آليات متنوعة: نحو تحقيق استقرار نسبي للجنيه المصري

دفعت الحرب الروسية الأوكرانية منذ العام الماضي بقيمة الدولار الأمريكي مقابل العملات المحلية وبشكل خاص في الأسواق الناشئة إلى مستويات تاريخية، لتبحث تلك الدول ومن بينها مصر عن بدائل تمكنها من تقليل اعتمادها على العملة الأمريكية وحساسيتها لموجات أسعار الفائدة الأمريكية المرتفعة التي اتخذها الفيدرالي الأمريكي منذ بداية الحرب، وكانت أحد تلك البدائل المقترحة ربط العملة المحلية بسلة عملات أخرى أو الذهب، وهي آلية مطروحة كأحد الخيارات أمام الدولة المصرية بديلًا عن الاعتماد على الدولار وحده بشكل رئيسي في تحديد قيمة العملة المصرية أو تحرير العملة بشكل كامل لما لذلك من تبعات كبيرة على المواطن المصري.

اتخذت مصر آلية ربط عملتها المحلية بالدولار الأمريكي منذ عام 1962، وفي عام 1973 و1978 خفضت مصر عملتها أمام الدولار، ونظرًا لتراجع قيمة الجنيه المصري وارتفاع الدولار في السوق السوداء تدخل البنك المركزي المصري وبدأ التعويم المُدار في عام 2001 ليتم ربط العملة جزئيًا بالدولار، واستمر التعويم الموجه حتى عام 2016 عندما قررت الحكومة تعويم العملة بحرية نسبيًا على خلفية منح صندوق النقد الدولي قرضًا لمصر بقيمة 12 مليار دولار على مدار ثلاث سنوات.

لتبدأ مصر باتخاذ خطوات جدية في تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، وجاءت تلك الخطوة ضمن سلسلة من الإصلاحات بهدف تحسين الاختلالات في الاقتصاد المصري بجانب القضاء على السوق السوداء التي كانت نشطة قبل اتخاذ القرار، واستعادة ثقة المستثمرين وإعادة بناء الاحتياطيات الأجنبية وتعزيز الصادرات، واستقر السوق قليلًا حتى الحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها التي أضعفت قيمة العملة المصرية أمام الدولار.

وعلى إثر الحرب انخفضت قيمة العملة وتسارعت عملية الخفض في عام 2022 وحتى أوائل عام 2023، مع تأثر مصر بخروج الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة دفعة واحدة وبشكل كبير، بجانب ارتفاع المعروض النقدي والذي أدى إلى ارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات قياسية، وفي ظل استمرار تأزم الأحداث العالمية واصلت البنوك المركزية في الدول المتقدمة اعتماد سياسة تقوم على زيادة سعر الفائدة أو تثبيته، وهو ما ترك بالتبيعة آثاره السلبية على الاقتصاد المحلي.

بعد التعويم الكامل الذي اتخذته الدول الكبرى في عام 1973 للعملات الرئيسية في العالم وتداعيات ذلك على الدول الناشئة من ارتفاع التكلفة على اقتصاداتها في ظل تقلب قيمة عملاتها مع التغيرات في العملات المرتبطة بها (الدولار الأمريكي بشكل رئيسي، الفرنك الفرنسي والجنيه الإسترليني)، في ظل ضعف احتياطاتها من النقد الأجنبي وعدم مرونة التدفقات التجارية وأسواقها المالية الأقل نموًا، ونتيجة لذلك قامت تلك الدول بإدارة تحركات العملة المحلية بشكل منهجي مقابل العملات الرئيسية كآلية جديدة نسبيًا تقوم على ربط قيمة عملاتها المحلية بسلة من العملات المختارة أو ما يطلق عليه مؤشر سعر الصرف الفعال (أي المتوسط المرجح لأسعار الصرف الثنائية)، لتمثل نهاية عام 1985 قيام 63 دولة بالبدء في ترتيبات ربط عملاتها المحلية بسلة عملات، وإن تراجعت بعض من تلك الدول عن قراراتها فيما بعد، لتختار كل دولة نظام سعر الصرف المناسب لربط عملتها به.

ويقوم نظام ربط العملة المحلية بسلة عملات أخرى بالأساس على اختيار سلة العملات تلك بناءً على الشركاء التجاريين والمنافسين للبلد المحلي، أو من خلال ما يطلق عليه حقوق السحب الخاصة وهو أصل احتياطي دولي تتحدد قيمته وفقًا لسلة عملات دولية وهي الدولار الأمريكي واليورو واليوان الصيني والين الياباني والجنيه الإسترليني، ويتوقف اختيار كل من الطريقتين على هدف سياسة سعر الصرف الذي تنتهجه الدولة بجانب شروط التبادل التجاري أو سعر الصرف الحقيقي، أو من حيث متغير الاقتصاد الكلي مثل الميزان التجاري، أو ميزان المدفوعات، وبمجرد تحديد الهدف يتم اختيار العملات والأوزان التي ستخصص لها لتمثل مرجعًا لتحديد سعر صرف العملة الوطنية وكوسيلة للحد من أو تقليل مخاطر تقلبات العملة، وتجدر الإشارة إلى أن اختيار أوزان العملات في السلة لا يحدد في حد ذاته قيمة العملة المحلية، إذ تختلف طريقة حساب أوزان العملات في السلة وفقًا لطريقة حسابها مثل (المتوسط الحسابي الأَولي أو المتوسط الهندسي وغيرها من طرق الحساب) وبما يتفق مع استراتيجية الدولة في السيطرة على سوق الصرف بها.

في الآونة الأخيرة ظهرت عدة اتجاهات اقتصادية ترى أهمية إطلاق مؤشر للجنيه المصري والذي يقيس أداء العملة من خلال تحديد قيمة الجنيه المصري مقابل سلة من العملات وهم الدولار، واليورو، والجنيه الإسترليني، واليوان الصيني، والين الياباني بجانب الذهب، ليعبر عن سعر صرف فعلي حقيقي للجنيه المصري بجانب القضاء على التأثير السلبي الناتج عن الصورة الذهنية لدى المواطنين الرابطة بين قيمة الدولار وقيمة الجنيه المصري، وضرورة تغيير تلك الثقافة لدى المواطنين للحفاظ على استقرار نسبي للعملة المحلية، ومما يساعد على القضاء على السوق السوداء وتلاعب تجار العملة بالمواطنين بجانب توافر السيولة الدولارية في السوق المصري.

أيضًا يرى البعض أهمية ربط الجنيه المصري بسلة العملات تلك بناءً على الشركاء التجاريين والمنافسين للبلد المحلي، خاصة وأن ربط الجنيه بالدولار الأمريكي عرّض الجنيه خلال الفترة السابقة لتقلبات حادة أثرت على السوق المصري بالرغم من أن الولايات المتحدة ليست الشريك التجاري الرئيسي لمصر، ويرى البعض أن انضمام مصر للبريكس  هو خطوة ستحقق مكاسب متنوعة لجميع الأطراف وعلى رأسها خفض الطلب على الدولار وتأمين السلع الاستراتيجية وفتح قنوات استثمارية جديدة بجانب زيادة دور مصر في القارة الأفريقية، فضلًا عن تعزيز حجم وقيمة المعاملات التجارية بين مصر وتلك الدول في ظل ارتفاع قيمة التبادل التجاري بين الطرفين بنسبة 10.5% من 28.30 مليار دولار عام 2021 لتصل إلى 31.2 مليار دولار عام 2022، وإجراء تلك المعاملات التجارية من خلال مبادلة العملات المحلية كما تم في سبتمبر الماضي على سبيل المثال بقيام مصر والإمارات التي تعد الشريك التجاري الثاني عربيًا لمصر بتوقيع اتفاقية لمبادلة العملات المحلية مما يضمن تمويل عمليات التبادل التجاري بين البلدين بالعملة المحلية.

ومن هنا يمكن القول، إن هناك آليات متنوعة أمام الدولة المصرية لاتخاذها لتخفيف الضغط على العملة الصعبة، وتحقيق استقرار سعر صرف الجنيه أمام العملات المختلفة، وبالتحديد الدولار الأمريكي، بجانب دراسة مصر التوسع مؤخرًا في تنفيذ عمليات التبادل التجاري مع دول أخرى، إما بالعملات المحلية أو بنظام المقايضة.

المصدر : https://ecss.com.eg/38613/

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M