الملخص :
هدفت هذه الدراسة إلى تحليل قدرة بيانات المدفوعات الرقمية على الكشف عن الإشارات النقدية والسلوكية الكامنة في السلوك المالي الرقمي والمرتبطة بديناميكيات التضخم والضغوط الاقتصادية قصيرة الأجل في الأردن، وذلك باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير. وتنبع أهمية الدراسة من محدودية قدرة المؤشرات النقدية التقليدية منخفضة التواتر على التقاط التحولات السلوكية والمالية المتسارعة داخل الاقتصادات الرقمية الحديثة.
اعتمدت الدراسة على منهج تحليلي كمي يجمع بين أساليب الاقتصاد القياسي التقليدي وتقنيات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير لتحليل العلاقات الديناميكية وغير الخطية بين النشاط المالي الرقمي والتضخم. واستند التحليل إلى بيانات شهرية تغطي الفترة من أغسطس 2020 إلى فبراير 2026، حيث تم بناء مؤشر للنشاط الرقمي للمدفوعات(DPI) اعتمادًا على أبرز منصات الدفع الرقمية في الأردن. كما تم تطوير مجموعة من المؤشرات السلوكية الرقمية المشتقة، إضافة إلى مؤشر الضغوط النقدية السلوكية (MSSI).
واعتمد التحليل على نماذج VAR وIRF وFEVD واختبارات سببية غرانغر، إلى جانب أدوات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير، وبشكل خاص نماذج XGBoost وتقنية SHAP
أظهرت النتائج أن بيانات المدفوعات الرقمية تحتوي على إشارات نقدية وسلوكية ذات محتوى معلوماتي قابل للتفسير اقتصاديًا وترتبط بديناميكيات التضخم والظروف النقدية قصيرة الأجل. ورغم محدودية العلاقة الخطية المباشرة بين النشاط الرقمي والتضخم، كشفت التحليلات الديناميكية وتحليلات الذكاء الاصطناعي عن وجود أنماط نقدية وسلوكية غير خطية كامنة داخل النشاط الرقمي للمدفوعات. كما تبين أن مؤشري تقلب النشاط الرقمي (DVOL) والتحولات السلوكية (BSHIFT) يمتلكان أهمية تفسيرية أعلى من المستوى الكلي للنشاط الرقمي ذاته، كما أسهم تطوير مؤشر الضغوط النقدية السلوكية (MSSI) في تجميع الإشارات السلوكية الرقمية ضمن مقياس موحد يعكس تطور الضغوط النقدية والسلوكية عبر الزمن.
وتسهم الدراسة منهجيًا في تطوير إطار الإشارات النقدية السلوكية (BMS) ومؤشر الضغوط النقدية السلوكية (MSSI)، اللذين يدمجان بين الاقتصاد النقدي والسلوك المالي الرقمي وتقنيات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير ضمن منظور للمراقبة النقدية الاستباقية.
وتحمل هذه المساهمة دلالات تطبيقية مهمة للبنوك المركزية وصناع السياسات، من خلال إبراز إمكانية توظيف المؤشرات السلوكية الرقمية في تعزيز كفاءة المراقبة النقدية ورصد الضغوط الاقتصادية داخل البيئات المالية الرقمية سريعة التغير.
- المقدمة
شهدت الأنظمة المالية خلال السنوات الأخيرة تحولًا رقميًا متسارعًا مدفوعًا بالتوسع في استخدام المدفوعات الرقمية والتطبيقات المالية الإلكترونية وأنظمة الدفع الفوري، الأمر الذي أدى إلى إنتاج كميات ضخمة من البيانات المالية عالية التواتر القادرة على عكس التحولات الاقتصادية والسلوكية بصورة شبه آنية. وقد تسارع هذا التحول بصورة أكبر بعد جائحة كورونا COVID-19بالتزامن مع تغيرات واضحة في سلوك المستهلكين وأنماط الإنفاق ومستويات السيولة وارتفاع حالة عدم اليقين الاقتصادي. وفي الوقت نفسه، ازداد اهتمام البنوك المركزية والمؤسسات الدولية بالاستفادة من البيانات الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي لتعزيز أنظمة المراقبة الاقتصادية والنقدية في الوقت الحقيقي (Cavallo & Rigobon, 2016; BIS, 2026).
وفي المقابل، تواجه المؤشرات النقدية التقليدية، مثل التضخم وعرض النقد وأسعار الفائدة، تحديات متزايدة في التقاط التحولات الاقتصادية بصورة سريعة، نظرًا لطبيعتها التراكمية وتأخر صدورها نسبيًا مقارنة بالتغيرات الاقتصادية الفعلية. وقد أكدت الأدبيات النقدية أن فعالية السياسة النقدية تعتمد بصورة كبيرة على القدرة على رصد الضغوط التضخمية والتحولات الاقتصادية في مراحل مبكرة قبل انعكاسها الكامل في المؤشرات الرسمية .(Friedman, 1961; Sims, 1992) كما تشير الأدبيات الحديثة إلى أن البيانات الرقمية عالية التواتر أصبحت عنصرًا مهمًا في تحسين نماذج التقدير الآني (Nowcasting) ورصد التطورات الاقتصادية بصورة أكثر سرعة ودقة، خاصة خلال فترات الصدمات وعدم اليقين (Knotek & Zaman, 2024).
وفي هذا السياق، أظهرت العديد من الدراسات أن بيانات الأسعار الرقمية وبيانات أنظمة الدفع توفر معلومات آنية تساعد في تفسير النشاط الاقتصادي والتطورات التضخمية بصورة أكثر حساسية مقارنة بالمؤشرات التقليدية منخفضة التواتر (Cavallo, 2013; Cavallo & Rigobon, 2016; Aprigliano et al., 2019; Galbraith & Tkacz, 2018; Chapman & Desai, 2022).
كما أظهرت الأدبيات الحديثة أن أدوات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير أصبحت أكثر قدرة على تحليل الأنماط الاقتصادية المعقدة داخل البيانات المالية الرقمية عالية التواتر (Badrawani, 2025)
وفي السياق ذاته، أشار مشروع Spectrum التابع لبنك التسويات الدولية (BIS) إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي وتقنيات التضمين (Embedding Models) يمكن أن تسهم في تحسين التنبؤ الآني بالتضخم وتعزيز أنظمة المراقبة النقدية في الوقت الحقيقي (BIS, 2026).
ومع ذلك، ما تزال معظم الأدبيات تركز بصورة رئيسية على تحسين دقة التنبؤ أو التقدير الآني للتضخم، في حين لا يزال الاهتمام محدودًا بتطوير إطار اقتصادي تفسيري لاستخراج الإشارات النقدية والسلوكية الكامنة داخل بيانات المدفوعات الرقمية عالية التواتر. كما أن جزءًا كبيرًا من الدراسات السابقة ركز على العلاقات الخطية التقليدية أو الأداء التنبؤي للنماذج، دون تفسير كافٍ للديناميكيات السلوكية والنقدية غير الخطية المرتبطة بالنشاط المالي الرقمي. إضافة إلى ذلك، ما تزال الأدبيات محدودة نسبيًا في توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير (XAI) لتحليل الإشارات النقدية السلوكية ضمن إطار نقدي متكامل .(Lundberg & Lee, 2017)
وانطلاقًا من هذه الفجوة، تفترض الدراسة أن أنظمة المدفوعات الرقمية قد تحتوي على إشارات نقدية وسلوكية كامنة تعكس الضغوط الاقتصادية والتغيرات في السيولة والتوقعات التضخمية بصورة أسرع من المؤشرات التقليدية. وبناءً على ذلك، تقدم الدراسة إطار الإشارات النقدية السلوكية (Behavioral Monetary Signals Framework: BMS)، والذي يشير إلى الإشارات النقدية المستخرجة من السلوك المالي الرقمي بوصفها أنماطًا قابلة للملاحظة تعكس التحولات السلوكية والضغوط النقدية داخل البيئة المالية الرقمية.
ولتحليل هذه الإشارات، تعتمد الدراسة على إطار تحليلي هجين يجمع بين أدوات الاقتصاد القياسي التقليدي، بما في ذلك نموذج الانحدار الذاتي المتجه (Vector Autoregression-VAR) ودوال الاستجابة للصدمات (Impulse Response Functions -IRF)، وتحليل تجزئة تباين خطأ التنبؤ (Forecast Error Variance Decomposition -FEVD)، واختبارات سببية غرانجر (Granger Causality Tests)، وبين نماذج الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير، خاصة نموذج التعزيز التدرّجي المُحسَّن (- XGBoost (Extreme Gradient Boosting وتقنيات التفسيرات المضافة المعتمدة على قيم شابليSHapley Additive Explanations (SHAP) ، بهدف استخراج الإشارات النقدية والسلوكية غير الخطية المرتبطة بالنشاط الرقمي للمدفوعات. كما تطور الدراسة مؤشرًا تركيبيًا جديدًا تحت اسم Monetary Stress Signal Index (MSSI) لقياس الضغوط النقدية الكامنة داخل النشاط المالي الرقمي.
وتتمثل المساهمة الرئيسة للدراسة في تطوير إطار الإشارات النقدية السلوكية (BMS)، الذي يربط بين الاقتصاد النقدي والسلوك المالي الرقمي والبيانات الرقمية عالية التواتر والذكاء الاصطناعي القابل للتفسير ضمن إطار موحد للمراقبة النقدية الاستباقية (PMS) كما تسهم الدراسة في تحويل بيانات المدفوعات الرقمية من مجرد مؤشرات للنشاط الاقتصادي إلى أدوات قادرة على توفير إشارات نقدية وسلوكية يمكن توظيفها لدعم تحليل التطورات الاقتصادية وصنع القرار النقدي.
وتكتسب الدراسة أهمية خاصة في حالة الأردن، الذي شهد توسعًا ملحوظًا في استخدام المدفوعات الرقمية خلال السنوات الأخيرة بالتزامن مع التحولات الاقتصادية المرتبطة بفترة ما بعد الجائحة وارتفاع معدلات التضخم العالمية والتوترات الجيوسياسية الإقليمية. ومن ثم، تمثل الحالة الأردنية بيئة مناسبة لتحليل قدرة البيانات الرقمية عالية التواتر على دعم أنظمة المراقبة النقدية والاستجابة الاقتصادية المبكرة في الاقتصادات النامية والتحولية.
وبناءً على ذلك، تسعى الدراسة للإجابة عن السؤال البحثي الآتي:
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي استخراج الإشارات النقدية والسلوكية الكامنة في بيانات المدفوعات الرقمية قبل أن تظهر هذه الإشارات بصورة واضحة في المؤشرات الاقتصادية الكلية التقليدية؟
وللإجابة عن هذا السؤال، تم تنظيم الدراسة على النحو الآتي: يستعرض القسم التالي الأدبيات السابقة ذات الصلة، ثم يعرض قسم المنهجية مصادر البيانات والإطار التحليلي المستخدم، يلي ذلك عرض النتائج الاقتصادية القياسية ونتائج الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير، ثم مناقشة الآثار النقدية والسياساتيه، وأخيرًا الخاتمة والتوصيات والقيود البحثية.
2. مراجعة الأدبيات والدراسات السابقة
2.1 البيانات الرقمية عالية التواتر ومراقبة التضخم
شهدت أدبيات الاقتصاد النقدي خلال السنوات الأخيرة توسعًا متزايدًا في استخدام البيانات عالية التواتر ومصادر المعلومات الرقمية لتحسين مراقبة التضخم والتنبؤ الآني بالمتغيرات الاقتصادية. فقد أوضح Giannone et al. (2008) أن نماذج التقدير الآني أصبحت أداة مهمة لرصد النشاط الاقتصادي في الوقت الحقيقي، خاصة عندما تكون المؤشرات الرسمية متأخرة نسبيًا، بينما بين Modugno (2013) أن البيانات الرقمية اللحظية يمكن أن تحسن تتبع التضخم قصير الأجل. كما أكد Knotek and Zaman (2017, 2024) أن مراقبة التضخم بصورة فعالة تتطلب مؤشرات سريعة التحديث قادرة على التقاط التحولات الاقتصادية خلال فترات عدم اليقين والاضطرابات الهيكلية.
وفي هذا السياق، اتجهت الأدبيات نحو استخدام البيانات الرقمية غير التقليدية، مثل الأسعار الإلكترونية وبيانات الإنترنت، باعتبارها مصادر آنية يمكن أن تعزز فهم ديناميكيات التضخم والتحولات الاقتصادية قصيرة الأجل. فقد أظهر Cavallo (2013) وCavallo and Rigobon (2016) أن بيانات الأسعار الإلكترونية توفر إشارات تضخمية أكثر سرعة مقارنة بالإحصاءات الرسمية التقليدية، بينما أوضح Aparicio and Bertolotto (2020) أن الأسعار الرقمية تمتلك قيمة تنبؤية مهمة في تفسير تغيرات مؤشر الأسعار. كما أشار مشروع Spectrum الصادر عن بنك التسويات الدولية إلى أن الذكاء الاصطناعي وتقنيات التضمين يمكن أن تساعد في معالجة كميات ضخمة من البيانات الرقمية وتحويلها إلى مؤشرات قابلة للاستخدام في التنبؤ الآني بالتضخم وتحسين المراقبة النقدية (BIS, 2026) .
2.2 المدفوعات الرقمية كمؤشرات آنية للنشاط الاقتصادي
بالتوازي مع تطور أدبيات البيانات الرقمية عالية التواتر، بدأت دراسات حديثة في استخدام بيانات المدفوعات والمعاملات الرقمية لفهم النشاط الاقتصادي قصير الأجل وتحسين المراقبة الاقتصادية. فقد أشار Chapman and Desai (2022) إلى أن بيانات أنظمة الدفع قد تحمل محتوى معلوماتيًا مهمًا للتنبؤ بالنشاط الاقتصادي الكلي نظرًا لارتباطها المباشر بالتدفقات المالية في الوقت الحقيقي. كما بين Aprigliano et al. (2019) أن بيانات المعاملات الإلكترونية والبطاقات المصرفية يمكن أن تستخدم كمؤشرات مبكرة للاستهلاك والنشاط الاقتصادي، خصوصًا خلال فترات الصدمات وعدم اليقين. كذلك أوضحت دراسات Galbraith and Tkacz (2018) أن البيانات المالية الرقمية قد تحتوي على إشارات اقتصادية أكثر حساسية مقارنة بالمؤشرات الرسمية منخفضة التواتر.
ورغم ذلك، ما تزال معظم الدراسات السابقة تتعامل مع بيانات المدفوعات الرقمية باعتبارها أدوات لتحسين التنبؤ أو مؤشرات تشغيلية للنشاط المالي، أكثر من كونها إشارات نقدية وسلوكية قابلة للتفسير. كما ركزت نسبة كبيرة من الأدبيات على دقة التنبؤ والأداء الإحصائي للنماذج دون تطوير إطار اقتصادي يفسر العلاقة بين النشاط الرقمي والضغوط النقدية وتحولات السيولة والسلوك المالي داخل الاقتصاد.
2.3 الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير في التحليل النقدي والمالي
شهدت السنوات الأخيرة اهتمامًا متزايدًا باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في التحليل الاقتصادي والنقدي، خاصة في البيئات التي تتسم بعلاقات غير خطية وتفاعلات معقدة بين المتغيرات. وتُعد نماذج التعلم الآلي، مثل XGBoost، من الأدوات القادرة على التعامل مع البيانات الاقتصادية والمالية عالية التواتر واستخراج الأنماط الديناميكية المعقدة منها. ومع ذلك، يظل استخدام هذه النماذج في الدراسات الاقتصادية محدودًا إذا بقيت نتائجها غير قابلة للتفسير.
وفي هذا الإطار، قدم Lundberg and Lee (2017) إطار SHAP تفسير مخرجات نماذج التعلم الآلي من خلال قياس مساهمة كل متغير في النتائج المتوقعة. كما استخدم Badrawani (2025) نماذج XGBoost وShap لتحليل بيانات أنظمة الدفع والتنبؤ بالتضخم في إندونيسيا، وخلص إلى أن متغيرات الدفع الرقمي تمتلك محتوى معلوماتيًا مهمًا لتحليل التضخم ومراقبة السياسة النقدية. وتدعم هذه الأدبيات الاتجاه المتزايد نحو دمج أدوات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير في التحليل النقدي والمالي بهدف تحسين فهم العلاقات الاقتصادية المعقدة وتعزيز شفافية النماذج التنبؤية.
2.4 الفجوة البحثية
تكشف الأدبيات الحالية عن فجوة بحثية واضحة. فعلى الرغم من تطور أدبيات التنبؤ الآني والبيانات الرقمية عالية التواتر من جهة، وتطور أدبيات المدفوعات الرقمية والذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، فإن الربط بين هذه المسارات ما يزال محدودًا، خاصة فيما يتعلق باستخراج الإشارات النقدية والسلوكية الكامنة داخل بيانات المدفوعات الرقمية ضمن إطار نقدي تفسيري قابل للتطبيق. كما أن معظم الدراسات ركزت على تحسين الأداء التنبؤي للنماذج أكثر من تفسير الديناميكيات السلوكية والنقدية المرتبطة بالنشاط المالي الرقمي.
2.5 مساهمة الدراسة
تتمثل مساهمة الدراسة في تطوير إطار الإشارات النقدية السلوكية (BMS)، الذي ينظر إلى المدفوعات الرقمية باعتبارها مصدرًا لإشارات نقدية وسلوكية يمكن أن تساعد في رصد الضغوط التضخمية والنقدية بصورة مبكرة وقابلة للتفسير. كما تدمج الدراسة بين أدوات الاقتصاد القياسي التقليدي وتقنيات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير ضمن إطار تحليلي موحد يهدف إلى تفسير الأنماط النقدية والسلوكية غير الخطية داخل البيئة المالية الرقمية.
2.6 فرضيات الدراسة
استنادًا إلى الإطار النظري للدراسة، والأدبيات السابقة، والفجوة البحثية المحددة، تم تطوير الفرضيات التالية لاختبار قدرة بيانات المدفوعات الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير على تحديد وتفسير الإشارات النقدية والسلوكية المرتبطة بالديناميكيات التضخمية والمراقبة النقدية داخل البيئات المالية الرقمية الحديثة.
H1: ترتبط بيانات المدفوعات الرقمية عالية التواتر بديناميكيات التضخم والظروف النقدية قصيرة الأجل.
تنطلق هذه الفرضية من أن بيانات المدفوعات الرقمية لا تعكس فقط النشاط المالي اليومي، بل قد تحتوي أيضًا على محتوى معلوماتي يرتبط بالتطورات الاقتصادية والنقدية قصيرة الأجل بصورة أكثر آنية مقارنة ببعض المؤشرات التقليدية منخفضة التواتر.
H2: ترتبط الإشارات السلوكية الرقمية، ولا سيما تقلب النشاط الرقمي والتحولات السلوكية، ارتباطًا معنويًا بالضغوط التضخمية وحالات عدم الاستقرار النقدي قصيرة الأجل.
وتفترض هذه الفرضية أن التغيرات غير الاعتيادية في أنماط المدفوعات الرقمية قد تعكس تحولات في السلوك المالي للأفراد والمؤسسات، بما يجعلها مؤشرات محتملة للضغوط النقدية والتضخمية الناشئة داخل الاقتصاد.
H3: توفر الإشارات النقدية السلوكية المستخرجة من بيانات المدفوعات الرقمية محتوى معلوماتيًا إضافيًا يتجاوز ما تعكسه المؤشرات النقدية التقليدية وحدها.
وتستند هذه الفرضية إلى أن البيانات الرقمية عالية التواتر قد تحمل إشارات نقدية وسلوكية كامنة لا يمكن التقاطها بصورة كاملة من خلال المؤشرات النقدية التقليدية، بما يسهم في تعزيز فهم التطورات الاقتصادية قصيرة الأجل.
H4: تكشف تقنيات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير عن أنماط وعلاقات غير خطية داخل بيانات المدفوعات الرقمية لا تظهر بصورة كاملة في النماذج الاقتصادية القياسية التقليدية.
وتعكس هذه الفرضية المنطق المنهجي الأساسي للدراسة، الذي يفترض أن دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير مع البيانات الرقمية عالية التواتر يمكن أن يسهم في الكشف عن أنماط نقدية وسلوكية معقدة يصعب رصدها باستخدام الأساليب الاقتصادية القياسية التقليدية وحدها.
- منهجية الدراسة:
- التصميم المنهجي للدراسة
تعتمد هذه الدراسة على منهج تحليلي كمي (Quantitative Analytical Approach) ضمن إطار تحليلي هجين (Hybrid Analytical Framework) يجمع بين أساليب الاقتصاد القياسي التقليدي وتقنيات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير (XAI)، بهدف تحليل العلاقات الديناميكية وغير الخطية بين النشاط المالي الرقمي والتضخم، واستكشاف قدرة بيانات المدفوعات الرقمية على توليد إشارات نقدية وسلوكية مرتبطة بالضغوط الاقتصادية والنقدية قصيرة الأجل في الأردن.
وينطلق التصميم المنهجي للدراسة من فرضية مفادها أن أنظمة المدفوعات الرقمية الحديثة لا تنتج فقط بيانات معاملات مالية، بل تولد أيضاً أنماطاً سلوكية عالية التواتر قد تحمل محتوى نقدياً ومعلوماتياً يمكن توظيفه ضمن أنظمة المراقبة النقدية الاستباقية (PMS). وبناءً على ذلك، تنظر الدراسة إلى المدفوعات الرقمية باعتبارها إشارات نقدية سلوكية (BMS) يمكن أن تعكس بصورة مبكرة التحولات الاقتصادية والتغيرات في السيولة وعدم اليقين المالي والضغوط التضخمية داخل الاقتصاد الرقمي.
ولتحقيق هذا الهدف، تم تصميم الدراسة ضمن سلسلة تحليلية مترابطة تبدأ بتحويل بيانات المدفوعات الرقمية الخام إلى مجموعة من المؤشرات السلوكية الرقمية عالية التواتر، ثم استخدام أدوات الاقتصاد القياسي وتقنيات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير لاستخراج الإشارات النقدية والسلوكية الكامنة داخل هذه البيانات. كما تم تطوير مؤشر الضغوط النقدية السلوكية (MSSI) بهدف تجميع هذه الإشارات في مقياس تركيبي موحد يساعد على تفسير الضغوط النقدية والتضخمية بصورة أكثر شمولاً، وصولاً إلى استخلاص الدلالات المرتبطة بالمراقبة النقدية الاستباقية وصنع السياسات الاقتصادية.
ويمكن تلخيص المنطق التحليلي للدراسة ضمن السلسلة الآتية:
Digital Payments → Behavioral Signals → AI Extraction → MSSI → Monetary Stress Interpretation → Policy Implications
المدفوعات الرقمية ← الإشارات النقدية السلوكية ← استخراج الإشارات باستخدام الذكاء الاصطناعي ← بناء مؤشر الضغط النقدي ← (MSSI)تفسير الضغوط النقدية ← الآثار والسياسات النقدية. ويمثل هذا التسلسل الهيكل المفاهيمي والمنهجي الأساسي للدراسة.
3.2 مصادر البيانات وفترة الدراسة
اعتمدت الدراسة على بيانات شهرية تغطي الفترة الممتدة من أغسطس 2020 إلى فبراير 2026، وهي فترة شهدت توسعًا ملحوظًا في استخدام المدفوعات الرقمية في الأردن، بالتزامن مع التحولات الاقتصادية المرتبطة بمرحلة ما بعد جائحة COVID-19، وارتفاع معدلات التضخم العالمية، وتشديد السياسات النقدية، والتوترات الجيوسياسية الإقليمية.
وقد تم جمع البيانات من عدة مصادر رسمية، شملت البنك المركزي الأردني (Central Bank of Jordan – CBJ)، والشركة الأردنية لأنظمة الدفع والتقاص (JoPACC)، إضافة إلى بيانات مؤشر أسعار المستهلك والتضخم الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة الأردنية.
وتتميز البيانات المستخدمة بكونها بيانات شهرية عالية التواتر نسبيًا، بما يسمح بتحليل التحولات قصيرة الأجل والتغيرات السلوكية داخل النشاط المالي الرقمي بصورة أكثر ديناميكية مقارنة بالبيانات السنوية أو الفصلية التقليدية.
3.3 بناء وقياس متغيرات الدراسة
تعتمد الدراسة على بناء المتغيرات وفق منطق تحليلي متعدد الطبقات يميز بين المؤشرات النقدية التقليدية، ومؤشرات النشاط الرقمي، والإشارات النقدية السلوكية المشتقة من بيانات المدفوعات الرقمية. ويهدف هذا التصميم إلى الانتقال من التعامل مع المدفوعات الرقمية كبيانات معاملات تشغيلية إلى استخدامها كمصدر لاستخراج إشارات نقدية وسلوكية عالية التواتر.
في الطبقة الأولى، تم استخدام التضخم (INF) بوصفه المتغير التابع الرئيسي الذي يعكس الضغوط السعرية داخل الاقتصاد. كما شملت المؤشرات النقدية التقليدية أسعار الفائدة (IR)وعرض النقد الواسع (LNM2)، والنقد المتداول خارج الجهاز المصرفي (LNCC)وذلك لتمثيل البيئة النقدية الكلية التي تعمل داخلها أنظمة المدفوعات الرقمية.
أما الطبقة الثانية، فتتمثل في النشاط الرقمي للمدفوعات (Digital Payment Index: LNDPI)، والذي تم بناؤه اعتمادًا على بيانات منصات الدفع الرقمية الرئيسية في الأردن، وتشمل نظام الدفع الفوري (كليك-(CliQ ونظام المحافظ الإلكترونية- الدفع بواسطة الهاتف النقال(جوموبي- ” (JoMoPay، ونظام عرض وتحصيل الفواتير إلكترونياً (إي فواتيركم- (eFAWATEERcom، إضافة إلى نظام المقاصة الآلية (ACH) .
وقد تم تطوير مؤشر النشاط الرقمي للمدفوعات (DPI) كمؤشر تجميعي يعكس الحجم الكلي للنشاط المالي الرقمي داخل الاقتصاد الأردني من خلال تجميع أحجام المعاملات الرقمية الشهرية عبر هذه المنصات.
ويهدف هذا المؤشر إلى تمثيل التحولات العامة في أنماط الاستخدام المالي الرقمي داخل الاقتصاد الأردني، لذلك تم التعامل مع DPI بوصفه مؤشرًا تجميعيًا للنشاط المالي الرقمي (Aggregate Digital Financial Activity Indicator) يعكس التوسع في التفاعل المالي الرقمي عالي التواتر داخل البيئة الاقتصادية الأردنية. وبعد بناء المؤشر، تم تحويله إلى الصيغة اللوغاريتمية الطبيعية (LNDPI) بهدف تقليل التباين وتحسين الخصائص الإحصائية للسلسلة الزمنية وتعزيز ملاءمتها للتحليل الديناميكي.
وتتكون الطبقة الثالثة من الإشارات النقدية السلوكية المشتقة، وهي تمثل جوهر الإطار المنهجي للدراسة. وتشمل هذه المؤشرات نمو النشاط الرقمي (DGTH)وتقلب النشاط الرقمي (DVOL)، والتحولات السلوكية في أنماط الدفع (BSHIFT)، والسيولة الرقمية (DLIQ) ولا تقتصر هذه المؤشرات على قياس حجم النشاط الرقمي، بل تهدف إلى تحليل ديناميكيات السلوك المالي الرقمي والتغيرات المرتبطة به، خاصة خلال فترات التضخم وعدم اليقين والصدمات الاقتصادية. وبناءً على ذلك، يمكن تفسير الإشارات الرقمية المستخدمة في الدراسة كما هو موضح في الجدول (1).
جدول1. متغيرات الدراسة
| الإشارة Signal | المقياس | التفسير | المتغير |
| إشارة مستوى النشاط المالي الرقمي | Ln (DPIt ) | الحجم العام للنشاط المالي الرقمي | LNDPI |
| إشارة نمو النشاط المالي الرقمي | Δ ln (DPIt) | نمو النشاط الرقمي | DGTH |
| إشارة تقلب السلوك المالي الرقمي | الانحراف المعياري المتحرك لمؤشر نمو النشاط الرقمي (DGTH) | اضطراب وتقلب السلوك المالي الرقمي | DVOL |
| إشارة التحولات السلوكية الرقمية | التغير المطلق في معدل نمو النشاط الرقمي (DGTH) | التحولات المفاجئة في أنماط الدفع | BSHIFT |
| إشارة السيولة المالية الرقمية | تغير العلاقة بين النشاط الرقمي والسيولة النقدية | DLIQ |
المصدر: اعداد الباحث.
وانطلاقًا من هذه الإشارات، تطور الدراسة مؤشرًا تركيبيًا باسم مؤشر الإشارات النقدية الضاغطة (MSSI) بهدف قياس الضغوط النقدية والسلوكية الكامنة داخل النشاط المالي الرقمي عالي التواتر. ولا يقتصر هذا المؤشر على قياس المستوى الخام للنشاط الرقمي، بل يدمج بين النمو والتقلب والتحولات السلوكية وتغيرات السيولة الرقمية، بما يسمح برصد الضغوط النقدية بصورة أكثر حساسية وديناميكية مقارنة بالاعتماد على المؤشرات النقدية التقليدية وحدها.
وقد تم بناء مؤشر MSSI كمؤشر تركيبي موحد يجمع بين مجموعة من الإشارات النقدية السلوكية المستخرجة من نشاط المدفوعات الرقمية، وتشمل: نمو النشاط الرقمي (DGTH)، وتقلب النشاط الرقمي (DVOL)، والتحولات السلوكية (BSHIFT)، والسيولة الرقمية (DLIQ) . ولتحقيق قابلية المقارنة بين المكونات المختلفة للمؤشر، جرى تحويل كل متغير إلى قيمة معيارية باستخدام أسلوب (Z-score)، ثم احتساب المؤشر النهائي باعتباره المتوسط البسيط لهذه الإشارات المعيارية وفق المعادلة الآتية:
حيث تُحتسب القيمة المعيارية لكل متغير وفق الصيغة الآتية:
ويشير إلى المتوسط الحسابي للمتغير، في حين تمثلσX الانحراف المعياري له. وبذلك، يتم توحيد جميع الإشارات أولًا باستخدام القيم المعيارية قبل دمجها داخل المؤشر التركيبي.
ويستند بناء هذا المؤشر إلى افتراض مفاده أن فترات الضغوط الاقتصادية والنقدية لا تنعكس فقط في مستوى النشاط المالي الرقمي، بل تظهر أيضًا من خلال تسارع النمو، وارتفاع التقلبات، والتحولات السلوكية غير الاعتيادية، والتغيرات المرتبطة بالسيولة الرقمية. ومن هذا المنطلق، يعمل مؤشر MSSI كمؤشر تجريبي لقياس درجة الحساسية النقدية والسلوكية داخل النظام المالي الرقمي بدل الاعتماد على متغير نقدي تقليدي منفرد.
وبذلك، تنظر الدراسة إلى المدفوعات الرقمية بوصفها نظامًا سلوكيًا نقديًا يولد إشارات ديناميكية قابلة للتحليل والتفسير، وهو ما يشكل الأساس المفاهيمي لإطار الإشارات النقدية السلوكية (BMS) الذي يربط بين السلوك المالي الرقمي والتحولات النقدية والتضخمية قصيرة الأجل.
3.4 إعداد البيانات وبناء مؤشرات الإشارات النقدية السلوكية
بدأت الدراسة بمرحلة إعداد ومعالجة البيانات بهدف تهيئتها للتحليل الاقتصادي القياسي واستخراج الإشارات النقدية السلوكية الكامنة داخل نشاط المدفوعات الرقمية. وشملت هذه المرحلة تجميع بيانات شهرية لمجموعة من المؤشرات النقدية التقليدية، تضمنت مؤشر أسعار المستهلك (CPI)، وسعر الفائدة على القروض والسلف (IR)، وعرض النقد الواسع (M2)، والنقد المتداول خارج الجهاز المصرفي (CC)، إضافة إلى بيانات نشاط أنظمة المدفوعات الرقمية في الأردن.
واعتمدت الدراسة على بيانات منصات الدفع الرقمية الرئيسية، والتي شملت خدمات الدفع الرقمية الرئيسة في الأردن، بما في ذلك (CliQ) و (JoMoPay)و (eFAWATEERcom)إضافة إلى (ACH) ، بهدف بناء مؤشر تجميعي للنشاط المالي الرقمي (DPI) يعكس الحجم الكلي للنشاط داخل منظومة المدفوعات الرقمية الأردنية.
ولتحسين الخصائص الإحصائية للبيانات وتقليل التباين، تم تحويل المتغيرات النقدية والرقمية ذات القيم الكبيرة إلى الصيغة اللوغاريتمية الطبيعية، لينتج عن ذلك المتغيرات LNM2 وLNCC وLNDPI ويساعد هذا التحويل في تعزيز استقرار السلاسل الزمنية وتقليل تأثير القيم المتطرفة وتحسين ملاءمة البيانات للتحليل الديناميكي.
وبعد ذلك، انتقلت الدراسة إلى مرحلة بناء الإشارات النقدية السلوكية (BMS)، والتي تمثل أحد الجوانب المنهجية الجوهرية في الدراسة. وبدل الاقتصار على قياس الحجم الخام للنشاط الرقمي، سعت الدراسة إلى تطوير مؤشرات مشتقة تعكس ديناميكيات السلوك المالي الرقمي والتحولات المرتبطة بالنشاط الاقتصادي والنقدي.
وشملت هذه المرحلة تطوير مجموعة من المؤشرات السلوكية الرقمية، تضمنت معدل نمو النشاط الرقمي (DGTH)لقياس تسارع أو تباطؤ النشاط المالي الرقمي، وتقلب النشاط الرقمي (DVOL) لالتقاط درجة التذبذب وعدم الاستقرار داخل السلوك المالي الرقمي، والتحولات السلوكية (BSHIFT) لرصد التغيرات غير الاعتيادية في أنماط الدفع الرقمي، إضافة إلى مؤشر السيولة الرقمية (DLIQ) لقياس العلاقة بين النشاط الرقمي والنقد المتداول داخل الاقتصاد.
وتهدف هذه المؤشرات إلى تحليل ديناميكيات السلوك المالي الرقمي والإشارات النقدية الكامنة داخل البيانات الرقمية عالية التواتر، خاصة خلال فترات التضخم وعدم اليقين الاقتصادي والتحولات النقدية.
3.5 اجراءات الدراسة
بدأت الدراسة بإجراء مجموعة من التحليلات الإحصائية الأولية بهدف فحص خصائص البيانات والتأكد من ملاءمتها للتحليل الديناميكي. وشملت هذه المرحلة الإحصاءات الوصفية، والتحليل البصري للسلاسل الزمنية، إضافة إلى اختبارات السكون باستخدام اختباري Augmented Dickey–Fuller (ADF) وPhillips–Perron (PP)، وذلك لتحديد درجات تكامل المتغيرات وفحص استقرارها الإحصائي.
وبعد تحديد خصائص التكامل، اعتمدت الدراسة على نموذج الانحدار الذاتي المتجه (VAR) لتحليل العلاقات الديناميكية المتبادلة بين التضخم، والإشارات الرقمية السلوكية، والمؤشرات النقدية التقليدية داخل النظام الاقتصادي. ويُعد نموذج VAR مناسبًا في هذا السياق نظرًا لقدرته على التقاط التفاعلات الزمنية بين المتغيرات دون فرض علاقات سببية مسبقة بصورة صارمة.
وقد تم تحديد فترات الإبطاء المثلى بالاعتماد على مجموعة من المعايير الإحصائية، شملت Akaike Information Criterion (AIC)، وSchwarz Criterion (SC)، وHannan–Quinn Criterion (HQ)، بهدف تحقيق التوازن بين كفاءة النموذج وتجنب الإفراط في تقدير عدد المعلمات.
كما استخدمت الدراسة مجموعة من أدوات التحليل الديناميكي المرتبطة بنماذج VAR، والتي شملت دوال الاستجابة للصدمات (IRF) وتحليل تجزئة تباين خطأ التنبؤ(FEVD) واختبارات سببية غرانغر إضافة إلى اختبارات استقرار نموذج VAR.
وهدفت هذه المرحلة إلى تحليل ديناميكيات النظام النقدي، وفحص كيفية انتقال الصدمات المرتبطة بالنشاط الرقمي داخل البيئة الاقتصادية، إضافة إلى تقييم توقيت التأثيرات النقدية ومدى مساهمة الإشارات الرقمية والسلوكية في تفسير التضخم والسيولة والتحولات النقدية قصيرة الأجل.
3.6 استخراج الإشارات النقدية باستخدام الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير
بعد الانتهاء من التحليل الاقتصادي القياسي التقليدي، انتقلت الدراسة إلى مرحلة استخراج الإشارات النقدية باستخدام الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير (Explainable AI Monetary Signal Extraction)، بهدف تحليل البنية غير الخطية للإشارات النقدية السلوكية الكامنة داخل بيانات المدفوعات الرقمية. وتنبع أهمية هذه المرحلة من أن العلاقة بين النشاط المالي الرقمي والتضخم قد لا تظهر بصورة كاملة ضمن النماذج الاقتصادية الخطية التقليدية، خاصة في البيئات المالية الرقمية التي تتسم بدرجة مرتفعة من التعقيد الديناميكي والتغير السلوكي المستمر.
ولهذا الغرض، اعتمدت الدراسة على نموذج (XGBoost)نظرًا لقدرته على التعامل مع العلاقات غير الخطية والتفاعلات المعقدة داخل البيانات الاقتصادية والمالية عالية التواتر، إضافة إلى كفاءته في استخراج الأنماط الديناميكية المتغيرة مقارنة بالعديد من نماذج التعلم الآلي التقليدية .(Chen & Guestrin, 2016) كما حظي استخدام نماذج XGBoost وتقنيات XAI باهتمام متزايد في الأدبيات الحديثة المتعلقة بالتحليل المالي والنقدي، نظرًا لقدرتها على تحسين تفسير العلاقات غير الخطية وتعزيز قابلية تفسير نماذج التعلم الآلي (Badrawani, 2025).
وقد تم تقسيم البيانات إلى مجموعة تدريب (80%) ومجموعة اختبار (20%) بهدف تقييم أداء النموذج خارج عينة التقدير والحد من مشكلة الإفراط في التكي.(Overfitting) كما تم تقييم كفاءة النموذج باستخدام معامل التحديد (R²) ومتوسط الجذر التربيعي للخطأ (Root Mean Squared Error: RMSE).
وبعد تقدير النموذج، استخدمت الدراسة تقنية (SHAP) لتحليل اتجاه وحجم تأثير كل متغير داخل نموذج XGBoost، وتحويل نتائج التعلم الآلي من “صندوق أسود” إلى إطار تفسيري اقتصادي ونقدي قابل للتحليل. وتسمح هذه التقنية بفهم كيفية مساهمة المتغيرات النقدية والسلوكية الرقمية في تشكيل مخرجات النموذج، إضافة إلى تفسير الطبيعة غير الخطية والتفاعلية لهذه التأثيرات (Lundberg & Lee, 2017). كما تؤكد الأدبيات الحديثة أهمية استخدام نماذج التعلم الآلي القابلة للتفسير في التحليل الاقتصادي والتنبؤ النقدي، لما توفره من شفافية أعلى وقدرة أفضل على تفسير العلاقات الاقتصادية المعقدة داخل بيئات صنع القرار النقدي والمالي (Buckmann & Joseph, 2023).
وساعدت هذه المرحلة في الكشف عن مجموعة من الأنماط النقدية والسلوكية الكامنة داخل النشاط المالي الرقمي، شملت التأثيرات غير الخطية بين النشاط الرقمي والتضخم، والتحولات السلوكية داخل أنظمة المدفوعات الرقمية، والإشارات النقدية السلوكية المرتبطة بالضغوط الاقتصادية، وديناميكيات السيولة وعدم اليقين داخل النظام المالي الرقمي.
وبذلك، لا يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي في الدراسة على الجانب التنبئي فقط، بل يمتد إلى استخراج وتفسير الإشارات النقدية السلوكية الكامنة داخل البيانات الرقمية عالية التواتر، بما يدعم تطوير أدوات أكثر مرونة للمراقبة النقدية والاستجابة المبكرة للتحولات الاقتصادية داخل البيئات المالية الرقمية الحديثة.
3.7 المساهمة المنهجية للدراسة
تتمثل المساهمة المنهجية الرئيسة للدراسة في تطوير إطار تحليلي هجين يدمج بين الاقتصاد النقدي، والسلوك المالي الرقمي، والبيانات الاقتصادية عالية التواتر، وتقنيات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير (XAI) ضمن نموذج موحد لتحليل الإشارات النقدية السلوكية داخل البيئات المالية الرقمية الحديثة.
وعلى خلاف معظم الدراسات السابقة التي تعاملت مع المدفوعات الرقمية بوصفها مؤشرات للنشاط الاقتصادي أو أدوات لتنفيذ المعاملات المالية، تنظر هذه الدراسة إلى الأنظمة الرقمية باعتبارها مجسات سلوكية مالية (Behavioral Monetary Sensors) قادرة على توليد إشارات نقدية وسلوكية عالية التواتر تعكس التحولات الاقتصادية والضغوط التضخمية والتغيرات المرتبطة بالسيولة وعدم اليقين بصورة شبه آنية.
وتتمثل إحدى الإضافات المنهجية الرئيسة للدراسة في الانتقال من تحليل مستوى النشاط الرقمي إلى تحليل ديناميكيات السلوك المالي الرقمي، من خلال تطوير مجموعة من المؤشرات المشتقة تشمل تقلب النشاط الرقمي (DVOL)، والتحولات السلوكية الرقمية (BSHIFT)، والسيولة الرقمية (DLIQ)، ونمو النشاط الرقمي (DGRTH) وبذلك لا تقتصر الدراسة على قياس حجم المعاملات الرقمية، بل تسعى إلى تحليل أنماط التغير والتقلب والتحولات السلوكية المرتبطة باستخدام أنظمة الدفع الرقمية.
كما تسهم الدراسة في تطوير إطار الإشارات النقدية السلوكية (BMS)، الذي يفترض أن الأنظمة المالية الرقمية لا تنتج بيانات تشغيلية فقط، بل تولد أيضاً إشارات سلوكية ذات دلالات نقدية يمكن توظيفها في دعم المراقبة النقدية والتحليل الاقتصادي. ولتشغيل هذا الإطار عملياً، طورت الدراسة مؤشر الضغوط النقدية السلوكية (MSSI)، الذي يجمع بين المؤشرات السلوكية الرقمية الرئيسة في مقياس تركيبي موحد يعكس تطور الضغوط النقدية والسلوكية داخل البيئة المالية الرقمية.
وعلى المستوى التطبيقي، توسع الدراسة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير داخل الاقتصاد النقدي من خلال دمج نماذج الاقتصاد القياسي التقليدي (VAR, IRF, FEVD) مع نماذج التعلم الآلي التفسيرية XGBoost وSHAP ضمن إطار تحليلي متكامل يسمح بفهم العلاقات الخطية وغير الخطية واستخراج الأنماط السلوكية الكامنة داخل البيانات الرقمية عالية التواتر.
وبصورة عامة، تسهم الدراسة في توسيع الحدود التقليدية للتحليل النقدي من خلال إدخال البعد السلوكي الرقمي ضمن تحليل التضخم والتحولات النقدية، بما يعكس التحول المتزايد نحو الاقتصادات الرقمية القائمة على البيانات عالية التواتر والأنظمة المالية الذكية.
- نتائج الدراسة
4.1 نتائج التحليل البصري الأولي والتحليل الوصفي
4.1.1 نتائج التحليل البصري الأولي
بدأت الدراسة بتحليل بصري أولي لتطورات التضخم والنشاط الرقمي للمدفوعات خلال الفترة الممتدة من أغسطس 2020 إلى فبراير 2026، بهدف استكشاف الأنماط الزمنية العامة للمؤشرات النقدية والرقمية المستخدمة في الدراسة. ويعرض هذا الجزء الاتجاهات الأولية في مؤشر أسعار المستهلك، والنشاط الرقمي للمدفوعات، وتقلبات النشاط الرقمي، والتحولات السلوكية المرتبطة به.
وتُستخدم هذه المرحلة بوصفها فحصًا تمهيديًا يساعد على فهم طبيعة السلاسل الزمنية قبل الانتقال إلى التحليل الوصفي والقياسي اللاحق، دون اعتبارها دليلًا نهائيًا على العلاقات السببية بين المتغيرات.
4.1.1.1 اتجاهات التضخم ونشاط المدفوعات الرقمية
تشير النتائج البصرية في الشكل (1) إلى وجود اتجاه تصاعدي عام لكل من النشاط الرقمي للمدفوعات (LNDPI) ومؤشر أسعار المستهلك (CPI) خلال فترة الدراسة. كما يظهر النشاط الرقمي للمدفوعات درجة أعلى من التذبذب مقارنة بمؤشر الأسعار، الذي يتبع مساراً أكثر استقراراً وتدرجاً. ويعكس ذلك اختلاف الخصائص الديناميكية بين السلسلتين الزمنيتين خلال فترة الدراسة.
الشكل (1): ديناميكيات مؤشر أسعار المستهلك (CPI) ونشاط المدفوعات الرقمية (LNDPI) في الأردن.
يلاحظ كذلك أن النشاط الرقمي للمدفوعات يتسم بتحركات قصيرة الأجل أكثر تكراراً مقارنة بمؤشر أسعار المستهلك، حيث تبدو تقلباته أكثر وضوحاً خلال عدد من الفترات الزمنية. وتشير هذه الملاحظة إلى وجود اختلاف في نمط التغير بين النشاط الرقمي ومؤشر الأسعار، الأمر الذي يستدعي فحص هذه الديناميكيات بصورة أكثر تفصيلاً في التحليلات اللاحقة.
4.1.1.2 ديناميكيات تقلب النشاط المالي الرقمي
بعد استعراض الاتجاه العام للنشاط الرقمي للمدفوعات، تنتقل الدراسة إلى فحص تقلبات النشاط الرقمي (DVOL)، والتي تعكس درجة التذبذب في النشاط المالي الرقمي خلال فترة الدراسة. وبينما يوضح مؤشر النشاط الرقمي للمدفوعات (LNDPI) المستوى العام للنشاط، يركز مؤشر (DVOL) على التغيرات في درجة استقراره عبر الزمن. ويوضح الشكل (2) ديناميكيات تقلب النشاط الرقمي خلال الفترة محل الدراسة.
الشكل (2): ديناميكيات تقلب النشاط للمدفوعات الرقمية(DVOL)
تشير النتائج إلى وجود تباين واضح في مستويات تقلب النشاط الرقمي عبر الزمن، حيث تظهر عدة فترات شهدت ارتفاعات ملحوظة في قيمة المؤشر مقارنة بالفترات الأخرى. كما يلاحظ أن التقلبات لا تتوزع بصورة منتظمة، بل تظهر على شكل موجات متعاقبة من الارتفاع والانخفاض، بما يعكس تغير درجة استقرار النشاط الرقمي خلال فترة الدراسة.
وتوحي هذه الأنماط بوجود اختلافات زمنية في سلوك النشاط المالي الرقمي، حيث تتخلل فترات الاستقرار النسبي فترات أخرى تتسم بدرجة أعلى من التذبذب. وبصورة عامة، تشير النتائج إلى أن النشاط الرقمي لا يتحرك وفق نمط ثابت عبر الزمن، وإنما يمر بمراحل متفاوتة من الاستقرار والتقلب.
4.1.1.3 ديناميكيات التحولات السلوكية للنشاط المالي الرقمي
بعد استعراض الاتجاه العام للنشاط الرقمي للمدفوعات وتقلباته، تنتقل الدراسة إلى تحليل مؤشر التحولات السلوكية (BSHIFT)، والذي يعكس التغيرات في أنماط النشاط المالي الرقمي عبر الزمن. ويوضح الشكل (3) ديناميكيات التحولات السلوكية خلال فترة الدراسة.
الشكل (3): ديناميكيات التحولات السلوكية في النشاط المالي الرقمي (BSHIFT
تشير النتائج إلى وجود تذبذبات متكررة في مؤشر التحولات السلوكية خلال فترة الدراسة، حيث تظهر فترات من الارتفاع والانخفاض بصورة متعاقبة. كما يلاحظ وجود اختلافات واضحة في درجة التحول السلوكي بين الفترات الزمنية المختلفة، بما يعكس تغير نمط النشاط المالي الرقمي عبر الزمن.
وتظهر البيانات أن التحولات السلوكية لا تتبع مساراً ثابتاً، بل تمر بمراحل متفاوتة من الاستقرار والتغير، وهو ما يشير إلى وجود فروقات زمنية في أنماط السلوك المالي الرقمي خلال فترة الدراسة. وبصورة عامة، توضح النتائج أن النشاط الرقمي للمدفوعات يتسم بدرجة ملحوظة من التغير السلوكي عبر الزمن، الأمر الذي يستدعي فحص هذه الديناميكيات بصورة أكثر تفصيلاً في التحليلات اللاحقة.
4.1.2 الإحصاءات الوصفية لمتغيرات الدراسة
بعد استعراض الأنماط البصرية الأولية، تنتقل الدراسة إلى تحليل الإحصاءات الوصفية الخاصة بمتغيرات الدراسة بهدف تقديم صورة أولية عن خصائص البيانات من حيث المتوسطات والتشتت والمدى. ويعرض الجدول (2) الإحصاءات الوصفية للمؤشرات النقدية التقليدية والمؤشرات الرقمية المستخدمة في التحليل.
الجدول (2): الإحصاءات الوصفية للمؤشرات النقدية والإشارات الرقمية السلوكية.
| الانحراف المعياري | أكبر قيمة | أقل قيمة | الوسيط | الوسط الحسابي | المتغير |
| 0.003 | 0.012 | -0.004 | 0.002 | 0.002 | INF |
| 0.767 | 9.210 | 6.800 | 8.045 | 7.920 | IR |
| 0.079 | 10.792 | 10.490 | 10.640 | 10.642 | LNM2 |
| 0.035 | 8.802 | 8.659 | 8.721 | 8.722 | LNCC |
| 0.537 | 22.121 | 20.352 | 21.230 | 21.224 | LNDPI |
| 0.110 | 0.248 | -0.228 | 0.025 | 0.023 | DGTH |
| 0.102 | 0.459 | 0.001 | 0.145 | 0.155 | DVOL |
| 0.104 | 0.258 | -0.217 | 0.004 | 0.016 | BSHIFT |
| 0.061 | 2.524 | 2.343 | 2.436 | 2.436 | DLIQ |
المصدر: إعداد الباحث استناداً إلى البيانات الشهرية للبنك المركزي الأردني والشركة الأردنية لأنظمة الدفع والتقاص (JoPACC) للفترة (2020M08–2026M02).
تشير النتائج الوصفية إلى وجود تباين بين المتغيرات من حيث مستويات التشتت والتغير. فقد بلغ متوسط التضخم الشهري (INF) نحو 0.002 بانحراف معياري بلغ 0.003، في حين بلغ متوسط سعر الفائدة (IR) نحو 7.920 بانحراف معياري قدره 0.767.
كما بلغ متوسط النشاط الرقمي للمدفوعات (LNDPI) نحو 21.224 بانحراف معياري بلغ 0.537، بينما بلغ متوسط نمو النشاط الرقمي (DGTH) نحو 0.023، مع نطاق تغير امتد بين -0.228 و0.248.
وأظهرت مؤشرات السلوك الرقمي تبايناً ملحوظاً، حيث بلغ متوسط مؤشر تقلب النشاط الرقمي (DVOL) نحو 0.155 بانحراف معياري بلغ 0.102، في حين بلغ متوسط مؤشر التحولات السلوكية (BSHIFT) نحو 0.016 بانحراف معياري بلغ 0.104. أما مؤشر السيولة الرقمية (DLIQ)، فقد سجل متوسطاً بلغ 2.436 وانحرافاً معيارياً قدره 0.061.
وبصورة عامة، توضح الإحصاءات الوصفية وجود فروقات في مستويات التشتت والتغير بين المتغيرات النقدية والرقمية المستخدمة في الدراسة، الأمر الذي يوفر مؤشرات أولية حول طبيعة البيانات قبل الانتقال إلى التحليلات القياسية اللاحقة.
4.2 نتائج التحليل القياسي
4.2.1 اختبارات جذر الوحدة واستقرارية السلاسل الزمنية
قبل تقدير النماذج الديناميكية، تم فحص خصائص السلاسل الزمنية لمتغيرات الدراسة باستخدام اختباري (ADF) و (PP) للتحقق من درجة الاستقرار وتحديد رتبة التكامل لكل متغير. ويعرض الجدول (3) نتائج الاختبارات.
جدول 3. نتائج اختبارات جذر الوحدة (ADF) وPP))
| Variable | Test | Level | First Difference | Integration Order |
| INF | ADF | -6.011*** | — | I(0) |
| INF | PP | -5.999*** | — | I(0) |
| IR | ADF | -2.063 | -7.102*** | I(1) |
| IR | PP | -1.340 | -11.563*** | I(1) |
| LNM2 | ADF | 0.537 | -8.437*** | I(1) |
| LNM2 | PP | -0.452 | -8.282*** | I(1) |
| LNCC | ADF | -1.895 | -8.510*** | I(1) |
| LNCC | PP | -1.940 | -8.510*** | I(1) |
| LNDPI | ADF | -0.121 | -12.283*** | I(1) |
| LNDPI | PP | -0.812 | -13.873*** | I(1) |
| DGTH | ADF | -11.713*** | — | I(0) |
| DGTH | PP | -13.932*** | — | I(0) |
| DVOL | ADF | -6.866*** | — | I(0) |
| DVOL | PP | -6.275*** | — | I(0) |
| BSHIFT | ADF | -10.861*** | — | I(0) |
| BSHIFT | PP | -14.997*** | — | I(0) |
| DLIQ | ADF | -0.761 | -9.257*** | I(1) |
| DLIQ | PP | -0.511 | -13.099*** | I(1) |
ملاحظة: *** تشير إلى الدلالة الإحصائية عند مستوى معنوية 1%.
المصدر: إعداد الباحث باستخدام برنامج EViews
تشير نتائج اختباري ADF و PP إلى وجود تباين في درجات تكامل متغيرات الدراسة. فقد تبين أن متغير التضخم (INF)، ومؤشر نمو النشاط الرقمي (DGTH)ومؤشر تقلب النشاط الرقمي (DVOL)، ومؤشر التحولات السلوكية (BSHIFT) مستقرة عند المستوى I(0)
في المقابل، أظهرت النتائج أن سعر الفائدة (IR)وعرض النقد الواسع (LNM2)، والنقد المتداول (LNCC)، ومؤشر النشاط الرقمي للمدفوعات (LNDPI)إضافة إلى مؤشر السيولة الرقمية (DLIQ) غير مستقرة عند المستوى وتصبح مستقرة بعد أخذ الفرق الأول، ما يشير إلى أنها تتبع عمليات تكامل من الدرجة الأولى I(1)
وبصورة عامة، تكشف النتائج عن وجود مزيج من المتغيرات المستقرة عند المستوى والمتغيرات المستقرة بعد الفرق الأول، الأمر الذي يؤكد ملاءمة استخدام النماذج الديناميكية في المراحل اللاحقة من التحليل
4.2.2 اختيار فترات الإبطاء المثلى لنموذج VAR
بعد التحقق من استقرارية السلاسل الزمنية، تم تحديد عدد فترات الإبطاء المناسبة لنموذج VAR باستخدام مجموعة من المعايير الإحصائية الشائعة، بهدف اختيار الهيكل الديناميكي الملائم للنموذج. ويعرض الجدول (4) نتائج معايير اختيار فترات الإبطاء.
جدول 4. نتائج معايير اختيار فترات الإبطاء
| Lag | LR | FPE | AIC | SC | HQ |
| 0 | NA | 1.04e-06 | -5.258 | -5.154 | -5.173 |
| 1 | 380.659 | 1.77e-09 | -11.642 | -11.226* | -11.478 |
| 2 | 20.842 | 1.62e-09 | -11.732 | -11.005 | -11.447 |
| 3 | 30.676* | 1.20e-09 | -12.038 | -11.000 | -11.632* |
| 4 | 14.388 | 1.20e-09 | -12.043 | -10.694 | -11.514 |
| 5 | 16.379 | 1.14e-09 | -12.112 | -10.451 | -11.461 |
| 6 | 15.838 | 1.08e-09* | -12.194* | -10.222 | -11.421 |
* تشير إلى فترة الإبطاء المختارة وفقًا للمعيار الإحصائي.
المصدر: إعداد الباحث باستخدام برنامج EViews
تشير نتائج معايير اختيار فترات الإبطاء إلى وجود تباين بين المعايير الإحصائية المختلفة في تحديد عدد الإبطاءات المثلى لنموذج VAR فقد اقترح معيار SC فترة إبطاء واحدة، في حين أوصى كل من AIC وFPE بفترة إبطاء مقدارها ست فترات، بينما أشار كل من HQ واختبار LR إلى اعتماد ثلاث فترات إبطاء.
واستناداً إلى نتائج المعايير المختلفة، تم اعتماد فترة إبطاء مقدارها 3 بوصفها الخيار الأنسب لتقدير النموذج في المراحل اللاحقة من التحليل.
4.2.3 نتائج تقدير نموذج الانحدار الذاتي المتجه (VAR)
بعد تحديد عدد فترات الإبطاء المثلى، تم تقدير نموذج VAR بهدف فحص العلاقات الديناميكية بين متغيرات الدراسة. ويعرض الجدول (5) النتائج الرئيسة للنموذج.
الجدول (5): نتائج تقدير نموذج الانحدار الذاتي المتجه (VAR)
| المتغير التابع | المتغير المستقل | المعامل | t-Stat. |
| INF | INF(-1) | 0.296 | 2.167 |
| INF | LNDPI(-1) | 0.002 | 0.392 |
| INF | LNDPI(-2) | 0.004 | 0.794 |
| INF | LNDPI(-3) | -0.006 | -1.328 |
| LNDPI | LNDPI(-3) | 0.553 | 5.331 |
| IR | IR(-1) | 1.089 | 8.539 |
| IR | IR(-3) | -0.398 | -3.083 |
المصدر: إعداد الباحث باستخدام برنامج EViews
تشير نتائج نموذج VAR إلى وجود خصائص ديناميكية مختلفة بين متغيرات الدراسة. فقد أظهرت معادلة التضخم (INF) أثراً موجباً ومعنوياً للفترة السابقة من التضخم، حيث بلغ معامل INF(-1) نحو 0.296 بقيمة t بلغت 2.167.
كما أظهرت نتائج معادلة النشاط الرقمي للمدفوعات (LNDPI) وجود أثر موجب ومعنوي عند فترة الإبطاء الثالثة، حيث بلغ معامل LNDPI(-3) نحو 0.553 بقيمة t بلغت 5.331.
أما بالنسبة لسعر الفائدة (IR)، فقد أظهرت النتائج أثراً موجباً ومعنوياً للفترة الأولى من الإبطاء، مقابل أثر سالب ومعنوي للفترة الثالثة.
ومن جهة أخرى، لم تظهر الإبطاءات الخاصة بمؤشر النشاط الرقمي للمدفوعات (LNDPI) أثراً مباشراً ومعنوياً على التضخم، حيث بقيت معاملات LNDPI(-1) وLNDPI(-2) وLNDPI(-3) محدودة الدلالة الإحصائية.
4.2.4 اختبار استقرار نموذج VAR
بعد تقدير نموذج VAR، تم فحص استقرار النموذج باستخدام اختبار الجذور العكسية لكثير الحدود المميز (Inverse Roots of the AR Characteristic Polynomial) للتحقق من صلاحية النموذج للتحليلات اللاحقة. ويُعد النموذج مستقراً عندما تقع جميع الجذور داخل دائرة الوحدة. ويوضح الشكل (4) نتائج اختبار الاستقرار.
الشكل 4. نتائج اختبار استقرار نموذج VAR من خلال مواقع الجذور العكسية بالنسبة لدائرة الوحدة.
أظهرت نتائج اختبار الاستقرار وقوع جميع الجذور داخل دائرة الوحدة، وهو ما يؤكد استقرار نموذج VAR وصلاحيته للاستخدام في التحليلات اللاحقة، بما في ذلك دوال الاستجابة للصدمات (IRF) وتحليل تجزئة تباين خطأ التنبؤ (FEVD).
4.2.5 تحليل دوال الاستجابة للصدمات (IRFs)
بعد التأكد من استقرار نموذج VAR، تم استخدام دوال الاستجابة للصدمات (IRFs) لتحليل استجابة التضخم للصدمات الناتجة عن النشاط الرقمي للمدفوعات عبر الزمن. ويوضح الشكل (5) نتائج استجابة التضخم لصدمة في النشاط الرقمي للمدفوعات.
الشكل 5. نتائج اختبار دوال الاستجابة للصدمات (IRFs) لتحليل التأثيرات الديناميكية للصدمات المفاجئة.
تشير نتائج دالة الاستجابة للصدمات في الشكل (5) إلى أن التضخم (INF) يُظهر استجابة إيجابية محدودة وقصيرة الأجل لصدمة في النشاط الرقمي للمدفوعات (LNDPI) . ويظهر التأثير خلال الفترات الأولى بعد الصدمة قبل أن يبدأ بالتراجع التدريجي مع مرور الزمن.
كما توضح النتائج أن أثر الصدمة يتلاشى تدريجياً خلال الفترات اللاحقة، بما يشير إلى محدودية الأثر طويل الأجل للنشاط الرقمي على التضخم ضمن إطار النموذج المقدر.
4.2.6 تحليل تجزئة تباين خطأ التنبؤ (FEVD)
بعد تحليل دوال الاستجابة للصدمات، تم استخدام تحليل تجزئة تباين خطأ التنبؤ (FEVD) لتقييم المساهمة النسبية لمتغيرات الدراسة في تفسير تقلبات التضخم عبر الزمن. ويعرض الجدول (6) نتائج تحليل FEVD للتضخم.
جدول 6. نتائج اختبار تحليل تجزئة تباين خطأ التنبؤ (FEVD)للتضخم
| Period | S.E. | LNDPI | IR |
| 1 | 0.003 | 0.000 | 0.000 |
| 2 | 0.003 | 0.094 | 0.427 |
| 3 | 0.003 | 1.529 | 1.310 |
| 4 | 0.003 | 1.810 | 1.413 |
| 5 | 0.003 | 1.902 | 1.681 |
| 6 | 0.003 | 2.113 | 1.946 |
| 7 | 0.003 | 2.134 | 2.154 |
| 8 | 0.003 | 2.135 | 2.311 |
| 9 | 0.003 | 2.191 | 2.557 |
| 10 | 0.003 | 2.188 | 2.741 |
| 11 | 0.003 | 2.185 | 2.912 |
| 12 | 0.003 | 2.200 | 3.099 |
المصدر: إعداد الباحث باستخدام برنامج EViews
تشير نتائج تحليل FEVD إلى أن التضخم يحتفظ بدرجة مرتفعة من الاستمرارية الذاتية، حيث يفسر الجزء الأكبر من تباينه المستقبلي من خلال تاريخه السابق.
كما تظهر النتائج مساهمة تدريجية لكل من النشاط الرقمي للمدفوعات (LNDPI) وأسعار الفائدة (IR) في تفسير تقلبات التضخم عبر الزمن. فقد ارتفعت مساهمة النشاط الرقمي من نحو 0.09% في الفترة الثانية إلى نحو 2.20% في الفترة الثانية عشرة، في حين ارتفعت مساهمة أسعار الفائدة تدريجياً لتصل إلى نحو 3.10% خلال الفترة نفسها.
وتشير النتائج إلى تزايد المساهمة التفسيرية لكل من النشاط الرقمي وأسعار الفائدة مع امتداد الأفق الزمني للتنبؤ.
4.2.7 نتائج اختبارات السببية لـ Granger واختبارات Block Exogeneity
بعد تقدير نموذج VAR ، تم استخدام اختبارات Granger Causality وBlock Exogeneity Wald Tests لفحص العلاقات السببية الخطية بين متغيرات الدراسة. ويعرض الجدول (7) نتائج الاختبارات.
جدول 7. نتائج اختبارات السببية
| Dependent Var. | Excluded Var. | Chi-square | df | Probability |
| INF | LNDPI | 1.894 | 3 | 0.595 |
| INF | IR | 2.330 | 3 | 0.507 |
| LNDPI | INF | 1.316 | 3 | 0.725 |
| LNDPI | IR | 6.818 | 3 | 0.078 |
| IR | INF | 3.997 | 3 | 0.262 |
| IR | LNDPI | 1.633 | 3 | 0.652 |
المصدر: إعداد الباحث باستخدام برنامج EView
تشير نتائج هذه الاختبارات Granger Causality وBlock Exogeneity Wald Tests إلى عدم وجود علاقة سببية خطية ذات دلالة إحصائية بين النشاط الرقمي للمدفوعات (LNDPI) والتضخم (INF) ضمن النموذج المقدر.
كما لم تظهر النتائج وجود علاقة سببية معنوية من أسعار الفائدة (IR) نحو التضخم خلال فترة الدراسة. وفي المقابل، أظهرت النتائج دلالة حدية للعلاقة من أسعار الفائدة نحو النشاط الرقمي للمدفوعات عند مستوى معنوية قريب من 10%، حيث بلغت قيمة الاحتمالية 0.078.
وبصورة عامة، لا توفر نتائج الاختبارات دليلاً إحصائياً على وجود علاقات سببية خطية قوية بين المتغيرات محل الدراسة ضمن إطار نموذج VAR المستخدم.
4.3 نتائج استخراج الإشارات النقدية السلوكية باستخدام الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير
بعد الانتهاء من التحليل الاقتصادي القياسي التقليدي، انتقلت الدراسة إلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير (XAI) بهدف تحليل الأنماط الكامنة داخل بيانات المدفوعات الرقمية واستخراج الإشارات المرتبطة بالمتغيرات النقدية والسلوكية. ويستند هذا الجزء إلى نموذج XGBoost وتقنيات SHAP لتحديد الأهمية النسبية للمتغيرات الرقمية وتفسير مساهمتها في النتائج المستهدفة.
ويعرض هذا القسم نتائج نماذج الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير وتحليل الإشارات المستخرجة من البيانات الرقمية عالية التواتر.
4.3.1 نتائج نموذج XGBoost لاستخراج الإشارات النقدية السلوكية
اعتمدت الدراسة على نموذج (XGBoost) باعتباره أحد نماذج التعلم الآلي القادرة على تحليل العلاقات غير الخطية والتفاعلات المعقدة بين المتغيرات الاقتصادية والسلوكية. وتم استخدام التضخم (INF) كمتغير تابع، في حين شملت المتغيرات التفسيرية النشاط الرقمي للمدفوعات (LNDPI)، ونمو النشاط الرقمي (DGTH)، وتقلب النشاط الرقمي (DVOL) ، والتحولات السلوكية (BSHIFT)، والسيولة الرقمية (DLIQ)، إضافة إلى أسعار الفائدة (IR)، وعرض النقد الواسع (LNM2)، والنقد المتداول خارج الجهاز المصرفي (LNCC)
وتم توظيف نموذج XGBoost في هذه الدراسة بهدف تحديد الأهمية النسبية للمتغيرات واستخراج الإشارات النقدية والسلوكية الكامنة داخل البيانات الرقمية، بما يساعد على الكشف عن الأنماط غير الخطية التي قد لا تتمكن النماذج الاقتصادية التقليدية من التقاطها بصورة كاملة. ويبين الشكل (6) نتائج تحليل الأهمية النسبية للمتغيرات داخل نموذج XGBoost
الشكل 6. نتائج تحليل الأهمية النسبية للمتغيرات باستخدام نموذج XGBoost
توضح نتائج الأهمية النسبية للمتغيرات أن عرض النقد الواسع (LNM2) وأسعار الفائدة (IR) يمثلان المتغيرين الأكثر تأثيراً داخل النموذج. كما أظهرت مؤشرات تقلب النشاط الرقمي (DVOL) والتحولات السلوكية (BSHIFT) أهمية نسبية أعلى مقارنة بمؤشر النشاط الرقمي للمدفوعات (LNDPI)
وتشير النتائج إلى وجود تباين في الأهمية النسبية للمتغيرات النقدية والرقمية المستخدمة في النموذج، بما يعكس اختلاف مساهمتها في تفسير التغيرات المرتبطة بالمتغير التابع ضمن إطار التحليل غير الخطي.
4.3.2 تحليل الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير باستخدام SHAP
لتعزيز قابلية تفسير نتائج نموذج XGBoost، اعتمدت الدراسة على تقنية SHAP والتي تسمح بتقدير المساهمة النسبية للمتغيرات في مخرجات النموذج. وقد استُخدمت هذه التقنية لتحليل تأثير المتغيرات النقدية والسلوكية الرقمية وتحديد مدى مساهمة كل منها في النتائج المتوقعة.
الشكل (7): التحليل التفسيري للإشارات النقدية السلوكية (BMS) باستخدام SHAP.
تشير نتائج SHAP إلى وجود تباين واضح في الأهمية التفسيرية للمتغيرات داخل النموذج. فقد أظهرت أسعار الفائدة (IR) وعرض النقد الواسع (LNM2) أعلى مستويات التأثير على مخرجات النموذج مقارنة ببقية المتغيرات.
كما أظهرت مؤشرات تقلب النشاط الرقمي (DVOL) والتحولات السلوكية (BSHIFT) مساهمة تفسيرية ملحوظة مقارنة بمؤشر النشاط الرقمي للمدفوعات (LNDPI)، بما يشير إلى اختلاف الأهمية النسبية بين المؤشرات الرقمية المستخدمة في التحليل.
وتوضح النتائج أن تأثير المتغيرات الرقمية لا يتوزع بصورة متجانسة، بل يختلف من متغير إلى آخر وفقاً لمساهمته النسبية في تفسير مخرجات النموذج. وبصورة عامة، تكشف نتائج SHAP عن وجود فروقات واضحة في الأهمية التفسيرية للمؤشرات النقدية والرقمية المستخدمة في الدراسة.
4.3.3 نتائج مؤشر الضغوط النقدية السلوكية (MSSI)
استكمالاً لإطار الإشارات النقدية السلوكية (BMS)تم بناء مؤشر الضغوط النقدية السلوكية (MSSI) بهدف تجميع الإشارات السلوكية الرقمية المستخرجة من بيانات المدفوعات الرقمية ضمن مؤشر تركيبي موحد. وقد تم احتساب المؤشر بالاعتماد على القيم المعيارية (Z-scores) لكل من نمو النشاط الرقمي (DGTH)، وتقلب النشاط الرقمي (DVOL) والتحولات السلوكية (BSHIFT)، والسيولة الرقمية (DLIQ).
ويعرض الشكل (8) التطور الزمني لمؤشر الضغوط النقدية السلوكية (MSSI) خلال الفترة الممتدة من أغسطس 2020 إلى يناير 2026.
الشكل (8): تطور مؤشر الضغوط النقدية السلوكية (MSSI) خلال الفترة 2020–2026.
توضح نتائج الشكل (8) أن المؤشر شهد تذبذبات ملحوظة خلال فترة الدراسة، مع تسجيل عدد من القمم والانخفاضات التي تعكس تغير مستويات الإشارات السلوكية الرقمية عبر الزمن. كما يظهر المؤشر انتقالات متكررة بين القيم الموجبة والسالبة، بما يشير إلى تباين مستويات الضغوط النقدية السلوكية داخل البيئة المالية الرقمية خلال الفترات المختلفة.
وتبين النتائج أن المؤشر سجل أعلى مستوياته خلال عدد من الفترات التي اتسمت بارتفاع نسبي في قيم بعض مكوناته الرئيسة، وخاصة مؤشرات نمو النشاط الرقمي وتقلباته والتحولات السلوكية المرتبطة باستخدام أنظمة الدفع الرقمية. وفي المقابل، سجل المؤشر قيماً منخفضة خلال فترات أخرى اتسمت بانخفاض نسبي في هذه المكونات.
وبصورة عامة، تشير النتائج إلى أن مؤشر (MSSI) نجح في تجميع الإشارات السلوكية الرقمية المختلفة ضمن مقياس موحد يسمح بمتابعة تطور الضغوط النقدية السلوكية داخل النظام المالي الرقمي عبر الزمن، ويوفر أداة وصفية لقياس التغيرات في الإشارات السلوكية المرتبطة بالنشاط المالي الرقمي عالي التواتر.
- مناقشة وتكامل النتائج:
لا تهدف هذه الدراسة إلى مناقشة كل نتيجة بصورة منفصلة أو معزولة، وإنما إلى تفسير النتائج ضمن إطار تكاملي يربط بين الأدلة المستمدة من التحليل الوصفي والاقتصاد القياسي والذكاء الاصطناعي القابل للتفسير. ونظرًا لأن العديد من النتائج ترتبط بأكثر من فرضية في الوقت نفسه، فقد تم تنظيم المناقشة وفق محاور تحليلية تعكس المراحل الرئيسة للدراسة، بدلاً من مناقشة الفرضيات بصورة منفصلة. ويساعد هذا النهج على تجنب تكرار النتائج، ويوفر فهماً أكثر تكاملاً لكيفية تفاعل المؤشرات النقدية التقليدية والإشارات السلوكية الرقمية داخل البيئة المالية الرقمية.
وبناءً على ذلك، تنقسم المناقشة إلى خمسة محاور رئيسة. يركز المحور الأول على الخصائص السلوكية والديناميكية للإشارات الرقمية، بينما يناقش المحور الثاني الأدلة المستمدة من النماذج الاقتصادية القياسية التقليدية. أما المحور الثالث فيتناول النتائج المستخلصة من الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير، في حين يخصص المحور الرابع لتطوير إطار الإشارات النقدية السلوكية (BMS)، وأخيراً يناقش المحور الخامس الدلالات التطبيقية للمراقبة النقدية الاستباقية وصنع السياسات.
5.1 الإشارات السلوكية الرقمية والخصائص الديناميكية للبيانات
تكشف النتائج المستخلصة من التحليل البصري والإحصائي الأولي عن وجود اختلافات جوهرية بين المؤشرات النقدية التقليدية ومؤشرات السلوك المالي الرقمي المستخدمة في الدراسة. فقد أظهرت بيانات المدفوعات الرقمية درجة أعلى من التذبذب والحساسية مقارنة بالمؤشرات النقدية التقليدية، بما يعكس الطبيعة الديناميكية للبيانات الرقمية عالية التواتر وقدرتها على الاستجابة السريعة للتغيرات الاقتصادية والمالية.
فعلى مستوى النشاط الرقمي للمدفوعات، أظهرت النتائج أن المؤشر لا يتحرك وفق مسار سلس أو تدريجي مشابه للمؤشرات الكلية التقليدية، بل يتسم بتحركات قصيرة الأجل وتعديلات سلوكية متكررة (Micro-adjustments) تعكس التغير المستمر في أنماط استخدام الأفراد والمؤسسات لوسائل الدفع الرقمية. ويشير ذلك إلى أن البيانات الرقمية لا تعكس فقط حجم النشاط المالي، وإنما تعكس أيضاً التغيرات السلوكية المرتبطة بالقرارات المالية اليومية والتوقعات الاقتصادية قصيرة الأجل.
كما أظهرت نتائج تحليل تقلب النشاط الرقمي (DVOL) وجود قمم تقلب (Volatility Spikes) واضحة خلال عدد من الفترات الزمنية، خاصة خلال المراحل التي تزامنت مع تداعيات جائحة COVID-19، وموجات التضخم العالمية، والتشديد النقدي، وارتفاع أسعار الطاقة، إضافة إلى التوترات الاقتصادية والجيوسياسية التي شهدتها المنطقة والعالم خلال فترة الدراسة. ولم تظهر هذه التقلبات بصورة عشوائية، بل اتخذت نمطاً أقرب إلى تجمعات التقلب (Volatility Clustering)، بما يعكس استمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي والسلوكي لفترات ممتدة نسبياً.
وتتفق هذه النتائج مع الأدبيات الحديثة التي تؤكد أن البيانات الرقمية عالية التواتر تتمتع بحساسية مرتفعة تجاه الصدمات الاقتصادية والمالية، وتمتلك قدرة أكبر على التقاط التحولات الاقتصادية بصورة أكثر سرعة مقارنة بالعديد من المؤشرات الاقتصادية التقليدية (Beck et al., 2023; Tissot & de Beer, 2020; Macias et al., 2023).
ومن جانب آخر، كشفت نتائج مؤشر التحولات السلوكية (BSHIFT) عن انتقالات متكررة بين فترات الاستقرار النسبي وفترات التكيف السلوكي المرتفع، وهو ما يشير إلى وجود تحولات سلوكية متعاقبة داخل البيئة المالية الرقمية. وتوحي هذه الأنماط بوجود ما يمكن وصفه بتحولات الأنظمة السلوكية (Behavioral Regime Shifts)، حيث يتغير سلوك المستخدمين تبعاً للتطورات الاقتصادية والنقدية ومستويات عدم اليقين السائدة.
وتعزز نتائج الإحصاءات الوصفية واختبارات جذر الوحدة هذا التفسير، حيث أظهرت المؤشرات السلوكية الرقمية المشتقة، وخاصة DGTH وDVOL وBSHIFT، خصائص زمنية تختلف عن عدد من المؤشرات النقدية التقليدية. فبينما تعكس بعض المتغيرات الكلية مسارات تراكمية تتطور تدريجياً عبر الزمن، تبدو المؤشرات السلوكية الرقمية أكثر ارتباطاً بالتغيرات الآنية وعالية التواتر، وهو ما يعكس سرعة استجابتها للتحولات الاقتصادية والمالية مقارنة بالمؤشرات التقليدية.
وبصورة عامة، تشير هذه النتائج إلى أن البيئة المالية الرقمية لا تولد بيانات تشغيلية مرتبطة بالمدفوعات فحسب، بل تنتج أيضاً أنماطاً سلوكية ومعلومات اقتصادية تتغير بصورة مستمرة استجابةً للظروف الاقتصادية والنقدية. وتوفر هذه الخصائص أساساً مهماً لفهم الدور الذي يمكن أن تؤديه البيانات الرقمية عالية التواتر في تفسير التحولات الاقتصادية قصيرة الأجل، وهو ما يقدم دعماً أولياً للفرضيتين الثانية والرابعة المتعلقتين بالدور التفسيري للتحولات السلوكية الرقمية وأهميتها خلال فترات عدم الاستقرار الاقتصادي.
5.2 الأدلة المستمدة من النماذج الاقتصادية القياسية التقليدية
رغم أن التحليل الوصفي أظهر وجود خصائص سلوكية وديناميكية مميزة للبيانات الرقمية، فإن السؤال الرئيس يتمثل في مدى قدرة هذه المؤشرات على تفسير التطورات التضخمية ضمن الأطر الاقتصادية القياسية التقليدية. ولهذا الغرض، اعتمدت الدراسة على مجموعة من الأدوات الديناميكية شملت نموذج الانحدار الذاتي المتجه (VAR)، ودوال الاستجابة للصدمات (IRF)، وتحليل تجزئة تباين خطأ التنبؤ (FEVD)، إضافة إلى اختبارات سببية غرانغر (Granger Causality Tests)
أظهرت نتائج اختيار فترات الإبطاء أن فترة إبطاء مقدارها ثلاث فترات تمثل الخيار الأنسب للنموذج، وهو ما يشير إلى أن التفاعلات بين النشاط الرقمي والمؤشرات النقدية لا تظهر بصورة فورية بالكامل، وإنما تنتقل تدريجياً عبر الزمن. ويتفق ذلك مع الطبيعة الديناميكية للمتغيرات النقدية والمالية، حيث تتطلب آثار الصدمات والسياسات النقدية عادة عدة فترات قبل أن تنعكس بصورة كاملة داخل الاقتصاد.
كما أظهرت نتائج اختبار الاستقرار وقوع جميع الجذور داخل دائرة الوحدة، بما يؤكد استقرار النظام الديناميكي وصلاحية النموذج للتحليل. وتشير هذه النتيجة إلى أن الصدمات النقدية والرقمية، رغم ما قد تولده من تقلبات قصيرة الأجل، لا تدفع النظام إلى مسارات انفجارية أو اختلالات هيكلية طويلة الأجل، وإنما يتم احتواؤها تدريجياً داخل البيئة الاقتصادية.
وعلى مستوى نتائج VAR، أظهرت المتغيرات النقدية التقليدية، وخاصة أسعار الفائدة وعرض النقد، دوراً أكثر وضوحاً في تفسير التضخم مقارنة بالنشاط الرقمي للمدفوعات. وتنسجم هذه النتيجة مع الأدبيات النقدية التقليدية التي تؤكد الدور المحوري للسيولة والسياسة النقدية في تفسير التطورات التضخمية، كما أوضح Friedman (1961) وSims (1992).
ومع ذلك، لا تعني هذه النتيجة غياب المحتوى المعلوماتي للبيانات الرقمية. فقد أظهرت نتائج دوال الاستجابة للصدمات (IRF) أن التضخم يستجيب بصورة إيجابية ولكن محدودة ومؤقتة لصدمة في النشاط الرقمي للمدفوعات. كما كشفت نتائج تحليل تجزئة تباين خطأ التنبؤ (FEVD) عن مساهمة تدريجية للنشاط الرقمي في تفسير تقلبات التضخم عبر الزمن، حيث ارتفعت مساهمته بصورة متواصلة مع امتداد الأفق الزمني للتنبؤ.
وتحمل هذه النتائج دلالة مهمة، إذ تشير إلى أن النشاط الرقمي للمدفوعات لا يمثل محركاً تضخمياً مباشراً بالمعنى التقليدي، وإنما يعكس انتقالاً تدريجياً لمعلومات وإشارات اقتصادية وسلوكية داخل النظام النقدي. ويتفق هذا التفسير مع ما توصلت إليه دراسات Cavallo and Rigobon (2016)، وGalbraith and Tkacz (2018)، وAprigliano et al. (2019)، وChapman and Desai (2022)، والتي أشارت إلى أن البيانات الرقمية عالية التواتر قد توفر معلومات اقتصادية مهمة مرتبطة بالتضخم والنشاط الاقتصادي دون أن تمثل بالضرورة سبباً مباشراً للتغيرات التضخمية.
وتعزز نتائج اختبارات Granger هذا الاستنتاج، حيث لم تظهر علاقة سببية خطية معنوية بين النشاط الرقمي والتضخم ضمن الإطار التقليدي للنموذج. غير أن غياب السببية الخطية لا يعني غياب القيمة الاقتصادية للمؤشرات الرقمية، بل قد يشير إلى أن طبيعة العلاقات الكامنة داخل البيانات الرقمية أكثر تعقيداً من أن يتم احتواؤها بالكامل ضمن العلاقات الخطية التقليدية.
وبصورة عامة، تشير الأدلة المستمدة من الاقتصاد القياسي التقليدي إلى أن البيانات الرقمية تحمل محتوى معلوماتياً تدريجياً مرتبطاً بالتضخم والبيئة النقدية، إلا أن هذا المحتوى لا يظهر غالباً في صورة علاقات سببية خطية مباشرة. ومن ثم، تقدم هذه النتائج دعماً جزئياً للفرضية الثانية، كما تبرز في الوقت نفسه حدود النماذج الخطية التقليدية في تفسير الأنماط السلوكية والرقمية المعقدة، وهو ما يمهد للانتقال إلى نتائج الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير في القسم التالي.
5.3 أدلة الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير واستخراج الإشارات النقدية السلوكية
أظهرت نتائج النماذج الاقتصادية القياسية التقليدية أن النشاط الرقمي للمدفوعات يحتوي على محتوى معلوماتي مرتبط بالتضخم، إلا أن هذا المحتوى لم يظهر في صورة علاقات سببية خطية مباشرة أو تأثيرات تضخمية قوية ضمن نموذج VAR ومن هنا برزت الحاجة إلى استخدام أدوات أكثر مرونة قادرة على التعامل مع العلاقات غير الخطية والتفاعلات المعقدة داخل البيانات الرقمية عالية التواتر.
وفي هذا السياق، انتقلت الدراسة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير (Explainable Artificial Intelligence – XAI) من خلال نموذج XGBoost وتحليل SHAP بهدف فحص الأنماط غير الخطية الكامنة داخل البيانات الرقمية. وتجدر الإشارة إلى أن الهدف الرئيس من هذا الجزء لم يكن بناء نموذج تنبؤي عالي الدقة، وإنما استخراج الإشارات النقدية والسلوكية الكامنة داخل البيانات الرقمية وتفسيرها اقتصادياً.
وقد أظهرت نتائج XGBoost أن المتغيرات النقدية التقليدية، وخاصة عرض النقد الواسع (LNM2) وأسعار الفائدة (IR)، ما زالت تمثل المصادر الرئيسة لتفسير التضخم داخل النموذج. إلا أن النتائج كشفت في الوقت نفسه عن أهمية تفسيرية ملحوظة لبعض المؤشرات السلوكية الرقمية، وخاصة تقلب النشاط الرقمي (DVOL) والتحولات السلوكية (BSHIFT)
وتحمل هذه النتيجة دلالة مهمة، إذ تشير إلى أن القيمة المعلوماتية للمدفوعات الرقمية لا تكمن فقط في المستوى الإجمالي للنشاط الرقمي (LNDPI)، وإنما في كيفية تغير هذا النشاط وتقلبه وتحوله عبر الزمن. فبينما يعكس المستوى الكلي للنشاط الرقمي حجم الاستخدام، تعكس مؤشرات التقلب والتحولات السلوكية كيفية استجابة الأفراد والمؤسسات للتغيرات الاقتصادية والنقدية والمالية.
وتعزز نتائج SHAP هذا الاستنتاج بصورة أكثر وضوحاً. فقد أظهرت القيم التفسيرية أن تأثير المؤشرات السلوكية الرقمية لا يتحرك ضمن اتجاه خطي ثابت، بل يتغير تبعاً للظروف الاقتصادية والنقدية السائدة. ففي بعض الفترات ارتبطت الزيادات في التقلبات الرقمية بارتفاع الضغوط التضخمية، بينما ارتبطت فترات أخرى بحالات من عدم اليقين والسلوك الاحترازي وإعادة التكيف داخل البيئة المالية الرقمية.
وتتفق هذه النتائج مع ما طرحه Lundberg and Lee (2017)، الذين أوضحوا أن أدوات SHAP توفر إطاراً فعالاً لفهم العلاقات المعقدة داخل نماذج التعلم الآلي وتفسير مساهمة المتغيرات بصورة أكثر عمقاً من الأساليب التقليدية. كما تتسق مع نتائج Badrawani (2025)التي أشارت إلى أن بيانات أنظمة الدفع قد تحتوي على إشارات اقتصادية وسلوكية متغيرة لا يمكن تفسيرها بالكامل من خلال النماذج الخطية التقليدية.
ومن منظور أوسع، توضح هذه النتائج أن سبب محدودية نتائج اختبارات Granger ونموذج VAR لا يتمثل في غياب المحتوى الاقتصادي للبيانات الرقمية، بل في أن جزءاً مهماً من هذا المحتوى يتخذ شكلاً غير خطي ومتغيراً عبر الزمن. وبذلك، لا يمثل الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير بديلاً عن الاقتصاد القياسي التقليدي، وإنما أداة مكملة تسمح بالكشف عن الطبقات السلوكية والاقتصادية التي يصعب رصدها باستخدام العلاقات الخطية وحدها.
وبصورة عامة، تقدم نتائج XGBoost وSHAP دعماً واضحاً للفرضيتين الأولى والثالثة، حيث تؤكد قدرة أدوات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير على استخراج إشارات نقدية وسلوكية ذات مضمون اقتصادي من بيانات المدفوعات الرقمية، كما توضح أن تفسير هذه الإشارات يتطلب نماذج قادرة على التعامل مع العلاقات غير الخطية والتفاعلات الديناميكية المعقدة داخل البيئة المالية الرقمية.
5.4 تطوير وتفسير إطار الإشارات النقدية السلوكية (Behavioral Monetary Signals Framework -BMS)
عند النظر إلى نتائج الدراسة بصورة تكاملية، يتضح أن البيانات الرقمية لا تعمل فقط كمصدر للمعلومات المتعلقة بحجم النشاط المالي، بل تحتوي أيضاً على إشارات سلوكية ونقدية يمكن أن تعكس التحولات الاقتصادية قبل ظهورها الكامل في المؤشرات الكلية التقليدية. ومن هذا المنطلق، تقترح الدراسة إطار الإشارات النقدية السلوكية (BMS) بوصفه إطاراً تفسيرياً يربط بين السلوك المالي الرقمي، والاقتصاد النقدي، والذكاء الاصطناعي القابل للتفسير.
وتستند فكرة الإطار المقترح إلى أن المدفوعات الرقمية لا تمثل مجرد معاملات مالية منفذة إلكترونياً، بل تعكس استجابات الأفراد والمؤسسات للظروف الاقتصادية والنقدية المتغيرة. وقد أظهرت نتائج التحليل أن مؤشرات التقلبات الرقمية (DVOL) والتحولات السلوكية (BSHIFT) تحمل محتوى معلوماتياً أكثر أهمية من المستوى الكلي للنشاط الرقمي نفسه، وهو ما يشير إلى أن التغيرات السلوكية داخل النظام الرقمي قد تكون أكثر دلالة من حجم النشاط المالي المجرد.
كما أوضحت نتائج التحليل الاقتصادي القياسي أن النشاط الرقمي لا يمثل محركاً تضخمياً مباشراً بالمعنى التقليدي، حيث جاءت نتائج السببية الخطية محدودة، في حين أظهرت نتائج IRF وFEVD مساهمة تدريجية ومتراكمة للنشاط الرقمي في تفسير تقلبات التضخم. وتشير هذه النتيجة إلى أن انتقال أثر البيانات الرقمية يتم بصورة غير مباشرة وتدريجية، من خلال قنوات سلوكية واقتصادية تتفاعل مع البيئة النقدية بمرور الوقت.
وتعزز نتائج XGBoost وSHAP هذا التفسير، حيث كشفت أن القيمة المعلوماتية للبيانات الرقمية لا تتركز في حجم النشاط المالي فقط، بل في أنماط التغير والتقلب والتحولات السلوكية المرتبطة باستخدام أنظمة الدفع. كما أظهرت النتائج أن تأثير هذه المؤشرات يتغير تبعاً للظروف الاقتصادية ومستويات عدم اليقين السائدة، وهو ما يعكس الطبيعة غير الخطية والمتغيرة للإشارات النقدية والسلوكية داخل البيئة الرقمية.
كما دعمت نتائج مؤشر الضغوط النقدية السلوكية (MSSI) هذا التفسير، حيث أظهرت القمم المسجلة في المؤشر خلال بعض الفترات ارتفاعاً في مستويات الضغوط النقدية والسلوكية داخل النظام المالي الرقمي. ويشير ذلك إلى أن دمج مؤشرات نمو النشاط الرقمي وتقلباته والتحولات السلوكية والسيولة الرقمية في مؤشر تركيبي موحد يسمح برصد التغيرات السلوكية بصورة أكثر شمولاً مقارنة بالاعتماد على أي مؤشر منفرد. ويمثل هذا المؤشر التطبيق التشغيلي لإطار الإشارات النقدية السلوكية المقترح في الدراسة، من خلال تحويل مجموعة من المؤشرات الرقمية المتفرقة إلى مقياس تركيبي موحد للضغوط النقدية السلوكية.
كما يلاحظ أن عدداً من الارتفاعات المسجلة في مؤشر MSSI تزامن مع فترات اتسمت بارتفاع مستويات عدم اليقين الاقتصادي والتوترات الإقليمية والتشديد النقدي العالمي. وقد أشار البنك المركزي الأردني في تقريره السنوي لعام 2023 إلى استمرار الضغوط التضخمية العالمية وتشديد الأوضاع النقدية العالمية خلال تلك الفترة، إضافة إلى التداعيات الاقتصادية المرتبطة بالحرب على غزة خلال الربع الأخير من العام. كما أشار التقرير السنوي لعام 2024 إلى استمرار التوترات الجيوسياسية الإقليمية واضطرابات التجارة والنقل في البحر الأحمر، بالتزامن مع استمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي.
ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى الإشارات النقدية السلوكية بوصفها مؤشرات عالية التواتر تعكس التفاعلات بين السلوك المالي الرقمي والتطورات الاقتصادية والنقدية. فبدلاً من انتظار صدور المؤشرات الاقتصادية التقليدية التي غالباً ما تعاني من التأخر الزمني، تسمح هذه الإشارات برصد التحولات الاقتصادية بصورة أكثر آنية، من خلال متابعة التغيرات في أنماط الاستخدام الرقمي والتقلبات السلوكية المرتبطة بها.
وتتفق هذه الرؤية مع الاتجاهات الحديثة في الأدبيات التي تؤكد أهمية البيانات الرقمية عالية التواتر في تحسين فهم التحولات الاقتصادية والتضخمية. فقد أشارت دراسات Cavallo and Rigobon (2016)، وKnotek and Zaman (2024)، وBadrawani (2025) إلى أن البيانات الرقمية وأنظمة الدفع تحتوي على محتوى معلوماتي مهم يمكن أن يسهم في تحسين تفسير التطورات الاقتصادية عند دمجه مع أدوات التحليل الحديثة.
وبصورة عامة، تشير النتائج المجمعة للدراسة إلى أن الإشارات النقدية السلوكية لا تمثل بديلاً للمؤشرات النقدية التقليدية، وإنما طبقة معلوماتية إضافية تكملها وتعزز قدرتها التفسيرية.
ومن الناحية المنهجية، تمثل العلاقة بين إطار الإشارات النقدية السلوكية (BMS) ومؤشر الضغوط النقدية السلوكية (MSSI) أحد المخرجات الرئيسة للدراسة. ففي حين يوفر إطار (BMS) الأساس النظري لتفسير كيفية تولد الإشارات النقدية والسلوكية من البيانات الرقمية عالية التواتر، يمثل مؤشر (MSSI) الأداة التشغيلية التي تحول هذا الإطار المفاهيمي إلى مقياس كمي قابل للرصد والتتبع عبر الزمن. وبذلك، لا يقتصر إسهام الدراسة على تطوير إطار تفسيري جديد، بل يمتد إلى تقديم أداة تطبيقية لقياس الضغوط النقدية السلوكية داخل البيئة المالية الرقمية.
كما تقدم النتائج دعماً تكاملياً للفرضيات الأربع للدراسة، وتؤكد أن الجمع بين البيانات الرقمية عالية التواتر والذكاء الاصطناعي القابل للتفسير يوفر إطاراً واعداً لفهم التحولات النقدية والسلوكية داخل الاقتصادات الرقمية الحديثة.
5.5 الدلالات التطبيقية والمراقبة النقدية الاستباقية (Proactive Monetary Surveillance)
تحمل نتائج الدراسة مجموعة من الدلالات التطبيقية المهمة للبنوك المركزية وصناع السياسات النقدية، خاصة في ظل التوسع المتسارع في استخدام أنظمة الدفع الرقمية وتزايد حجم البيانات المالية عالية التواتر. وتشير النتائج إلى أن البيانات الرقمية لا تقتصر أهميتها على دعم أنظمة الدفع والتسويات المالية، بل يمكن أن تشكل مصدراً إضافياً للمعلومات الاقتصادية والنقدية يساعد في تعزيز عمليات المراقبة والتحليل واتخاذ القرار.
وقد أظهرت نتائج الدراسة أن البيانات الرقمية تحتوي على إشارات سلوكية ونقدية تتفاعل مع التطورات الاقتصادية بصورة أسرع من العديد من المؤشرات التقليدية. كما كشفت النتائج أن مؤشرات التقلبات الرقمية والتحولات السلوكية توفر معلومات إضافية حول التغيرات في البيئة الاقتصادية، بما يسمح برصد بعض التحولات الاقتصادية والضغوط النقدية بصورة أكثر آنية مقارنة بالاعتماد الحصري على المؤشرات الكلية التقليدية.
ومن هذا المنطلق، تشير النتائج إلى إمكانية توظيف الإشارات النقدية السلوكية المستخرجة من بيانات المدفوعات الرقمية ضمن أطر المراقبة النقدية الاستباقية (Proactive Monetary Surveillance – PMS)، بحيث تُستخدم بوصفها أدوات مساندة للمؤشرات النقدية التقليدية في دعم عمليات المتابعة والتقييم المستمر للظروف الاقتصادية والنقدية.
وتنسجم هذه الرؤية مع الاتجاه الحديث في أدبيات التقدير الآني (Nowcasting) والمراقبة الاقتصادية في الوقت الحقيقي، والذي يؤكد أهمية دمج البيانات عالية التواتر والبيانات مختلطة التواتر (Mixed-Frequency Data) في عمليات التحليل الاقتصادي. فقد أوضحت دراسات Mariano and Ozmucur (2021)، وCimadomo et al. (2022)، وAliaj et al. (2023)، وZheng et al. (2024) أن استخدام البيانات عالية التواتر يسهم في تحسين سرعة اكتشاف التحولات الاقتصادية وتقليص فجوات التأخر الزمني المرتبطة بالمؤشرات التقليدية.
كما تتوافق نتائج الدراسة مع التوجهات الحديثة الواردة في تقارير بنك التسويات الدولية (BIS) والبنك المركزي الأوروبي (ECB)، والتي تؤكد تزايد أهمية البيانات الرقمية والذكاء الاصطناعي القابل للتفسير في تطوير أنظمة المراقبة الاقتصادية والنقدية في الوقت الحقيقي. وتشير هذه التقارير إلى أن التكامل بين البيانات الرقمية وأدوات التحليل المتقدمة يمكن أن يعزز قدرة البنوك المركزية على رصد التطورات الاقتصادية والتعامل مع حالات عدم اليقين بصورة أكثر مرونة وسرعة.
وفي السياق الأردني، تشير نتائج الدراسة إلى أن التوسع المستمر في استخدام أنظمة الدفع الرقمية يوفر فرصة مهمة لتطوير أدوات مساندة للمراقبة النقدية تعتمد على البيانات المحلية عالية التواتر. ويمكن الاستفادة من المؤشرات السلوكية الرقمية في دعم عمليات التحليل والمتابعة، إلى جانب المؤشرات النقدية التقليدية، بما يسهم في تكوين صورة أكثر شمولاً عن التطورات الاقتصادية والمالية.
وبصورة عامة، تشير نتائج الدراسة إلى أن دمج البيانات الرقمية عالية التواتر مع أدوات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير يوفر إطاراً واعداً لتعزيز المراقبة النقدية وتحسين فهم التحولات الاقتصادية قصيرة الأجل. كما تدعم النتائج التوجه نحو بناء أنظمة مراقبة نقدية أكثر استباقية ومرونة، تجمع بين المؤشرات التقليدية والإشارات السلوكية الرقمية ضمن إطار تحليلي متكامل يتلاءم مع متطلبات الاقتصادات الرقمية الحديثة.
6. الدلالات السياسية وتطبيقات المراقبة النقدية
تشير نتائج الدراسة إلى أن بيانات المدفوعات الرقمية تمثل مصدراً متزايد الأهمية للمعلومات النقدية والسلوكية عالية التواتر، بما يتيح للبنوك المركزية توسيع نطاق أدواتها التحليلية وتعزيز قدرتها على رصد التحولات الاقتصادية والضغوط التضخمية بصورة أكثر سرعة وديناميكية. وقد أوضحت النتائج أن مؤشرات التقلبات الرقمية والتحولات السلوكية، وخاصة DVOL وBSHIFT، تحتوي على محتوى معلوماتي يتجاوز ما تعكسه أحجام المعاملات الرقمية الإجمالية، الأمر الذي يبرز أهمية مراقبة ديناميكيات السلوك المالي الرقمي إلى جانب المؤشرات النقدية التقليدية.
وفي هذا السياق، تدعم الدراسة تطوير أنظمة المراقبة النقدية الاستباقية (PMS) التي تعتمد على دمج البيانات الرقمية عالية التواتر مع أدوات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير (XAI) ويمكن أن تسهم هذه الأنظمة في استخراج الإشارات النقدية والسلوكية المرتبطة بالتغيرات في السيولة والضغوط التضخمية والتحولات السلوكية بصورة أكثر آنية مقارنة بالمؤشرات التقليدية منخفضة التواتر.
كما تشير النتائج إلى أن محدودية العلاقات السببية الخطية بين النشاط الرقمي والتضخم لا تعني غياب المحتوى النقدي للبيانات الرقمية، بل تعكس الطبيعة غير الخطية والمعقدة لهذه العلاقات. ومن ثم، فإن الاعتماد الحصري على النماذج الاقتصادية التقليدية قد يقلل من القدرة على التقاط الإشارات السلوكية الكامنة داخل الأنظمة المالية الرقمية الحديثة.
وعلى المستوى التطبيقي، يمكن للبنوك المركزية دمج مؤشرات مثل DVOL وBSHIFT ضمن لوحات مراقبة نقدية رقمية (Digital Monetary Dashboards) تُستخدم لرصد فترات ارتفاع عدم اليقين الاقتصادي والسلوكي، والتغيرات المفاجئة في أنماط الدفع والإنفاق، والإشارات المبكرة المرتبطة بالسيولة والضغوط التضخمية. كما يمكن توظيف هذه المؤشرات ضمن نماذج التقدير الآني والتحليل النقدي قصير الأجل، خاصة خلال فترات الصدمات الاقتصادية والتوترات الجيوسياسية.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في الاقتصادات النامية والتحولية التي تشهد توسعاً متسارعاً في استخدام الأنظمة المالية الرقمية بالتزامن مع ارتفاع تعرضها للصدمات الخارجية. وفي الحالة الأردنية، تشير النتائج إلى أن التوسع المستمر في استخدام المدفوعات الرقمية يوفر فرصة لتطوير أدوات مساندة للمراقبة النقدية تعتمد على البيانات المحلية عالية التواتر وتدعم عملية صنع القرار النقدي.
كما تدعم نتائج الدراسة التوجه نحو إنشاء وحدات متخصصة لتحليل البيانات المالية الرقمية باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير، بما يسهم في الانتقال التدريجي من أنظمة المراقبة النقدية التفاعلية (Reactive Monetary Monitoring) إلى أنظمة المراقبة النقدية الاستباقية في الوقت الحقيقي (Real-Time Monetary Surveillance) وتنسجم هذه النتيجة مع الاتجاهات الحديثة في أدبيات التقدير الآني والمراقبة النقدية الرقمية، كما أشارت إليه تقارير BIS الحديثة ودراسات Cavallo and Rigobon (2016)، وKnotek and Zaman (2024)، وBadrawani (2025).
- الخلاصة:
هدفت هذه الدراسة إلى تحليل قدرة بيانات المدفوعات الرقمية على استخراج إشارات نقدية وسلوكية مرتبطة بالتضخم والتحولات الاقتصادية قصيرة الأجل داخل الاقتصاد الأردني، وذلك من خلال دمج أدوات الاقتصاد القياسي التقليدي مع تقنيات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير.
وأظهرت النتائج أن النشاط المالي الرقمي يعكس أنماطًا معلوماتية وسلوكية يمكن أن تسهم في تفسير الضغوط التضخمية والتحولات النقدية، إلا أن طبيعة هذه العلاقة تبدو أكثر تعقيدًا من أن تُفسَّر بالكامل باستخدام النماذج الخطية التقليدية. كما كشفت النتائج أن مؤشرات التقلب والتحولات السلوكية الرقمية، خاصة DVOL وBSHIFT، تمتلك قيمة تفسيرية أعلى من المستوى الخام للنشاط الرقمي، بما يشير إلى أن الإشارات النقدية الكامنة داخل الأنظمة الرقمية ترتبط بدرجة أكبر بأنماط السلوك والتقلبات الديناميكية.
كما أوضحت نتائج XAI أن النشاط المالي الرقمي يعكس أنماطًا نقدية وسلوكية غير خطية قابلة للتفسير اقتصاديًا، وهو ما يدعم فكرة أن البيانات الرقمية قد تساعد في رصد التحولات الاقتصادية والضغوط التضخمية بصورة أكثر سرعة مقارنة بالمؤشرات النقدية التقليدية وحدها.
منهجيًا، تسهم الدراسة في تطوير إطار الإشارات النقدية السلوكية (BMS)،الذي يدمج بين الاقتصاد النقدي والسلوك المالي الرقمي وتقنيات XAI ضمن مقاربة تكاملية للمراقبة النقدية الاستباقية. كما تقدم الدراسة دليلًا إضافيًا على أهمية دمج البيانات الرقمية والذكاء الاصطناعي القابل للتفسير داخل أنظمة التحليل النقدي الحديثة.
وبصورة عامة، تشير النتائج إلى أن البنوك المركزية قد تستفيد من دمج الإشارات السلوكية الرقمية وأدوات XAI داخل أنظمة المراقبة النقدية الحديثة، بما يعزز قدرتها على رصد الضغوط الاقتصادية والتضخمية بصورة أكثر سرعة ومرونة داخل البيئات المالية الرقمية سريعة التغير.
- التوصيات
استنادًا إلى نتائج الدراسة، يمكن تقديم مجموعة من التوصيات المرتبطة بتطوير أنظمة المراقبة النقدية والتحليل الاقتصادي داخل البيئات المالية الرقمية الحديثة.
أولًا، توصي الدراسة بدمج البيانات الرقمية عالية التواتر ضمن أنظمة المراقبة النقدية والتحليل الاقتصادي في الوقت الحقيقي، نظرًا لقدرتها على التقاط التحولات الاقتصادية والسلوكية بصورة أسرع مقارنة بالمؤشرات النقدية التقليدية منخفضة التواتر.
ثانيًا، تدعم النتائج تطوير لوحات مراقبة نقدية رقمية (Digital Monetary Dashboards) تعتمد على مؤشرات السلوك المالي الرقمي، خاصة DVOL وBSHIFT، بهدف تعزيز القدرة على رصد الضغوط التضخمية والتحولات المرتبطة بالسيولة والسلوك الاحترازي بصورة مبكرة وأكثر ديناميكية.
ثالثًا، توصي الدراسة بتوسيع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير (XAI) داخل وحدات التحليل النقدي، بما يساعد على تفسير الأنماط الاقتصادية والسلوكية غير الخطية المرتبطة بالنشاط المالي الرقمي وتحسين كفاءة التحليل النقدي قصير الأجل.
رابعًا، تشير النتائج إلى أهمية الاستثمار في البنية التحتية الرقمية وأنظمة البيانات المالية عالية التواتر، بما يعزز جودة البيانات الاقتصادية ويدعم تطوير أنظمة المراقبة النقدية القائمة على التحليل اللحظي للبيانات.
خامسًا، تدعم الدراسة تطوير أنظمة إنذار مبكر تعتمد على البيانات السلوكية الرقمية وتقنيات XAI، بما يعزز قدرة البنوك المركزية وصناع السياسات على الاستجابة المبكرة للصدمات الاقتصادية والنقدية داخل البيئات المالية الرقمية سريعة التغير.
وأخيرًا، توصي الدراسة بتشجيع المزيد من البحوث التطبيقية التي تربط بين الاقتصاد النقدي والسلوك المالي الرقمي وتقنيات الذكاء الاصطناعي، خاصة في الاقتصادات النامية والتحولية، بهدف تطوير نماذج أكثر قدرة على تفسير التفاعلات النقدية والسلوكية داخل الأنظمة المالية الرقمية الحديثة.
- محددات الدراسة:
على الرغم من المساهمة المنهجية والتحليلية التي تقدمها هذه الدراسة، إلا أن هناك عددًا من القيود التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند تفسير النتائج.
أولًا، اعتمدت الدراسة على عينة شهرية محدودة نسبيًا تغطي الفترة الممتدة من أغسطس 2020 إلى فبراير 2026. ورغم أن البيانات عالية التواتر تساعد في التقاط الديناميكيات النقدية والسلوكية قصيرة الأجل، إلا أن محدودية حجم العينة قد تؤثر على الاستقرار التنبئي لبعض النماذج الاقتصادية ونماذج التعلم الآلي، خاصة ضمن الأطر غير الخطية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
ثانيًا، ركزت الدراسة على الأردن كحالة تطبيقية منفردة، وهو ما قد يحد من إمكانية تعميم النتائج على اقتصادات أخرى تختلف في هياكلها المالية والنقدية ومستوى تطور أنظمة المدفوعات الرقمية فيها. ومع ذلك، تمثل الحالة الأردنية مثالًا مهمًا لاقتصاد نامٍ يشهد تحولًا ماليًا رقميًا متسارعًا في بيئة اقتصادية ونقدية حساسة نسبيًا للصدمات الخارجية.
ثالثًا، اعتمدت الدراسة بصورة رئيسية على مؤشرات كلية مجمعة للنشاط الرقمي، دون استخدام بيانات تفصيلية على مستوى المستخدمين أو القطاعات الاقتصادية المختلفة. وبالتالي، قد لا تكون بعض الأنماط السلوكية المرتبطة بالاستهلاك أو التجارة الإلكترونية أو السلوك القطاعي قد انعكست بالكامل داخل التحليل.
رابعًا، ورغم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير (XAI)، بقي الإطار التطبيقي مقيدًا بطبيعة البيانات وحجم العينة المحدود نسبيًا، وهو ما انعكس جزئيًا في الأداء التنبئي لنموذج XGBoost وتشير هذه النتيجة إلى أن العلاقات غير الخطية المرتبطة بالتضخم والإشارات السلوكية الرقمية ما تزال شديدة التعقيد ضمن البيئات المالية الرقمية سريعة التغير.
خامسًا، ركزت الدراسة على بيانات المدفوعات الرقمية كمصدر للإشارات النقدية السلوكية، دون إدخال بعض المؤشرات الرقمية الأخرى التي قد تحمل محتوى معلوماتيًا إضافيًا، مثل بيانات التجارة الإلكترونية، أو المحافظ الإلكترونية، أو مؤشرات الثقة الرقمية، أو بيانات التمويل المالي الرقمي (FinTech Credit)، وذلك بسبب محدودية توافر البيانات.
وأخيرًا، فإن الطبيعة المتغيرة والمتسارعة للأنظمة المالية الرقمية تعني أن العلاقات السلوكية والنقدية المرتبطة بالمدفوعات الرقمية قد تتغير بمرور الوقت مع تطور التكنولوجيا المالية وتغير سلوك المستخدمين والأطر التنظيمية. وعليه، ينبغي تفسير نتائج الدراسة ضمن السياق الزمني والاقتصادي الخاص بالفترة التي تغطيها الدراسة.
ورغم هذه القيود، تقدم الدراسة مساهمة استكشافية مهمة في دمج الاقتصاد النقدي والسلوك المالي الرقمي وأدوات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير ضمن إطار تحليلي للمراقبة النقدية الاستباقية، بما يفتح المجال أمام تطوير أبحاث مستقبلية أكثر توسعًا وعمقًا في هذا المجال المتسارع.
10. التوجهات البحثية المستقبلية:
في ضوء نتائج الدراسة وحدودها المنهجية، يمكن توجيه البحوث المستقبلية نحو اختبار إطار الإشارات النقدية السلوكية (BMS) في اقتصادات أخرى، ومقارنة أداء الإشارات الرقمية المستخرجة من أنظمة الدفع المختلفة، إضافة إلى توظيف نماذج أكثر تقدماً من الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير لتحسين فهم العلاقات النقدية والسلوكية داخل البيئات المالية الرقمية.