- المركز الديمقراطي العربي
ليس السؤال الأكثر إلحاحاً في المشهد الفلسطيني اليوم هو ما إذا كانت الانتخابات المقبلة ستمنح فتح أو حماس أغلبية جديدة، ولا حتى من سيحصل على العدد الأكبر من المقاعد إذا وصلت العملية الانتخابية بالفعل إلى صناديق الاقتراع. فالمشهد الذي يتكوّن بهدوء يبدو أوسع من منافسة انتخابية، وأعمق من إعادة إنتاج الانقسام التقليدي بين أكبر حركتين فلسطينيتين.
ما يجري في جوهره، أقرب إلى اختبار مبكر لطبيعة النظام السياسي الفلسطيني نفسه: من يملك حق تمثيل الفلسطينيين؟ ومن يتحدث باسم فتح؟ وما الموقع الذي يمكن أن تشغله حماس في نظام سياسي تغيّرت شروطه بعد الحرب في غزة؟ وهل تبقى السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير وحركة فتح دوائر سياسية متداخلة يديرها مركز قيادي واحد، أم أن الفلسطينيين يتجهون نحو مرحلة تصبح فيها هذه الدوائر ساحات متمايزة، لكل منها توازناتها ومصادر شرعيتها؟
من هنا، قد يكون الحديث عن “ما بعد الثنائية” مفيداً لفهم التحول، لكنه يحتاج إلى الحذر. ففتح وحماس لن تختفيا من المشهد، ولا توجد معطيات جدية تسمح بالحديث عن نهاية مركزيتهما. الذي يبدو قابلاً للتغيير هو قدرتهما على اختزال الحياة السياسية الفلسطينية في المساحة الواقعة بينهما، واحتكار تعريف الشرعية والتمثيل داخلها.
تمنح أحدث استطلاعات الرأي هذا الاحتمال أساساً قابلاً للقياس. فبحسب استطلاع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية رقم (97)، الصادر في آب/أغسطس 2026، تتساوى فتح وحماس عند 24% في التأييد الحزبي العام، بينما يقول 44% إن أياً منهما لا يستحق قيادة الفلسطينيين. وبين المرجح مشاركتهم في انتخابات تشريعية تحصل فتح على 32% وحماس على 29%، مقابل 18% للقوى الثالثة مجتمعة، مع بقاء 21% من الناخبين من دون قرار.
لا تعني هذه الأرقام ولادة قطب ثالث جاهزاً، لكنها تكشف أن أزمة التمثيل لم تعد اعتراضاً على فصيل بعينه، بل أزمة ثقة في النظام السياسي وصيغ القيادة القائمة.
الانتخابات قبل الصندوق: لحظة كشف سياسي
تتحرك الانتخابات، من الناحية الإجرائية، ضمن مسار رسمي واضح. فقد حُدد يوم الثامن والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني 2026 موعداً للانتخابات التشريعية، وبدأت لجنة الانتخابات المركزية تنفيذ جدولها الزمني. كما أعادت التعديلات القانونية عدد أعضاء المجلس إلى 132 عضواً، وخفضت نسبة الحسم إلى 1%، ورفعت تمثيل النساء في القوائم إلى ما لا يقل عن 33%، وخفضت سن الترشح إلى 23 عاماً، إلى جانب شروط سياسية تتصل بالاعتراف بمنظمة التحرير وبرنامجها وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.
غير أن هذه القواعد ليست محايدة سياسياً. فنسبة الحسم المنخفضة قد تشجع تعدد القوائم وتمنح القوى الصغيرة فرصة للتمثيل، لكنها قد تنتج في الوقت نفسه مجلساً شديد التجزؤ يصعب بناء أغلبية مستقرة داخله. أما شرط الالتزام بمنظمة التحرير وبرنامجها، فيتجاوز التنظيم الإجرائي إلى تعريف من يحق له دخول المنافسة وبأي سقف سياسي؛ ولذلك سيكون اختبار مشاركة حماس والجهاد الإسلامي اختباراً لمدى قدرة القانون على الجمع بين احتواء التعددية وحماية الإطار الوطني، لا مجرد مسألة استكمال أوراق الترشح.
لكن القيمة السياسية للانتخابات لا تبدأ يوم التصويت.
فالاستحقاق الانتخابي بدأ بالفعل يفرض على القوى الفلسطينية نوعاً من الانكشاف السياسي والتنظيمي. فتح مطالبة بتحديد حدودها الداخلية من جديد: من هو داخل الحركة؟ من يمكن استيعابه؟ من يمكن أن يعود؟ ومن سيتحول إلى منافس انتخابي من خارج الإطار التنظيمي الرسمي؟
وحماس تواجه سؤالاً من نوع آخر: هل تدخل الانتخابات بوصفها حركة تنافس فتح مرة أخرى، أم بوصفها مكوّناً من مكونات قائمة وطنية أوسع؟ وهل مصلحتها في اختبار قوتها التنظيمية منفردة، أم في تحويل هذه القوة إلى وزن داخل ائتلاف أكثر تنوعاً وأقل قابلية للاختزال في هوية فصيل واحد؟
أما التيارات والشخصيات الفتحاوية الموجودة خارج مركز القرار التنظيمي، فقد أصبحت بدورها مضطرة إلى الانتقال من المعارضة السياسية العامة إلى سؤال أكثر عملية: هل تستطيع تحويل حضورها الرمزي أو التنظيمي أو الجماهيري إلى قوائم انتخابية حقيقية؟
بذلك تؤدي الانتخابات وظيفة سياسية حتى قبل ضمان إجرائها. فهي تجبر القوى على تعريف نفسها، واختبار أحجامها، وتحديد حدود تحالفاتها، وكشف ما إذا كانت الخلافات الحالية خلافات على الأشخاص، أم على شكل النظام السياسي نفسه.
وهذه نقطة مهمة في قراءة التحركات الأخيرة.
فليس كل لقاء “مصالحة”، وليس كل تفاهم “تحالفاً”، وليس كل تقاطع في المصلحة مقدمةً لمشروع سياسي مشترك.
المصالحة تعني في جوهرها محاولة معالجة انقسام قائم واستعادة إطار سياسي أو تنظيمي مشترك. أما التحالف الانتخابي فيمكن أن يقوم بين قوى تختلف جذرياً في برامجها، لكنها تجد أن خوض الانتخابات ضمن قائمة واحدة يخدم مصالحها في لحظة محددة.
وتقاطع المصالح أقل من ذلك؛ فهو لا يحتاج إلى اتفاق سياسي شامل، بل يكفي أن تلتقي مصالح أطراف مختلفة حول هدف محدود. أما إعادة توزيع القوة فهي النتيجة الأعمق التي تنشأ عندما يصبح لاعب كان خارج المركز قادراً على التأثير في قرارات اللاعبين الموجودين داخله. والتمييز بين هذه المستويات ضروري لفهم ما يجري اليوم.
فالمشاورات التي جمعت في القاهرة ممثلين عن حماس والجهاد الإسلامي والتيار الإصلاحي الديمقراطي وناصر القدوة والجبهة الشعبية أثارت سريعاً حديثاً عن ولادة تحالف انتخابي واسع. لكن ما جرى، وفق التصريحات المعلنة حتى الآن، هو توافق أولي على فكرة “قائمة وطنية موسعة”، فيما طلبت الجبهة الشعبية مزيداً من الوقت، ولم تُحسم بعد هوية المرشحين أو البرنامج الملزم أو آلية اتخاذ القرار. لذلك يبقى الأدق التعامل معها بوصفها عملية تفاوض مفتوحة، لا تحالفاً ناجزاً.
والفارق هنا ليس لغوياً، بل سياسياً.
ولقياس القوة الفعلية لأي طرف، لا يكفي عدّ الأسماء أو تقدير الشعبية المجردة. الخريطة المقبلة ستتحدد بتفاعل خمسة موارد: الرصيد الانتخابي، والقدرة التنظيمية، والنفوذ داخل المؤسسات، والشرعية الرمزية، وشبكات القبول الإقليمي والدولي. قد يتقدم فاعل في مورد ويتأخر في آخر؛ ومن هنا تنشأ الحاجة إلى التحالف، وكذلك أسباب هشاشته.
فتح: أزمة المركز أم تعدد تعريفات الحركة؟
تمتلك فتح في أي استحقاق فلسطيني عناصر قوة حقيقية لا يمكن التقليل منها. فهي الحركة الأكثر حضوراً في مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير، وتمتلك شبكات تنظيمية ومحلية واسعة، وإرثاً تاريخياً لا يزال فاعلاً في الوعي الفلسطيني، إلى جانب علاقات عربية ودولية يصعب على أي منافس منفرد تعويضها في المدى القصير.
لكن التحدي الذي تواجهه الحركة اليوم قد يكون أكثر تعقيداً من مجرد انقسام تنظيمي يمكن احتواؤه بمصالحة أو قرار مركزي. فالمشهد يوحي بوجود أكثر من تصور لما يعنيه أن يكون المرء فتحاوياً في المرحلة الحالية.
التيار الإصلاحي الديمقراطي بقيادة محمد دحلان يمثل أحد هذه التصورات. ناصر القدوة يمثل مساحة مختلفة. والدوائر المتصلة بمروان البرغوثي وقدورة فارس تعبّر عن مزاج ثالث لا يمكن وضعه بسهولة داخل أي من الإطارين السابقين.
وهنا يصبح السؤال المتعلق بدحلان أكثر تعقيداً من قياس شعبيته الانتخابية المجردة. فقيمة دحلان في الخريطة الجديدة قد لا تكمن فقط في عدد المقاعد التي يستطيع تياره الحصول عليها، وإنما في قدرته على التحرك بين دوائر يصعب جمعها عادةً في نقطة واحدة: جزء من القاعدة الفتحاوية، ولا سيما في غزة، قنوات اتصال سياسية مع حماس، وعلاقات إقليمية وازنة.
هذه القدرة تمنحه وزناً تفاوضياً يتجاوز الحجم التنظيمي وحده، لكنها لا تضمن له بالضرورة القدرة على تحويل هذا التنوع إلى مشروع سياسي متماسك. فالتوافق على قائمة انتخابية شيء، والاتفاق على قضايا مثل موقع منظمة التحرير، وإدارة غزة، والسلاح، والحكومة، والعلاقة مع السلطة شيء آخر تماماً. وهنا تظهر حدود فكرة “التحالف” حين تستخدم بإفراط.
ناصر القدوة يتحرك من موقع مختلف. قوته ليست قوة ماكينة انتخابية ضخمة بقدر ما هي قوة سياسية ودبلوماسية ورمزية. فهو ينتمي تاريخياً إلى البيئة الفتحاوية، لكنه يسعى منذ سنوات إلى التعبير عن مساحة نقدية داخلها وخارج مركزها الرسمي، بما يسمح له بمخاطبة فئات تريد التغيير من دون الانتقال بالضرورة إلى حماس أو إلى التيار الإصلاحي.
من هنا قد لا تتمثل قيمة القدوة في عدد الأصوات التي يحملها اسمه منفرداً، بل في نوع الشرعية التي يمكن أن يضيفها إلى أي تجمع أوسع. وجود شخصية من هذا النوع داخل قائمة متعددة الأطراف يمكن أن يساعدها في تقديم نفسها بوصفها مشروعاً وطنياً عابراً للانقسامات، لا مجرد تجمع لقوى متضررة من القيادة الحالية.
لكن ذلك كله يظل مرهوناً بقدرة هذه القوى على الانتقال من الرغبة في تشكيل قائمة واسعة إلى صياغة حد أدنى من التوافق السياسي القابل للحياة.
أما قدورة فارس، فربما تكون دلالته السياسية أبعد من حضوره الشخصي ذاته. فإعلانه العمل على قائمة مستقلة تضم كوادر من فتح، وقربه السياسي المعروف من مروان البرغوثي، يفتحان الباب أمام احتمال وجود مساحة فتحاوية لا ترغب في مغادرة هويتها السياسية، لكنها في الوقت ذاته لا ترى أن القيادة التنظيمية الحالية تعبّر وحدها عن مستقبل الحركة.
إذا كان هذا التقدير صحيحاً فإن القضية لا تتعلق بقدورة فارس وحده، بل بالسؤال عن حجم هذا الفضاء داخل فتح.
وهو سؤال بالغ الحساسية لأن التحدي الذي تواجهه قيادة الحركة الحالية، وفي مقدمتها حسين الشيخ وبقية مراكز القرار، لا ينحصر في منع انقسام تنظيمي جديد. التحدي الأكثر تعقيداً يتمثل في إدارة العلاقة بين “فتح الحركة” و”فتح السلطة” في وعي الجمهور.
لقد منح التداخل بين الاثنتين فتح قوة مؤسساتية كبيرة على مدى سنوات طويلة. لكنه يجعل الحركة، في المقابل، تتحمل جانباً مهماً من كلفة الرضا أو السخط على أداء السلطة. ولهذا قد تكون معركة فتح المقبلة معركة على تعريف ذاتها بقدر ما هي معركة مع منافسيها.
مروان البرغوثي: حين تتجاوز الشعبية حدود التنظيم
يصعب فهم إعادة تشكيل الخريطة الفلسطينية من دون التوقف عند مروان البرغوثي. لكن اختزاله في عبارة “المرشح الأكثر شعبية” يفوّت دلالته الأعمق. ففي استطلاع آب/أغسطس 2026 فضله 39% خليفةً محتملاً للرئيس محمود عباس، وحصل في سباق رئاسي افتراضي على 54%، متقدماً بفارق واسع على منافسيه. غير أن الأهم من الرقم هو نوع التحالف الاجتماعي والسياسي الذي يسمح له بتحقيقه.
أهمية البرغوثي السياسية لا تأتي فقط من موقعه التاريخي في فتح أو من سنوات أسره الطويلة، بل من قدرته على الوقوف في نقطة نادرة بين مصادر مختلفة للشرعية الفلسطينية.
هو فتحاوي، لكنه لا يُقرأ لدى قطاع واسع من الجمهور بوصفه امتداداً مباشراً لمنظومة السلطة الحالية. وهو صاحب تاريخ نضالي يمنحه القدرة على مخاطبة جمهور المقاومة، من دون أن يكون محسوباً على الحركة الإسلامية. كما أن تجربته السياسية تمنحه حضوراً يتجاوز البنية التنظيمية التقليدية لفتح.
بهذا المعنى، فإن القوة الأساسية للبرغوثي ليست فقط في شعبيته، وإنما في قابليته لعبور الحدود السياسية بين جماعات لا تجتمع بسهولة حول شخصية واحدة. لكن هذه القوة تحمل في داخلها نقطة ضعف واضحة.
فالشعبية ليست تنظيماً، والرمزية ليست بالضرورة ماكينة انتخابية. كما أن الأسر الذي يمنح البرغوثي جانباً كبيراً من مكانته الرمزية يحد في الوقت ذاته من قدرته على إدارة تفاصيل التحالفات، واختيار المرشحين، وحسم الخلافات، وضبط الأطراف المختلفة التي قد ترغب في استخدام اسمه السياسي.
لهذا سيكون السؤال الحاسم في المرحلة المقبلة: هل تتحول “ظاهرة البرغوثي” إلى بنية سياسية وانتخابية حقيقية؟ ومن يستطيع أن يتحدث باسمها؟
إذا نجحت مجموعة من الشخصيات الفتحاوية في تشكيل قائمة تحظى بغطاء سياسي واضح من البرغوثي، فقد تتغير طبيعة المنافسة داخل البيئة الفتحاوية.
فعندها لن يصبح السؤال بالنسبة لجزء من جمهور الحركة: “فتح أم حماس؟” بل: “أي فتح؟” وهذا السؤال، بالنسبة إلى القيادة الرسمية للحركة، أكثر تعقيداً من مواجهة خصم خارجي واضح.
ومع ذلك، ينبغي الحذر من القفز إلى نتيجة معاكسة. فلا توجد حتى الآن صيغة سياسية نهائية تجمع مروان البرغوثي، وقدورة فارس، وناصر القدوة، والتيار الإصلاحي، وحماس، وغيرها تحت مظلة واحدة. واعتبار هذا الاحتمال حقيقة منجزة سيكون خلطاً بين السيناريو والتحليل.
حماس: من سؤال الفوز إلى سؤال الموقع
حماس أيضاً تدخل هذه المرحلة من موقع مختلف جذرياً عن موقعها في انتخابات 2006. غزة تغيّرت، والحركة نفسها تغيرت، والبيئة الفلسطينية والإقليمية من حولها تغيرت بصورة عميقة بعد الحرب.
لا تزال حماس تمتلك قاعدة تنظيمية وشعبية يصعب تجاوزها، لكنها تواجه في الوقت نفسه تحديات لم تكن مطروحة بهذه الحدة قبل عشرين عاماً: مستقبل إدارة غزة، إعادة الإعمار، العلاقة بين السياسي والعسكري، موقع الحركة من منظمة التحرير، والحدود التي يمكن أن يتحرك ضمنها أي نظام فلسطيني يريد الحصول على قبول إقليمي ودولي. وهذا يساعد على فهم جاذبية فكرة القائمة الوطنية الواسعة بالنسبة إليها.
الدخول في إطار انتخابي متعدد الأطراف قد يسمح لحماس بتخفيف صورة المنافسة الثنائية المباشرة مع فتح، ويمنح مشاركتها غطاءً وطنياً أوسع، كما يمكن أن يوفر لها مدخلاً إلى عملية إعادة بناء النظام السياسي من دون الظهور بوصفها تسعى إلى إعادة إنتاج تجربة الحكم المنفرد.
لكن كلما اتسع الائتلاف، ازدادت أيضاً القيود المفروضة على كل طرف داخله. فالقائمة الواسعة لا تستطيع الهروب إلى ما لا نهاية من أسئلة البرنامج السياسي، والعلاقة مع منظمة التحرير، ومستقبل السلاح، وإدارة غزة، وطبيعة الحكومة المقبلة.
لهذا ربما يكون التحول الأكثر أهمية في حسابات حماس هو الانتقال التدريجي من سؤال: كيف نفوز؟ إلى سؤال: كيف نضمن موقعاً مؤثراً ومستداماً في النظام الذي قد يتشكل؟ وهذا فارق جوهري.
من ثنائية الفصائل إلى تعدد مراكز الشرعية
ربما تكون هذه هي الزاوية الأكثر قدرة على تفسير ما يجري. على مدى عقدين تقريباً، جرى فهم الانقسام الفلسطيني بصورة أفقية: فتح في مقابل حماس، وسلطة في الضفة في مقابل حكم حماس في غزة.
لكن الانقسامات الجديدة تبدو أكثر تركيباً. داخل فتح نفسها هناك مركز تنظيمي ومؤسساتي، وتيار إصلاحي، وشخصيات تاريخية معارضة، وفضاء سياسي مرتبط بمروان البرغوثي لا يمكن اختزاله بسهولة داخل أي تيار آخر.
وفي المجال الإسلامي، توجد بدورها أسئلة تتعلق بموقع حماس والجهاد الإسلامي، وبالعلاقة بين السياسي والعسكري، وبكيفية الانتقال من واقع غزة بعد الحرب إلى نظام سياسي وطني أوسع.
وفي المساحة الواقعة خارج القطبين، توجد قوى وشخصيات مثل مصطفى البرغوثي، والجبهتين الشعبية والديمقراطية، والمستقلين، إلى جانب الشباب والنساء والمجتمع المدني. لكن هذه الفئات الأخيرة لا ينبغي أن تظهر بوصفها زينة لقوائم تقودها النخب التقليدية؛ فتمثيل النساء بنسبة الثلث وتخفيض سن الترشح لا يضمنان وحدهما تجديد السياسة ما لم يقترنا بمواقع متقدمة على القوائم، وموارد تنظيمية، وقدرة فعلية على التأثير في البرنامج والقرار.
قد لا تكون هذه القوى قادرة كل على حدة، على إنتاج قطب ثالث يوازي فتح أو حماس. لكنها تستطيع في نظام انتخابي شديد التنافس أن تصبح قوة ترجيح، أو أن تمنح أي ائتلاف واسع قدرة أكبر على الادعاء بأنه يتجاوز الثنائية التقليدية.
لهذا فإن الوصف الأدق لما يحدث ربما لا يكون “نهاية ثنائية فتح وحماس”، وإنما بداية تعدد مراكز الشرعية الفلسطينية.
فتح الرسمية تمتلك شرعية تاريخية ومؤسساتية ووجوداً مركزياً داخل منظمة التحرير والسلطة. وحماس تمتلك شرعية تنظيمية ونضالية وقاعدة جماهيرية كبيرة.
مروان البرغوثي يمتلك شرعية رمزية وشعبية تتجاوز إلى حد ما الحدود الفصائلية. في حين التيار الإصلاحي يمتلك حضوراً تنظيمياً وشبكة علاقات إقليمية وقاعدة تختلف قوتها من منطقة إلى أخرى. بينما ناصر القدوة يحاول تقديم شرعية سياسية ودبلوماسية ووطنية مختلفة.
ثم تأتي الانتخابات لتطرح مصدراً آخر للشرعية: التفويض الشعبي المتجدد. لكن ينبغي التمييز هنا بين مستويين لا يتطابقان تلقائياً: انتخابات المجلس التشريعي تعيد تشكيل مؤسسات السلطة والحكم في الضفة وغزة والقدس، بينما تتصل شرعية تمثيل الشعب الفلسطيني في مجموعه بمنظمة التحرير والمجلس الوطني ومشاركة الفلسطينيين في الشتات. نجاح المستوى الأول قد يدفع إلى إصلاح الثاني، لكنه لا يحل محله.
ولهذا فإن التحضير لانتخابات المجلس الوطني لا يطرح سؤالاً عن المقاعد فقط، بل عن إمكانية إعادة تشكيل الإطار الذي يحمل منذ عقود صفة الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني: من يشارك فيه، وكيف ينتخب ممثلو التجمعات التي يتعذر فيها الاقتراع، وما العلاقة بين مؤسسات المنظمة والسلطة، وأين تقف القوى التي بقيت خارج المنظمة أو على هامشها؟
إذا دخلت قوى كانت خارج مؤسسات المنظمة أو على هامشها في عملية إعادة تشكيل حقيقية للمجلس الوطني، فإن المسألة ستتجاوز الصراع على إدارة السلطة الفلسطينية إلى سؤال أكثر حساسية: من يشارك في تعريف التمثيل الوطني الفلسطيني ذاته؟ وهنا تصبح الانتخابات التشريعية جزءاً من معركة أكبر بكثير.
صندوق واحد… ومجتمعات سياسية فلسطينية متعددة
ثمة مشكلة أخرى في القراءة التقليدية للانتخابات، وهي افتراض وجود “ناخب فلسطيني” واحد يمتلك الأولويات نفسها في كل مكان. الأدق هو الحديث عن مجتمعات سياسية تشترك في الهوية الوطنية، لكنها تعيش شروطاً مختلفة وتنتج سلماً مختلفاً للأولويات.
الواقع أكثر تعقيداً. غزة تدخل أي استحقاق سياسي من قلب تجربة حرب مدمرة، ولذلك تتداخل في خيارات سكانها أسئلة الأمن وإعادة الإعمار والمساعدات والحكم ومستقبل السلاح والقدرة على استعادة الحياة الطبيعية.
أما الضفة الغربية، فتعيش سياقاً مختلفاً يتصل بالاستيطان، والقيود الإسرائيلية، والاقتصاد، وأداء السلطة، ومستقبل المؤسسات، والأمن الداخلي.
وفي القدس، يسبق السؤال السياسي سؤال آخر أكثر مباشرة: هل يمكن إجراء الانتخابات أصلاً، وكيف سيشارك المقدسيون إذا رفضت إسرائيل تكرار الترتيبات السابقة؟
أما الشتات، فلا يدخل مباشرة في صندوق انتخابات المجلس التشريعي، لكنه حاضر في سؤال التمثيل الوطني الذي يطرحه المقال. استبعاده من تصميم الشرعية الجديدة سيعيد إنتاج الفجوة بين مؤسسات الحكم في الأرض المحتلة ومنظمة التحرير بوصفها إطاراً لشعب موزع جغرافياً. لذلك لا تكتمل أي إعادة بناء للنظام من دون مسار موازٍ للمجلس الوطني يحدد أدوات مشاركة اللاجئين والتجمعات الفلسطينية خارج الضفة وغزة.
لذلك لا يمكن التعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم كتلة انتخابية واحدة، ولا مع النتائج المحتملة باعتبارها انعكاساً مباشراً لمزاج سياسي موحد.
بل إن عدم اليقين يطال إجراء الانتخابات ذاتها. فالقدس وغزة والقيود الإسرائيلية على الحركة تشكل تحديات فعلية أمام العملية الانتخابية. كما أن أي عملية اقتراع واسعة تحتاج إلى بيئة سياسية وأمنية تسمح للمرشحين والقوائم بالحركة والعمل والتنظيم.
وهذا يعني أن وجود قرار فلسطيني بإجراء الانتخابات لا يساوي بالضرورة القدرة الكاملة على تنفيذها. فالعامل الإقليمي حاضر بدوره، لكن من الضروري التعامل معه بعيداً عن لغة “الهندسة الخارجية” السهلة.
مصر تؤدي دوراً مركزياً في الاتصالات الفلسطينية وفي ملف غزة. والأردن معني بصورة مباشرة بما يجري في الضفة والقدس. ودول خليجية تمتلك قنوات تأثير سياسية ومالية وعلاقات مع أطراف فلسطينية مختلفة. أما الولايات المتحدة وإسرائيل فتؤثران، كل بطريقتها، في البيئة التي يمكن أن يتحرك ضمنها أي ترتيب فلسطيني جديد.
لكن فهم هذا التأثير لا يحتاج إلى افتراض وجود قرار خارجي موحد يرسم الخريطة الفلسطينية. الأكثر واقعية هو أن القوى الفلسطينية تعرف أنها تعمل داخل شبكة من القيود والعلاقات، وأن القبول العربي والدولي أصبح، إلى جانب التنظيم والشعبية والشرعية التاريخية، واحداً من موارد القوة السياسية. وهذا بدوره جزء من تعدد مصادر الشرعية.
الانتخابات بين أربعة سيناريوهات للشرعية
المسار الأول هو إجراء انتخابات شاملة وقابلة للتنافس في الضفة وغزة والقدس، بما يمنح المجلس الجديد شرعية انتخابية معتبرة ويفتح الباب أمام إعادة توزيع حقيقية للقوة. وهو السيناريو الأكثر إنتاجاً للشرعية، لكنه أيضاً الأعلى كلفة من حيث الترتيبات الأمنية والسياسية المطلوبة.
المسار الثاني هو انتخابات جزئية أو غير متكافئة، تتعطل فيها مشاركة القدس أو قطاعات من غزة، أو تُقيّد فيها حركة المرشحين والقوائم. قد تنتج هذه العملية مجلساً قانونياً من الناحية الشكلية، لكنها ستبقي شرعيته السياسية موضع نزاع.
المسار الثالث هو تأجيل جديد بفعل الاعتراض الإسرائيلي أو الانقسام أو تعذر الترتيبات الميدانية. عندها لن يعود التأجيل حدثاً إجرائياً فقط، بل سيتحول إلى دليل إضافي على عجز النظام عن تجديد شرعيته، وقد يدفع القوى المعارضة إلى البحث عن أطر بديلة خارج المؤسسات القائمة.
أما المسار الرابع فهو إجراء الانتخابات مع مقاطعة قوة رئيسية أو استبعادها بشروط قانونية أو سياسية. هذا السيناريو قد يعيد تشغيل المؤسسات، لكنه يهدد بإعادة إنتاج الانقسام داخل مجلس منتخب شكلياً، بدلاً من تحويل الانتخابات إلى عقد سياسي جديد.
لهذا لا تحمل الانتخابات، إن أُجريت، إجابة تلقائية عن أزمة النظام. قيمتها ستتحدد بمدى شمولها وتنافسيتها وقبول نتائجها، وبقدرتها على وصل التفويض الانتخابي بإصلاح منظمة التحرير، لا بمجرد الوصول إلى يوم الاقتراع.
فتح ستبقى قوة مركزية، وحماس لن تتحول إلى هامش، كما أن القوائم المعارضة لن تصبح بمجرد اجتماعها بديلاً متماسكاً. التحول المحتمل أقل درامية وأكثر عمقاً: انتقال كل طرف من احتكار الشرعية إلى التفاوض عليها مع مراكز أخرى.
وعندئذ لن يمر الخط الفاصل في السياسة الفلسطينية بين فتح وحماس فقط، بل بين المؤسسة والرغبة في إصلاحها، وبين شرعية التاريخ وشرعية الصندوق، وبين السلطة باعتبارها جهاز حكم ومنظمة التحرير باعتبارها إطاراً للتمثيل الوطني، وبين الداخل والشتات، وبين الحاجة إلى القبول الخارجي وضرورة استقلال القرار الوطني.
لهذا لن يكون السؤال الأكثر أهمية في الأشهر المقبلة: من سيفوز؟ بل أي انتخابات ستُجرى، ومن سيتمكن من المشاركة فيها، وما إذا كانت نتائجها ستُقبل وتُترجم إلى مؤسسات قادرة على الحكم والتمثيل والمساءلة.
السؤال الأعمق هو ما إذا كانت الانتخابات ستجري داخل قواعد النظام القائم، أم ستتحول حتى قبل الوصول إلى الصندوق إلى تفاوض سياسي وشعبي على إعادة تعريف تلك القواعد.
فإذا كان الانقسام خلال السنوات الماضية قد تمحور حول سؤال «من يحكم؟»، فإن المرحلة المقبلة تعيد فتح سؤال أقدم وأصعب: من يملك شرعية تمثيل الفلسطينيين، وبأي تفويض، وداخل أي مؤسسات؟
لن تُحسم الإجابة بعدد المقاعد وحده. ستُحسم بقدرة الفائزين والخاسرين على قبول قواعد مشتركة، وبقدرة المؤسسات المنتخبة على استعادة ثقة مجتمع أنهكته الحرب والانقسام وتآكل الشرعية.
وهنا تحديداً يكمن معنى “ما بعد الثنائية”: ليس اختفاء فتح أو حماس، بل انتهاء قدرتهما على تعريف السياسة الفلسطينية وحدهما.