزيز التجارة بالعملات الوطنية وتقليل الاعتماد على الدولار، رابطًا بين التنمية الاقتصادية والأمن القومي. (21) ويعكس ذلك محاولة لتحويل العقوبات من عامل ضغط إلى محفز لبناء نموذج اقتصادي أكثر قدرة على العمل خارج المؤسسات الغربية.
لكن هذا النموذج يظل محدودًا. فالتجارة بالعملات المحلية أو المقايضة يمكن أن تقلل بعض آثار العقوبات المالية، لكنها لا تستطيع بسهولة تعويض التكنولوجيا الغربية، أو الاستثمار الأجنبي، أو التمويل منخفض التكلفة، أو الوصول إلى أسواق عالمية متنوعة. ومن ثم، فإن «اقتصاد المقاومة» يوفر لإيران قدرة على البقاء أكثر من كونه بديلًا كاملًا عن الاندماج الطبيعي في الاقتصاد العالمي.
تاسعًا: هل تستطيع واشنطن تحويل الضغط إلى خنق اقتصادي؟
توضح الخريطة السابقة أن مستقبل العقوبات الأمريكية سيتحدد بدرجة كبيرة بقدرة واشنطن على الانتقال من استهداف إيران إلى استهداف الشبكة التي تجعل إيران قادرة على التجارة.
وتستخدم الولايات المتحدة في ذلك العقوبات المباشرة والثانوية، وملاحقة شركات الشحن والتأمين والمصافي والوسطاء والحسابات المصرفية، إلى جانب الضغط على المصافي الصينية المستقلة. ومن المرجح استمرار هذه السياسة ما لم تحدث تسوية سياسية أو نووية واسعة تغير طبيعة العلاقة بين واشنطن وطهران. (22) لكن استجابة الشركاء لن تكون موحدة.
- الصين: مقاومة العزل دون مواجهة شاملة
ستظل الصين العامل الأهم في منع العزل الكامل لإيران. فهي المشتري الأكبر للنفط الإيراني، وتملك مصافي مستقلة قادرة على استيعاب جزء من التدفقات، كما تمتلك شبكات تجارية ومالية يمكن أن تخفف أثر العقوبات.
لكن بكين لا تبدو مستعدة لتحمل تكلفة مواجهة مالية شاملة مع واشنطن. لذلك يرجح أن تستمر في شراء النفط الإيراني مع تقليل تعرض البنوك الحكومية والشركات الكبرى للعقوبات الأمريكية.
وهذا يعني أن الولايات المتحدة تستطيع خفض حجم التدفقات أو رفع كلفتها، لكنها ستواجه صعوبة أكبر في وقفها بالكامل ما دامت الصين ترى في النفط الإيراني مصدرًا تنافسيًا منخفض السعر.
- العراق: الامتثال تحت ضغط الاعتماد
يواجه العراق معادلة أكثر تعقيدًا. فمن ناحية، يعتمد على الغاز الإيراني والكهرباء والتجارة الحدودية، ومن ناحية أخرى يعتمد على النظام المالي الدولي والعلاقات الأمنية والاقتصادية مع الولايات المتحدة.
ولذلك يرجح أن تسعى بغداد إلى الحصول على إعفاءات أو استخدام ترتيبات مالية محدودة بدل قطع العلاقات بصورة كاملة.
- تركيا: موازنة الجغرافيا مع الغرب
ستحافظ تركيا على قدر من التجارة مع إيران بسبب الحدود والطاقة والقرب الجغرافي، لكنها ستتجنب أن تصبح مركزًا مكشوفًا للالتفاف على العقوبات. ومن ثم ستظل سياستها أقرب إلى «التوازن الانتقائي» بين المصالح الاقتصادية والضغوط الغربية.
- الإمارات: قابلية أعلى لتقليص القناة الرسمية
تتمتع الإمارات بدرجة أعلى من القدرة على تقليص التجارة الرسمية إذا ارتفعت مخاطر العقوبات الثانوية، خاصة بسبب حساسية البنوك وشركات الشحن وإعادة التصدير.
وتجعل التطورات الأخيرة هذه القناة أكثر هشاشة، خصوصًا بعد تعليق التجارة والمعاملات المالية مع إيران خلال أغسطس 2026. (23)
- الهند: شريك استراتيجي بهامش اقتصادي أضيق
تعد الهند من أكثر الشركاء قابلية للامتثال للضغط الأمريكي؛ فقد تراجعت تجارتها مع إيران من نحو 17 مليار دولار في السنة المالية 2018/2019 إلى 4.8 مليارات دولار في 2019/2020، ثم إلى 1.63 مليار دولار في 2025/2026. (24)
ومن المرجح أن تحافظ نيودلهي على تجارة السلع الأساسية وعلى مصالحها في ميناء تشابهار، لكنها لن تعود بسهولة إلى شراء النفط الإيراني بكميات كبيرة إذا تعارض ذلك مع مصالحها المصرفية والاستراتيجية مع واشنطن.
عاشرًا: ثلاث مسارات محتملة للعقوبات والاقتصاد الإيراني
يمكن، استنادًا إلى بنية شبكة العلاقات الحالية، تحديد ثلاث مسارات رئيسية:
- المسار الأول: استمرار الالتفاف تحت ضغط مرتفع
في هذا المسار تواصل الصين شراء النفط الإيراني، وتحافظ روسيا على التعاون في النقل والتسويات، وتبقى التجارة البرية مع العراق وتركيا وباكستان قائمة، مع استمرار بعض قنوات إعادة التصدير.
النتيجة ستكون استمرار الاقتصاد الإيراني في العمل، لكن بكفاءة أقل وتكلفة أعلى وخصومات أكبر على صادرات النفط.
وهذا هو المسار الأكثر ترجيحًا في ضوء تعدد القنوات وعدم استعداد جميع الشركاء لتحمل كلفة القطيعة الكاملة.
- المسار الثاني: تضييق الشبكة وارتفاع تكلفة البقاء
يتحقق هذا المسار إذا نجحت الولايات المتحدة في زيادة الضغط على المصافي الصينية المستقلة، وأساطيل الظل، وشركات التأمين، والوسطاء، بالتزامن مع تقليص القنوات الإماراتية وبعض القنوات الهندية.
لن يتوقف الاقتصاد الإيراني، لكن قدرته على توليد الإيرادات ستتراجع، وستزداد الخصومات وتكاليف النقل والتمويل.
وهنا تنتقل العقوبات من منع التجارة إلى تقليص العائد الاقتصادي من التجارة.
- المسار الثالث: خنق اقتصادي واسع
يتطلب هذا المسار اجتماع عدة شروط في الوقت نفسه: تقليص كبير للنفط الإيراني إلى الصين، وإغلاق قنوات إعادة التصدير، وتشديد القيود على العراق وتركيا، وتضييق أسطول الظل، وارتفاع القيود على التأمين والتمويل، إضافة إلى اضطرابات مستمرة في الممرات البحرية.
وفي هذه الحالة يمكن أن تنتقل إيران من اقتصاد «مرتفع التكلفة» إلى اقتصاد يعاني من تراجع حاد في القدرة على توليد الإيرادات الخارجية.
لكن تحقيق هذا السيناريو يواجه عوائق كبيرة، لأن الولايات المتحدة لا تتحكم بصورة كاملة في قرارات الصين وروسيا وتركيا والعراق، كما أن إغلاق جميع مسارات التجارة الإيرانية يتطلب درجة غير مسبوقة من التنسيق الدولي.
خاتمة: العقوبات تعيد رسم الاقتصاد الإيراني ولا تعزله
تكشف التجربة الإيرانية أن العقوبات الاقتصادية يمكن أن تكون شديدة الفاعلية في إعادة تشكيل الاقتصاد المستهدف دون أن تكون قادرة بالضرورة على عزله بصورة كاملة.
فقد نجحت العقوبات في إبعاد إيران عن جزء كبير من النظام المالي الغربي، وتقليص الاستثمار الأجنبي، ورفع تكلفة صادرات النفط، وإضعاف الوصول إلى التكنولوجيا ورؤوس الأموال، لكنها في الوقت نفسه دفعت طهران إلى بناء شبكة اقتصادية بديلة تعتمد بصورة أكبر على الصين والدول المجاورة والقوى الآسيوية.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: كلما نجحت واشنطن في إغلاق قناة، دفعت إيران إلى البحث عن قناة أخرى؛ وكلما استهدفت وسيطًا، أعادت الشبكة تنظيم نفسها حول وسطاء جدد؛ وكلما ارتفعت صعوبة استخدام الدولار، توسعت محاولات استخدام العملات المحلية والمقايضة والتسويات البديلة.
لكن قدرة إيران على تجاوز العقوبات لا تعني أنها انتصرت عليها. فالاقتصاد الإيراني أصبح أكثر تكلفة وأقل كفاءة وأكثر اعتمادًا على عدد محدود من الشركاء. كما أن تطورات أغسطس 2026 أظهرت أن الضغط على النقل البحري وأساطيل الشحن يمكن أن يؤثر بصورة مباشرة في حجم تدفقات النفط، حتى عندما يظل الطلب الصيني قائمًا.
ومن ثم، فإن المعركة الاقتصادية لم تعد تدور بين الولايات المتحدة وإيران وحدهما، وإنما أصبحت صراعًا على شبكة الجغرافيا الاقتصادية التي بنتها طهران خلال سنوات العقوبات.
وتظل الصين الحلقة الأكثر أهمية. فإذا حافظت بكين على شراء النفط الإيراني، واستمرت المصافي المستقلة في استيعاب الشحنات، وظلت قنوات النقل والتمويل البديلة مفتوحة، فسيظل تحقيق عزل اقتصادي كامل لطهران أمرًا صعبًا.
أما إذا نجحت واشنطن في تقليص هذه القناة بالتزامن مع تضييق التجارة البرية، وإعادة التصدير، والتمويل غير المباشر، وأساطيل الظل، فإن العقوبات يمكن أن تنتقل من مجرد رفع تكلفة التجارة إلى تقليص القدرة الإيرانية على توليد الإيرادات.
وعليه، فإن السيناريو الأرجح ليس انهيار الاقتصاد الإيراني أو توقف تجارته، وإنما استمرار اندماجه في الاقتصاد العالمي عبر شبكة أضيق وأكثر تكلفة وأقل شفافية.
وهذا يقود إلى نتيجة استراتيجية أوسع: إن فعالية العقوبات على إيران لن تُقاس خلال المرحلة المقبلة بعدد الكيانات التي تدرجها واشنطن على قوائم العقوبات، وإنما بقدرتها على التأثير في الممرات والأسواق وشبكات الدفع والتأمين والنقل التي تجعل الاقتصاد الإيراني قادرًا على تحويل موارده الطبيعية إلى إيرادات فعلية.
وبذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تستطيع العقوبات عزل إيران؟ وإنما: هل تستطيع الولايات المتحدة خفض كفاءة الشبكة الاقتصادية الإيرانية إلى مستوى تصبح فيه تكلفة البقاء داخل الاقتصاد العالمي أعلى من قدرتها على توليد الإيرادات؟
حتى الآن، تشير المعطيات إلى أن الإجابة تميل إلى النفي بالنسبة إلى العزل الكامل، وإلى الإيجاب جزئيًا بالنسبة إلى رفع التكلفة وتقليص الكفاءة. وهذه هي نقطة التوازن التي ستحدد مستقبل الاقتصاد الإيراني في المرحلة المقبلة.