أبوطالب في ذكراه: المؤمن القابض على جمر

أجمع مؤرخوا الأمة دون استثناء على المواقف البطولية لأبي طالب في مناصرة النبي الأكرم في بدايات إعلانه الدعوة الى الإسلام، بيد أن الانشقاق حصل لما بعد وفاته، فلم يرُق لبعض المؤرخين ومن يقف خلفهم من الحكام المتمظهرين بالإسلام، أن يوصم آبائهم في التاريخ بالشرك والنفاق، وأنهم ماتوا وهم كفّار…

“رحمك الله يا عمّ، ربّيت صغيراً، وكفلت يتيماً، ونصرت كبيراً، فجزاك الله عنّي وعن الإسلام خير جزاء العاملين المجاهدين في سبيله بأموالهم و انفسهم وكل مايملكون”.

بهذه الكلمات المؤلمة نعى رسول الله عمّه وكافله؛ أبو طالب، الذي تمر هذه الأيام ذكرى رحيله في أصعب و أقسى ما شهده الإسلام من ضغوط في بدايات نشوئه، وهو الحصار والتجويع القاتل في شعب أبي طالب، فقد أجمع مؤرخوا الأمة دون استثناء على المواقف البطولية لأبي طالب في مناصرة النبي الأكرم في بدايات إعلانه الدعوة الى الإسلام، بيد أن الانشقاق حصل لما بعد وفاته، فلم يرُق لبعض المؤرخين ومن يقف خلفهم من الحكام المتمظهرين بالإسلام، أن يوصم آبائهم في التاريخ بالشرك والنفاق، وأنهم ماتوا وهم كفّار، بينما يكون والد أمير المؤمنين، ذو صفحة بيضاء نقيّة ومشرّفة، فراحوا يروجون لحديث مكذوب على رسول الله بأن أبي طالب “في ضحضاح من نار يغلي دماغه”! وياله من تعبير لا يصطنعه إلا من وترهم سيف علي بن أبي طالب في المعارك الحاسمة.

تضحية من نوع جديد لنصرة الدين

احتضن ابوطالب، ابن عمه محمد وهو سن الثامنة من العمر بعد وفاة جدّه عبدالمطلب، ومن هذه الفترة وحتى وفاته يمكن وصف سنوات مرافقته لعمّه من أحلى وأهم السنوات من عمره الشريف، لأن في ظلها أمضى طفولته وصباه، وخلالها تكونت شخصيته الاجتماعية، ولم يحسّ بمرارة اليُتم بوجود جناح آخر يظلله بالعطف والحنان، وهو؛ زوجة عمّه؛ فاطمة بن أسد، فقد قيّض الله له أسرة عريقة في الأخلاق والفضل، كانا يفضلانه على أبنائهم في كل شيء، حتى إن أبوطالب لم يُطق فراقه لدى رحلاته التجارية الى الشام، فكان يصطحبه معه حتى يكون قريباً منه دائماً.

وعندما جهر النبي الأكرم بدعوته الى الإسلام، كانت هذه الأسرة من أوائل المؤمنين، و كانت فاطمة بنت أسد من أوائل النسوة اللائي آمنّ بالإسلام بعد خديجة، وقد شاع في الأوساط إيمان هذه المرأة العظيمة، فيما بقي ابوطالب يكتم إيمانه، في نفس الوقت محافظاً على خيوط علاقاته الاجتماعية مع رجالات قريش ليتابع بدقة مسيرة الرسالة، وردود الفعل من المجتمع الجاهلي إزائها، وايضاً؛ ما يمكن ان يتعرض له ابن أخيه من المشركين الذين وجدوا انهم مستهدفون في أعزّ ما يملكونه وهي؛ عقيدتهم الوثنية بنور التوحيد.

كان أبوطالب يقوم بدور غاية في الذكاء والخطورة في آن، فهو ينصر الرسالة السماوية الداعية الى التوحيد وسط أبناء قومه من قبيلة قريش، ومن له معرفة به في مكة، إذ كان يحتفظ بعلاقات اجتماعية واسعة مع الجميع، فكان يسايرهم في الظاهر حاملاً معه الإيمان الراسخ بالله –تعالى- وبكتابه، وايضاً؛ اليقين بظلالة ما يعتقدون به، وكان يرى أمامه الذين يموتون في هذه المواجهة الحاسمة صنفين: من يموت على الإسلام مثل ياسر وسمية، وأمثالهم، أو من يموت كافراً مثل أبوجهل وعتبة وشيبة ونظرائهم، وبعد اندلاع المواجهة بين المشركين والرسالة، و وقوفه الحازم الى جانب ابن أخيه، ربما كان يتوقع تعرضه بما يودي بحياته وهو من الناحية الاجتماعية والظاهرية لم يكن معلناً إسلامه، رغم إنه كان يرد بكل قوة وبسالة على أفعال المشركين المشينة بالنبي بأشدّ ما يكون الردّ، كما حصل مع حادثة احشاء الشاة التي ألقاها أحدهم على رأس رسول الله وهو يصلي، فانتفض حاملاً سيفه وتلك الاوساخ ثم ألقاها على رؤوس رجال قريش وتحداهم إن اعترض عليه أحد ليضربنه بالسيف.

والالتفاتة المهمة في هذا السياق؛ استثمار ابوطالب العرف الاجتماعي بالحق في الدفاع عن النبي الأكرم كونه ابن أخيه، إذ العرف والتقاليد تقتضي النصرة بين أفرد الأسرة الواحدة والقبيلة الواحدة، فلم يكن يُلام على ردّه العنيف، ونصرته للنبي الأكرم، من زعماء قريش، بل العكس من ذلك، استبدلوا اللوم والاتهام له، بالتوسّط لمحاولة استيعاب النبي الأكرم، وتخلّيه عن أداء الرسالة، لاسيما وأن حديث الرسالة الخاتمة، والنبي المبعوث قريباً في الحجاز كان حديث الرهبان والاحبار والعارفين بالأديان والكتب السماوية آنذاك، فكانوا يخشون ان يكون محمداً هو النبي من بينهم ويفضح زيف عقيدتهم، لذا اتخذوا من ابي طالب وسيطاً للتفاوض معه، لاسيما مع أول إعجاز خارق له، وهي؛ آيات القرآن الكريم التي كانت تتنزل عليه من السماء، الواحد بعد الأخرى حاملة البلاغة الفائقة، والأدب الرفيع، والمضامين السامية التي ألقت الروع في قلوب جميع مشركي مكة والحجاز بأن محمداً ليس رجلاً عادياً، ولذا فعلوا كل شيء لمحاربته والقضاء عليه دون جدوى.

كان موقف ابوطالب أمام زعماء قريش والمجتمع المكّي المشرك محيّراً، فهو لم يُعلن إسلامه مثل عمّار والحمزة وآخرين حتى تكون لهم الحجة بقتله كونه عدواً لهم، ولم ينتفعوا من وجوده كوسيط، بل انتقل في صف المواجهة بتضامنه والدفاع عن الرسول والرسالة، فكان الحل الوحيد للخروج من هذا المأزق؛ فرض الحصار الاقتصادي المعروف في “شعب ابي طالب” لمدة ثلاث سنوات، تعرض فيها المسلمون، وفيهم رسول الله، وعمّه ابوطالب وخديجة والسيدة الزهراء وسائر المسلمين، الى ظروف عصيبة، ليس اقلها الجوع والحرمان من كل شيء، وكانت فيها نهاية مطاف أبوطالب مع الرسول والرسالة في العام العاشر للمبعث النبوي الشريف، وبوفاة أبي طالب، فقد النبي الأكرم، الحصن الأكبر له أمام سهام المشركين، فكان الفراق مرّاً والخطب فجيع على النبي الأكرم.

عندما يضحي البعض بعلميته على أعتاب السلطان

من أروع ما تعطينا شخصية ابي طالب، الفارق الكبير بين من يضحي بنفسه وسمعته من أجل الرسالة في معترك الحق والفضيلة، وبين من يضحي بما أوتي من قليل العلم والمعرفة بالتاريخ والحديث فيخطّ بيده ما يرضي السلطان، ويسخط الرحمن، حتى وإن كتاباته تجانب الحقائق الدامغة المتعلقة بإسلام أبي طالب وإيمانه منذ الأيام الأولى لبزوغ فجر الإسلام.

ثمة العديد من الأدلة العقلية والأخرى النقلية تؤكد إيمان ابي طالب، وأنه مات مؤمناً بالله ومجاهداً في سبيله مع من سبقه مثل ياسر وسمية.

من الأدلة العقلية الدامغة، استمرار العلاقة الزوجية بين ابوطالب و فاطمة بنت أسد، والجميع يعلم أن الإسلام لم يجز بقاء المرأة المسلمة تحت رجل كافر.

والدليل العقلي الآخر؛ انتماء ابناءه الى الإسلام، وفي مقدمتهم؛ امير المؤمنين، وهو في سن الصبا، وتبعه على الأثر؛ أخاه جعفر، وجاء في التاريخ إن أبي طالب دعا ابنه جعفر للصلاة خلف النبي بأن “صل جناح ابن عمّك”، أي التحق مع أخيك للصلاة خلف النبي، وكان بامكانه منع أبنائه من الانضمام الى الإسلام، او على الأقل اتخاذ موقف مغاير ومعارض لهم، وهو ما لم يحصل مطلقاً.

وحتى اللحظات الأخيرة من حياته الشريفة لم يتغير موقف أبوطالب من الرسالة ومن النبي الأكرم قيد أنملة، رغم الوضع المأساوي الذي عاشه المسلمون في “الشعب”، حيث ذكر التاريخ أنهم كانوا يأكلون ورق الأشجار لسدّ جوعهم، فقد بقي صامداً على إيمانه، رغم ادعاءات الموتورين بأن مات ولم يتلفظ بالشهادتين، و ربما تلفظ الشهادتين أكثر من مرة أمام النبي الأكرم، ولكن دون وجود من يشهد بذلك أمام الرأي العام.

أما الأدلة النقلية، فقد جاء النبي الأكرم قوله: “أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة”، ويشير الى اصبعيه، وايضاً؛ ما ورد عنه، سلام الله عليه، في أشعاره إشارات الى إيمانه بالله وبالنبي الأكرم، فقد ورد عن الامام الصادق، عليه السلام، في ردّه على المشككين بإيمان ابوطالب بأنه قال في شعر له:

الم تعلموا إنّا وجدنا محمداً

نبياً كموسى خُطّ في أول الكتب

وقوله يخاطب أخاه حمزة، وكان يُكنى بأبي يعلي:

فصبراً أبا يعلي على دين أحمد

وكن مُظهراً للدين وفقت صابرا

وحطّ من أتى بالحق من عند ربه

بصدق وعزم لا تكن حمز كافرا

فقد سرّني أن قلت أنك مؤمناً

فكن لرسول الله في الله ناصرا

وفي أشعاره الكثير مما يؤكد إيمانه بالله وبالرسالة، بيد إن الأمويين والعباسيين الذين لم يتركوا جريمة إلا ارتكبوها للوصول الى الحكم، لم يهدأ لهم بال ويجدوا مفاخر ومآثر أبوطالب في تاريخ الإسلام الى جانب بطولات ومواقف ومنزلة ابنه، أمير المؤمنين، فكان لابد من تشويه صورته ليكون والد من يقول بالخلافة بعد النبي، مشركاً ومات كافراً.

وما يحزّ في النفس حقاً أن يستمر هذا الاعوجاج في التاريخ حتى تاريخنا المعاصر على يد مؤرخين وعلماء وكتاب يستندون على مرويات الأمويين في ابي طالب، “لأن الذين وضعوها، مثل عروة بن الندير، ومحمد بن شهاب الزهيري، نسبوها الى الصحابة، والصحابة عند أهل السنة معصومون من الخطأ والكذب، ومنهم –حسب تصنيف أهل السنة- المغيرة بن شعبة، صديق معاوية وأحد اركان حكمه، والأغرب من ذلك أن أكثر السنّة يدّعون أن الله –تعالى- أنزل في كتابه آية تدل على أن ابوطالب مات مشركاً، وهي: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}، في حين الآية التي قبلها في سورة الانعام تكشف كذبهم وأنها تشير الى مشركي مكة المعاندين والمتهمين للرسول بأن ما يأتي به {أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ}، ولا أكاد أشك أن التاريخ وكتب السيرة والحديث لو روت لأحد من كبار شيوخ الصحابة ما رووه لأبي طالب من المواقف في نصرة الإسلام لوضعوه فوق مستوى الأنبياء”، (سيرة المصطفى- السيد هاشم معروف الحسني).

مات أبوطالب شهيداً وشاهداً على المجتمع الجاهلي المعاند لنور الرسالة، وشاهداً على الزيف والانحراف المستمر في مسيرة الأمة واجيالها، ليكرس القانون الإلهي في عدم اعتماد الإيمان الظاهري دون التطبيق العملي، وأن الجهاد والعمل في ساحة المواجهة هو الأولى، كما يذكر القرآن الكريم شاهداً من عهد نبي الله موسى، في {رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ}، فهو لم يكن من بني إسرائيل، إنما كان من المجتمع الفرعوني لكنه كان يتّقي بطش فرعون ويسعى لانقاذ موسى من القتل، بينما في تاريخنا المعاصر، وما قبله، لا ضير لدى بعض المدعين للعلم والمعرفة بأن يرتكب حاكم او شخص ما، مختلف الجرائم والانحرافات مادام أنه قد تلفظ الشهادتين، وفي جنسيته: مسلم.

 

المصدر : https://annabaa.org/arabic/ahlalbayt/38306

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M