القوة السيبرانية فى السياسة الخارجية الإسرائلية تجاه إيران (2010- 2020)

لعبت القوة العسكرية على مدار التاريخ دوراً في تحقيق أهداف السياسة الخارجية للدول ، و كان ذلك يؤدى إلى نتائج كارثية ، ولتجنب البشرية الدمار الشامل الذى يمكن أن يصيبها ، و تم التوصل إلى القوة الناعمة عندما بدأ الفكر الاستراتيجي في البحث عن أدوات ووسائل أكثر عقلانية ، وأكثر جاذبية وقبولاً على مستوى التوظيف ، ومع تعقيد النظام الدولى ، وتداخل المصالح للدول الكبرى ، وتغيير موازيين القوى ، وظهور العديد من الفاعليين الدوليين وغير الدوليين على الساحة الدولية ، ومن هنا أصبحت العديد من الدول تفكر فى التوازن بين استخدام القوة الصلبة والناعمة لكى تحافظ على وزنها في النظام الدولي ، الأمر الذى دعا إلى وجود مجال جديد في العلاقات الدولية وهو مفهوم القوة السيبرانية باعتبارها استراتيجية متكاملة للجمع بين القوة الصلبة والناعمة ، والاستخدام الحكيم للضغط عند الضرورة .[1]

ترتب على هذه القوة ما يعرف بالهجمات الإلكترونية،  وخصوصاً في عالمنا اليوم باتت التكنولوجيا تفوق الخيال ، وأصبحنا فى مواجهة التكنولوجيا الحاسوبية من خلال الضغط على زر الاختراق والتجسس ، ارتكاب أفعال تقنية خطيرة مضرة عبر الوسائل الافتراضية ، وتأتى إسرائيل في مقدمة الدول الأبرع فى إستخدام القوة السيبرانية ، وظهر ذلك من خلال هجماتها الإلكترونية التى شنتها خلال السنوات القليلة الماضية ، وبدأت في توظيف هذه القوة في سياستها الخارجية تجاه عده دول من بينهم إيران ، وذلك من أجل تحقيق أهدافها ومصالحها القومية ، وبدأ الصراع السيبراني يظهر على الساحة الدولية ، وبذلك أصبحت قضية القوة السيبرانية تلقي اهتماماً متصاعداً على أجندة الأمن الدولى ، وذلك من أجل مواجهة تصاعد التهديدات الإلكترونية .[2]

ومن المتوقع أن يشهد القرن 21 إنتشاراً أكثر للأسلحة الإلكترونية ، وخاصة فى ظل التقدم في مجال الذكاء الاصطناعى ، والتطور التكنولوجى ، فعصرنا الحالى هو عصر سيبراني ، حيث لم يعد امتلاك الدول الكبرى للأموال والثروات والقدرات العسكرية كافياً لبلورة دورها كقوة فاعلة ومؤثرة فى النظام الدولى ، بل لابد من امتلاك السلاح التكنولوجي ، ويأتي هنا دور وأهمية الدراسة في التعرف على ماهية القوة السيبرانية ، وكيفية توظيفها في السياسة الخارجية لإسرائيل تجاه إيران . [3]

المشكلة البحثية:

تكمن المشكلة البحثية في قدرة الدولة الإسرائيلية على الحفاظ على نفوذها المهيمن والقوي فى النظام الدولي على الرغم من تعرضها لتهديدات سيبرانية ، الأمر الذى أدى إلى التحول نحو القوة السيبرانية التي أثبت أنها لا تقل أهمية وفاعلية عن القوة الصلبة ، أى أن التغيير الذى شهده الشرق الأوسط تحديداً لا يعنى نهاية للنفوذ الإسرائيلي في المنطقة ، بل هو مرحلة جديدة تدار بأساليب تكنولوجيا جديدة تلائم واقع المنطقة وتحاول إسرائيل توظيف القوة السيبرانية لتحقيق أهداف سياستها الخارجية ، باعتبارها استراتيجية متكاملة تسعى إلى الجمع بين القوة الصلبة والناعمة ، وبالتالي تقوم الدراسة بمعالجة أهم القضايا على الساحة الدولية وتأثيرها على سياسات الدولة الإسرائيلية تجاه إيران ، فنحن نحاول استكشاف وتحديد معالم الحرب السيبرانية التي تدار حالياً.

ومن هنا يمكن صياغة السؤال البحثي الرئيسي : كيف وظفت إسرائيل القوة السيبرانية في سياستها الخارجية تجاه إيران ؟

  الأسئلة الفرعية:

  • ما هي القوة السيبرانية وتأثيرها على العلاقات الدولية ؟
  •  كيف استغلت إسرائيل الفضاء الإلكتروني من أجل تعزيز قوتها السيبرانية ؟
  • ما هي التحديات والتهديدات السيبرانية التي تواجه إسرائيل ؟
  • كيف أثرت القوة السيبرانية على العلاقات الإسرائيلية الإيرانية ؟

أهمية الدراسة:

الأهمية العلمية /

تكتسب هذه الدراسة أهميتها العلمية من خلال طبيعة الموضوع الذى تعالجه باعتبار أن القوة السيبرانية هي ظاهرة حديثة على الساحة الدولية ، فنحن نعيش الآن في ظل الثورة التكنولوجية والتى لم تعد تأثيراتها إيجابية فقط ولكن لها آثار سلبية جسيمة وأدت إلى انتهاء عصر احتكار القوة .

الأهمية العملية /

تسهم هذه الدراسة  في لفت نظر صناع القرار إلى مدى خطورة القوة السبرانية ، وضرورة التعامل معها بجدية واتخاذ الخطوات لمواجهة الحرب الإلكترونية التي تهدد حياة البشرية بأكملها وتسهم أيضاً في فهم الأسس التي تقوم عليها العلاقات الإسرائيلية الإيرانية في ضوء القوة السيبرانية.

أهداف الدراسة:

تقديم إطار نظري يعالج موضوع القوة السيبرانية من حيث المفهوم والفواعل الرئيسية و العناصر وأنماط الاستخدام.

كيف استطاعت إسرائيل توظيف القوة السيبرانية في سياستها الخارجية تجاه إيران.

تحليل الآثار المترتبة للقوة السيبرانية على العلاقات الإسرائيلية الإيرانية .

تحديد الدراسة:

التحديد الزماني: تبدأ فترة الدراسة من عام 2010 ، مع ظهور فيروس ستاكسنت ، ويعتبر بمثابة تحول في مجال الأسلحة الإلكترونية ، حيث أثر على عملية تخصيب اليورانيوم للمفاعل النووي الإيراني.

التحديد المكاني: تعد إسرائيل من أكثر الدول تفوقاً في مجال القوة السيبرانية وقد شنت هجمات كثيرة على إيران بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية.

الأدبيات السابقة :

تتضمن الأدبيات السابقة ثلاثة اتجاهات رئيسة وهم ، أولاً: الأدبيات التى تناولت موضوع القوة فى العلاقات الدولية . ثانياً: الأدبيات التى تناولت السياسة الخارجية الإسرائيلية ومحدداتها . ثالثاً: الأدبيات التى تناولت القوة السيبرانية في السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه إيران ، وختاماً توجيه رؤية نقدية للأدبيات السابقة.

أولاُ:الاتجاه الأول: الأدبيات التى تناولت القوة فى العلاقات الدولية :

يتضمن هذا الأتجاه الأدبيات التي تختص بتطور مفهوم القوة في العلاقات الدولية ، حيث تأكد بعض الدراسات على تراجع المفهوم التقليدى للقوة المتمثل فى القوة الصلبة ، ثم ظهور القوة الناعمة ومع التطور التكنولوجي ظهرت القوة السيبرانية بشكل فعال ومؤثر على الساحة الدولية.

  • 1.الاتجاه الأول :الدراسات المتعلقة بتطور القوة فى العلاقات الدولية :

تناولت بعض الأدبيات التركيز على دور القوة في العلاقات الدولية كأداة من الأدوات التي تقوم الدولة باستخدامها من أجل تحقيق مصالحها وترسيخ وجودها وتعزيز قيمتها ، فهي المحرك الأساسي داخل إطار النظام الدولي ، وذلك بالتطبيق على الدور الأمريكي كنموذج في امتلاك القوة ، وتبرز إشكالية الدراسة في أن القوة تعد من وسائل الإكراه والإجبار إلا أنها في نفس الوقت أداه ضبط ومنع لسيطرة الدول على بعضها البعض، واستخدمت الدارسة المنهج الواقعي من أجل التأكيد على أن القوة هي الأساس في ثبات الدولة ومؤسسة الحكم، وتوصلت الدراسة إلى مجموعة من النتائج أهمها أن القوة لم تقتصر فقط على المفهوم العسكرى التقليدي ، بل أن القوة العسكرية هي جزء من قوى متعددة وشاملة ، وبالتالى الدولة التي لا تمتلك

القوى الشاملة تعد ضعيفة ، ولا يكون لها أثر في العلاقات الدولية ، وأن اهتمام العالم بالقوة الناعمة كان نتاج التطور في القوة ، ومن النتائج أيضاً،أن الاستخدام المفرط للقوة سوف يؤدى إلى فجوة كبيرة بين الدول ، حيث تم إثبات صحة فرضية هذه الدارسة وهي أن ثمة علاقة ارتباطية بين مفهوم القوة في العلاقات الدولية وبين إمكانيات الدولة وقدراتها في تحقيق المصالح والقرارات. [4]

ركزت بعض الدراسات على القوة العسكرية ومحدداتها الداخلية والخارجية من أجل فرض الإرادة وحفظ مصالح الدول ، ومع تزايد السباق نحو التسلح يزيد الاهتمام بالجانب العسكري من أجل توسيع دائرة امتلاك أسلحة الدمار الشامل، وبناء ميزان قوى دولي جديد ، وتكمن إشكالية الدراسة في تأثيرالتغيرات التي عرفها مفهوم القوة على شكل وطبيعة العلاقات الدولية ، و استخدمت الدراسة المنهج التاريخي من أجل تتبع التطور في مفهوم القوة في العلاقات الدولية ، وتوصلت الدراسة إلي أن ارتفاع تكلفة القوة الصلبة مادياً وبشرياً ، وعدم قدرة القوة الناعمة على أن تعمل بمفردها ، تم التوصل إلى مفهوم جديد للقوة في العلاقات الدولية يجمع بين كلتا القوتين الصلبة والناعمة وذلك في إطار استراتيجيات جديدة ، و جاء ذلك من واقع العلاقات الدولية التي أثبت صعوبة التركيز على القوة الناعمة فقط دون أن يكون ورائها قوة صلبة من أجل تحقيق أهداف السياسة الدولية ، ونتيجة لثورة المعلومات والقدرة الفائقة على التطور التكنولوجي أصبح لدينا ما يعرف بالقوة الإلكترونية ، حيث جعلت بعض الفاعلين الأصغر في السياسة الدولية لديهم قدرة كبيرة على ممارسة أدوار دولية عبر الفضاء الإلكتروني.[5]

كما تناولت بعض الدراسات التركيز مفهوم القوة الناعمة الذى ابتكره جوزيف ناي وعرفها بأنها القدرة على الحصول على ما تريد من الآخرين بالإقناع اعتماداً على القيم السياسية والثقافية ، وجاء هذا النوع من القوة بسبب انتشار الاعتداءات على سيادة الدول الضعيفة في الساحة الدولية ، وتكمن مشكلة الدراسة في أن قدرة القوة الناعمة  تفوق الصلبة في تحقيق الأهداف على المستوى الدولي، وتوصلت الدراسة إلى عده نتائج أهمها أن يمكن للدولة إستخدام كافة السوائل المختلفة التي تبدو وكأنها قوة ناعمة ولكن الغرض منها الإكراه كاستعمال الوسائل الاقتصادية بغرض العقوبات ، وتؤكد الدراسة أنه لا يمكن الاعتماد على القوة الصلبة فقط أو الناعمة فقط في الوقت الحالي وخاصة مع تداخل المصالح الكبرى وتغير ميزان القوى ، وذلك بالتركيز على مفهوم القوة الذكية ، من أجل أن تحافظ الدولة على وزنها في النظام الدولي ، وبالحديث عن دولة تركيا فهي تعتمد بالأساس على البعد الديني السني وعلى الدبلوماسية الإنسانية ، حيث إن القوة من غير ضمير ستؤدي إلى الاستبداد ، والضمير من غير القوة سيؤدي إلى الضعف .[6]

درست بعض الأدبيات أثر التحول في مفهوم القوة على العلاقات الدولية  حيث نتج عن هذا التغير المحورى القوة الافتراضية ، فالدول التي ليس لها جيوش ضخمة ولا اقتصاد قوي يمكن أن تكون قوية من خلال هذه القوة ، وتستخدم إسرائيل أشكال القوة في كافة علاقاتهم بالفلسطنيين ، وهم بارعون في طرق توظيف واستخدام القوة الذكية ، وتكمن مشكلة الدراسة في كيفية أثر التحول في مفهوم القوة على طبيعة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، واستخدمت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي من أجل رصد وجمع المعلومات عن القوة الإسرائيلية والفلسطينية ،ثم يتم التحليل والمقارنة على المجتمع الدولي ، واستخدمت أيضا النظرية الواقعية من أجل تحليل السياسة الإسرائيلية على أساس أن هناك صراعاً من أجل القوة ، وتوصلت الدراسة إلى أن الدول لا تتوقف عن زيادة عناصر وأشكال قوتها حتي وإن وصلت أعلى درجات القوة ، وبالرغم من التطور الكبير على القوة بأنواعها المختلفة إلا أنه لم يلغ أى شكل سابق للقوة ، حيث تعد القوة الناعمة شكلاً مكملاً لباقي الأنواع الأخرى مثل القوة الصلبة والافتراضية ، وأن القوة ليست محدداً ومعروفاً فيمكن إنتاج أى نوع جديد من القوة من أجل التأثير على الآخرين ، ومن النتائج أيضاً أن العالم أصبح متداخلاً بشكل لا تستطيع دولة أن تمتلك كل موارد القوة ، لأن الدولة لكي تكون قوية لابد من شرعية دولية ورأى عام عالمي، وتأثرت العلاقات بشكل كبير بتحولات القوة ، وأصبحت الدول الصغيره تمتلك القوة الافتراضية، ولإسرائيل عناصر قوة خاصة بها مثل المنظمة اليهودية ساعدها على أن تكون أقوى الدول في العالم .[7]

ركزت بعض الأدبيات على دور الدبلوماسية الشعبية في دعم القوة الناعمة، حيث لها دور كبير في تكوين الرأى العام ، فهي تشمل كافة الطرق التي يمكن من خلالها الوصول إلى المواطنين والتأثير في آرائهم، وهي أيضاً وسيلة هامة لتعزيز الديمقراطية الغربية ، والأمن والاستقرار الاقتصادى ، وتوصل جوزيف ناى في التسعينات  إلى أن الولايات المتحدة تدعم القوةالناعمة في سياستها الخارجية ، وذلك نتيجة للثورة التكنولوجية وتأثيرها القوى على السياسية الدولية ، والذى فرض على الدول عنصر المصداقية والشفافية في التحركات الخارجية .[8]

  1. 2. الاتجاه الثاني:الدراسات المتعلقة بالتكنولوجيا وأثرها فى مفهوم القوة:

درست بعض الأدبيات تطور مفهوم القوة في العلاقات الدولية المعاصرة حيث تعد القوة أساساً محورياً لمعرفة مدى إمكانيات الدول وقدرتها على أن تكون مؤثرة في السياسة الدولية ، وخاصة محدد القوة العسكرية، فالدول التي تستطيع التأثير في السياسة الدولية هي التي تمتلك أكبر حجم من الجيوش المجهزة بأحدث الأسلحة ، فتساعدها قوتها العسكرية على حماية أمنها، ولكن أصبح مفهوم القوة العسكرية غير كافياً لتحديد ما إن كانت الدول قوية أم لا ، وذلك بسبب تطور العلاقات الدولية ووجود أنواع جديدة من القوة، فمن العوامل الأخرى لتعريف القوة: القوة الاقتصادية وحجم الثروة المنتجة و المساحة الجغرافية، وطبيعة القيادة السياسية ، وتوصلت الدراسة إلى عدة نتائج  أهمها أن القوة الناعمة والذكية والإلكترونية بمثابة أدوات من الممكن توظيفها من طرف الدول التي تمتلك مقومات القوة الصلبة فى عالم متسم بالتنافس الدولي، فهذه القوى تفتح آفاقاً أمام الدول الصغيرة الحجم أو التي لا تمتلك إمكانيات هائلة لمنافسة الدول الكبرى.[9]

ركزت بعض الأدبيات على تأثير القوة الذكية في العلاقات بين الدول  وركزت هذه الدراسة على أن القوة الذكية تقوم على الجمع بين القوة الصلبة والناعمة وليس الفصل بينهم ، وتركز القوة الذكية على أهداف الإطار الإقليمي والدولي وعلى اتجاهات السكان في المناطق المستهدفة من استخدام هذه القوة ، و تكمن المشكلة البحثية في أسباب ظهور مفهوم القوة الذكية وأهمتيها بالمقارنة بباقي القوى ، واستخدمت الدراسة منهج دراسة قوة الدولة بتحقيق أهداف السياسة الخارجية ، حيث يتم دراسة القوة عبر مراحل معينة تركز على تحويل إمكانيات وموارد الدولة إلى إمكانيات ملموسة يمكن من خلالها تحقيق أهداف السياسة الخارجية ، وتوصلت الدراسة إلى عدة نتائج منها أن مفهوم القوة الذكية ليس جديداً بل إنه مفهوم يحمل في طياته أدوات القوة الأخرى ، وتختلف القوى الإقليمية عن القوى العالمية من حيث خصوصيات استخدام القوة الذكية ، ويتم قياس القوة من خلال التحركات التي تستخدم فيها الموارد التي تمتلكها الدولة ، ولابد من ربط القوة بمدى فاعليتها في تحقيق الهدف من استخدامها وليس بمعرفة ما تمتلكه الدولة من أدوات ، ولذلك تدخل أهمية التخطيط الاستراتيجي والتكنولوجيا في استخدام أى من أدوات القوة . [10]

تناولت بعض الدراسات تأثير القوة السيبرانية على الاستراتيجيات الأمنية للدول الكبرى هناك ربط بين الفضاء السيبراني والأمن الدولي وذلك من خلال توسع الدول الكبرى في تبنى الحكومة الإلكترونية مما يؤدي إلى الهجمات السيبرانية ، ويعطي الفضاء السيبراني فرصاً للدول الصغيرة باستخدام حرب غير متكافئة، ولم يقتصر امتلاك القوة السيبرانية على الجهات الحكومية بل امتد للجهات غير الحكومية ، فالعصر الحالي أزاح العديد من عناصر القوة التقليدية ، واستخدمت الدراسة المنهج التاريخي وذلك من أجل تتبع مسار تطورالقوة السيبرانية ، وتوصلت الدراسة إلى عدة نتائج أهمها أن الفضاء السيبراني يعد ساحة جديدة للصراع بشكله التقليدي ولكنه ذو طابع سيبراني ، وأن تعدد فواعل القوة السيبرانية وزيادة أعداد مستخدمي الإنترنت والتطور الهائل في استخدام التكنولوجية في إدارة كافة شئون الدولة يؤدي إلى انتشار نقاط الضعف التي يمكن مهاجمتها ، ومن النتائج أيضاً أنه كلما زادت القوة السيبرانية كلما أثر ذلك إيجابياً على الاستراتيجية الأمنية للدولة .[11]

درست بعض الأدبيات أثر التكنولوجيا في تحولات القوة  حيث ساهم العلم بشكل كبير في تغيير موازين القوى خلال العصور المختلفة ، ويؤكد جوزيف ناي أنه يمكن الحصول على النتائج المطلوبة والتأثير في سلوكيات الفاعلين دون اللجوء إلى القوة ، وهناك عناصر أساسية أنتجتها ثورة المعلومات وهي المعلومة والفضاء الإلكتروني والطابع الإلكتروني، وتستخدم الدول الفضاء الإلكتروني لاعتبارات الأمن والقوة العسكرية ، ويعتبر الصراع الإلكتروني أحد أوجه الصراع الدولي ، وأصبحت القوة الإلكترونية حقيقة أساسية في العالم  وتعمل على دعم ومساندة العمليات الحربية والقوة السياسية ، وتتضمن القوة تغطية لكافة القضايا المتعلقة بالتفاعلات الدولية ، فعلى الرغم من ضآلة حجم هذه القوة إلا أنها تسبب خسائر فادحة على كل المستويات ، وأن وضع أطر حاكمة لاستخدامات القوة الإلكترونية يعمل على تحقيق الأمن الشخصي والدولي لجميع الفواعل الدولية.[12]

ركزت بعد الأدبيات على أبعاد القوة الإلكترونية وتأثيرها في التفاعلات الدولية  لقد استطاعت كثير من الدول توظيف التكنولوجيا الحديثة فى تعظيم قوتها ، وأصبح لدينا القوة الإلكترونية التي جعلت  لدى بعض الفاعلين الأصغر في السياسة الدولية قدرة كبيرة على ممارسة كل من القوة الصلبة والناعمة من خلال الفضاء الإكتروني ، وتوصل الباحث إلى العديد من النتائج أهمها أن الدولة مازالت هي الفاعل الرئيسي في العلاقات الدولية وذلك بما تمتلكه من قدرات مالية وتكنولوجية ، ولكن ليست الفاعل الوحيد أو المحتكر الفعلي للقوة الإكترونية ، فيشاركها العديد من التنظيمات الرسمية وغير الرسمية قادرين أيضاً على توظيف أدوات التكنولوجيا الحديثة ، ونجحت الولايات المتحدة في توظيف القوة الإلكترونية من أجل خدمه أهدافها السياسية والعسكرية ، ولكنها مازالت تتعرض لهجمات إلكترونية برغم هذا التطور الهائل.[13]

ولكن بوجه عام يمكن القول: إنه توجد ندرة في الدراسات التي تناولت مفهوم القوة السيبرانية ، وذلك نظراً لحداثة المفهوم ، ويترتب على ذلك عدم تحديد معايير ثابتة لاستخدام تكنولوجيا المعلومات ، والتى تشكل هجمات سيبرانية أثناء النزاعات المسلحة ، مما يتيح استخدام القوة العسكرية كخيار ضروري بالمرتبة الأولى ، برغم الخسائر المادية والبشرية المترتبة على هذه القوة ، وكانت أغلب الدراسات نظرية ولكن يمكن الاعتماد عليها فى الشق النظرى من الدراسة ، وقد استفاد الباحث من هذا الاتجاه فى التعرف على مسار تطور مفهوم القوة فى العلاقات الدولية وصولاً إلى نشأه مفهوم القوة السيبرانية وتطبيقاتها على مستوى الدول الكبرى فى النظام العالمي ، وكيف استطاعت تلك الدول في تغيير سياستها بالكامل بعد ظهور التكنولوجيا وثورة المعلومات ، التي ساهمت في تغيير توازن القوى الدولية .

ثانياً:الاتجاه الثاني : الأدبيات التي تناولت محددات وأدوات السياسة الخارجية الإسرائيلية:

درست بعض الأدبيات  خصائص السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه دول إفريقيا  حيث انطلقت السياسة الخارجية لدولة إسرائيل من مبادئ ثابتة من أجل ضمان الأمن القومي الإسرائيلي  ، ولذلك يعد الأمن من أهم وابرز ملامح سياستها، حيث تعمل على تثبيت وجودها كدولة طبيعية ذات سيادة في بيئة إقليمية محاطة بالمخاطر والتهديدات ، وبعد انتهاء الحرب الباردة وماترتب عليها من متغيرات إقليمية وعالمية تمكنت إسرائيل تعزيز علاقاتها بعدد من الدول الإفريقية ، وتستند إسرائيل على مؤسساتها الرسمية وغير الرسمية من أجل تحقيق كافة أهدافها ، ويظهر التوجه البرجماتي بقوة في سياسات إسرائيل الخارجية وذلك من خلال خلق تحالفات استراتيجية قوية من أجل فرض هيمنتها الإقليمية وذلك بالتحالف مع الولايات المتحدة ، والحد من الدور الإيراني في المنطقة ، إلا أن هناك تحديات كثيرة تواجه سياستها من أهمها ظهور فواعل جديدة في قارة أفريقيا ، وتركز الاستراتيجية الإسرائيلية على صياغة العقيدة السياسية لنظمها السياسي وقوتها العسكرية .[14]

ركزت بعض الدراسات على محددات السياسية الخارجية الإسرائيلية وتتمثل المحددات الداخلية التي تؤثر على سياسة إسرائيل الخارجية في الأقليات اليهودية في إفريقيا ومحاولات إسرائيل لتهجير اليهود الأفارقة حتي لا تعانى من مشكلة ديموجرافية بداخلها ، وهناك محددات إقليمية وخارجية تؤثر أيضاً على سياسة إسرائيل الخارجية فيعد النفوذ الإيراني في إفريقيا من أهم المحددات الإقليمية ، حيث أعلنت القيادة السياسة في إسرائيل إستعدادها الكامل لمواجهة إيران في المستقبل القريب ، وتعد تداعيات الحادى عشر من سبتمبر من أهم عوامل المحددات الخارجية ، فنتج عنها تأكيد التحالف الاستراتيجي بين إسرائيل والولايات المتحدة ، وبالتالي أثرت تلك المحددات على السياسة الخارجية في إفريقيا بشكل عام ، وتم التركيز أيضاً في هذه الدراسة على مدى قدرة أجهزة صنع القرار في التأثير على سياسة إسرائيل الخارجية ، فتلعب السلطة التشريعية ( الكنيست) دوراً هاماً في عملية صنع القرار ، ويرتكز نظام الحكم في إسرائيل من الناحية الشكلية على النظام البرلماني ولكن الغلبة للسلطة التنفيذية ، ويعد رئيس الوزراء الإسرائيلي الشخصية الأولى المؤثرة فى رسم وتخطيط السياسة الخارجية ، وأن طبيعة القرار محكوم  بالأساس بالمصالح الإسرائيلية من أجل تحقيق الأهداف الاستراتيجية.[15]

تناولت بعض الدراسات دور المؤسسة العسكرية في صنع السياسة الخارجية الإسرائيلية حيث يرتبط جهاز الاستخبارات ( الموساد) في إسرائيل بعلاقات وطيدة مع الأجهزة الاستخباراتية في العالم ، فتعد المؤسسة العسكرية إمتداداً لعدد من التنظيمات المسلحة ولها دور كبير في كافة أوجه الحيله السياسة ، ومن الأسباب التي ساعدت على هيمنة هذه المؤسسة هو الانقسام في المجتمع الإسرائيلي ، والتعدد الحزبي وتحول الجيش إلى مؤسسة مستقلة ، ومطامع الصهيونية لأسباب عقائدية ، وبما أن قيام دولة إسرائيل جاء على أساس نظرية الأمن الإسرائيلي ، أدى ذلك إلى جعل المؤسسة العسكرية هي اليد العليا في صنع السياسة الخارجية العسكرية، والذى ساعد على تزايد دورها أيضاً هو عدم وجود دستور مكتوب ينص على تبعية القوات المسلحة للقيادة السياسية ، وتعد القوة العسكرية هي الأسلوب الوحيد لمواجهة المقاومة العربية من أجل تحقيق الأهداف الصهيونية ، وللمؤسسة العسكرية دور أيضاً في خلق القيادات السياسية، فلا يوجد فصل بين الأمن والدبلوماسية ، أو بين السياسة الأمنية والخارجية ، الأمر الذى جعل المؤسسة العسكرية محددة للسياسة العامة في إسرائيل .[16]

درست بعض الأدبيات تأثير الأصول اليهودية في السياسة الخارجية الإسرائيلية  حيث توجد قابلية لاستجابة المطالب الخاصة بجماعات المصالح التي تقع في وسط ويمين التشدد في السياسة الخارجية للإسرائيل ، مثل جماعات الاستيلاء على الأقصى ، وتؤثر مثل هذه الجماعات من خلال التأثير على القرارات السياسية للأحزاب وصناع القرار في الحكومة وأيضاً للأحزاب السياسية دور في تشكيل السياسة ، ولكن الفاعل الرئيسي في ممارسات السياسية الخارجية الإسرائيلية فهي السلطة الأمنية العسكرية ، وتمارس سلطتها من خلال الائتلافات الحكومية المتعاقبة ، وتعد القوى الأصولية القومية  هي الفاعلة بشكل أكبر في السياسية إسرائيل الخارجية ، وتعد السياسية الرئيسية التي تحكم علاقة إسرائيل بمصر هي السياسة العسكرية الأمنية .[17]

ركزت بعض الدراسات على السياسة الخارجية الإسرائيلية من منظور الصراع العربي الإسرائيلي  حيث ارتكزت الاستراتيجية الإسرائيلية على القوة العسكرية والتقدم العلمي ، ويرى ” حاييم لاسكوف” رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق : أن تطوير العلاقات بين إسرائيل ودول شرق إفريقيا سيحقق لها مكاسب استراتيجيها تساعدها على تقوية الضعف المتمثل في موقعها المحاط بالدول العربية المضادة لها ، وكان للصراع العربي الإسرائيلي دوره الكبير في التسوية السلمية وتوقيع اتفاقيات السلام ، الأمر الذى أثر على العلاقات بين الدول الأفريقية وإسرائيل ، وأصبحت بعد ذلك القارة الأفريقية جزءاً من مشروع الحركة الصهيونية الذى توقف نتيجة موت مؤسس الحركة هيرتزل، ولكن مازالت تتمحور مهمة إسرائيل الأساسية في إيجاد بيئة مناسبة لنشأة الكيان الصيهوني ضمن وجوده ودعمه ، وبالتالي أصبح هذا الصراع أهم محدد للسياسة الخارجية ، واتبعت إسرائيل وسائل عديدة لتحقيق أهدافها في إفريقيا تمثلت في الدعم الاقتصادى والعسكري والدعاية الإسرائيلية والمساعدات الفنية .[18]

درست بعض الأدبيات أثر المتغيرات الإقليمية علي السياسة الخارجية الإسرائيلية  حيث شهد النظام الإقليمي العديد من التطورات التي تمثلت في اندلاع ثورات الربيع العربي ، والتي كانت تمثل تهديد للسياسة الخارجية الإسرائيلية ، وأدت الثورات العربية إلى غياب الدولة الوطنية وضُهر عدد كبير من التنظيمات المسلحة ومنها تنظيم ” داعش” وهذا يمثل تهديد لإسرائيل في توجيه ضربات ضد أهداف يهودية خارج الشرق الأوسط ، وتمثلت المتغيرات الإقليمية أيضاً في إيران باعتبارها دولة إسلامية ترفع شعار ينزع الشرعية عن الكيان الصهيوني ، ولكن مصدر التهديد الأساسي لإسرائيل هو البرنامج النووى الإيراني ، وأيضاً استمرار الأزمة السورية والتخوف من صعود الإسلاميين أو أن يحدث تحالف بين إيران وبشار الأسد وحزب الله ، وفي الحالتين يمثل ذلك تهديداً واضحاً لسياسية إسرائيل الخارجية ، ولذلك تبنت إسرائيل الحل العسكري للتعامل مع إيران لعدم ثقتها في أن الدبلوماسية سوف تجعل إيران تتخلي عن قدراتها النووية .[19]

تناولت بعض الأدبيات على طبيعة خصائص الدولة الإسرائيلية التي تسهم في تشكيل سياستها الخارجية  حيث توصلت الدراسة إلى نتائج أهمها أن دولة إسرائيل ضعيفة في طبيعتها ، ولكنها تستمد قوتها من الإسناد الدولي والضعف العربي ، وأن العلاقات إسرائيل مع الدول الكبرى لا تتأثر جوهرياً بالرئيس الحاكم ، وأن الوضع الدولي الراهن فى صالح إسرائيل بسبب الهيمنة الأمريكية على المؤسسات الدولية ، وأن الملف النووى الإيراني لم يضعف علاقة إسرائيل بالدول الكبرى ، وأن الثورات العربية هي البيئة الأفضل استراتيجياً منذ قيام دولة إسرائيل، وتهتم بالحفاظ على خصوصيتها ونجحت في التفوق العسكري على جميع الأعداء المحتملين ، وبهذا فرقت بين القدرة والتفوق ، وبين النمو والاعتماد على الذات ولكن ثوابتها التاريخية والثقافية غير قادرة على الصمود في وجه التحديات. [20]

ركزت بعض الدراسات على  تأثير الصهيونية على السياسية الخارجية الإسرائيلية ، حيث لم يعد الدين سبباً مستقلاً للصراع بين الدول ، بل أنه متغير مهم يشكل سلوك النزاع بين الدول ، حيث إن انفتاح السياسة الديمقراطية يعطي للأنظمة الدينية الفرصة لمتابعة أهدافها السياسية بشكل فعال ، حيث قام المتعصبون القوميون الدينيون بتأسيس لاهوت سياسي أعطى معني مستوحى من الدين لغزو الأراضي الفلسطينية ، وأصبح من التقاليد اليهودية التي خصت الاستيطان في أرض إسرائيل ، ومن هنا شكلت الصهيونية الدينية السياسية الخارجية الإسرائيلية ، حيث كانت الصهيونية عاملاً متدخلاً في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ، فالمجتمع الإسرائيلي شديد الاستقطاب حول مسألة الدين.[21]

ولكن بوجه عام يمكن القول: إنه لم تركز هذه الدراسات على كيفية توظيف إسرائيل القوة السيبرانية في سياستها الخارجية ، وهو ما سوف تتناوله الدراسة بالتركيز على الإمكانيات الدولة الإسرائيلية وكيفية توظيف ذلك في سياستها الخارجية تجاه إيران  في جميع القضايا التي ظهرت على الساحة الدولية منذ فيروس ستاكسنت حتي يومنا هذا ، فجاءت أغلب الدراسات لتتحدث عن الملف النووى الإيراني فقط دون التطرق إلى قضايا أخرى ذات أهمية بالغة أيضاً ، ولم تتطرق إلى الجمع بين الأدوات المختلفة فى إطار هذه القوة ، وقد استفاد الباحث فى معرفة دور الأصول اليهودية والصهيونية والصراع العربي الإسرائيلي فى تحركات إسرائيل، وكيفية قيام تلك العوامل بتشكيل السياسية الخارجية الإسرائيلية تجاه الدول العربية، ومعرفه مدى تأثير الأديان السماوية على النظام السياسي بشكل عام وداخل إسرائيل بشكل خاص ، وتناولت دراسة عدة طبيعة وخصائص إسرائيل وهذا ما يجب التعمق فيه داخل الدراسة لكي نتمكن من معرفة أساليب وسياسات الدولة الخفية التي تستخدمها ضد العديد من الدول العربية .

ثالثاً:الاتجاه الثالث : الأدبيات التي تناولت القوة السيبرانية في السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه إيران.

ركزت بعض الأدبيات على تأثير الفضاء الإلكتروني على التفاعلات الدولية  حيث اعتمدت إسرائيل على الأسلحة الإلكترونية ليس لهدف تدميري بل من أجل تحقيق عنصر المفاجأة ، وذلك لشل قدرة إيران على الرد ، فغياب الحدود المكانية والزمنية هو أهم ما يميز الفضاء الإلكتروني مقارنة بالسلاح التقليدي ، وتؤكد الدراسة على أن المواجهات الإلكترونية موضوع متصل بالقوى الكبرى وبعضها البعض ، وبالتالي تعدد الاستراتيجيات التي تتبعها الدول في مجال الدفاع الإلكتروني، ولذلك قامت إسرائيل بشن العديد من الحملات العسكرية على كل من لبنان وإيران وغزة لفرض سيطرتها على المنطقة ، مما جعل إيران تستغل الفضاء الاكتروني تطوير قدرتها في المجال السيبراني كساحة جديدة لتحقيق مصالحها أيضاً، وجاء ذلك نتيجة تعرض كل من إسرائيل وإيران للعديد من الهجمات عام 2009 ، وقام حزب الله عام 2006 أثناء الحرب اللبنانية الثانية بمحاولة إحباط الاعتداءات الإسرائيلية بالدبابات عن طريق زرع خارقة للدروع بعيدة المدى ، فأصبح حزب الله يستطيع تعقب الاتصالات اللاسلكية للجيش الإسرائيلي ومعرفة مسار العمليات والتكتيكات الخاصة به ، واعتبر جيش الدفاع الإسرائيلي هذا الأمر بمثابة خطورة كبيرة على أمن إسرائيل وقدراتها الإلكترونية.  [22]

درست بعض الأدبيات تأثير الأبعاد العسكرية للقوة السيبرانية على الأمن القومي للدول  أن إسرائيل تعتمد على قدرتها التكنولوجية وتقدمها فى صناعة البرمجيات على خلق فيروسات ، وبرامج خبيثة ، يتم استخدامها من أجل شن هجمات على الدول المعادية ، ولذلك قامت بإنشاء فيروس ستاكسنت من أجل تعطيل ما يقرب من1000جهاز طرد مركزي ، وهو ما أثر على عملية تخصيب اليورانيوم للمفاعل النووى الإيراني وجاء ذلك بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية ، وهنا أصبح الردع النووى نموذج تقليدى مثل ما تملكه إيران ،وفي عام 2000 قام فريق من القراصنة بحذف محتويات موقع حزب الله بعد أسر جنود إسرائيلين، وتم الرد بهجمات مماثلة على مواقع إسرائيلية، فشهد هذا العام هجمات إلكترونية بين حركة حماس وحزب الله وإسرائيل، والقاعدة الأساسية هنا أن كلما زادت القوة التدميرية للسلاح ، كلما قل استخدامه ، ولكن على عكس ذلك تماما في الردع فى الفضاء الإلكتروني ، ويرجع ذلك بسبب اختلاف البيئة التي تعمل فيها الإنترنت ، حيث نجد صعوبة شديدة فى معرفة الطرف المعتدي ، ويمثل الإرهاب الإلكتروني تهديداً لسياسية الخارجية الإسرائيلية ، حيث تعرضت بالفعل عدة بنوك في تل أبيب للعديد من الاختراقات من جانب إيران .[23]

تناولت بعض الدراسات استراتيجية الردع الإسرائيلية والحرب الاستباقية الوقائية ، حيث تنظر إسرائيل لإيران على أنها عدو استراتيجي ، وترى أن برنامجها النووي بمثابة تهديد وجودي لبقائها، لأن إيران دولة راعية للإرهاب ،وبالتالي ضغطت إسرائيل على واشنطن لتحريضها سراً وعلانية على البرنامج النووي الإيراني، ومن هنا بدأت تل أبيب في قصف المنشآت النووية الإيرانية، و استفاد الإسرائيليون كثيراً من الضغوط الراهنة التي تتعرض لها إيران ، ووجهوا ضد قواتها ضربات عسكرية متعددة في سوريا ، وتواصلوا مع الروس على إبعاد القوات الإيرانية من الوجود بمقربة من مناطق النفوذ الإسرائيلية بالقرب من الحدود السورية، وخاصة منطقة الجولان المحتلة، كما استهدفت إسرائيل  أيضاً عام 2007 المفاعل النووي بمنطقة الكبر بدير الزور بسوريا ، وسبب زيادة حدة الصراع بين الدولتين هو رغبة إيران في تحقيق التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل ، ولكن تريد إسرائيل أن تكون الدولة النووية الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط.[24]

ركزت بعض الأدبيات على سعي كل من الدولتين إسرائيل وإيران في القيام بعمليات سيبرانية مستمرة ، وهذا نتيجة فشل الجانبين لوضع تهديدات رادعة ذات مصداقية ، وعلى الرغم من ذلك فإن كلا الجانبين يكافحان من أجل إيجاد خط ردع محدد ، وذلك من أجل الحفاظ على الأمن النسبي ، فالسلوك بينهم مدفوع بالاستراتيجية ، ونتيجة ذلك تقوم إسرائيل باستخدام القوة السيبرانية ربما من أجل مكافحة انتشار وتعطيل المفاعل النووي أو من أجل تدمير القدرة النووية الإيرانية ،وبالتالي استطاعت إسرائيل التعرف أماكن البرامج غير المشروعة للحكومة الإيرانية ، وترتب على ذلك حدوث تفجيرات في منشأة تصنيع الصواريخ البالستية الجماعية فى عام2020، وقامت إسرائيل أيضاً بشن العديد من العمليات السيبرانية من أجل فشل الجانب الصناعي في البنية التحتية الرئيسية، ولذلك ستظل التفاعلات بين إسرائيل وإيران مستمرة بشكل أكثر حدة عن قبل .[25]

أكدت بعض الدراسات على الدور الإسرائيلي المهيمن على ساحة الفضاء السيبراني في الشرق الأوسط ، حيث تهيئ إسرائيل الرأى العام للحديث عن حرب سيبرانية تدور في العالم الافتراضي، ويتبع الباحث المنهج الوصفي من أجل توضيح الخطوات التي قامت بها إسرائيل في السنوات العشر الأخيرة ،وتتعاون تكنولوجياً كل من إسرائيل والولايات المتحدة من أجل القيام بعمليات سيبرانية عسكرية مشتركة ضد إيران، ونتج عن ذلك فيروس ( ستوكسنت) وهو برنامج تدميري لضرب نظم التحكم الصناعية وذلك من أجل منع إيران من امتلاك برنامج نووي، لأن إسرائيل تخشى احتمال نجاح إيران في التسلل إلى قلب التكنولوجيا الاستخباراتية السيبرانية الأكتر سريعة لديها ، واحتمال امتلاك الإيرانيين القدرة على التحكم في الطائرات الإسرائيلية من دون طيار كما حدث فى2006  فكان للدور الإيراني أثر كبير بجانب حزب الله فى استهداف صواريخ البارجة ،وتوصلت الدراسة إلى أن سبب تقدم إسرائيل في الفضاء السيبراني هو وجود تهديد خطير يتمثل في إعداد افتراضيين يحيطون بها، وقد تمكن القدرات الهجومية السيبرانية إسرائيل من التنصل عن اعتداءات شنتها أو قد تشنها مستقبلاً ، وبذلك لن تستطيع الكيانات المعتدى عليها اتهامها بصورة مقنعة .[26]

ولكن بوجه عام يمكن القول: إن بعض الدراسات لم تسرد بشكل كافي الهجمات السيبرانية التي شنتها إسرائيل تجاه إيران ، ولم تتطرق الدراسات إلى كيفية توظيف إسرائيل القوة السيبرانية في سياستها الخارجية لتصبح من أقوى الدول في المجال السيبراني ، وقد استفاد الباحث فى معرفة تطور العلاقات الدولية بين إسرائيل وإيران ، وتغطية الأحداث التي حدث بينهم منذ عام 2000 ، كيف استخدمت إسرائيل قوتها السيبرانية فى صياغة سياستها الخارجية تجاه إيران ، وهو ما سوف يساعدنا كثيراً في فهم الصراعات والحروب الإلكترونية المحتمل قيامها بينهم حالياً ، فبدون رصد الأحداث الماضية والتعمق فيها وتحليلها ، لم تستطع فهم ما يحدث حالياً .

ويمكن القول بوجه عام :أنه قد أغفلت جميع الدراسات السابقة العامل الإيديولوجي وأنه السبب الخفي وراء استخدام إسرائيل للقوة السيبرانية وتوظيفها في سياستها الخارجية و والذى يفسر أيضا شن إسرائيل للعديد من الهجمات والحروب السيبرانية على كثير من الدول في المنطقة العربية ، وجاءت أغلب الدراسات نظرية ولم تحتوي على أمثلة بارزة من الدول الكبرى أو العربية في تدعيم فهم الجانب النظرى، ولم تركز بعض الأدبيات على السرد الدقيق لقضايا في غاية الأهمية لفهم تطور العلاقات بين كل من إسرائيل وإيران ، وقد استفاد الباحث من التعمق النظرى لمعظم الأدبيات في فهم جذور الخلافات والصراعات السياسية بين الدولتين ، بالتركيز على إسرائيل ومحاولة الفهم الدقيق للدور المؤسسة العسكرية وكيفية قيام جهاز الموساد بالتعاون مع التنظيمات العسكرية لصنع السياسية الخارجية الإسرائيلية تجاه دول العالم ، ولاسيما الدول العربية التى تعد أكثر عداوة ونفور للكيان الإسرائيلي ، وكيف استطاعت إسرائيل أن تعيد النظر في سياستها بعد ظهور القوة السيبرانية تجاه إيران تحديدأ لامتلاكها السلاح النووي ، والتي تعد الخطر الرئيسي الذى يهدد الدولة الإسرائيلية.

الإطار المفاهيمي :

1.أصل مفهوم القوة  لغوياً:

تدور معاني مادة ( ق و ي ) في اللغة العربية حول القدرة والطاقة والجد والجوع والفقر ، والجمع قوى ، والاسم القوة ، والقوة من تأليف ق و ي ولكنها حملت على فعلة فأُدغمت الياء في الواو كراهية تغير الضمة والفعالة منها قواية ، والقوة هى نقيض الضعف ، وقوله عزوجل: ” يا يحيى خُذ الكتاب بقوةً  ” أى بجد وعون من الله تعالى ، ومعنى القوة عند ابن منظور هي الحجة والبيان ، وجاءت معنى القوة في المعجم الوسيط بمعنى الطاقة والتحمل ، وفي مقام آخر عند قوله تعالى :” وكتبنا له في الألواح من كل شئٍ موعظة وتفصيلاً لكل شئٍ فخذها  بقوة ٍ وأُمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين” وهنا جاءت القوة بمعنى قوة اليدين على الصنع الشديد ، والرجلين على المشي الطويل ، والعينين على النظر للمرئيات الدقيقة ، وعلى التفكير الذى لا يستطيعه غالب الناس .[27]

ويلزم القوة الاقتدار على الفعل وصف الله تعالى باسم القوي أى الكامل القدرة قال تعالى” إن الله قوي شديد العقاب “، وجاءت معنى القوة عند ابن فارس بمعنى الضعف والشدة في آن واحد ، وينبغي أن يكون عظة وعبرة للأفراد والشعوب ألا يغتروا بقوتهم، وكأن اجتماع المعنيين للقوة يشير إلى أن القوة قد تنقلب إلى ضعف بشكل مفاجئ وسريع، وكذلك  الضعف على جميع المستويات قد ينقلب إلى قوة وشدة بشكل مثير للانتباه ، وبالتالي فإن القوة قابلة للتراجع والتلاشي ، والضعف قابل للتنامي والاشتداد وفى كلا الحالتين ينبغي التوكل على الله ، قال الله تعالى: ” ونريد أن نمنً على الذين استضعٍفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين”، وذكر ابن فارس أصلاً ثانياً عن معنى القوة وهو يفيد الفقر والجوع وقلة الخير ، فلم يستعمل هذا المعنى في القرآن إلا مرة واحدة في كلمة (المقوين) ، في قوله تعالى:” ومتاعاً للمقوٍينَ”.  [28]

2 .مفهوم القوة في المعجم الوسيط :

هي القدرة على التأثير فى سلوك الآخرين بالطريقة المرغوب فيها ، فالقوة بمعناها الواسع تكون مرادفة للتأثير بكل أدواته. وهذه الأدوات تتراوح بين الإقناع إلى الضغط البسيط أو المساومة أو وعد بثواب أو تهديد بعقاب، وبالرغم من أن القوة والتأثير يستخدمان عادة كمترادفين ، فإن الكثير من المحللين يعتبرون أن التأثير هو مفهوم أوسع ، ويعالجون القوة كأحد أشكال التأثير الذى يقوم أساساً على التهديد بالعقاب الشديد فى حالة عدم الرضوخ، وتهتم دراسات علم السياسة اهتماماً محورياً بمفهوم القوة ومفهوم التأثير المرتبط بها، حيث قال هارولد لاسويل ” إن دراسة السياسة ما هى إلا دراسة التأثير والمؤثر” ، وقال روبرت داهل ” إن السياسة هى ممارسة القوة والحكم أو السلطة” ، ويرى دافيد إستون أن القوة ما هى إلا صنع القرار أو التوزيع السلطوى للقيم ، وعملت دراسات القوى الجماعية المحلية على تحديد مركز القوة فى النظم التى تتميز بوجود نخب متعددة يلعب كل منها دوره.[29]

3 .مفهوم القوة فى الموسوعة السياسية:

يعد مفهوم القوة من المفاهيم المحورية فى علم السياسية ، فلا يوجد اختلاف بين الباحثين فى العلاقات الدولية على أن القوة هى الحاكم الأساسي للعلاقات بين الدول ، ويختلف تعريف القوة بين الباحثين نظراً للطبيعة المركبة للمفهوم ، فيمكن تعريف القوة على أنها القدرة على التأثير فى سلوك الآخرين من أجل الحصول على النتائج المرغوب فيها أو القدرة على فرض السيطرة على الآخرين ، وعرف كارل فريدريك   القوة على أنها علاقة تبعية بين طرفين يستطيع من خلالها الطرف الأول أن يجعل الطرف الثانى يفعل ما يريد أى التصرف بطريقة تضيف إلى مصالح مالك القوة ، قد عرف أوستن ربيني على أنها علاقة تبعية وطاعة من جانب وعلاقة سلطة وسيطرة من جانب آخر ، وذلك بالإقناع والمكافأة أو بالعنف والإكراه فإذا فشل الإقناع نستخدم المكافأة وإذا لم ينجح ذلك ، غالباً ما نستخدم القوة العنيفة.

وتعُتبر قوة الدولة من العوامل التي يعلق عليها أهمية خاصة فى ميدان العلاقات الدولية ، وذلك لأن القوة هى التي ترسم أبعاد الدور الذى تقوم به الدولة فى المجتمع الدولى ، وتحدد إطار علاقاتها بالقوى الخارجية في البيئة الدولية ، وأن امتلاك عناصر القوة لا يكفي حتى تكون الدولة مؤثرة ، فلابد من تبني سياسات فعالة لاستخدام القوة، وعندما نقوم بدراسة القوة فى العلاقات الدولية فلابد أن نأخذ فى الاعتبار قدرة بعض الوحدات السياسة على استخدام أو التهديد باستخدام القوة المسلحة لفرض إرادتهم على وحدات أخرى سواء لإجبارهم على القيام ببعض الأشياء أو منع الآخرين من القيام به ، ولكن تطور هذا المفهوم بعد الحرب العالمية الأولى ، فأصبح دور القوة العسكرية أو التهديد باستخدامها فى العلاقات بين الدول ضيئلاً جداً مقارنة بالقوة الاقتصادية التى أصبحت هى المعيار الأساسي للعلاقات بين الدول .

وذلك فى ضوء الصراع القائم بين الرأسمالية والاشتراكية ومحاولة كل طرف استمالة عدد من الدول إليها باستخدام القوة الاقتصادية، ولكن بعد تحول العالم إلى أحادي القطبية وانتشار العولمة ظهر نوع آخر من القوة للتأثير فى العلاقات الدولية وهو القوة الناعمة ، والتى تعنى القدرة على تشكيل تفضيلات الآخرين ، وعرف جوزيف ناي القوة الذكية على أنها مزيج من استخدام كل من القوة الصلبة والناعمة معاً فى العلاقات بين الدول ، ويعتبر جوزيف ناي أول من صاغ مفهوم القوة الناعمة في صورة نظرية مقنعة ومحكمة البناء ، وقد كانت المحاولة الحقيقة للاستخدام القوة الناعمة بعد الحرب العالمية الثانية وذلك من خلال برنامج فولبرايت للتبادل الطلابى حول العالم كوسيلة للتأثير فى الثقافات والهيمنة على عقول المجتمعات الأخرى ، ويعتبر أن القوة هي المقدرة على التأثير في الآخرين ، وأن تحصل على النتائج التي تريدها بثلاث طرق : بالإكراه ( العصا) بالمال ( الجزرة) وهي صورة من صور القوة الصلبة ، وبالجذب والإقناع ( القوة الناعمة).

وقد تم استخدام القوة الناعمة بشكل كبير في أثناء الصراع الإيدلوجي بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي ومحاولة كل منهم فى التأثير على عقول وميول الأخر ،  ويعرف ميشيل فوكو  القوة الناعمة بأنها إجبار وإلزام غير مباشرين يهدف إلى التأثير على الرأى العام داخل الدولة وخارجها ، وتتطور مفهوم القوة ليشمل على القوة الذكية والتى يعرفها ارنست ويلسون بأنها قدرة الفاعل الدولي على مزج عناصر القوة الصلبة والناعمة بطريقة تضمن تدعيم تحقيق الأهداف لهذا الفاعل بكفاءة وفعالية .[30]

4 .التعريف الاصطلاحي لمفهوم القوة :

يدور عالم السياسة بأكمله حول ممارسة القوة والبحث عنها ، لهذا تعدد مفاهيم القوة في العلاقات الدولية وذلك من حيث الشكل والقدرة والتأثير وكيفية الاستعمال والممارسة لأن أساس كل صراع هو القوة الذي يتمثل في محاولة الإنسان للإخضاع الطبيعة من حوله عن طريق استخدام القوة ، ولذلك يعد مفهوم القوة مفهوماً أساسياً في العلاقات الدولية .

ويرى ” أفلاطون” أن قوة الدولة تتمثل في الجماعة التي تزرع الأرض الوعرة ، وهذا النوع الذى ينجب أشد السكان بأساً وقوة وأكثرهم اعتدالاً ، ويرى ” أرسطو ” أن قوة الدولة تتمثل في القيام بوظيفتها في تحقيق حياة رغد الجماعة من خلال تحقيق الاكتفاء الذاتي ورفع المظالم وانتشار الأمن داخل الدولة ،        ” سون تزو” يرى ” أن العمليات العسكرية مهمة للأمة ، هي أساس الموت والحياة ، وطريق النجاة والدمار ، ” ألكس دى توكفيل ” أشار إلى شيوع قيم الديمقراطية فى الداخل كأسلوب لمزيد من نفوذ الدولة وقوتها إزاء الآخرين ، و اعتبر “ميكيافيلي ” أن القوة هي الوسيلة والغاية النهائية التي تعمل الدولة للوصول إليها فى مجالات العلاقات الدولية، فى حين بلور علماء الجيوبولتيكا مفهوم القوة بأنه مرادف لمفهوم السيطرة ، ومنهم ” راتزل ” الذى رأى بأن الدولة هي كائن حي يحتاج إلى النمو والتطور حتى لو كان عن طريق القوة.

و يعرف ” جون ميرشايمر ” القوة بأنها قدرات مادية محددة ، تملكها الدولة وتمثل أصولاً ملموسة ، تحدد قدرتها العسكرية بالأساس ، أما ” كينيت والتز” يعرف القوة بالتركيز على القدرات الممثلة في حجم السكان والإقليم وتوافر الموارد ، والقدرة الاقتصادية والقوة العسكرية ، واستقرار النظام السياسي ، وبذلك أصبح المعنى الحضاري للقوة ينظر بقكر شمولي لتشمل القوة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتقنية ، فمهما تعددت مصادر القوة تظل مرتبطة بالقدرة على تحويل مصادر القوة المتاحة إلى طاقة مؤثرة وسلاح فعال ، فاللجوء إلى القوة هو في الحقيقة يكون عند مرحلة العجز عن الحل بالطرق السلمية ، فالقوة هي من تشكل طبيعة العلاقات بين الدول  .[31]

وقد عرفت كلية الحرب الأمريكية مفهوم القوة على أنها الإمكانية أو القدرة التي تمكن الدولة من تحقيق أهدافها القومية أثناء الصراع الدولي ، أى بمعني هي الطاقة العامة للدولة التي تسهًل لها التحكم  فى تصرفات الآخرين والسيطرة عليهم ، أما ” هانز مورغنتاو ” يفسر السياسات الدولية على أنها ” صراع من أجل القوة” أى أنه اعتبر القوة غاية تطمع إليها الدولة لتحقيق مصلحتها عن طريق استخدام القوة ، ويعرف “مازن إسماعيل الرمضاني ” القوة على أنها ظاهرة سياسية دولية نسبية ، فالدولة قد تكون قوية في مرحلة محددة والعكس صحيح ، والقوة هى انعكاس لقدرة الدولة على الفعل ، ويعرفها ” سينقر” بأنها القدرة على التأثير وكذلك ” ماهندرا كومار ” الذى يعطي للقوة مفهوماً مرادفاً للتأثير فيعرفها بأنها القدرة أو القابلية للسيطرة على الآخرين.

ويعرف ” ستيفن روزن ” القوة بأنها قابلية لاعب دولي في استخدام المصادر والموجودات الملموسة وغير الملموسة  بواسطة التأثير على مخرجات الأحداث في النظام الدولي فى اتجاه تحسين قناعاته في هذا النظام ، وورد في قاموس ” بنغوين” للعلاقات الدولية أن القوة بوصفها من عائلة السلطة تحتاج إلى القدرة كشرط لازم ، ويتم عادة التعبير عن هذه القدرات من حيث الموارد العسكرية ، ويعرف ” هانز مورجنثاو  ” القوة بأنها علاقات السيطرة المتبادلة بين حملة الصلاحيات العامة وأصحاب الجماهيريات الواسعة ، ويعرفها ” رينولدز ” بأنها القدرة على توليد النتائج المقصودة .

ويعرفها كل من ” بادلفورد ولنكولن” على أنها امتلاك القوة المادية والعسكرية والقدرات ، ولكن بالمعنى الواسع الذى يستخدم فيه المصطلح فإنه يتضمن أكثر من ذلك بأنها  المجموع الكلي لقوات لقوات وقدرات الدولة أعدت وطبقت من أجل تطوير مصالحها الوطنية ، ويعرف ” ستيفن لوكس” بأن القوة مرتبطة بتحديد الأجندة للتأثير في سلوك الدول وبالتالي لا تعني القوة بالضرورة الإكراه ، ويرى ” إدوارد كاريري”  أن القوة فى جوهرها وحدة لا تتجزأ ، وقسم القوة السياسية إلى ثلاثة أصناف وهي القوة العسكرية والاقتصادية وقوة التحكم بالأفكار والآراء ، ويعرف ” ايرنست هاس” القوة بأنها وظيفة لعدة عوامل بعضها ملموسة مثل الموارد الأولية والإنتاج الصناعي وبعضها غير ملموسة مثل التكنولوجيا والأخلاق ، أما ” كارل دويتش ” فيعرف القوة في أبسط معانيها بأنها القدرة على الانتصار في الصراع وفي التغلب على العقبات ، والقوة هى رمز على القدرة لتغير النتائج وخاصة نتائج سلوك الناس ، وهنا يقصد أن القوة رغم أنها رمز وكلمة واحدة إلا أنها كل شئ تقريباً فهى من تتحكم في العلاقات ، وهي القدرة على تغيير سلوك الآخرين .[32]

كما طرح ” برتراند رسل” تعريف القوة حيث يرى أنها ” القدرة التي يتمتع بها البعض وتمكنهم من إحداث تأثيرات مقصودة ومتوقعة لدى الآخرين ” ، ويعرف ” إسماعيل صبرى” القوة بأنها المقدرة على التأثير في سلوك الدول الأخرى بالكيفية التي تخدم أغراض الدولة المتملكة لها ، وبدون هذا فقد تكون الدولة كبيرة أو غنية أو عظيمة ولكنها ليست قوية .

ويعرف “جوزيف ناي” القوة الناعمة بأنها ” القدرة على الحصول ما تريد من خلال الإقناع وليس الإكراه” ، وتتمثل أدواتها في القيم السياسية والثقافية ، والقدرات الإعلامية، والتبادل العلمي والفكري ، والقدرة على إقامة الروابط والتحالفات أما القوة الصلبة فهي تقوم على الإجبار والقسر ، وأدواتها هي الإمكانيات العسكرية والقدرة على فرض العقوبات الاقتصادية والسياسية، بينما عرف القوة الذكية على أنها الجمع بين كلاً من القوة الصلبة والناعمة فى استراتيجية واحدة للتأثير في الأخرين ، وعرف كل من  “ ساشراش ومورتون بارتاز ” القوة الناعمة على أنها ” القدرة على تحقيق الأهداف من خلال الجذب وليس الإكراه ، وتعتمد على الأفكار والثقافة والقدرة على إعداد أجندة الآخرين عبر قيم ومعايير ومؤسسات تكون تفضيلات الآخرين، وتعتمد استراتيجيات القوة الذكية على خمسة عناصر تتمثل في تحديد الأهداف والنتائج المرجوة ، ومعرفة الموارد المتاحة والأهداف والأولويات المراد التأثير فيها ، وأى نوع من القوة سيتم الاعتماد عليه ، وتقدير احتمالية النجاح.[33]

وشهد القرن العشرين إنعاكاسات للثورة المعلوماتية على السياسة الدولية، حيث أفرزت ثلاثة عناصر رئيسية وهي: المعلومات والفضاء الإلكتروني والطابع الرقمي، ويمكن التفرقة بين أربعة إتجاهات لتأثير التكنولوجيا على السياسة الدولية، الاتجاه الأول:يتمحور حول ظهور شكل جديد للقوة وهي القوة السيبرانية ويعرفها “جوزيف ناي” على أنها شكل جديد للقوة فهي مرتبطة بامتلاك المعرفة التكنولوجية ، والقدرة على استخدامها  ، وعرف القوة  السيبرانية بأنها ” القدرة على الحصول على النتائج  المرجوة  من  خلال استخدام مصادر المعلومات المرتبطة بالفضاء السيبراني ، أى أنها القدرة على استخدام هذا الفضاء لإيجاد مزايا للدولة ” ، وبذلك تعتبر القوة السيبرانية عند ناي بأنها مجموعة الموارد المتعلقة بالتحكم والسيطرة على أجهزة الحاسبات والشبكات الالكترونية . كما طرحت “هيلاري كلنتون ” التركيز على الفاعلين الجدد لخلق قوة مدنية للتعامل مع المشاكل في الساحة الدولية ، وعرفت الوكالة الفرنسية لأمن أنظمة الإعلام               ( ANSSI) الفضاء السيبراني على أنه فضاء التواصل المشكل من خلال الربط لبيني العالمي لمعدات المعالجة الآلية للمعطيات الرقمية ، وعرف الاتحاد الدولي للاتصالات الفضاء السيبراني بأنه ” المجال المادي وغير المادى الذى ينتج عن عناصر هي : أجهزة الكمبيوتر ، الشبكات ، البرمجيات ، حوسبة المعلومات ، المحتوى ، معطيات النقل والتحكم “. [34]

الاتجاه الثاني:يركز على التغير فى أدوات شن الحروب فأصبح الفضاء الإلكتروني يستخدم في شن الحروب من خلال هجمات الإرهاب الإلكتروني وإطلاق فيروسات الحاسب والتجسس الإلكتروني ، والاختراق المباشر لشبكة المعلومات ، مما أدى إلى ظهور مصادر جديدة غير تقليدية للتهديدات ، وتتمثل مصادر التهديدات في التخريب الاقتصادي ، الجريمة ، الحرب الإلكترونية ، الإرهاب الإلكتروني ، ويجادل جوزيف ناي : بأن تأثير هذه التهديدات كبير في القوة الصلبة خاصة أن الردع أكثر صعوبة بالمجال الإلكتروني عن المجالات الأخرى، أما الاتجاه الثالث: يؤكد على الانتشارالعنكبوتي للقوة ، فالقوة المعلوماتية أوجدت مزايا متباينة بين الدول من حيث قدرتها على إنتاج المعلومات التي هي أحد مصادر القوة في السياسة العالمية، الاتجاه الرابع: يركز على أن القوة السيبرانية هي “ساحة الحرب الخامسة ” ، بعد البر والبحر والجو والفضاء الخارجي ، وبذلك يكون المجال الافتراضي أوسع من الانترنت ، بل يتوسع ليشمل الشبكات الحاسوبية الأخرى المرتبطة إلكترونياً بالإنترنت ويعتبر الفضاء الافتراضي هو مجال خامس بين الدول.[35]

وبعد طرح الاختلافات في تعريف القوة ، والتطورات التي حدثت منذ القدم ، يتضح لنا من التعريفات السابقة أن القوة هي:

  1. الاستخدام الواعي لأي قدرة تمتلكها الدولة للتأثير في سلوك الآخرين ، من أجل الحصول على نتائج متوقعة و الهدف المرجو تحقيقه .
  2. يمكن استخدام الثقافة أو كل من القوة العسكريةأو الناعمة أو الذكية أو القوة السيبرانية من أجل تحقيق أهداف السياسة الخارجية للدولة .
  3. أصبحت القوة في العلاقات الدولية ليست مجرد القوة العسكرية فقط بل أصبح هناك دور مؤثر لكل من الموارد الطبيعية للدولة ، والموقع الاستراتيجي ، ومستوى التطور التكنولوجي ، وكفاءة النظام الإنتاجي ، ودرجة استقرار نظام الحكم وكفاءة مؤسساته ، هذا بالإضافة إلى عناصر حيوية أخرى كالزعامة السياسية والدبلوماسية والرأي العام و الأيديولوجية الحاكمة، فكل هذه العناصر تتفاعل مع بعضها البعض لتحدد لنا مفهوم القوة في العلاقات الدولية ، ويمكننا التركيز بصفة خاصة على القوة السيبرانية والهجمات الالكترونية ومدى تأثيرها الكبير على قوة الدول وهيمنتها على الساحة الدولية .

التعريف الإجرائي لمفهوم  القوة :

  1. وجود مصادر للقوة الصلبة بجانب مصادر القوة الناعمة غير الملموسة.
  2. قدرة النظام الحاكم على فرض سلطة القانون واحترامها للجميع.
  3. مدى ممارسة الديمقراطية وحرية الرأى والتعددية الحزبية داخل الدولة.
  4. القدرة على فرض استراتيجيات الاتصال مع الدول الآخرى.
  5. القدرة على الجذب و تشكيل تصورات ومفاهيم الآخرين ، وتلوين ثقافاتهم وتوجيه سلوكهم بالقدرة على الإقناع الذي يؤدي إلى تغيير تفضيلات الفواعل الدولية.
  6. تسويق الأفكار والسياسات والقيم والثقافات بشتى الطرق والوسائل.
  7. القدرة على توظيف أشكال القوة وتعزيز قيم الريادة العالمية من أجل هيمنه الدولة على النظام السياسي
  8. القدرة على تطوير التقنيات التكنولوجية والسيبرانية وابتكار أجهزة خارقة وتسويقها بالعالم.
  9. القدرة على مواجهة التهديدات السيبرانية وتوظيف الهجوم الإلكتروني.
  10. دور العامل الأيديولوجي في استخدام القوة السيبرانية في السياسية الخارجية لإسرائيل.[36]

الإطار النظرى :

القوة في فكر المدرسة الواقعية : حيث يعتبر مفهوم القوة من المفاهيم المحورية فى فكر المدرسة الواقعية، وترى أن السياسة الدولية هي عبارة عن صراع من أجل القوة ، فالعالم هو عالم الصراع والحرب وهما أساس العلاقات الدولية ، وكل دولة لديها مجموعة من المصالح تريد تحقيقها وهم مصلحة البقاء ، وتعظيم القوي العسكرية ، وتعظيم القوة الاقتصادية ، وتؤكد المدرسة الواقعية في تحليلها لمفهوم القوة على المكون العسكري لفهم وتحليل التفاعلات الدولية ، وتأسس فكر المدرسة الواقعية على عدة افتراضات أهمها أن الدولة هي الفاعل الرئيسي الذى يسيطر على العلاقات الدولية ، وأنها تتسم بالعقلانية استجابة لهيكل القوة في النظام الدولي الذى يتسم بالفوضى ، وتسعى الدولة لتحقيق الأمن من خلال القوة العسكرية التي تعد من وجهة نظر الواقعية البعد الأهم في قوة الدولة ، واستخدم معظم مفكري الواقعية مفهوم القوة بمعنى عناصر قوة الدولة ، والتي قد تتسع لتشمل عناصر أخرى منها عدد السكان ، ومعدل الإنفاق العسكري ، والموقع الجغرافي ، بينما قد تضيق عند البعض الآخر لتقتصر على عنصر مادى واحد.

وقد تطورت هذه النظرة المبسطة للقوة في اتجاهين: الاتجاه الأول يعبر عن إسهام روزناو ، الذى ميز بين امتلاك القوة وعبر عنه بمصطلح القدرة ، أى امتلاك عناصر القوة ، وبين القدرة على استخدامها لتحقيق أهداف محددة ، وهو ما عبر بمصطلح التأثير أو النفوذ ، فإذا كانت القوة تعرف من جانب المدرسة الواقعية على أنها قدرة الدولة (ِa) على السيطرة على أفعال الدولة ( b ) حتى نحقق النتائج المطلوبة ، فإن امتلاك الدولة لعناصر القوة لا يعد مؤشراً كافياً على القدرة على تغيير سلوك الآخرين، بينما عبر الاتجاه الثاني عن القوة كمسافة بين الدول ، حيث إن القدرات القومية تؤثر في السلوك الخارجي للدولة باعتبارها خصائص دات طبيعة نسبية ، فإن العلاقة بين امتلاك الدولة للقدرات القومية وزيادة قدرتها على التأثير ليست طردية ، حيث أن تلك القدرات تعتمد على عنصر الإدراك لصانع السياسة الخارجية .

من أبرز كتاب المدرسة الواقعية ” نقولا سبيكمن” ويرى أن القوة هي الأصل الذى ترتكز عليه طبيعة هذه العلاقات وأن قوة الدولة هو صمام الأمان في مجتمع دولي تغلب فيه الفوضى ، ويرى أن “المجتمع الدولي فى حقيقته يتسم بفوضوية كبيرة ، وغياب القوانين الفعالة التي تنظم العلاقات بين الدول بسبب غياب الطرف القادر على فرض القانون ، وأنه لابد من استخدام القوة للمحافظة على وجودها ، أما ” اورغنسكي ” فإنه يرجع مقياس القوة إلى الوضع الاقتصادي للدولة وعليه قسم الدول بحسب العامل الاقتصادي إلى ثلاث مراحل وهم الأولى : القوة الكامنة ، الثانية :إنماء القوة ، الثالثة : إظهار القوة ، فالافتراض الأساسي لهذه المدرسة قائم على الفوضى فى العلاقات الدولية ، والتي تتمثل فى حضور الصراع والحرب كمظهر أساسي للعلاقات.

القوة في فكر المدرسة الواقعية الجديدة: اعتمدت بالأساس على المنهجية الاقتصادية ، وركزت على استمرار سيطرة القوة المهيمنة على قمة النظام الدولي بوسائل أقل تكلفة وأكثر قبولاً ، وبأدوات بديلة عن الأداة العسكرية ، فتم التركيز على الأبعاد المادية وغير المادية للقوة ، و بظهور التكنولوجيا وتطورها ، تغيرت مصادر القوة فلم تعد تلك المصادر التقليدية التي تميزت بها القوى الدولية التقليدية في قرون ماضية ، القوة في فكر المدرسة الليبرالية: تركز على أن الدولة ليست محدداً رئيسياً للسياسة الدولية ، فهناك أدوار لفاعلين جدد على الساحة الدولية لعبوا دوراً في التأثير فى سلوك الدولة، وركزت على أهمية دور العلاقات العابرة للقوميات ، وفي التأثير في السياسة الخارجية للدولة بطريق مباشر أو غير مباشر ، من خلال فرضها قيوداً على سلوك الدول ، نتيجة للاعتماد المتبادل ، أو من خلال تغيير توجهات سياستها الداخلية.

القوة في فكر المدرسة السلوكية: يعرف منظري المدرسة السلوكية ومنهم ” روبرت دال” القوة بأنها قريبة من مفهوم السيطرة والقدرة ، والسلطة وقيام الطرف الأول بفرض أمر معين على الطرف الثاني ، ماكان الطرف الثاني ليقوم به مالم تكن علاقة القوة موجودة بينهما ، وحتي تتسم أى علاقة تفاعلية بالقوة يفترض توفر كل من : تنازع قيم ومصالح وأهداف بين طرفين في وضع تفاعلي ، ورضوخ أحد طرفي النزاع لمطالب الطرف الآخر ، استطاعة أحد الأطراف التهديد بمعاقبة الطرف الأخر ، وتتبني المدرسة البنائية قوة الأفكار والإقناع والتفاعل الاجتماعي ، بدلاً من التركيز على القوة بمعناها العسكري لأجل خلق بنيات وهويات تتوافق مع رؤيتها واستراتيجيتها ، بمعنى أن قوة الفكر والإقناع هي الموجه الرئيس للقوة فى معانيها الأخرى.[37]

وعرف جوزيف ناي في تسعينات القرن مفهوم القوة الناعمة بأنها القدرة على جذب الآخرين والتأثير فيهم من خلال القيم والمعتقدات ، وليس من خلال التهديد أو استعمال القوة العسكرية أو الاقتصادية ، ومن ثم تشكل القوة الناعمة أحد أشكال القوة التي تستخدمها الدول في سياستها الخارجية ، وتشكل إطار عام من الأنماط والسلوكيات الثقافية التي تسعى من خلالها الدول لنشرها على المستوى الخارجي من أجل تحقيق أهدافها، ولكن بفضل ثورة المعلومات وظهور الإنترنت ومواقع الويب أصبح الفضاء الإلكتروني أحد العناصر الرئيسية التي تؤثر في النظام الدولي ، بما يحمل من أدوات تكنولوجيا تلعب دوراً مهماً في عملية التعبئة والحشد في العالم ، وقد كان لظهور الشبكة العنكبوتية أثر هام في الحياة البشرية ، حيث تستخدم الدول الفضاء الإلكتروني لاعتبارات الأمن والقوة العسكرية بشكل جعل العديد من الدول تدخل الفضاء الإلكتروني ضمن حسابتها الاستراتيجية وأمنها القومي ، إلى جانب دور التكنولوجيا في تحقيق الرفاهية الاقتصادية ، والحصول على موارد الثورة والسلطة وتحقيق السلم والأمن والتفاهم الدولي.

وأثرت التكنولوجيا الحديثة بشكل كبير على مفهوم القوة وتحولاتها ، حيث ظهر مفهوم القوة السيبرانية ، حيث عرفها جوزيف ناى بأنها” القدرة على الحصول على النتائج المرجوة من خلال استخدام مصادر المعلومات المرتبطة بالفضاء الإلكتروني “، وعرفها دانيال كويل ” القدرة على استخدام الإنترنت لخلق مزايا والتأثير على الأحداث في البيئات التشغيلية كافة من خلال أدوات القوة ” ، وتوزعت هذه القوة وانتشرت بين عدد أكبر من الفاعلين على المستوى الدولى والمحلي ، مما جعل المجال السيبراني مجالاً جديداً للصراع بين الدول ،حيث إن ممارسة القوة والنفوذ قد تطور بشكل كبير نتيجة للتطور في التكنولوجيا ، مما جعل المعلومات هي الهدف الأساسي الذى تسعى الدول للحصول عليه ، هذه المعلومة هي التي مكنت الدول من إنتاج السلاح النووي، وأثرت القوة السيبرانية بشكل مباشر أو غير مباشر في أدوات الصراع بين المجتمعات وآلياتها، فأصبحت حقيقة أساسية في العالم .

ويتضمن مفهوم القوة الإلكترونية تغطية كافة القضايا التي تتعلق بالتفاعلات الدولية والتي تشمل القضايا العسكرية والاقتصادية والسياسية وغيرها ، وتختلف عن مسمى الحرب الإلكترونية التي تقتصر على التطبيقات العسكرية للفضاء الإلكتروني ، ويتم الإشارة إليه بالهجوم الإلكتروني ، ولثورة المعلومات تأثير كبير على تطوير الجوانب العسكرية للدول ، حيث ازدادت القدرات التدميرية للأسلحة ، وتؤثر على القوميات الوطنية والثقافات الخاصة ، وأصبحت السيطرة الثقافية لمن يمتلك التكنولوجيا ويستطيع أن يوظفها  بكفاءة في تحقيق أهداف السياسية الداخلية والخارجية.[38]

ويتناول مفهوم القوة السيبرانية مجمل القضايا التي تتعلق بالتفاعلات الدولية العسكرية والاقتصادية والسياسية ،وحتي تتمكن الدولة من ممارسة النفوذ داخلياً أو خارجياً عبر القوة السيبرانية يجب أن تتوافر وجود بنية تحتية سيبرانية تشمل شبكات الاتصال وقواعد البيانات لمختلف الأنظمة ، بنية مؤسسية تتولى مهمة تحقيق الأمن السيبراني للدولة ، بنية تشريعية تكون ضامنة ومحددة لاستعمال القوة السيبرانية ، واستراتيجية بأهداف واضحة ، ولابد أن تقوم الدولة بتطوير الأسلحة في مجال الحرب السيبرانية لاستعمالها سواء في العمليات الهجومية أو من أجل الردع ، ويشكل هذا المفهوم جزءاً لا يتجزأ من الجيل الخامس من الحروب غير المتكافئة التي قد تشنها الدول باستخدام التكنولوجيا ، حيث إن هناك هجمات سيبرانية تستهدف ضرب اقتصاد دولة ما ، أو سرقة البنوك والحسابات المصرفية ، وهي أشهر أغراض القرصنة ، وأصبح هناك تسارع بين الدول الغربية على تكوين الجيوش الافتراضية وتقوم الدول بتطوير القدرات الهجومية والدفاعية معاً ضمن شكل جديد من أشكال سباقات التسلح. [39]

أما في الدول العربية فهناك جهود متعددة في هذا المجال ، وأكثرها جهود سرية ، وخاصة دولة  إسرائيل   والقدرات الإيرانية المتسارعة في هذا المجال ، واستعداد هذه الدول لاستخدام الهجمات السيبرانية ضد بعضهم البعض ، وسرعة تشغيل المواقع المخترقة ، والمثال على ذلك الهجوم السيبراني الذى تعرض له المشروع النووى الإيراني 2009 ، قد جسد الطاقة الكامنة للسلاح الإلكتروني عبر الفضاء الافتراضي ، وبذلك تقوم الدول بتوظيف القوة السيبرانية في سياستها الخارجية من خلال عمليات التجسس ، وإعداد ميدان المعركة ، واختراق الشبكات الاتصالية ،فيؤدى ذلك إلى زعزعة الاستقرار ، وزيادة الاحتمالات بأن يتسع نطاق الصراع فى الفضاء الإلكتروني إلى العالم المادى ، وقد تتحول الهجمات الإلكترونية إلى شكل من أشكال الاحتجاج ، وهو ما ينطبق على ظاهرة “الأنونيمس” ، وأصبحت القوة السيبرانية استراتيجية ممتازة عند الحديث عن الأمن القومي للدولة.[40]

ومن أسباب بروز مفهوم القوة السيبرانية في السياسة الخارجية: أولاً:أن العديد من الدول تريد أن تؤمن صعودها السلمي دون اللجوء إلى الحروب والقوة العسكرية ، وكذلك الصعود الاقتصادي مع الاعتماد على التحركات الناعمة في نشر الثقافات والدخول في تحالفات وشراكات ، ثانياً: أن العالم الذى نعيشه هو عالم الرفاهية والذى أصبح رقمياً ومتشابكاً ، ويعتمد بالأساس على تكنولوجيا الاتصال ، ثالثاً: بروز الفواعل من غير الدول والتي لجأت إلى استخدام أدوات القوة السيبرانية ، رابعاً: أصبحت خصائص السكان المستهدفين مختلفة في ظل ارتفاع مستويات التعليم وتزايد دور وسائل الإعلام ، فأصبحوا أكثر معرفة ، وأصبح على الدول في سياستها الخارجية وهي تخاطب شعوب الدول الأخرى أن تكون المعاملة بأدوات القوة السيبرانية.[41]

النظريات المفسرة للقوة السيبرانية:

النظرية العامة للاستراتيجية : وهي تأكد على وجود السيبرانية في العديد من المجالات مثل السياسية والعسكرية في إطار سلطة غير فعالة ، وتتضمن الاستراتيجيات التكتيكية التي تعمل على تكامل العمليات العسكرية المعاصرة ، وترى هذه النظرية أنه لا يمكن السماح للحروب الإلكترونية بشلل الحس الاستراتيجي ، والقيام بالسلوك العدائي في الفضاء الإلكتروني ، وتأكد على دمج جهود المجتمع المتحاربة ووجود الاتصال الجسدى مع العدو بجانب الحروب الإلكترونية ، والتي تعتبر أن هذه الحروب قاسية نوعاً ما ولكنها الاختيار الأنسب لتحقيق الاستراتيجية المتبعة .

نظرية (RMA)  Return Merchandise Authorization:  صاحب هذه النظرية هو كريبينفيتش ويرى أن تكنولوجيا المعلومات تمتلك رعاية التغييرات الاستراتيجية وتفعيلها وتمكنها ، وهناك حقائق تم التأكد منها أن RMA بقيادة تكنولوجيا المعلومات يجعل الشئون الاستراتيجية تسير على قدم وساق ، وأن العالم يشهد اليوم تقدم تقني كبير من الناحية التكتيكية ، وتسعى هذه النظرية إلى الفهم الاستراتيجي لتطور التكنولوجي خلال القرون السبعة الماضية، وتؤكد على ضرورة الحصول على مكونات الفعالية الاستراتيجية في الأزمة والحرب .[42]

تستند الدراسة إلى منهج ” تحليل القوة ” :

تستند الدراسة فى تحليل القوة فى التفاعلات الدولية على النموذج الذي تم تطويره من قبل فريق عمل تابع لجامعة الدفاع الوطني الأمريكية ، ويأخد فى الاعتبار تعظيم الاستفادة من مجالات الفضاء الإلكتروني ، وبرز من خلال: ملاحظات الأحداث والتجارب والاتجاهات الإلكترونية، وقام الفريق بصياغة وافتراض أساليب وأدوات جديدة للتعامل مع الاتجاهات والقضايا غير المبررة ، وتتطور المنهج على أساسين: الأول: تم عقد مؤتمرات على مدى العام الماضي ، تناولت ثلاث قضايا رئيسية وهي: الردع الإلكتروني وإدارة المخاطر والمنظورات الدولية بشأن القضايا السيبرانية، ثانياً: تم تقييم القضايا السياسية السيبرانية ، وكيفية استخدام الحكومة للشبكات الاجتماعية .

ويتضمن 4 عناصر أساسية وهي: اعتماد الدول المتزايدة على الفضاء الإلكتروني فى مجال الأمن القومي والقضايا المجتمعية ، الأخد فى الاعتبار الدول الأخرى التي تستخدم الفضاء الإلكتروني وباقي الفواعل من غير الدول ، الصعوبات والتحديات التي تواجهها إسرائيل في مجال السيبراني، التغيرات الاستراتيجية المتوقعة في بيئة الفضاء الإلكتروني.[43]

وهذا النموذج يأخذ شكلاً هرمياً ، ويضم ثلاثة مستويات:

  • .1 البنية التحتية الإلكترونية، وهى تمثل قاعدة الهرم وتتمثل في المكونات والأدوات التى تستخدمها هذه البيئة، فضلاً عن الاستراتيجيات ونظم الاتصالات والعناصر البشرية، وتعزز هذه البنية الروافع السياسية والدبلوماسية والمعلوماتية والعسكرية.
  • 2. دعائم القوة حيث يشهد هذا المستوى تفاعل القوة السيبرانية الناتجة من المستوى الأول مع الأبعاد الناعمة والصلبة للقوة.
  • 3يحتل قمة الهرم الكيانات، وتتشكل من الأفراد والجماعات الإرهابية، والمجرمين العابرين للحدود الوطنية، والشركات والدول القومية، والمنظمات الدولية، وتوفر المبادرات مثل الردع والمعاهدات.[44]

ويفترض هذا النموذج أن كل المستويات السابقة يحكمها عوامل مؤسسية وقانونية وضمانات الحريات المدنية، والحوكمة والتنظيم وتبادل المعلومات، فهذا الإطار مفيد فى تحليل وتطوير الأطر التابعة لمعالجة الفضاء الإلكترونى والقضايا السيبرانية تحديداً ، ويؤكد هذا المنهج أنه” إذا كانت الجماعات من غير الدول تمتلك مداخل لبعض أشكال القوة ، وليست جميعها ، هتبقى الدولة وحدها تظل هى القادرة على ممارسة جميع أشكال القوة ” ، بما تمتلكه من موارد وإمكانيات مادية وبشرية وقانونية ، ورغم ذلك قد تظهر بعض العوائق التي تمنع الدولة من ممارسة كافة أشكال القوة كالردع والمعاهدات الدولية التي تلتزم بها الدولة .

  • ويتم الاعتماد في هذا النموذج على التعريف الذى طرحه ويليام جيبسون فى كتابة ” Neuromancer” حيث وصف الفضاء الإلكتروني بأنه ” تمثيل بياني للبيانات المستخلصة من بنوك كل حاسوب في النظام البشري وأنه شبكة مترابطة من البنية التحتية الإلكترونية ، ويشمل الإنترنت وشبكات الاتصالات ، والمعالجات ” ، وعرف هذا النموذج القوة السيبرانية بأنها ” القدرة على استخدام الفضاء الإلكتروني لخلق مزايا ، والتأثير على الأحداث عبر أدوات السلطة” ، ويتم استخدامها لتحقيق دعم وأهداف القوة الوطنية ، ولذلك لابد من وجود ردع للتأثير على سلوك الكيانات الرئيسية بفضل التطورات  فى الفضاء السيبراني .
  • ويفترض هذا النموذج أن الفضاء الإلكتروني هو فضاء عملي أو تشغيلي ، وبالتالى يمكن إعادة صياغة الإطار الكلي كما هو موضح فى الشكل : حيث يمثل الفضاء السيبراني قاعدة الهرم ، تلية القوة السيبرانية ، ثم تحتل الاستراتيجية السيبرانية قمة الهرم ، وذلك من أجل التعامل مع قضايا السياسية السيبرانية ، وفهم الاختراقات المحتمل حدوثها فى الفضاء السيبراني ، ولذلك لابد من تطبيق هذا النموذج لتقييم أثر التغييرات على القوة السيبرانية الإسرائيلية ، وكيفيه توظيفها في مجال السياسية الخارجية تجاه الدول العربية ولاسيما الدولة الإيرانية.
  • وسوف يتم توظيف هذا النموذج فى تحليل استخدام القوة السيبرانية فى الدراسة على النحو التالي:
  • أولاً: التعرض للبنية التحتية السيبرانية الإسرائيلية ، وعناصر القوة الإلكترونية ، فضلاً عن العقيدة والاستراتيجية ونظم الاتصالات والعناصر البشرية.
  • ثانياً: توظيف القوة السيبرانية فى التفاعلات الدولية بين إسرائيل وإيران .
  • ثالثاً: القيود التي تفرضها العوامل المؤسسية والقانونية على استخدام القوة السيبرانية الإسرائيلية في سياستها الخارجية تجاه إيران.

الفصل الأول

   القوة السيبرانية فى العلاقات الدولية

مقدمة:

يعد مفهوم القوة من المفاهيم المحورية فى العلاقات الدولية ، وهي التي ترسم أبعاد الدور الذى تقوم به الدولة فى المجتمع الدولي ، وتحدد إطار علاقاتها بالقوى الخارجية فى البيئة الدولية ، فكلما زادت قوة الدولة ازدادت فاعليتها وقوة تأثيرها ، وتمكنت من تحقيق أهدافها في سياستها الخارجية ،  إلا أنه طرأ علي هذا المفهوم العديد من التغير والتطور المتسم بالتعقيد والتشابك ، فبعد الحديث عن القوة العسكرية ودورها المسيطر على الساحة الدولية ، ظهرت اتجاهات أخرى للقوة مثل القوة السيبرانية مثلما طرح جوزيف ناي ، نتيجة ظهور ثورة المعلومات والانترنت ، وأصبحت السيطرة والإمكانيات التكنولوجية الآن مؤشراً هاماً على مدى نفوذ وهيمنة الدولة فى النظام الدولي ، وسيتناول هذا الفصل مبحثين ، الأول : حول تطور مفهوم القوة فى العلاقات الدولية ، والثاني: يركز على القوة السيبرانية فواعلها ، وعناصرها.

المبحث الأول : تطور مفهوم القوة فى العلاقات الدولية بشكل عام

لقد مر مفهوم القوة بعدة تحويلات وتطورات عبر الزمان ، فكل عصر من العصور كان ينظر للقوة بشكل مختلف عن الآخر ، ويعد مفهوم القوة أحد أهم المفاهيم الذى يمكن الاعتماد عليه فى فهم التفاعلات الدولية ،لأن القوة هى التي ترسم أبعاد الدور الذى تقوم به الدولة فى المجتمع الدولى ، وتحدد إطار علاقاتها بالقوى الخارجية ، حيث تسعي كل دولة لفرض سيطرتها على باقي الدول لحفظ مصالحها فى عالم صراعي من أجل القوة ، فنجد أن علاقات القوة بين الفواعل هي أساس النظام الدولي وفقاً للنظريات الواقعية ، فالقو فى حد ذاتها قد تمثل قيمة مرغوبة وتتطلب إرادة سياسية ودوراً للعقل البشري ، وتطور مفهوم القوة ومر بالعديد من المراحل ليصل إلى مفهوم القوة السيبرانية .

وقد بلور العلماء والباحثون مفهوم القوة ، وكأنه مرادف لمفهوم السيطرة ، حيث وضح “راتزل” بأن الدولة تحتاج إلى النمو والتطور فى مجالاتها حتى ولو كان باستخدام القوة ، ويعتبر مفكرو علم السياسة أن مفهوم القوة هو المفهوم الرئيسي فى العلاقات الدولية ، فقدم علماء السياسة اتجاهات مختلفة لتعريف القوة ، واعتمدوها كمفهوم لتحليل الواقع الدولي، فتعتبر عند الواقعيين مطلباً أساسياً للفاعل الدولي لتحقيق أهدافه فى ظل نظام صراعي ، وهي قدرة الدولة على استخدام مواردها العسكرية لإجبار الفاعلين الآخرين فى القيام بما يريد الفاعل الدولي.[45]

أولاً:ظهر في علم السياسة ثلاثة اتجاهات لمفهوم القوة وتفسيرها:

1 .الاتجاه الأول: يعرف القوة على أنها القدرة في التأثير على الغير أي بمعنى القدرة على حمل الآخرين على التصرف بالطريقة التي تضيف لمصالح صاحب القوة .

2 .الاتجاه الثاني: يعرف القوة على أنها المشاركة الفعالة في صنع القرارات المهمة التي تخص المجتمع.

  1. الاتجاه الثالث: يعرف القوة على أنها المحاولة للجمع بين الاتجاهين السابقين ، ويعرف القوة بأنها التحكم والسيطرة المباشرة أو غير المباشرة لشخص معين أو جماعة معينة على القضايا السياسية ، أو عملية توزيع المهام وما يترتب عليه من مقدرة في التقرير أو التأثير في الموقف بالاتجاه الذي يرغب به صاحب القوة. [46]

ثانياً:تعدد تعريفات القوة فى إطار الاتجاهات التالية:

الاتجاه الأول: القوة على التحكم فوق المصدر : ويبرز هذا الاتجاه وجود مجموعة من المصادر سواء مادية أو غير مادية مثل هيكل القوة العسكرية ، ومهارات القيادة وحجم الدولة والجيوش والسكان ، وطالما أن الدولة تستطيع التحكم فوق تلك الدول فمن السهل التنبؤ بقدراتها على تحقيق أهدافها وامتلاك الدولة لتلك المصادر يعنى امتلاكها للقوة والقدرة على تحقيق أهدافها والتأثير في سياستها الخارجية.

الاتجاه الثاني: القوة كتحكم فوق المخرجات : يعتمد هذا الاتجاه على نظرية الإختيار العقلاني لتفسير القوة ، ويرى أن القوة ليست فقط القدرة على فعل الشئ ما بالسيطرة ، ولكنها بالقدرة على الحصول على المخرجات النهائية  ، فإن هذا الاتجاه يرى أن قدرة الدولة هي قدرتها على التحكم فى المخرجات والأحداث والبيئة كوسيلة لقياس القوة.[47]

الاتجاه الثالث:القوة كإجبار وقهر: يعرف هذا الاتجاه القوة كونها قدرة فاعل دولي على تغيير سلوك فاعل آخر اعتماداً على الإجبار والإرغام والقهر لتغيير سلوكه ، وذلك فى مصلحة الطرف الممارس للقوة ، فالقوة العسكرية أو الصلبة هي نوع القوة الذى يستخدم للضغط بالإكراه من القوة المسيطرة على الساحة الدولية فى ظل انتشار الحروب والصراعات التي كانت تحسم بالقوة الصلبة ، وبذلك يتم تحقيق أهداف السياسات العالمية عبر الإجبار والتهديد والإرغام.

الاتجاه الرابع :القوة كقدرة على التأثير والإقناع: يرى هذا الاتجاه أن الفواعل الدولية تستطيع أن تشكل تفضيلات الآخرين والتأثير عليهم عبر قوة الإقناع أو القوة الناعمة وذلك من أجل الإقناع والجذب والتأثير على توجهاتهم ، ولذلك يرى أنصار هذا الاتجاه أن رؤية القوة على أنها نوع من الإجبار والقهر هى رؤية ضعيفة جدا ويمثل الاتجاه نقد للاتجاه السابق .[48]

فيمكن القول إن السياسة الدولية ككل هى صراع من أجل القوة ، وعرفها البعض بأنها ” القدرة التي يمتلكها الانسان للتحكم فى أفكار وسلوكيات الآخرين ، وأن الدول التي لا تمتلك القوة لا يوجد لها تأثير على العلاقات الدولية “، فمفهوم القوة شامل يستند إلى مجموعة من العوامل التي تؤثر فى بعضها البعض لتحقيق سياسة الدولة فى المجتمع الدولى ، وهناك مجموعة من المظاهر المنظمة لاستخدام سياسة القوة فى العلاقات الدولية وأهمها التدخل المباشر كالحرب العسكرية ، واستخدام القوة بشكل غير مباشر عبر المؤامرات وحرب العصابات والتحالفات الجماعية والعسكرية كالحلف الأطلسي ، وتحالفات سياسية واقتصادية كالاتحاد الأوروبي ، ومن أهم الصفات الأساسية التي تتميز بها ظاهرة استخدام القوة هو استخدام القوة الجماعية أى التنظيم الجماعي ، وظهر ذلك بعد الحرب العالمية الثانية ، وأدى ذلك إلى تشكيل المنظمات الجماعية.[49]

ثالثاً:هناك مظهرين لإستخدام القوة :

 الأول: الاستخدام المادى أو الفعلي للقوة المسلحة فى الدفاع عن مصالح الدولة، والثاني: التهديد باستخدام القوة لإجبار الدول الأخرى على الرضوخ والتسليم بأهداف هذه السياسة، والهدف من ذلك هو تحقيق المصالح الدولية القومية ، وهو من شأنه إضفاء طابع العدواة والحرب فى العلاقات بين الدول ، وهي ليست هدفاً فى حد ذاتها ولكنها وسيلة لممارسة النفوذ والتأثير الذي يتضمن تحقيق أهداف الدولة ، وتتدرج ممارسة القوة بين التأثير بالطرق الدبلوماسية من جهة وبين أسلوب الإجبار والإرغام من جهة أخرى ، وأن اللجوء إلى القوة فى الحقيقة هو الوصول إلى مرحلة العجز عن إيجاد الحلول بالطرق السلمية ، وبرز مفهوم القوة الصلبة فى القرنين التاسع عشر والعشرين أثناء الحربين العالميتين والحرب الباردة ، وتتمثل هذه القوة في الإمكانيات العسكرية للدولة .[50]

وأصبح لها أهمية كبيرة على الصعيد العالمي ، وذلك منذ أن أصبح العالم منظماً سياسياً فى شكل دولة قومية مستقلة ذات سيادة ، وظلت القوة العسكرية وما تملكة الدول من أسلحة تقليدية مؤشراً على قوة الدولة سواء استخدمت الدولة تلك القوة أم هددت باستخدامها من أجل تحقيق أهداف سياستها الخارجية ، والقوة الصلبة تعني القوة المشتركة السياسية والاقتصادية والعسكرية ، أى القوة فى صورتها الخشنة التي تعني الحرب والتي تستخدم فيها الجيوش ، وتكون نتائج هذه القوة فى منتهي الخطورة على الدولة ذاتها كما حدث فى الحرب العالمية الثانية مع اليابان وألمانيا النازية ، ولازالت الدول تستخدم فى وقتنا الحالى الأداة العسكرية ، ولكن مع منتصف القرن الماضي شهدت بعض التغيرات التي ترى أن القوة الصلبة تتميز بتكلفتها العالية نتيجة الاستخدام المفرط بهدف تحقيق أغراض فعالة بشكل أكبر مما عليه الحال فى أوقات سابقة ، ويرى المجلس القومي للمخابرات أن الأداة العسكرية فى تراجع مستمر فى القرن الحالي.[51]

 وكان من أهم أسباب تراجع أهمية العامل العسكري :

بروز قوى دولية كبرى غير عسكرية مثل اليابان وألمانيا والصين ، وكذلك انهيار القوى العسكرية العالمية مثل الاتحاد السوفيتي السابق ، وهنا ازدادت قوة الدول الصناعية الكبرى الصاعدة عالمياً ، وتزامن ذلك مع قلة الحروب مابين الدول زيادة الاعتماد المتبادل فى إطار السياسات العالمية ، ومع تطور مفهوم الأمن التقليدي أصبحت القوة الإقتصادية والدبلوماسية هم أكثر أهمية بالنسبة لنظام عالمي متعدد المستويات ، ولم تعد الدولة هى الفاعل الرئيسي فى العلاقات الدولية، فظهرت إلى جانبها فواعل أخرى لها دور فعال على الساحة العالمية ، وتعد الفواعل من غير الدول وحدات لا تتمتع بالسيادة لكنها تمارس أدواراً اقتصادية وسياسية وعسكرية تؤثر على الدولة على مستوى عالمي مثل المنظمات غير الحكومية ، وأصبح استخدام القوة العسكرية يواجه قيوداً داخلية لاسيما فى الدول الديمقراطية.[52]

وبذلك نجد أن القوة العسكرية لم تبق الأداة الوحيدة الفعالة فى السياسات العالمية ، حيث إن الاعتماد الاقتصادى المتبادل والاتصالات والمؤسسات الدولية تلعب دوراً أكبر فى القوة العسكرية ، ولا يمكن إهمال الأداة العسكرية كقوة حاسمة فى العلاقات الدولية لكنها لا تكفي وحدها للحماية ، فمع تطور التكنولوجيا الحديثة ، أصبح أساس القوة يكمن فى الابتعاد عن القوة العسكرية ، وخاصة الأسلحة النووية كانت من بين أسباب هذا الابتعاد ، حيث أثبتت لنا الحرب الباردة أن السلاح النووى مدمر بشكل رهيب وأنه يجب استخدامها فى الحالات القصوى فقط ، وأصبح الاعتماد الحالى على استخدام أدوات الإقناع والجذب ، ويضاف إليها التكنولوجيا التي أحدثت أثراً وتغيراً فى سلوك ومسارات تفكير الشعوب ، والتي عجزت الأسلحة العسكرية عن فعله فى زمن الحروب والصراعات المسلحة.

شهد أواخر عقد الثمانينات من القرن العشرون تحولات جذرية فى هيكلة النظام الدولى :

حيث ظهرت تغيرات عميقة وصفت بغير المسبوقة ، وأنها تمثل نهاية لنظام عالمي وهو الثنائية القطبية ليحل محله الولايات المتحدة الأمريكية ، ولذلك تنوعت مقاييس القوة كمؤشر للنظام الدولى ، وظهر مفهوم القوة الناعمة الذى يعد من المفاهيم الحديثة التي ظهر بعد الحرب العالمية الثانية ، حيث ارتبط هذا المفهوم بمحاولات جوزيف ناي فى معالجة التحليل الضيق لمفهوم القوة الذى كان يركز على القوة العسكرية ، وأن ظهور القوة الناعمة يرجع إلى بداية الاهتمام بالثقافة والدبلوماسية الشعبية والرأى العام منذ الحرب الباردة ، وعرفها ناى بأنها ” القدرة على تحقيق الأهداف من خلال الجذب وليس الإكراه” ، وتعتمد القوة الناعمة على الأفكار والثقافة ، وعلى عنصر الجذب والإكراه ، والتي تعني أن تكون لديه القدرة أن يعمل على تحقيق أهداف معينة عن طريق الترغيب ولا الترهيب والترغيم ، وتعد المصداقية والشرعية عنصرين أساسيين للقوة الناعمة . [53]

ولذلك تؤثر هذه القوة على واقع العلاقات الدولية ، فهي لا تمارس فى السياسة الدولية من أجل جذب الآخرين وإقناعهم ، ولكن لها أهداف محددة مثل تحقيق استراتيجيات أمنية ، وبذلك ظهرت القوة الناعمة كأداة فعالة ذات أهمية على الساحة السياسية ، وتعتبر الركيزه الأهم للقوة ، فمع التطور التكنولوجي والثورة العلمية والاتصالات ، أصبح استخدام القوة الناعمة يعتمد على التأثير فى الأفكار والمعتقدات والقيم  ، دون الحاجة إلى استخدام الإكراه والوسائل العسكرية فى تحقيق الأهداف الاستراتيجية ، وتعتبر القوة الإعلامية أو المعلوماتية من أهم مصادر القوة الناعمة المؤثرة على سياسات الخصم خاصة عندما يكون صادقاً ، كما أن شرعية مؤسسات الدولة وسياستها المتزنة تضفي قوة ناعمة للدولة ، وهو ما يطلق عليه ب ” حوكمة المؤسسات ” . فيمكن القول إن القوة الناعمة جاءت بعد حالة اتسمت بالاستخدام الشديد للقوة العسكرية مما ولد ردود أفعال سلبية لدى الدول الأخرى ، فكان لابد من حالة الانفراج ، وتركز القوة الناعمة على موارد أساسية منها الثقافة والتي تعد مصدراً مهماً من مصادر توليد القوة الناعمة لأية دولة ، والقيمة السياسية والتي بدورها تعزز من قوة الدولة ، وكذلك مدى جدية الالتزام بها داخلياً وخارجياً ، والتي تقوم وفق أسس وطنية ، والسياسة الخارجية والتي تحمل قيماً ديمقراطية يمكن لها أن تزيد من فعالية وتأثير القوة الناعمة

للدول ، إذا ما نظر إليها من قبل الدول الأخرى والشعوب على أنها تحظي بالشرعية والأخلاقية ،ويوجد ثلاث مهارات هي الأكثر أهمية فى ممارسة القوة الناعمة ، أولاً: الذكاء العاطفي وهو القدرة على السيطرة على المشاعر واستخدامها للوصول إلى الآخرين ، ثانياً: فكرة تأليف رؤية للمستقبل تجذب الآخرين ، ثالثاً: مهارات الاتصال بما فى ذلك المهارات البلاغية ، والقدرة على استخدام وسائل الاتصال غير اللفظي .[54]

 أكد جوزيف ناى على أن هذه القوة ليست مفهوماً قيمياً :

حيث نجد أن بعض المصادر العسكرية تسهم وبشكل كبير فى القوة الناعمة ، كما يرى أن العديد من الناس ينجذبون إلى الدولة القومية ذات القدرات العسكرية الجيدة فى إطار برامج التدريب المتبادل ، فتعد الصين نموذجاً اقتصادياً ناجحاً للقوة الناعمة ، حيث تعتمد على تقديم المساعدات الخارجية فى علاقاتها مع دول جنوب شرق آسيا كقوة لكسب المزيد من الأسواق فى الدول النامية ، وتستطيع بذلك تحويلها لقوة صلبة لفرض العقوبات على هذه الدول ، ويرى آخرون أن القوة الناعمة قد تكون قوة للإقناع ، وقد تكون قوة للإكراه ، وفى ضوء ارتفاع تكلفة القوة الصلبة من الناحية البشرية والمادية ، وعدم قدرة القوة الناعمة على أن تعمل وحدها ، برز مفهوم آخر للقوة للاستفادة من كلتا القوتين وذلك فى إطار استراتيجيات جديدة تستدعي أدوات القوة المختلفة تبعاً للسياق الدولي. [55]

أهمية ظهور ثورة  المعلومات والإتصالات والفضاء الإلكتروني:

حيث ظهر على الساحة الدولية مفهوم جديد أطلق عليه ” القوة الإلكترونية” ، وتعد التكنولوجيا أحد المؤشرات الرئيسية لبيان قدرة الدولة اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، ، وأصبحت القدرة التكنولوجية من أهم معايير القوة ، فصناعات المستقبل هي صناعات ” المادة الرمادية”   ( برامج الكومبيوتر – الروبوتات – الاتصالات) ، وتشكل أهمية متزايدة للقوة القومية ، ومن ثم تعيد تشكيل العلاقة بين السياسة والقوة ، وتعد التكنولوجيا الإعلامية المرئية والمسموعة من أهم الاستخدامات التي يتم من خلالها التحكم بالعقول وترويض القلوب بما يتوافق مع المصالح العليا للدول ، ويتم استخدام مواقع الإنترنت لتغذية الأفكار بمبادئ الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان  . وبذلك تصبح التكنولوجيا أساس الحداثة فى جميع المجالات ، وذات أهمية قصوى فى تطور الدولة وقدراتها ، وأصبحت من وسائل القوة السياسية للدولة ، ويعود ظهور مفهوم القوة الإلكترونية إلى بدايات عام  2003 ، حيث انتسب أيضاً إلى جوزيف ناي ، وهو يعتبر مفهوم وصفي للاستراتيجية التي تجمع بنجاح بين القوة الصلبة والقوة الناعمة فى سياقات مختلفة ، ويأتي مفهوم القوة الافتراضية فى قدرته على تحويل القوة من قوة فاشلة إلى قوة لها مخرجات تصب فى صالح الدولة ، أى بمعني وجود قوة ناعمة تمتلك المهارات التي تساعد صانع السياسة الخارجية على التخطيط للتكتيكات مع الأهداف لخلق استراتيجية اندماجية تجمع بين القوتين من دبلوماسية عامة ، ومساعدات للتنمية الشاملة ، والإنقاذ من الكوارث .[56]

أثرت القوة الإلكترونية فى علاقات القوة :

وذلك على ممارسة كل من القوة الصلبة والناعمة من خلال الفضاء الإلكتروني ، ولا تستخدم هذه القوة من قبل الدول الكبرى فقط ، بل يمكن أن تستفيد منها الدول الضعيفة أيضاُ، فهناك بعض الدول النامية مثل سنغافورة نجحت فى استثمار قدراتها العسكرية لردع تهديدات الدول المجاورة ، كما نجحت الولايات المتحدة وإسرائيل فى الدمج بين القوة الصلبة والقوة الناعمة، فبعد الحرب العالمية الثانية ، بحيث استخدمت الولايات قوتها العسكرية للقضاء على أعدائها ، كما استخدمت قوتها الناعمة لإعادة إعمار الدول الأوروبية واليابان من خلال نشر الثقافة والقيم الديمقراطية ، ولذلك يجب التأكيد على أن القوة الإلكترونية لا تعني اختفاء أدوات القوة الصلبة والناعمة ، فهذه القوة تعمل فى إطار التوافق والتبادل مع باقي الأدوات الأخرى . ويؤكد ناى على أن تحقيق أهداف الدولة تتم من خلال كلتا القوتين وذلك فى إطار القوة الافتراضية التي أثبتت فاعليتها فى عصرنا الحالي ، ومن أهم الأسباب التي أدت إلى ظهور القوة السيبرانية هو القدرة على تحقيق مردود فى الشئون الدولية عن طريق الاستقطاب الإيجابي من خلال المصالح المشتركة أكثر مما يمكن تحقيقه عن طريق الإكراه ، وحاجة الدول المتقدمة إلى جذب الدول النامية للعمل معها كشريك دولي لمواجهة التحديات العالمية المشتركة مثل: التغييرات المناخية ، وانتشار الأمراض ، والأوبئة المستعصية ، ومحاربة الإرهاب والمنظمات المتطرفة ، وإدراك القوى الغربية صعوبة الاعتماد على الخيار العسكرى لمواجهة القوى غير الرسمية المعتنقة لفكرة المقاومة والجهاد .[57]

وبذلك نجد أن ثورة المعلومات ساهمت بشكل فعال فى نقل المنظومة القيمية الغربية إلى كل أرجاء العالم ، وخاصة تجاه دول العالم الثالث غير المستقرة ، وإن التحول فى الفكر الاستراتيجي من القوة الصلبة إلى الناعمة إلى القوة السيبرانية لم يكن نتاج اجتهادات فردية بقدر ما كان نتيجة تفاعلات فكرية مختلفة داخل مراكز البحوث والدراسات والجامعات ، التي أثبتت أن الأسلوب الأمثل هو المزج الذكي بين كلتا القوتين الصلبة والناعمة ، فأصبحت القوة الإلكترونية هي الهدف الرئيسي التي تسعي الدول للحصول عليه ، وذلك لما للتكنولوجيا من قوة فاعلة ومؤثرة فى النظام الدولي ، فهي حقيقة أساسية فى العالم.

المبحث الثاني: مفهوم القوة السيبرانية (فواعلها وعناصرها)

إن لظهور الفضاء الإلكتروني والشبكة العنكبوتية أثراً جوهرياً فى الحياة البشرية ، وأصبح من يمتلك آليات توظيف هذه البيئة الإلكترونية الجديدة ، يكون الأكثر قدرة على التأثير فى النظام العالمي ، مما جعل العالم كله يبدو صغيراً ، وأصبحت الثقافة الغربية المنتجة للتكنولوجيا هي الثقافة المهيمنة ، الأمر الذى يجعل الخصوصية الثقافية لبعض المجتمعات موضع تهديد حقيقي ، فقد غيرت التكنولوجيا من أشكال الحروب والصراعات البشرية على مدار العصور ، فمن الحروب التقليدية ووصولاً إلى الحروب السيبرانية التي لديها القدرة على إلحاق دمار يوازي دمار الأسلحة التقليدية ، بل قد يفوقة فى بعض الأحيان ، فجاءت التكنولوجية لكي تعيد صياغة جميع التفاعلات الشخصية ، والمحلية ، والدولية .

مفهوم القوة السيبرانية لغة واصطلاحاً :

ففى اللغة تعد كلمة سايبر ((Cyber يونانية الأصل ، وترجع إلى مصطلح ” kybernetes” ويعني القيادة أو التحكم عن بعد ، والسيبرانية فى القاموس تعني علم الضبط ، ومصدرها “Cybernetics” ، أى ضبط الأشياء عن بعد والسيطرة عليها ، وأول من استخدم مصطلح السيبرانية هو عالم الرياضيات ” نوربرت وينر ” وذلك فى عام 1948 ، فى أثناء دراسته موضوع القيادة والسيطرة فى عالم الحيوان ، فضلاً عن حقل الهندسة الميكانيكية ، وعرف قاموس مصطلحات الأمن المعلوماتي مفهوم السيبرانية بأنها ” هجوم عبر الفضاء الإلكتروني يهدف إلى السيطرة على مواقع إلكترونية ، لتعطيلها أو تدميرها أو الإضرار بها ” ، ولتعريف المفهوم اصطلاحياً نجد أن هناك عدة مصطلحات حوله ، مثل تبني البعض مصطلح الفضاء السيبراني ، الهجمات السيبرانية ، الحرب السيبرانية ، ولكننا سوف نتبني  مصطلح القوة السيبرانية.[58]

وعرفها جوزيف ناى بأنها “مجموعة الموارد المتعلقة بالتحكم والسيطرة على أجهزة الحاسبات ، والمعلومات ، والشبكات الإلكترونية ، والبنية التحتية والمعلوماتية ، والمهارات البشرية المدربة للتعامل مع هذه الوسائل ، ويرى أن القوة السيبرانية فرضت تحديات على الأطراف الدولية ، خاصة على الدول الكبرى التي كانت تحتكر مصادر القوة ، وانتقال القوة وانتشارها بين أطراف متعددة سواء كانت دولاً أو غير دول ، مما جعل قدرة الدولة على السيطرة في هذا الميدان محل شك مقارنة بالمجالات الأخرى للقوة ، مما جعلت الفاعلين الأصغر فى السياسة الدولية ، لديهم قدرة أكبر على ممارسة كل من القوة الصلبة والناعمة فى الفضاء السيبراني ، مما يعني تغير فى علاقات القوة فى النظام الدولي .[59]

عناصر القوة السيبرانية :

وترتكز على وجود نظام متماسك يساند الدول على ممارسة الإكراه، أو الإقناع أو ممارسة التأثير السياسي فى أعمال الدول الأخرى ، بغرض الوصول للأهداف الوطنية من خلال قدرات التحكم والسيطرة على الفضاء السيبراني ، وأعطت هذه القوة دفعا للقوة الناعمة حيث أن الفضاء السيبراني صار مسرحاً لشن هجمات تخريبية ، من خلال نشر معلومات مضللة ( الحرب النفسية) ، والتأثير فى توجهات الرأى العام ، مما تقوم الدول بحماية شبكاتها الوطنية من خطر التهديدات ، وأصبح هناك مصالح وطنية إقليمية دولية للحفاظ على أمن الفضاء السيبراني على أساس أن هذا الفضاء صار جزءاً من الأمن العالمي ، وله دور فعال فى تحقيق الرفاهية الاقتصادية ، والتفوق السياسي .[60]

أولاً:حدد جوزيف ناى ثلاثة أنواع من الفاعلين الذين يمتلكون القوة السيبرانية :

  1. الدولة: حيث تعتبر فاعلاً محورياً فى تسيير الفضاء الإلكتروني انطلاقاً من إمكاناتها المادية والبشرية والقانونية ،2 .الفاعلون من غير الدول : حيث يأتي هنا دور الأفراد والجماعات والمنظمات غير الحكومية والشركات الذين أصبحوا بإمكانهم التحكم فى توجهات الدول ، وإدارتها وفق سياسات معينة من خلال الفضاء السيبراني ، وأهمهم:

ا.الشركات متعددة الجنسيات :نظراً لامتلاكها موارد للقوة تفوق قدرة بعض الدول ، ولا ينقصها سوى شرعية ممارسة القوة ، مثل شركات Google ، Microsoft ، Apple ، المنتشرة فى مختلف دول العالم ، وتستطيع التأثير فى اقتصاديات العديد من الدول ، وفى قوة الدول من خلال التلاعب بالبيانات الدولية للاقتصاديات ، ولذلك تتجه معظم الدول إلى جذب مثل هذه الشركات الدولية لخلق استثمارات جديدة بها لأن عائدها الاقتصادى من تصديرها للتكنولوجيا مرتفع كثيراً.

ب.المنظمات غير الحكومية: وتعتمد هذه المنظمات بشكل كبير على وسائل التكنولوجيا الحديثة فى تعبئة الرأى العام ، والضغط على الحكومات للتغيير فى سياسات معينة ، مثل ما تقوم به اليوم معظم منظمات البيئة العالمية ، وحقوق الإنسان .

ج.حركات التحرر الوطني: تعتبر من أبرز الفواعل الدولية من غير الدول مثل: حركة حماس وحزب الله ، فإنهم يقومون بإرسال هجمات سيبرانية ضد أهداف العدو عبر الإنترنت دفاعاً عن معتقداتهم .

د.المنظمات الإجرامية والإرهابية: ويُعد لها أثر كبير فى التفاعلات الدولية ، وغالباً ما تحميها الحكومات الضعيفة والفاسدة ، وتقوم هذه المنظمات بالقرصنة السيبرانية بهدف سرقة المعلومات ، أو اختراق حسابات بنكية ، ويقومون بإرسال رسائل تهديد أو تدمير البيانات المخزنة فى نظم المعلومات الحكومية ، وتكلف هذه الجرائم السيبرانية الشركات الكبرى أكثر من تريليون دولار سنوياً ، ومن الصعوبه الكشف عن هويتها ، وذلك راجع للميزة التي يتمتع بها الفضاء السيبراني من قابلية التخفي ، وهذا ما يصعب اقتناصهم.

3 .الأفراد: حيث لهم القدرة على إحداث الثورة المعلوماتية مثل ما قام به Mark Zoukerberg بتأسيسه لشبكة ( Facebook) عام 2004 ، لتستقطب أكثر من مليار مستخدم عبر العالم ، فمواقع التواصل الاجتماعي لها دورها البارز فى تنظيم عدة مظاهرات فى مختلف دول العالم ، كما أن هناك مختصين فى أعمال القرصنة أو الجرائم السيبرانية ، وسرقة المعلومات والبيانات الشخصية ، فأعطى الفضاء السيبراني مساحة متزايدة للفواعل من غير الدول للتأثير على العلاقات الدولية .[61]

ثانياً:أدوات القوة السيبرانية :

فكما ذكرنا أن الفضاء السيبراني ما يميزه أنه صراع مجهول الأطراف فى كثير من الأحيان ، ويسعى كل طرف فيه لتحقيق أكبر قدر من المكاسب ، وإلحاق أكبر قدر من الخسائر بالخصم ، فلابد أن تمتلك الدول أدوات القوة السيبرانية ، وكيفية توظيفها ضمن نمطيها الصلب والناعم ، ومن هذه الأدوات:

1.بنية تحتية تكنولوجية: وهي البنية الأساسية لتكنولوجيا المعلومات ، وتتضمن هذه البنية مراكز البيانات ، وأجهزة وشبكات الكمبيوتر ، وأجهزة إدارة قواعد البيانات ، وأي نظام للوائح التنظيمية ، وتشمل وسائل النقل عبر الكابلات ، والأقمار الصناعية.

الأسلحة السيبرانية وتشمل /

  1. 2. الفيروسات: وهي برامج تم تصميمها لإلحاق الضرر بقواعد البيانات ، أو سرقتها وتخريبها أو قطع الاتصال بالشبكة ، وهي برامج صٌنعت عمداً لتغيير خصائص الملفات ، والغرض منها هو إلحاق الضرر بالحاسوب أو الهاتف والسيطرة عليه ، وكتابتها تكون بطريقة معينة ، وقد تستخدم الفيروسات لتعطيل شبكات الخدمات والبنية التحتية للطرف المستهدف ، كإحداث فشل في شبكة الاتصالات لدولة ما .

3.الديدان : وهي برامج صغيرة تتكون من الشبكات ، وغايتها قطع الاتصال عن الشبكة أو سرقة البيانات ، وذلك أثناء تصفح المستخدمين للإنترنت.

  1. دودة ميليسا (Melissa Worm) : أدت إلى خسائر تٌقدر بالملايين الدولارات ، ثم نشر الفيروس بواسطة البريد الإلكتروني ، وذلك من خلال رسالة بريد إلكتروني مزيفة تقوم بإرسالها نفسها إلى 50 بريد إلكتروني آخر عند فتحها ، وانتشرت عام1999.

5.دودة ستكسنت  (Stuxnet worm ): انتشرت عام 2010 عبر أجهزة USB (drivers) ، عند وصلها بجهاز الحاسوب ، وهي لا تتطلب وجود اتصال بشبكة الإنترنت لكي تتمكن من الانتشار ، وقد أصاب الفيروس محطات توليد الطاقة النووية بالإضافة لمحطات تخصيب اليورانيوم في إيران.[62]

  1. أحصنة طراودة (Trojan Horse): هي شفرة صغيرة يتم تحميلها مع برنامج رئيسي من البرنامج ذات الشعبية العالية ، ويقوم ببعض المهام الخفية ، ويركز غالباً على إضعاف قوى الدفاع أو اختراق الأجهزة وسرق البيانات ، فهو نوع من البرميجيات الخبيثة ، ويعتمد على الثغرات الأمنية التي تتيح الوصول غير المصرح به إلى جهاز المستهدف.

7.القنابل المنطقية :(logic Bombs) هي أحد أنواع أحصنة طروادة ، وتصمم تحت ظروف معينة أو لتنفيذ أمر معين ، وتؤدي إلى تخريب أو مسح البيانات أو تعطيل النظام.

8.الماكينات والميكروبات فائقة الصغر: وهي عبارة عن (robots) فائقة الصغر ، قد تنتشر فى مبني نظام معلوماتي لدولة معادية أو منافسة ، حيث تتفشي فى المكاتب حتي تجد حاسباً آلياً ، وتدخل إليه من خلال الفتحات الموجودة به ، لتبدأ بإتلاف الدوائر الإلكترونية ، أما الميكروبات فتقوم بتدمير الدوائر الإلكترونية فى أى معمل به حسابات آلية .[63]

9.الأبواب الخلفية (backdoors): وهي ثغرة تترك عن عمد ، من قبل مصمم النظام لكي يستطيع الدخول إلى النظام عند حاجته إليه ، ولذلك كل البرامج والنظم التي تنتجها الدول الكبرى ( إسرائيل) تحتوى على أبواب خلفية ، وهو ما يمكن هيئات وأركان حرب المعلومات من التجوال الحر داخل أى نظام لأى دولة أجنبية.

  1. 10. مدافع (HERF): وهي التي تعمل على إطلاق موجات راديو مركزة وعالية الطاقة والتردد ، تستطيع تعطيل وإتلاف أى هدف إلكتروني ، أما مستويات الضرر التي قد تحدثها فهي تختلف من ضرر متوسط ، كغلق شبكة حاسب مثلاً أو إعادة تشغيله بشكل دوري فلا يمكن استغلاله ، ويمكن أن تؤدى إلى إحداث ضرر بالغ ، كإتلاف الشبكة بشكل لا يمكن بعده إصلاح الحاسب أو الشبكة .[64]

11.الرقائق (Shippings): من الممكن أن تحتوي بعض الرقائق على وظائف غير متوقعة أو معروفة كما في البرامج والنظم ، حيث يمكن للدوائر المجمعة التي تشكل هذه الرقائق أن تحتوي على وظائف إضافية أثناء تصنيعها لا تعمل في الظروف العادية ، إلا أنها قد تعلن العصيان فى توقيت معين ، أو بالاتصال بها عن بعد ، حيث يمكن أن تستجيب لتردد معين لبعض موجات الراديو فتشل الحياة فى دولة ما . [65]

ثالثاً: تنقسم العمليات الإلكترونية إلى ثلاثة أنواع وهي:

1.مهاجمة شبكات الحاسب الآلي Computer Network Attack ( CAN): والتي تتمثل فى اختراق الشبكات لتعطيلها ، ونشر فيروسات مدمرة ، أو نشر معلومات محرفة ، من أجل إرباك العاملين عليها ، أو القيام بهجمات إلكترونية أو مادية لقطع خدمات الإنترنت عن الخصم ، مما يسمح بتدمير قواعد البيانات الإلكترونية ، أو قطع أنظمة اتصال بث الوحدات العسكرية ، أو شل أنظمة الدفاع الجوي ، أو توجيه الخصم إلكترونياً ، أو السيطرة على وحدات القيادة .

2.الدفاع عن شبكات الحاسب الآلي Computer Network Defence (CND): هي عملية تقوم بحماية الشبكات وأجهزة الكمبيوتر من التعرض للاختراق ، وتأمنيها يكون على مستوى البرمجيات software)) ، والمكون المادى للشبكات (hard ware) ، أي تأمين الشبكة والمكون المادي لها ، كالخوادم أو الشرائح التي قد تكون برمجت من قبل المصمم لكي تعمل في ظروف غير عادية لصالحه.

3.استطلاع شبكات الحاسب الآلي: Computer Network Exploitation (CNE) : وهي المقدرة على الدخول غير المشروع والتجسس على شبكات الخصم دون تدمير أو تخريب للبيانات ، ويكون الهدف من ذلك الحصول على المعلومات ، وقد تشمل خطط الدفاع العسكري ، أسرار الحرب العسكرية ، أو معلومات استخباراتية ، أو سياسية ، ويمتد أثرها إلى رسم خرائط لشبكات الحاسب الآلي لكي يستفاد منها مستقبلاً فى الهجوم السيبراني ، كما يمكن ترك بعض الثغرات لحقن الشبكة بفيروسات من أجل القيام بمهام معينة ، وذلك من خلال الأبواب الخلفية ، ويمكن استخدامها للتأثير فى سلوكيات الخصم ، وذلك بنشر الخطط العسكرية والبيانات ، أو إرساله إليه ليدرك أنه مخترق ، مما يدفعة للتفاوض أو الاستسلام. [66]

حدد جوزيف ناي أنماطاً لإستخدام القوة السيبرانية :

وميز بين الاستخدام الصلب والناعم ومنها: قدرة الدولة (A) على التأثير على سلوكيات الدولة ( B) ودفعه للقيام بأعمال لم يكن ليقوم بها ، و تكون هنا مصدراً للقوة الصلبة عن استخدام الأدوات لتدمير أجهزة الدولة عبر قطع كابلات الاتصالات ، أو تدمير الأقمار الصناعية ، أو استخدام الأسلحة السيبرانية كالفيروسات ، من أجل تدمير الأنظمة المعلوماتية لمنشأة حيوية ، ويهدد ذلك أمن واستقرار الدولة  ، وقد يكون استخدام القوة السيبرانية مصدراً للقوة الناعمة ، وذلك من خلال التأثير فى سلوك الفاعل الدولي، مثل استخدام اليوتيوب لتخطي التعتيم الإعلامي أو فضح الانتهاكات المرتكبة من طرف الأنظمة المستبدة ، وتستخدم أيضاً لإدارة العمليات النفسية ، والتأثير فى الرأى العام ،وتكوين تحالفات دولية ، ويتم استخدامها داخل أجهزة الاستخبارات الدولية ، وتتمثل أيضاً فى وضع الدولة لمعايير ملزمة للبرمجيات ، واستخدام الجماعات الإرهابية للفضاء السيبراني للتجنيد . وتقوم بعض الدول باستخدام القوة السيبرانية من أجل التحكم فى أجندة الدول الأخرى ومنعهم من تنفيذ بعض خططهم الاستراتيجية ، مثل قيام إيران بتعطيل سرعة الإنترنت لإعاقة بث فيديوهات المعارضة ، وبالتالي أحبطت استراتيجيتهم . ويمكن من خلال هذه القوة أيضاً حجب مواقع معينه عن المواطنين ، وترك أخرى ، أو يتم نشر قيم وثقافات رافضة عبر الانترنت .[67]

وبذلك ساهمت القوة السيبرانية فى تغير علاقات القوة فى السياسة الدولية ، حيث جعلت لدى أصغر الفاعلين قدرة كبيرة على ممارسة كل من القوة الصلبة والناعمة فى الفضاء الإلكتروني، وساهمت أيضاً في تغير مفهوم الحرب ، حيث أصبحت الجيوش العسكرية فى كافة أنحاء العالم تهتم بحرب المعلومات ، ودورها فى حروب المستقبل ، والتي يتوقع الكثير حدوثها فى الفضاء الإلكتروني ، وأصبح من الممكن أن يتم مهاجمة أنظمة الحكومة الإلكترونية من داخلها أو من خارجها غن طريق الهاكرز أو أجهزة الاستخبارات فى البلدان المعادية ، عبر تنفيذ الهجمات الإلكترونية بهدف اختراق النظام الأمني المعلوماتي للحكومة ، ولذلك تغير الأمن القومي إلى الأمن السيبراني ، التي تسعي الدول إلى حمايته .

خاتمة:

ومما سبق خلصت الدراسة فى هذا الفصل إلى أن مفهوم القوة قد طرأت عليه تغيرات عديدة وفقاً لتطورات السياسة الدولية ، فظهر لنا مفهوم القوة الصلبة ثم الناعمة ،وأخيراً القوة السيبرانية ، فقد أثر الفضاء السيبراني والثورة المعلوماتية على تحولات مفهوم القوة ، مما ساعد على ظهور مفهوم القوة السيبرانية ، كما ساعد أيضاً فى انتشار القوة على المستويين الداخلي والخارجي وعلى الفاعلين المستخدمين لها ، فلم تعد حكراً على الدولة ، مما أدى لظهور مصادر تهديد غير تقليدية على الدولة ، وتراجع مفهوم سيادة الدول ، مما جعل الدول تتسارع فى امتلاك عناصر القوة السيبرانية لتفادى المخاطر المحتمل حدوثها ، ولكي تهيمن على الساحة الدولية .

الفصل الثاني

القوة السيبرانية الإسرائيلية : الإمكانيات والقيود

مقدمة:

أدركت إسرائيل أن القوة السيبرانية ستمكنها من تحقيق التنمية والأهداف الاستراتيجية ، فأصبحت من الدول المتقدمة في استخدام المجال السيبراني ، ونظراً لكون هذا المجال من صنع الإنسان ، وليس له حدود ، ونظراً للتهديدات السيبرانية المتعاقبة على الدولة الإسرائيلية ، فما كان عليها إلا اتباع طرق للهجوم أو الدفاع ، وذلك بوضع استراتيجيات أمنية جديدة لحماية الدولة وفقاً لقدراتها السيبرانية الهائلة ، ولإبراز تمكن إسرائيل وقدراتها فى المجال السيبراني ، فسوف يتناول هذا الفصل مبحثين: الأول:التهديدات التي تواجه الأمن الدولة الإسرائيلية ، والثاني: الإمكانيات الإسرائيلية السيبرانية .

المبحث الأول: التهديدات التي تواجه الأمن القومي الإسرائيلي

لقد شهدت ساحة الحرب فى المجال الافتراضي خلال السنوات الأخيرة العديد من التطورات ، كان أبرزها الهجمات الإلكترونية ، ويدخل في سياقها التجسٌس ، والاختراق ، والتحكم في قواعد بيانات قد تمس الأمن القومي ، برغم القدرات والمزايا الكامنة فى الفضاء الإلكتروني ، إلا أنه فى الوقت نفسة يفتح المجال لمخاطر هائلة ، ودائماً ما تتحدث إسرائيل عن قدراتها السيبرانية المهوله ، إلا أنها قد تصاب بالشلل مع الهجمات السيبرانية المتكررة.

وأصبحت الشبكة العنكبوتية ساحة نزاعات وصراعات  ، فتتعرض إسرائيل للعديد من التهديدات ، منها:

التهديدات الاقتصادية: والتي تشمل التحويل غير الشرعي للأموال من البنوك ، ويندرج تحتها عمليات اختراق الحسابات الشخصية لسرقة بطاقات الائتمان وغيرها .

التهديدات السياسية : وتشمل اختراق الحسابات الشخصية والمواقع الإلكترونية الخاصة بجهات حكومية .

التهديدات العسكرية:  وتتمثل في العديد من العناصر أهمها:

أولاً:الهاكرز واختراق الحيز الافتراضي : حيث جاءت القرصنة الإلكترونية كأحد تجليات الثورة المعلوماتية، وظهر ما يعرف بالحرب الإلكترونية القائمة أساساً على أجهزة الحاسوب ، من خلال أشخاص محورية برزت على الساحة الرقمية ( الهاكرز) ، فهم يمتلكون خبرة عميقة في ميدان تقينات المعلومات،  وهم يعملون عبر الاختراق البرمجى لأجهزة الحاسوب ، وأحدثوا تغييراً جوهرياً فى أهداف عملية القرصنة المعلوماتية التي كانت فى بدايتها عبارة عن نزعة فضولية للوصول إلى معرفة جديدة ، أو تحدي العقبات الأمنية التي تضعها الجهات الأخرى لغرض الإحساس بنشوة النصر ، فتوجًهت أهداف هذه العمليات إلى تحقيق مكاسب مادية أو سياسية موجًهة ، وأصبحت إمكانية إحداث تدمير جزئي أو كلي فى المواقع الرقمية التي تستهدفها الهجمات الإلكترونية جزءاً مكملاً للسُلوك الذى يمارسة ” الهاكرز” على النظم التي يمارس عليها آليه الاختراق .[68]

 وهناك خمس طرق يمكن أن يلجأ إليها ” الهاكرز” للدٌخول إلى شبكة الحواسيب :

  1. الحصار الافتراضي (Virtual Sit Ins and Blocked) :ويهدف إلى إحداث خلل أو تمزيق في آليات سريان العمليات التقليدية ، ولا يستطيع المستخدمون الدخول إلى المواقع .
  2. قنبلة البريد الإلكتروني (Email Bomb) :وتتمثل هذه العملية بإرسال كم كبير من الرسائل الإلكترونية إلى صندوق البريد الإلكتروني ، مما يؤدى إلى تعطل قدرة البريد على تلقي الرسائل .

3.قرصنة مواقع الويب واختراق الحواسيب (Web Hacks and Computer Break-Ins) :  ويقوم الهاكر بهذه العملية من خلال الدخول غير المشروع إلى إحدى مواقع الويب ، ويتم استبدال معلومات جديدة بالمعلومات الموجودة عليه .

4.هجمات الحرمان من الخدمة (Denial of Service): حيث يتم إغراق المواقع بسيل من البيانات غير اللازمة ، ويجري إرسالها ببرامج متخصصة تعمل على نشر هذه الهجمات ، فتسبب بطء الخدمات أو ازدحاماً مرورياً على هذه المواقع ، هيصعب وصول المستخدمين إليها ، وهي تستعمل كثيراً ضد مواقع البنوك أو المؤسسات من أجل التأثير عليها أو لدفع فدية مالية. ففي عام 2000 قام فريق من القراصنة بحذف محتويات موقع حزب الله بعد أسر جنود إسرائيلين ، وتم الرد على هذا الهجوم بهجمات ممائلة على مواقع إسرائيلية ، أهمها مكتب رئيس الوزراء ، موقع الكنست ، وموقع بورصة إسرائيل ، غرفة التجارة ، حيث بلغ عدد المواقع التي تم مهاجمتها نحو 280 موقعا مقابل34 موقعاً عربياً ، كما تعرض حوالي      80موقعاً إسرائيلياً فى عام 2001 لهجمات ناجحة أدت إلى خروجها من الخدمة ، وأيضاً عام     2020تعرض موقع الموساد الاسرائيلي لاختراق وسرقة عملائه الجدد ، وفى عام 2013 قام مجموعة من الشباب المسلم والعربي بشن حرب إلكترونية على مواقع إسرائيلية تمكنوا من خلالها الحصول على معلومات عن ملفات سرية من خلال اختراق الشبكات وتليغمها.[69]

ثانياً:الجريمة السيبرانية الداخلية:  وهي تعتبر نشاطاً غير مشروع موجهاً لنسخ أو تغير أو الوصول إلى المعلومات المخزنة على الحاسوب، ومن نماذجها:

1.التصنت على الهواتف: فهناك حادثة شهيرة عام 2011وذلك عندما تم إلقاء القبض على خلية تضم 22 باحثاً إسرائيلياً بإتهماهم بالتنصت على الهواتف النقالة عبر فيروس من نوع حصان طروادة.

2.سرقة الوثائق العسكرية: حيث شهدت إسرائيل قضية شهيرة عام 2008 ، حيث قامت مجندة تدعى “عانات ” جمعت آلاف من الوثائق العسكرية والصور السرية من الحاسوب الآلي العسكري التي كانت تستخدمة إلى جريدة ” هارتس” ، وحسب الاتهامات كانت بناء على دوافع أيديولوجية .

3.تسريب بيانات المواطنين:  حيث تم سرقة نسخة كاملة من السجل المدني لسكان إسرائيل ، وتسربيها على الإنترنت ، وهي من أخطر عمليات السرقة السيبرانية فى إسرائيل ، حدثت عام2011.

4.الإرهاب الإلكتروني:  وهو عبارة عن الدمج بين العنف وتوظيف التكنولوجيا فى ظل مواكبة عصر العولمة ، حيث تتسع ساحة الفاعلين الدوليين ، والتي منهم: الدول القومية ، والمنظمات الحكومية ، والمنظمات الدولية غير الحكومية ، حيث تقوم بعمليات قرصنة لسرقة المعلومات ، واختراق الحسابات البنكية ، ، حيث تعرضت إسرائيل للعديد من الاختراقات لعدة بنوك فى تل أبيب ، وتعتبر القوة إرهاباً عبر الإنترنت ، إذ صاحبها دوافع سياسية مثل التأثير على الرأى العام ، وتعتبر حركات التحرر الوطني من أهم الفواعل من دون الدول ، مثل: حركة حماس وحزب الله ، والتي تقوم بشن هجمات إلكترونية ضد أهداف العدو ، مثل الحرب الإلكترونية بين حركتي حماس وحزب الله وإسرائيل عام2000 .[70]

ثالثاً: ” الأنونيمس “:

لا تتكون هذه الجماعة فقط من محترفي القرصنة ” الهاكرز”، ولكن لديها مهارات على الكتابة، وصنع مقاطع الفيديو، وتساعد علي نشر المعلومات والرسائل واستنساخها، خاصة على شبكات التواصل الاجتماعي، وتتميز بتدني التكلفة المادية، فهذه الجماعة تستخدم الأدوات المعلوماتية على الإنترنت من أجل فك الشفرات البرمجية لتوجيه ضرباتهم للخصوم، ومن دون الحاجة إلى مصادر تمويل ضخمة، وأهم ما تتميز بها مجموعة ” الأنونيمس” أنها ليست لديها عقيدة جامعة سوى الإصرار على النضال والحرية المطلقة على الإنترنت، وهم لا يعيشون فى عالمهم الخاص ، ولكنهم على وعي بما يحدث في العالم ، وهم مجهولون الهوية ، وهي كيان عابر للقارات ، وقامت بالعديد من العمليات والهجمات استهدفت من خلالها مخاوف دول كبرى ، ويكون هدفهم فضح الحكومات الفاسدة ، وأصبح من الصعب إلى حد ما التعرف إلى عدد أعضاء هذه المجموعة ، التي أصبحت رمزاً للمهاجمين الإلكترونيين ، وهم أشبة بجيش ثكنته العالم الافتراضي ، ويعملون في جميع أنحاء العالم .[71]

 العمليات التي قامت بها مجموعة “الأنونيمس“:

قامت بهجمات متتالية ومنسقة ضد مواقع لهيئات حكومية ومؤسسات أمنية وإخبارية إسرائيلية ، ففي عام 2013حدث ما يشبه بحرب اشتغلت على الشبكة العنكبوتية ، قادها آلاف من القراصنة والعرب والأجانب هدفوا من خلالها لمحو إسرائيل من على الإنترنت ، والرد على سياستها ضد الفلسطينيين ، حيث شنت ثاني أكبر هجماتها ضد المواقع الرسمية والتجارية والاجتماعية فى إسرائيل ، ووجهت                  ” الأنونيمس” بالتعاون والتنسيق مع حلفائها ” ويكليكس” ، والتي تعد مصنفة من قبل مجلة تايم الأمريكية كواحدة من أكثر المجموعات تأثيراً في العالم  ، رسالة إلى العالم من خلال نقطع فيديو نشر على موقع اليوتيوب ، جاء فيه أن ” أقوى المخترقين من مختلف أنحاء العالم قد قرروا أن يتوحدوا في كيان واحد ، تضامناً مع الشعب الفلسطيني ، ومحو إسرائيل من على الإنترنت” . وفي ذلك المقطع ظهر شخص يلبس قناع المجموعة ، ويتحدث عن خطوات الهجوم التي حددًها بمسح إسرائيل من الإنترنت ، وفضح الخطط المستقبلية والجرائم ، وشنت الهجمات الإلكترونية باسم Op) Israel  ) من خلال تكنيك الهجمات الموزعة ، واستطاعت ” الأنونيمس” توجيه ضربة رقمية إلى إسرائيل ، ونجح هذا الهجوم في التشويش ، وإسقاط العشرات من المواقع الإلكترونية الإسرائيلية التي أصبحت غير متاحة على الإنترنت ، واستهدف الهجوم مواقع إلكترونية مهمة في إسرائيل ، ونجح فى اختراق  مواقع الحكومة  والجيش  ، وقاموا  بنشر  بيانات   شخصية لأكثر  من 5000 مسئول إسرائيلي ، تنديداً بالسياسات الحربية الإسرائيلية ، وتم وضع صور من القرآن الكريم أيضاً ، وتم عرض جرائم الاحتلال الإسرائيلي على مائدة الرأى العام العالمي .[72]

وسادت حالة من الجدل السياسي  والعسكري والإعلامي لدى المجتمع الإسرائيلي بعد الهجوم الإسرائيلي ، وعلى الرغم من الاستعدادات الإسرائيلية لمثل ذلك الهجوم ، ولكن هذا الهجوم الإلكتروني كان الأشد من نوعه ، أى أقوي بعشرة أضعاف من هجوم مشابه تعرضت له إسرائيل خلال عملية   ” عمود السًحاب” العسكرية الإسرائيلية ضد قطاع غزة عام 2012 ، وقد سربت مجموعة ” الأنونيمس” يوم 28 يونيو عام2011 ،  رسالة تتضمن هجوماً إلكترونياً على الموقع الرسمي للكنيست الإسرائيلية ، وعطًلت أعمالها لساعات ، رداً على قمع الفلسطينيين واحتلال أراضيهم ، وتم الهجوم أيضاً على موقع رئيس الوزراء الإسرائيلي ” بنيامين نتنياهو” انتقاماً لمقتل جنود مصريين على الحدود  ، وفي عام 2012 نجح مواطن سعودي في 19 من عمره ، سُمي نفسه OXOMAR ، فى اختراق مواقع إلكترونية تُخص أفراداً ، ومصارف ، والحصول على معلومات تتعلق بعشرات آلاف بطاقات الائتمان العائدة لإسرائيليين ، وقام بنشرها على العلن  ، وكشفت جريدة “يديعوت أحرنوت” أن هذا الشاب حاول اختراق مواقع إلكترونية إسرائيلية حساسة ، منها مواقع وزرات و إدارات حكومية ، وأنه قام بذلك انتقاماً من إسرائيل على أعمال القتل والاعتداء على الفلسطينيين ، وتعرض أيضا ألف موقع إسرائيلي للاختراق من قبل ” هاكرز أتراك” عام 2010 ، وبعد اغتيال العالم النووي الإيراني فى طهران فى نفس العام ، تم توقف شبكة الاتصالات الإسرائيلية ” سيلكوم” عن العمل لساعات بعد هجوم إلكتروني .[73]

وعلى الرغم من أن مجموعة ” الأنونيمس” نفذت تهديدها عام 2013 ، الذى كان محدود التأثير بمقارنة بإمكانيات إسرائيل السيبرانية ، إلا أنها استطاعت أن تنال معنوياً من هيبة دولة متطورة تكنولوجياً ومعلوماتياً ، حيث تعد إسرائيل من أكثر الدول تقدماً فى الاتصالات المتطورة ، فالهجمات الإلكترونية على الرغم من محدوديتها تعطي رسائل عديدة أهمها:

  1. رسالة سياسية: تنطلق من أن قضية فلسطين ما زالت تعيش فى وجدان الشباب العربي ، الذين استطاعوا أن يضيفوا شكلاً آخر من أشكال المقاومة فى مسار الصراع العربي الإسرائيلي ، وذلك من خلال اختراقهم للمواقع والهجمات السيبرانية العديدة بهدف المقاومة ، وأن هذه القضية مازالت باقية في قلوبهم وعقولهم افتراضياً كما هي على أرض الواقع .
  2. رسالة تكنولوجية: حيث استطاعت هذه المجموعة توجيه هجمات إلكترونية نجحت في تكبيد إسرائيل خسائر معنوية ومادية أيضاً.
  3. رسالة عسكرية: حيث إن إسرائيل وجيشها ” الذى لا يُقهر” ، ليس هو القدر والمبادر فقط بتنفيذ هجمات إلكترونية على بلدان العالم العربي الإسلامي ، فنجحت ” الأنونيمس” فى تغيير السياسات والمعتقدات الإسرائيلية بقيامها باختراق عده مواقع إلكترونية وتسريب معلومات هامة عن وزراتها ، فيبدو أن إسرائيل قادرة على الدفاع عن حدوها الجغرافية بشكل جيد ، لكن فى حال وقوع هجوم إلكتروني غير متوقع يكون نتائجه وخيمه عليها .[74]

فأصبحت القوة السيبرانية تمثل ساحة قتال جديدة تواجه العالم بأكمله ، وتتجاوز فى أبعادها وآثارها الحدود الجغرافية والسياسية ، والتي تلقي بتداعياتها على مستقبل الأمن القومي الإسرائيلي ، ومع التقدم الهائل فى تكنولوجيا المعلومات ووسائل الاتصالات ، ورغبه إسرائيل فى حماية أمنها القومي ولكي يكون لها دور قيادي فى العالم ، فكل ذلك دفعها لتكون من الدول المتقدمة فى العالم ذات القدرات والإمكانيات السيبرانية الهائلة ، فقامت بإجراء العديد من التجارب فى المجال السيبراني ، وبالفعل تمكنت إسرائيل من وضع استراتيجية  سيبرانية هائلة تدعم وتقوى بها أمنها إلكترونياً ، وتؤكد للعالم بأكمله الخطورة المتولدة من إمكانية اختراق المواقع أو شن هجمات سيبرانية لتهديد الأمن القومي الإسرائيلي.

المبحث الثاني: الإمكانيات الإسرائيلية السيبرانية

وبعد التهديدات التي تعرضت لها إسرائيل ، جعلتها تدرك أن الحرب القادمة هي حرب الفضاء الإلكتروني ، ولذلك أصبحت القوة السيبرانية من الأدوات الرئيسة المستخدمة من قبل الجيش الإسرائيلي لتحقيق أهدافه الاستراتيجية ، ووصلوا إلى مراحل تقنية عالية و المحتمل حدوثها بين الجيوش فى قلب معلومات العدًو .

وتحاول إسرائيل  توظيف الهجوم الإلكتروني من أجل تعزيزمكانتها الدولية ، ووفقاً لدراسة أجرتها شركة الاستشارات الدولية ” ماكينزي” فإن اقتصاد الإنترنت فى إسرائيل ينقسم إلى مجالين : يركز الجزء الأعظم منه فى مجال صناعة تقنيات المعلومات والاتصالات ، ويشمل ذلك إنتاج المعدات والبرمجيات ، والجزء الأصغر يتمثل بمجال التجارة الإلكترونية ، وبلغت قيمة المساهمة المباشرة فى الإنتاج لاقتصاد الإنترنت في إسرائيل نحو 50 مليار شيكل فى عام 2009 وهذا يضع إسرائيل فى مصاف اقتصاديات الإنترنت المتصدًرة عالمياً ، ويدل ذلك على أن الفضاء الإلكتروني يشكل أهمية كبرى وجزءاً لا يتجزا من استراتيجية إسرائيل الأمنية ، والهدف من ذلك هو كسر عزلتها الجغرافية فى الشرق الأوسط ، مروراً بإقامة علاقات وثيقة ومنظمة مع العالم .[75]

بدايةً قام الكيان الصيهوني بإصدار العديد من القرارات والتدابير الاستراتيجية والسياسية لحماية الفضاء السيبراني الإسرائيلي ، وأهم هذه القرارات /

أولاً: وجود السلطة الرسمية لحماية المعلومات عام 2002 : حيث تم إنشاء هذه السلطة فى داخل جهاز المخابرات العامة ، وكلف بحماية الحواسيب الهامة والحيوية من التهديدات الإرهابية وعمليات التخريب والتجسس .

ثانياً: هيئة السايبر فى الجيش الصيهوني عام 2009 : وهي هيئة تابعة لجهاز المخابرات العسكرية الصهيونية ، وذاك بغرض توجيه وتنسيق نشاطات الجيش الإسرائيلي فى الفضاء السيبراني.

ثالثاً: وحدة إدارة أنظمة المعلومات2009 : وهي تتبع مباشرة وزارة المالية ، ومسؤولة عن جميع أنظمة الاتصالات الحكومية .

رابعاً: هيئة السايبر الوطنية عام 2011: حيث أعلن رئيس الحكومة بنامين نتياهو عن إنشاء هذه الهيئة ، حيث إن الهدف منها هو تعزيزالقدرات الدفاعية للأنظمة التحتية الحيوية من الهجمات الإرهابية فى الفضاء السيبراني ، التي تقوم بها منظمات إرهابية أو دول كبرى ، وأيضاً من مهام الهيئة هو شراء المنظومات الدفاعية بغرض الاستحواذ على جزء من السوق السيبراني.

خامساً: السلطة الوطنية للدفاع في مجال السايبر عام2016 : وهي تقوم بتنسيق عملية الدفاع عن المجال السيبراني الإسرائيلي ، والردع عند حصول هجمات سيبرانية على الكيان ومصالحه ، ورسم صورة شاملة للتعاون الاستخباري مع الجهات المختصة ، وتم إخضاع هذه الهيئة لرئيس هيئة السايبر القومية.[76]

وعملت إسرائيل طوال السنوات الماضية منذ حصول الطفرة التقنية على تحويل الكيان الصيهوني إلى مركز استقطاب عالمي للشركات الناشئة ، وأهمها المتخصصة في تكنولوجيا المعلومات والبرمجيات المتطورة ، ومنها برامج التجسًس الإلكترونية ، ويبلغ عدد الشركات الإسرائيلية التي تعمل فى مجال السايبر الدفاعي والهجومي نحو 500 شركة ، بعدد موظفين يبلغ 17 ألف خبير فى مجال تكنولوجيا المعلومات ، ونجحت فى تحويل الدولة إلى سوق كبير يصدر المنتجات السيبرانية التجسسية بأغلى الأسعار إلى الأنظمة العالمية ، وذلك لمحاربة الإرهاب ، وتشكل قدرة إسرائيل على العمل فى ميدان الحرب السيبرانية مكوناً رئيسياً فى تواجدها المهيمن على الساحة الدولية ، ومما لاشك فيه أن اقتصاد إسرائيل وأمنها وصناعاتها  وأسلحتها الثقيلة ، والحرص على وجودها كمجتمع ديمقراطي منفتح قائم على المعرفة ، قد نتج عنه تكوين دولة معتمدة بشكل أساسي على أنظمة الحواسيب الخارقة .[77]

تعدد إنجازات إسرائيل فى مجال القوة السيبرانية لحماية أمنها وهي:

الوحدة8200: وتعد من أشهر الوحدات والأكثر إنجازاً ، ووصفت بالوحدة الغامضة والحاضنة لقطاع التكنولوجيا الصيهونية ، وهي مكونة من المجنًدين والضُباط  يعملون داخل مديرية الاستخبارات الرئيسية (AMAN) التابعة لجيش الدفاع الصيهوني ، وهذه الوحدة بمثابة الخدمة المركزية لجمع المعلومات الاستخباراتية فى الكيان الصيهوني ، وهي متخصصة فى الحرب السيبرانية وفك الشفرات ، ولا توجد عملية كبيرة من الموساد أو أى وكالة استخباراية أخرى إلا وكانت الوحدة 8200 مشاركة بها ، ومن إنجازات هذه الوحدة : عملية  (Stuxnet) عام 2010 ، وهو الهجوم السيبراني التخريبي الأشهر على منشأة ناتانز النووية فى إيران ، وتعطيل أجهزة الطرد المركزي .و عملية (أورشارد) 2007، حيث قامت وحدات الحرب الإلكترونية الإسرائيلية بتشويش أنظمة الرادار السورية التابعة للدفاع الجوي ، مما مكًن من توجيه ضربة صارمة ضد منشأة نووية سورية فى دير الزور، وعملية حجز سفينة إيرانية تحمل أسلحة ومعدات العسكرية  فى البحر الأحمر على أيدي الجيش الإسرائيلي عام 2014، وعملية (أوجيرو) عام 2017، حيث اتهمت الحكومة اللبنانية إسرائيل بشن هجوم سيبراني على شركة الاتصالات الحكومية أوجيرو للتجسس على مكالمات المواطنين اللبنانيين ، وشاركت الوحدة أيضاً فى اعتراض الاتصالات بالتعاون مع السلطات الأسترالية لتقويض هجوم إرهابي محتمل من قبل داعش على طائرة مدنية .[78]

جهاز الأمن الدًاخلي (شن-بيت): ويتولى الدفاع عن الأنظمة الحاسوبية للحكومة الإسرائيلية ، والبنية التحتية الإلكترونية للدولة ، والمعلومات المتعلقة بالقطاع المصرفيً ، وذلك منذ نهاية التسعينيات ، وله نشاطات واسعة فى حروب الإنترنت والشبكات ، وهو يعدً وحدة جاذبة لأفضل العقول التكنولوجية الإسرائيلية ، وقد اعتٌبر أكبر وأخطر سادس وحدة تقوم بإطلاق هجمات الإنترنت حول العالم ، وأصبح للجيش الإسرائيلي ما يقرب من 300 خبير كمبيوتر شاب يعملون خبراء على الشبكة العنكبوتية .

جهاز C4I : ويتولي مسئولية الاتصال وتنظيم القدرات الإسرائيلية ، وقد جرى تعيين ضابط ذى رتبة عالية من جهاز الاستخبارات الإسرائيلي فى مركز الشفرة والأمن المعلوماتي ، وكانت لدية المسئولية لجمع المعلومات حول قدرات خصوم إسرائيل فى مجال القرصنة الإلكترونية ، ويقوم هذا الضابط بفك شفرة الاتصالات المنقولة من شبكات الشن-بيت والموساد والجيش الإسرائيلي ، ولدى الجهاز نفسه فرق عمل تقوم بفحص الشًفرة لتأمين الدفاع الافتراضي الإسرائيلي. [79]

وحدة ” منمار” ( مديرية منظومات المعلومات الحكومية): ومهمتها تركيز مجال الاتصالات الإلكترونية في الحكومة وتنسيقه ، وتقوم بتوجيه وحدات الاتصال الإلكتروني فى وزارات الحكومة، وأن تتحمل المسئولية المباشرة عن جميع مشاريع الحوسبة الحكومية.

وحدة إدارة المعلومات : حيث أجازت الحكومة الإسرائيلية إنشائها عام 2011 ، وهي تتولي مسئولية مباشرة عن جميع أنظمة الاتصالات الحكومية ، ومنها مشروع بنية الحكومة التحتية لعصر الإنترنت ، واستحدثت  الدولة الإسرائيلية الفريق القومي المخصص للمجال الافتراضي ، حيث يقوم هذا الفريق بتحصين الشبكات المفصلية للدولة الإسرائيلية ضد القرصنة ، وحماية القطاع الخاص فى هذا المجال، ويتكون الفريق من 80 شخصاً يقومون بمهمات دفاعية ، وسيقوم الفريق بتخصيص موارد لتحسين البحث الجامعيً المتعلق بالدفاع عن المجال الافتراضي ، وفى عام 2009 أطلقت إسرائيل برنامجاً جديداً   ” قبة حديدية رقمية” تابعاً لمكتب إسرائيل للحرب الافتراضية ، ويقوم هذا المشروع على تدعيم قدرات إسرائيل التكنولوجية ، من أجل التعامل مع الهجمات الإلكترونية ، ويستهدف الطلاب المتمًيزين الذين تتراوح أعمارهم بين 16 :18عاماً ، وتوكل إليهم مهمة اعتراض الهجمات الإلكترونية التي تٌشنٌ على إسرائيل من قبل المنظمات أو الدول المعادية.[80]

مشروع البنية التحتية الحكومية لعصر الإنترنت “تهيلاه “ عام1997: الهدف من المشروع هو تزويد خدمات تصفح محمًية لوزارات الحكومة ومؤسساتها ، ويتم استخدام وسائل وتدابير خاصة لحماية أمن شبكة الإنترنت الحكومية، ابتداء من طاقم خبراء حماية المعلومات والاتصالات ، وانتهاء بمنتجات وتقينات لشركات عالمية رائدة ، كما تشمل مهمته متابعة ورصد الحوادث المتعلقة بحماية المعلومات على مستوى العالم ، مع الاهتمام المتزايد لحدوث اى هجمات داخل الشبكة الإسرائيلية ، كما يتم إصدار إنذارات حماية المعلومات للمنظمات العاملة فى مجال تكنولوجيا المعلومات .

ومن أشهر البرمجيات السيبرانية التجسًسية والهجومًية هي:

  • Flame (2007-2012) : استهدف المنشآت النفطية فى إيران ، والأراضي الفلسطينية ، وكان الغرض منه توفير معلومات استخباراتية عن الهجوم الإلكتروني Stuxnet .
  • Gauss  2011-2012)): وهي برامج ضارة تهدف إلى سرقة معلومات النظام، وبيانات الاعتماد البنكي.
  • Miniflame (2012) : وهي مخصصة للتجسس الإلكتروني ، تستهدف على الأقل 100جهاز في دول مختلفة مثل لبنان وإيران وقطر والأراضي الفلسطينية.
  • Duqu 2.0 (2014-2015) : وهو عبارة عن برمجيات خبيثة متطورة للتجسس الإلكتروني استهدفت المنظمات والأماكن المرتبطة بمفاوضات الاتفاق النووي الإيراني .[81]

القيود على استخدام القوة السيبرانية:

يوجد جدل دولي كبير مستمر فى الوقت الحالي حول مشروعية استخدام القوة السيبرانية ، وما إذا كان الهجوم السيبراني مختلفاً عن الهجوم الصاروخي ، فى حجم الأضرار التي يسببها ، فهي تختلف من دولة إلى أخرى بناء على الاعتبارات السياسية والدبلوماسية والاستراتيجية ، وتنظر إسرائيل إلى الفضاء السيبراني بوصفه أحد مجالات الحرب التي تُحُبذ الهجوم من خلاله ، حيث كان هجوم ” ستاكس نت” مثالاً بارزاً على هذا الموقف ، وتمكن الإسرائيليون من السيطرة على شبكة الدفاع الجوي الإيرانية،  ويبرع الإسرائليون أيضاً فى استخدام الأسلحة السيبرانية ضد سوريا  مثل: انخراط إسرائيل فى الهجوم السيبراني بموازاة استخدام العمليات العسكرية التقليدية فى ضرب منشآت الأسلحة السورية ، واختراقها لشبكة الدفاع السورية ، واستطاعت السيطرة على أجهزة الحاسوب الخاصة بالدفاع الجوي ، ويرى كل من ” ريتشارد كلارك” و”روبرت كينك ” أن الحرب السيبرانية قد بدأت بالفعل وأنها حرب حقيقة تحدث بسرعة الضوء ، وعلى نطاق عالمي ، وتتخطى ساحة المعركة ، وتمتلك إسرائيل قدرات فائقة على استخدام القوة السيبرانية فى حروبها مع الأعداء ، ولكن تمتلك فلسطين على سبيل المثال ميزة نسبية وهي تعدد الأهداف السيبرانية التي يمكن إصابتها فى إسرائيل مما يحقق ضرراً مادياً كبيراً لها ، ولعل إسرائيل على إدراك كبير بنقطة الضعف هذه ، مما جعلها تقوم بحملة عسكرية على ” حماس” بدون هجوم إلكتروني مضاد ، فلا توجد أهداف سيبرانية ذات قيمة يمكن تدميرها ، واعتماد إسرائيل على الولايات فى التزود بالأسلحة التقليدية ، يجعلها عرضة لضغوط سياسية قد تضطرها إلى التخلي عن أهداف حيوية فى نظرها. [82]

العقيدة العسكرية الإسرائيلية لا تفرق بين الحرب التقليدية والسيبرانية :

فيأتي الردع العسكري الإسرائيلي دائما تطبيقاً لمبدأ ” الردع بالانتقام” ، وفيه يدرك الخصم أى هجوم سيتبعه هجوم آخر انتقامي لا يستطيع تفاديه سواء كان من الدول أو من غير الدول بهدف منع الأعداء من شن هجمات سيبرانية عليها ،  وتفضل إسرائيل الحرب على الوعي ، وهي جزء من تاريخ حروب العصور القديمة ، حيث تتيح التقنيات التكنولوجية المتطورة الموجهة إلى جماهير مستهدفة ، خلق ساحة أخرى للمعركة ، فتجد الدول نفسها فى مواجهة جحود العدو عبر استغلال الفضاء التكنولوجي والشبكات الأجتماعية لتحقيق الإنجازات ، وهذا يسرع التأثير فى الجمهور المستهدف من العدو ، بمن فيهم صناع القرار والقادة ، والرأى العام المحلي والدولي ،فنجد أن الجيش الإسرائيلي فى السنوات الأخيرة كثف نشاطه على الجانب النفسي ، كجزء من بناء الإمكانات التنظيمية التي تدعم رؤية الجيش.[83]

ولذلك رغبة العديد من الدول فى وضع قيود على الإنترنت مما ينهي عصرالمجال السيبراني محل جدل واسع ، حيث يرى الكثيرون أن الفضاء الإلكتروني غير قابل للحكم ، وأنه ليس بيئة ثابتة ، ولكنه مجال ديناميكي ومتطور تتغير معالمه مع كل ابتكار جديد ، فهو يقوم على تخزين البيانات وتبادلها عبر الشبكات الإلكترونية ، ولذلك نجد العديد من البلدان تعمل على توسيع  قدراتها  الدفاعية السيبرانية ، ولكن يؤكد الكاتب ” دانيال لامباش” على ضرورة البحث عن الطرق والوسائل التي تستطيع الدول من خلالها السيطرة على الفضاء السيبراني ، كقيام الحكومات بقطع الإنترنت فى أوقات الأزمات السياسية ، أو التحكم فى التعليمات البرمجية بتقنيات الذكاء الاصطناعي ، أواللجوء إلى القرصنة الوطنية أو فرض قوانين توطين البيانات التي تحظر نقل البيانات عبر الحدود .[84]

ولكن نجد أن الدول نادراً ما تمارس السيطرة على المستخدمين بشكل مباشر ،ولذلك أرى أنه من  الصعب فرض قيود على الفضاء السيبراني سواء من قبل الحكومات داخل الدولة أو بتطبيقها على دول أخرى ، وخاصة إذا كانت دولة بحجم الدولة الإسرائيلية حيث تحتل حكومتها مركز الصدارة فى استعمال التقينات السيبرانية فى مواجهة التهديدات التي تواجهها في جميع المجالات . [85]

فالقوة السيبرانية اليوم لها الدور الحاسم فالحروب بين الدول ، واتضح أنه من الضروري التعامل مع النواحي الأمنية للمجال السيبراني ، ولذلك اضطر قادة إسرائيل إلى تخيل ما سيكون عليه ميدان القتال السيبراني فى المستقبل ومتطلبات الانتصار فيه ، كما أن تطوير استراتيجيات الاشتباك والدفاع فى الحرب السيبرانية ينسجم جيداً مع النواحي الأخرى للوضع الإسرائيلي ، فالحرب السيبرانية تمكن إسرائيل من شن عمليات ضد أهداف بعيدة دون أن تجازف بأرواح مواطنيها وجنودها ، ويشكل هذا هدفاً أساسياً لبلد صغير ذى موارد بشرية محدودة ، كذلك أن مثل هذا النوع من العمليات يمنح إسرائيل سمعة دولية ، يمكن أن تساهم فى اقتصاد البلد ، إذ تتطلع الدول الأخرى إلى إسرائيل من أجل الخبرة الفائقة فى هذا المجال.

 خاتمة :

ومما سبق خلصت الدراسة فى هذا الفصل إلى أن تطور المجتمعات وظهور الثورة التكنولوجية الهائلة داخل الفضاء السيبراني ،جعلته ساحة هامة للتفاعلات الدولية المختلفة ، مما جعل إسرائيل  تطور مفهوم الأمن القومي لمواجهة التهديدات السيبرانية التي تعرضت لها من قبل بعض الدول ، فبفضل هذه التهديدات استطاعت إسرائيل أن تكون من الدول ذات التقدم الهائل فى القدرات السيبرانية ، وذلك لأن المخاطر السيبرانية تعني تعرض الأمن القومي لمخاطر كبيرة قد تهدد استقرار الدولة وتماسكها ، فجعلت اعتمادتها  على شبكة الإنترنت كبيئة أساسية للعمل ، واتخاذ كافة الإجراءات الوقائية الكافية لحمايتها من أى هجمات سيبرانية محتمله ، ونجحت بإمكانياتها السيبرانية المهولة أن تثبت للعديد من الدول أن من يعترض الأمن الإسرائيلي سوف يتعرض لخطر أكيد ودائم ، فالتحدى اليوم هو الاستعداد الجيد لحدوث أى تهديد فى الغد بتطوير استراتيجيات المواجهة ، ولكن ينبغي العمل فى إطار فضاء سيبراني سلمي ، يعزز الأمن والتقدم.

الفصل الثالث 

توظيف القوة السيبرانية الإسرائيلية تجاه إيران

مقدمة:

كان نتيجة اتجاه الصراع الدولي نحو الاعتماد المتزايد على تكنولوجيا الاتصال والمعلومات ، أن أصبح الفضاء الإلكتروني ساحة جديدة للصراع يتجاوز الحدود القومية وسيادة الدول ، ويسعي كل من إسرائيل وإيران إلى تحقيق أكبر مكاسب وإلحاق أكبر قدر من الخسائر بالطرف الآخر ، وتوظف إسرائيل قوتها السيبرانية في السياسة الخارجية من أجل تثبيت شرعيتها وحماية وجودها وأمنها القومي ، فدائماً تبحث إسرائيل عن تعظيم مصلحتها لاسيما الاقتصادية والأمنية ، وإضفاء هيمنها على العالم بأكمله ، مما يجعلها تتفوق في شن العديد من الهجمات السيبرانية ضد إيران ، من أجل إضعاف قوتها النووية ، وشهدت الفترة الماضية هجمات سيبرانية عديدة بين كل من الطرفين ، نستدل من خلالها أن كلتا الدولتين تمثلان خطورة بالغة على الساحة الدولية نظراً لتفوقهم المذهل فى توظيف القوة السيبرانية .

المبحث الأول: أهداف توظيف القوة السيبرانية فى السياسية الخارجية الإسرائيلية

لقد تبلورت مصالح قومية للدول فى الفضاء الإلكتروني ، إثر تزايد الاعتماد على ربط البنية التحتية لها بذلك الفضاء فى بيئة عمل تشابكية واحدة ، تعرف بالبنية التحتية القومية للمعلومات ، فأى تهديد محتمل أو هجوم على إحدى تلك المصالح للدولة قد يشكل مدعاة لحدوث عدم توازن استراتيجي ، وهو ما يكشف عن نمط جديد من التهديدات للأمن القومي للدول ، وأن مصلحة إسرائيل القومية تقوم على الحفاظ على أمنها من خطر الأعداء ، فتعتبر إسرائيل رائدة فى العالم في ما يتعلق بقدرتها على التصدًى للهجمات السيبرانية ، وحرص إسرائيل على وجودها كمجتمع ديمقراطي منفتح قائم على المعرفة ، يعتمد فى معظمه على قدرتها على حماية شبكات الحاسوب من التعرض للأذى الذى يعطل سير الحياة اليومية .

وتهدف إسرائيل إلى توظيف القوة السيبرانية فى سياستها الخارجية من أجل استمراية التفوق التقني والرقمي ، بحيث تبقي إسرائيل مُهيمنة كقوة عسكرية فى المنطقة العربية والإسلامية ، وأن تكون مركز جذب تكنولوجي ومُصدرة للتكنولوجيا العسكرية لكافة بقاع العالم ، والذى يعود عليها بمردودات مالية وأمنية كثيرة ، فهي فى سباق معلوماتي وإلكتروني قوى خاصة مع الجانب العربي والإسلامي ، فتمتلك إسرائيل فضاء إلكتروني متميز ، ويحوى العديد من التركيبات التقنية والرقمية الجاهزة لخوض الحرب الإلكترونية ، ومُدعماً بشكل كبير للحفاظ على الأمن الإسرائيلي من الضربات التكنولوجية والمعلوماتية الإلكترونية الآخذة بالتوسع ضد الكيان الإسرائيلي.[86]

أولاُ:الغزو الإسرائيلي للدول المعادية أول الخُطوات التأسيسية الإسرائيلية للحرب الإلكترونية:

1.حيث إنه من أهم مجالات الحرب المعلوماتية التي تشنها إسرائيل على العالمين العربي والإسلامي ، فترغب إسرائيل فى توظيف القوة السيبرانية من أجل تغطية الفضاء الإسرائيلي بكافة الوسائل التي تمكنها من رصد أية تحركات على الأرض ، وهذا يجعلها تنُافس كُبريات دول العالم المُتصدرة فى المجال السيبراني ، ويؤهلها لخوض الحروب الإلكترونية المسًتقبلية عبر الأقمار الاصطناعية ، ويقع التجسس على العالم العربي والإسلامي فى مُقدمة أهداف الدولة الإسرائيلية ، فتستطيع إسرائيل من خلال الأقمار الصناعية مراقبة المنشآت العسكرية العربية ، وإرسال التقارير التي تتعلق بها بشكل دوري ، والحصول على المعلومات الهامة للدول المجاورة لها ، وقد عززت إسرائيل من هذا الهدف الاستراتيجي ، خاصة بعد حرب الخليج الثانية ، حيث تمكن العراق من ضرب إسرائيل بمجموعة من الصواريخ ، وتستطيع أيضاً إعاقة شبكات الاتصالات للدول العربية ، والتي تمكن إسرائيل من اختراق هذه الشبكات الاتصالية والتواصلية.[87]

2.ضمن الحرب الإلكترونية والمعلوماتية التي يشنها جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي ( الشاباك) ضد المقاومة الفلسطينية ، عمد هذا الجهاز على استخدام وتوظيف حرب الشائعات والحرب النفسية من خلال وسائل الاتصال الحديثة  ضد المقاومة الفلسطينية ، وذلك لتحقيق العديد من الأهداف منها إرباك المجتمع الفلسطيني ، زعزعة أمنه بشتي الطرق ، واستدراج المعلومات ، وتضليل المقاومة والتغطية على إنجازاتها من باب الخداع والتموية ، واتهام المقاومة بالترويج للإرهاب .[88]

 ثانياً: تتعدد أهداف توظيف القوة السيبرانية فى مجال السياسية الخارجية :

1.من أهم هذه الأهداف هو جمع المعلومات الأمنية والاستخباراتية عن دول بعينها ( مثل الدولة الإيرانية ) ، لاسيما المواقع العسكرية والمحطات الأمنية ، والتي تعتقد إسرائيل أنها قد تشكل خطراً عليها فى المستقبل ، خاصة إذا استُدعى الأمر دخولها فى مواجهات عسكرية معها ، وتقوم إسرائيل بإمداد أجهزة الأمن الإسرائيلية بالمعلومات الاقتصادية ، وأهم المشروعات الاستثمارية الحاصلة فى المحُيط الإقليمي والدولي، والتي غالباً ما تستخدمها إسرائيل كوسيلة لإدخال عناصر الموساد إلى الدول المُستهدفة ، وتقوم بعمليات التخريب الاجتماعية والاخلاقية والثقافية ، وذلك بهدف الإسقاطات ، وتجنيد الجواسيس لصالح إسرائيل ، لاسيما على صعيد نشر العديد من شبكات التجسس والاستقطاب عبر الإنترنت ، ومواقع التواصل الاجتماعية ، وهذا من أجل إحداث الشروخ فى البُلدان العربية والإسلامية.[89]

2.تهتم إسرائيل بشن الحروب المعلوماتية السرية ، لأنها ترى أن العمل السري وفقاً لعقيدة الموساد يساهم فى تقليص مخاطر التصعيد ، وتحقيق الأهداف المنشودة ، فيعمل على ردع الأعداء عن الحرب ، وإحباط مشاريعهم ، والكشف عن نواياهم ومُخططاهم تجاه الدولة العبرية ، فضلاً عن تمكن إسرائيل من خلال تفوقها السيبراني من معرفة المعلومات الاستخبارية ضد من يعملون تحت ستار من السرية والخداع  من الأسرة الدولية ضد الدولة الإسرائيلية ، وتتبع إسرائيل نهج العسكرة فى كافة الوسائل التي تمتلكها لتحقق لها إمكانية توجيه ضرباتها نحو خُصومها ، سواء كانت هذه الوسائل تقليدية أم غير تقليدية ، فتمكن القوة السيبرانية إسرائيل من تحقيق أهدافها الأمنية والقومية ، وتُدعمها جيداً في سياستها الخارجية بأقل التكاليف ، وأسرع الطرق .[90]

فُتعد الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المعلوماتية الإسرائيلية بمثابة العين التي ترى فيها إسرائيل ما يجري من حولها من تطورات وتغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية وتقنية ، وتعد النواة الأولية والتأسيسية فى الإعداد والتجهيز المٌسبق لدخول إسرائيل ساحة الحرب الإلكترونية القائمة فى الفضاء الإلكتروني بشكل عام ، والصراع العربي الإسرائيلي على وجه التحديد ، والذى أخذ منُعطفاً جديداً مُنذ تحوله إلى استخدام الأسلحة الرقمية والإلكترونية ، فترى إسرائيل نفسها على قمة المجال التكنولوجي ، وأنها استطاعت بناء مُجتمع رقمي معلوماتي خلال السنوات الأخيرة ، يؤهلها جيداً للمنُافسة المعلوماتية على مستوى العالم.

المبحث الثاني: أدوات وأبعاد توظيف القوة السيبرانية الإسرائيلية تجاه إيران

لقد تبنت إسرائيل منذ استقلالها عقيدة عسكرية واضحة تقوم على مبدأين: الضربات الوقائية والحروب الوقائية ، وقد قادها مساحتها الصغيرة وافتقارها إلى عمق جغرافي للجوء إلى استراتيجية هجومية لتعزيز دفاع البلاد، ونفذت إسرائيل عبر تاريخها ضربات استباقية وحروب وقائية كثيرة ، ويعتبر الخطر الإيراني في الرؤية الإسرائيلية مدخلاً مهماً من مداخل تعزيز العلاقات أو قطعها مع الدول العربية .

ولا شك أن المساعي الإيرانية لاقتناء السلاح النووي تعتبرانتزاعاً للاحتكار الإسرائيلي للطاقة النووية فى منطقة الشرق الأوسط ،وتعد القاعدة الأيديولوجية للنظام الإيراني الذى يتخذ من الإسلام عقيدة كفاحية لمواجهة أعدائه ، الأساس المتين لمخاوف إسرائيل فى المدى البعيد ، فأصبحت إسرائيل تعي بصورة متزايدة أهمية الخطر الإيراني – الإسلامي ، وبذلك برزت إسرائيل فى طليعة الجهود الساعية إلى منع قدرة إيران على تطوير الأسلحة النووية ، فأوضحت إسرائيل موقفها من خلال التهديدات باستخدام القوة العسكرية ، واستخدام القوة السيبرانية فى شكل فيروسات مدمرة ، وذلك من أجل القيام بعمليات التخريب والاغتيالات لعلماء نوويين إيرانيين مثل ( اغتيال محسن فخري زاده) ، فلن تسمح إسرائيل بأن تكون إيران مسلحة نووياً ،و تصنف إسرائيل إيران على أنها دولة راعية للإرهاب ، وتروج إسرائيل أن امتلاك إيران السلاح النووي أمر شديد الخطورة ليس على إسرائيل فقط بل على جميع دول العالم ، وأعلن الجيش الإسرائيلي  إعلاناً رسمياً لأول مرة فى تاريخه أن إيران هي العدو الاستراتيجي الأول لإسرائيل .[91]

استخدمت إسرائيل الحرب الإلكترونية وشنت العديد من الهجمات السيبرانية على إيران :

حيث شاركت إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية فى شن هجمات بالغة التعقيد على أنظمة الكمبيوتر التي تشغل منشآت تخصيب اليورانيوم النووية الرئيسية في إيران ، فصصمت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل فيروس يسمي ( ستاكسنت) عام  2010 ، وأصدروا أمر الهجوم على منشآت إيران النووية بهذا الفيروس فى إطار حملة من أعمال التخريب والتجسس الإلكتروني ضد برنامج إيران النووي ، واستهدف بالفعل فيروس ( ستاكسنت) منشأة  ( نطنز) لتخصيب اليورانيوم بهدف تعطيل أجهزة الطرد الإيرانية من خلال إجراء تعديلات خفية على المكائن التي تتحكم بها ، فصمم هذا الفيروس بمساعدة وحدة استخباراتية إسرائيلية ، واستطاع تعطيل نحو 100 جهاز طرد فى منشأه نظنز بجعلها تدور بسرعة عالية تسبب تلفها ، فكان هذا أول هجوم كبير يُستخدم فيه سلاح إلكتروني لإنزال دمار مادي . [92]

وتم اكتشاف فيروس جديد وهو فيروس (فليم) ، واستطاع هذا الفيروس سرق كمية ضخمة من المعلومات على امتداد عامين وله قدرات تقنية لم يُعرف نظيرها من قبل ، فذو قدرة على استخراج البيانات ومحوها سراً ، وأصبح من المتوقع أن أى هجوم إسرائيلي عسكري على المنشآت الإيرانية لن يتضمن هجوماً بالطائرات القتالية فحسب ، وإنما تشويش شبكة الكهرباء والإنترنت وموجات الطوارئ ، فاستثمرت إسرائيل مليارات الدولارات فى تطوير أنظمة قتالية إلكترونية متطورة تتيح لها تشويش الأنظمة الدفاعية لإيران فى حال شن هجوم إسرائيل عليها ، فمثل الفيروسان ستاكسنت وفليم اللذان استهدفا البرنامج النووي الإيراني حرب إلكترونية إسرائيلية- أمريكية على طهران ، خطرا كبيراً على إيران مما جعل الجيش الإيراني مستعداً لمحاربة أعداءه فى حرب الفضاء الإلكتروني والإنترنت. [93]

وقامت إسرائيل عام 2011 م بإحداث إنفجار كبير فى قاعدة صواريخ شاهد مودرس فى إيران ، أسفر عنه مقتل 17  شخصاً من بينهم المهندس الرئيسي لبرنامج الصواريخ الباليستية حسن مقدم ، وفي سياق الحرب الإلكترونية المتبادلة فى الطرفين عام 2012م بتطوير أنظمة تستطيع التشويش والتأثير على ترددات الطوارئ الإيرانية ، وقامت بزرع العديد من العملاء والجواسيس التابعين لجهاز الموساد الإسرائيلي فى إيران ، وذلك لمتابعة ورصد تحركات العلماء الإيرانيين المختصين بالتطورات النووية فى إيران ، وتستخدم إسرائيل سلاحها الجوي وصواريخها الجوالة لضرب وحدات الحرس الثوري الإيراني والميليشيات المدعومة من إيران مثل حزب الله فى سوريا  ، وبدأت إسرائيل تهاجم المواقع الإيرانية فى سوريا عام 2017 م ، وأن هذه الهجمات كانت تقع كل أسبوع تقريباً دون التصريح بذلك ، وأن الهدف الرئيسي لإسرائيل فى هذه الحرب الخفية تمثل في الحرس الثوري ، حيث نفذت إسرائيل آلاف الهجمات على هذه المواقع ، ولكن كانت الضربات الإسرائيلية تستهدف المنشآت دون الجنود ، ولم يتعد عدد الضحايا الإيرانيين فى كل هذه الهجمات الإسرائيلية بضع عشرات ، فكانت إيران تعرف من يهاجمها.[94

وتعرضت إيران لهجوم سيبرانيً في 8 فبراير عام 2020م هجوم سيبراني ، واجهت على خلفيته انقطاعاً جزئياً في خدمة الإنترنت ، وخللاً في إنترنت الهواتف الأرضية وبعض شركات الجوال ، بعد أن استهدف الهجوم البنية التحتية الإيرانية ، وعرقل شبكات الاتصال والإنترنت ، ليصفه البعض بالهجوم السيبراني الأكبر والأوسع على إيران ، ولم ينجم عن هذا الانقطاع الذى دام لمدة 7 ساعات عن أى أخطاء فنية بل استهداف موجه ، والسبب الحقيقي فى توقف 25% من خدمات الإنترنت الإيراني إلى قطع اتصال عدد من الأنظمة عن الإنترنت لحمايتها من الضربات الإلكترونية المستمرة ، وتم إتهام كل من الولايات المتحدة وإسرائيل ، وصرح المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن إسرائيل والولايات المتحدة يتعاونون من أجل شن هجوم سيبراني على إيران .[95]

وقامت إسرائيل عام 2020 م بإطلاق هجوماً إلكترونياً حيث قامت بتعطيل الملاحة البحرية على أرصفة الميناء ” الشهيد رجائي “، وهي أحدث موانئ الشحن الرئيسية فى مدينة بندر عباس الساحلية الإيرانية ، وأدى هذا العطل إلى تكدس السفن والشاحنات والبضائع نتيجة تعطل الحواسيب التي تنظم حركة المرافق في الميناء ، وأن هذا الهجوم السيبراني على حواسيب الميناء سبب أضرار كبيرة فى آلية عمل الميناء الإيراني، وتم إحداث انفجار بالقرب من قاعدة بارشين العسكرية فى شرق طهران ، وفى هذه القاعده يجري تطوير الأسلحة ، وحسب رواية السلطات الإيرانية أن هذا الانفجار حدث بسبب تسرب في منشـأة لتخزين الغاز فى منطقة خارج القاعدة ، وفي يوم 30 يونيو حدث انفجار في عيادة طبية فى طهران وأسفر عنه مقتل 19 شخصاً . ولم يكن الهجوم الإسرائيلي على أنظمة الحوسبة في ميناء ” بدر عباس” كرد فعل فحسب، بل يأتي في إطار رسالة ردع إسرائيلية لإيران بأن القوة السيبرانية الإسرائيلية تستطيع الوصول إلى أهداف مدنية إيرانية ، والإضرار بالاقتصاد الإيراني ، فترغب إسرائيل في تعزيز فرص تقويض استقرار النظام في إيران ، وقد انعكس ذلك في تصريحات مدير جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية سابقاً” عاموس يادلين”   إن تنفيذ أى هجوم سيبراني يحتاج إلى تخطيط مسبق يصل إلى شهور من أجل جمع المعلومات ” ، ويعني ذلك أن إسرائيل قد قامت بإعداد بنك أهداف إيرانية من أجل اختراقها سيبرانياً .[96]

وفى يوليو عام 2020 م انفجر أحد المباني فى منشأة نطنز النووية واشتعلت فيه النيران  ، ويعتبر أكبر منشأه لتخصيب اليورانيوم وتصنيع أجهزة الطرد المركزي فى إيران ، وعلى الرغم من أن الانفجار والحريق لم يؤثرا على قدرة إيران فى تصنيع وتطوير أجهزة الطرد المركزي الحديثة ، إلا أن الدمار الذى لحق بالمنشأة يمكن أن يشكل ضربة موجعة لها خلال السنوات المقبلة ، فهذا الانفجار كان حادثاً من ضمن سلسلة غير متوقعة للبنية التحتية فى إيران ، فعلى مدار السنوات الماضية شهدت إيران عدداً متزايداً فى الهجمات الغامضة التي ألحقت دماراً بمواقع حساسة ، فقد اندلعت حرائق عدة فى منشآت نووية ، ومصافي تكرير النفط ، ومحطات طاقة ، ومصانع وشركاء كبرى فى أنحاء البلاد ، مثل الحريق الضخم فى شيراز ، والانفجار فى محطة لتوليد الطاقة فى الأهواز ،ويتضح لنا أن الهجمات السيبرانية الإسرائيلية تهدف إلى تقويض القدرة العسكرية والسيبرانية لإيران من خلال تدمير مستودعات الأسلحة المتطورة ، وخاصة أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ البالستية عالية الدقة ،  كما تزامن أحدث التحركات الإسرائيلية المتمثلة في إعلان وزارة الدفاع الإسرائيلية عام 2020 بإطلاق القمر الصناعي لأغراض التجسس ” أوفيق 16″ ، وقالت إن ” الهدف الرئيسي للقمر الصناعي هو تقديم معلومات استخبارية سريعة ودقيقة للإنذار المبكر ضد أى تهديد لإسرائيل ، كما أوضحت وزارة الدفاع الإسرائيلية ” أن المستهدف الرئيسي من إطلاق القمر الصناعي هو التجسس على الأنشطة النووية الإيرانية ومراقبتها لحظة بلحظة ”  . [97]

 إغتيال علماء النووي الإيرانيين :

حيث تم اغتيال العالم ” محسن فخري زادة “ (مدير منظمة البحث والابتكار التابعة لوزارة الدفاع الإيرانية) يوم 27 نوفمبر عام  2020 م، وتتهم إيران إسرائيل باغتيال كبير علمائها ، حيث تشير عدة تقارير بالفعل إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي ” نتنياهو” كان واحداً من القادة القليلين فى العالم الذين تحدثوا عن هذا العالم بصورة مباشرة ، ففي ظهور تليفزيوني عام2018 م تحدث عن الدور الرائد الذى يقوم به محسن فخرى زادة فى البرنامج النووي الإيراني ، وحث الناس على أن يتذكروا هذا الاسم ، والذى يؤكد لنا أن إسرائيل وراء اغتيال هذا العالم ، أن إسرائيل عادة تستخدم حرب الاغتيالات ضد العديد من الدول ، ففي عام 2010 م تم قتل” مسعود على محمودي ” أستاذ فيزياء الجسيمات بجامعة طهران ، وتم اختطاف العالم النووي شهرام أميري الذى اختفى فى مايو من ذلك العام ، وتم استهداف عالمين لهما أدوار رئيسية فى البرنامج النووي الإيراني فى طهران بهجومين بالقنابل ، فإسرائيل تحاول عرقلة البرنامج النووي الإيراني من خلال اغتيال العلماء الذين يعملون على تطويره ، وتحاول أيضاً وضع قيود أمام حكومة الرئيس الأمريكي المنتخب ” جو بايدن ” ، ومنعه من العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني ،  وانعقد اللقاء الثلاثي فى مدينة ” نيوم” السعودية بين ” مايك بومبيو” وزير الخارجية الأمريكي ، و” بنيامين نتياهو” رئيس وزراء إسرائيل ، والأمير ” محمد بن سلمان” ولىَ العهد السعودى ، وجرى الاتفاق على خطة التحرًك المُقبلة ضد إيران ، بما فى ذلك شلل أى محاولة للرئيس الأمريكي “جو بايدن” للعودة إلى الاتفاق النووي.[98]

هل حققت القوة السيبرانية أهداف السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه إيران أم لا ؟ 

لقد أدت الهجمات السيبرانية الإسرائيلية إلى  إعلان إيران عام  2012 م عن إنشاء المجلس الإيراني الأعلي للأمن السيبراني ، والذى يختص برسم السياسة الإيرانية السيبرانية ، والتنسيق مع مختلف الأجهزة والوحدات السيبرانية لتنفيذ سياسة الدفاع عن المنشآت الإيرانية ، والهجوم على الأهداف المعادية خاصة المنشآت الإسرائيلية فى الشرق الأوسط ، وأصبحت  من ضمن الدول التي تملك منظومة دفاعية كاملة فى مواجهة تهديدات الحرب الإلكترونية ، وعكفت على بناء جيش إلكتروني يتبني فكرة الجهاد الإلكتروني خاصة بعد تعرض منشآتها النووية لهجمات إلكترونية وفيروسية إسرائيلية، حيث شنت إيران أكثر من مئة مليون هجوم سيبراني على مواقع إنترنت إسرائيلية ، واستمرت التهديدات السيبرانية لإسرائيل ، فعام 2017 م اقترب الإيرانيون من اختراق نظام الإنذار الصاروخيً الإسرائيلي ، وفي عام 2019 م وقعت محاولة اختراق نظام مراقبة تابع للجيش الإسرائيلي فى الضفة الغربية ، وقامت باختراق الهاتف المحمول لزعيم المعارضة فى إسرائيل  ” بيني غانتز”، وسرقت منه بيانات شخصية وحساسة ، أطلقت  طائرة الاستطلاع الإيرانية أيوب من الجنوب اللبناني صوب إسرائيل فى عام 2012 م .[99] 

وشنت إيران هجوماً حيث أشارت وسائل الإعلام الإسرائيلية فى إبريل عام 2020م إلى وقوع هجوم إلكتروني على العديد من مرافق معالجة المياه والصرف الصحي ( شبكة المياة) ، بالإضافة إلى تعطيل النظام الخاص بإضافة الكلور والمواد الكيميائية الأخرى ، وهذا الهجوم أحدث ردود فعل قوية لأنه استهدف المياه الإسرائيلية ، وبالتالي أحدث خسائر بين المدنيين لقطع المياه وتلوثها ، واتهمت وسائل الإعلام الإسرائيلية إيران بالهجوم الإلكتروني ، الذى تم توجيهه عبر خوادم أمريكية وأوروبية ، وقامت إيران بحظر استخدام محرك البحث العالمي ( Google) ، وبعض مواقع التواصل الاجتماعي والإخبارية الأجنبية ، تبنيها لخطط إلكترونية تعرف إيرانياً باسم الإنترنت النظيف فى إشارة إلى استبدال إيران منظومة الإنترنت العالمية بأخرى إيرانية ، وقدمت إيران لفصائل المقاومة فى فلسطين وتحديداً فى قطاع غزة ، الخبرات العلمية اللازمة لتصنيع الصواريخ ، والوسائل التقنية وغيرها ، والتي استخدمتها المقاومة الفلسطينية ضد إسرائيل خلال الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة عام2012.[100]

ويمكننا القول إن هناك تحولات كثيرة فى العلاقات الإيرانية الإسرائيلية ، فبالرغم من أن الصراع بين إيران وإسرائيل صراع من قديم الأزل إلا أن هناك علاقات خفية فى العديد من المجالات ، حيث يتم إمداد إيران بالأسلحة من قبل كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ، ومن الممكن أن يكون هذا التعاون السري نتيجة للهدف الواضح فى استراتيجية إيران وإسرائيل وهو معاداة المنطقة الإسلامية والدول العربية ، ولكن فى السنوات الماضية تطور العداء بين كل من الطرفين ووصل إلى حرب الفيروسات ، والتجسس واختراق المعلومات الحساسة كما أشرنا من قبل ، فالحرب الإلكترونية المتبادلة بين إيران وإسرائيل حرب لا تخضع لأى قوانين ، ومن الممكن أن تكون حرب مباشرة أو غير مباشرة ، وتأخد طابعاً تنافسياً حول الاستحواذ على سبق التقدم الإلكتروني ، وسرقة الأسرار العلمية ولذلك دعت اللجنة الدولية للاجتماع لوضع تقييم واقعي للتكلفة البشرية المحتملة من جرًاء العمليات السيبرانية .[101]

خاتمة :

ومما سبق خلصت الدراسة فى هذا الفصل إلى أن إسرائيل قامت بربط تقدمها فى مجال الفضاء السيبراني بوجود تهديد يتمثل في الدولة الإيرانية ، ولذلك نجحت فى توظيف هذه القوة فى سياستها الخارجية ضد الدول العربية- الإسلامية، وتمكن القدرات الهجومية السيبرانية إسرائيل من شن أى اعتداءات مستقبليةً ضد إيران،ومن وجهة نظري أرى أن القوة السيبرانية نجحت في تحقيق أهداف السياسية الخارجية لكل من طرفي الصراع تجاه بعضهما البعض ، حيث تنجح كلتا الدولتين فى التصدى للمحاولات السيبرانية التي يتم شنها ، والدليل أن الهجمات السيبرانية مهما بلغت خطورتها فيتم احتوائها من الطرفين حتي الآن ، ويرجع ذلك لقوة كل من إسرائيل وإيران على شن الحروب السيبرانية بكفاءة ودقة بالغة ، ويدركون طرفي الصراع أن انتهاءها أمر فى متناول اليد ، فيمكن أن يحدث تفاوض سلمي بين الدولتين أو يتم تصعيد الهجمات بينهم إلى قيام حرب سيبرانية ينتج عنها أضرار جسيمة تؤثر على العالم بأكمله .

الخاتمة

وفى ختام هذه الدراسة يمكننا أن نشير إلى أن بفضل ثورة المعلومات والاتصالات  والتطور التكنولوجي الهائل، أصبح لدينا فضاء جديد للتفاعل وهو الفضاء السيبراني ، الذى بدوره أحدث تغييراً فى مفاهيم العلاقات الدولية ، كمفهوم القوة والحرب والصراع ، حيث لم تعد القوة حكراً على الدول بانتشارها بين الفاعلين ، ومع تعقد النظام الدولي ، وتداخل المصالح للدول الكبرى وتغير موازين القوى ، أصبح لا يمكن الاعتماد على القوة الصلبة أو الناعمة فقط ، ولكن لابد على الدولة أن توازن بين استخدام كلاً من القوة الصلبة والناعمة والقوة السيبرانية لكي تحافظ على مكانتها فى النظام الدولي ، حيث تحول الصراع من المادى إلى الافتراضي ، فتتجه الدول الآن نحو عسكرة المجال السيبراني للحفاظ على أمنها وكيانها.

فكلما زادت قدرات الدول على توظيف التطور التكنولوجي فى المجال السياسي ، كلما زادت التهديدات السيبرانية ، مما أدى إلى ظهور مفهوم جديد وهو الأمن السيبراني ، والذى تحاول الدول من خلاله الحد من المخاطر والتهديدات فى الفضاء السيبراني ، ونجد أن الأبعاد الأيديولوجية ضمن أسباب السعي الإسرائيلي وراء التفوق والريادة في مجال القوة السيبرانية ،  فربطت إسرائيل تقدمها فى هذا المجال بوجود تهديد يتمثل فى الدول العربية – الإسلامية ، وتأتي على رأسهم الدولة الإيرانية ، فتعرضت إسرائيل لكلاً من التهديدات الاقتصادية والسياسية والعسكرية ، و دفعها إلى أن تكون من الدول الرائدة والمتقدمة في المجال السيبراني ، فقد تمكن القدرات الهجومية السيبرانية إسرائيل من شن الهجمات على أعدائها والتنصل من تحمل مسؤليتها ، فلن تستطيع أى دولة اتهامها بصورة مقنعة على خلاف الحرب التقليدية ، وعلى الرغم من ضآلة حجم القيود المفروضة على استخدام إسرائيل لقوتها السيبرانية منها المتملثة فى اعتمادها على الولايات المتحدة فى التزود بالأسلحة مما يجعلها تخضع لبعض الضغوط السياسية ، إلا أنها تكثف نشاطها على الجانب الأيديولوجي والنفسي ، لأنها تدرك جيداً ماذا تُعني حدوث حرب سيبرانية كبرى …؟؟؟[102]

ولقد نجحت إسرائيل فى توظيف القوة السيبرانية فى سياستها الخارجية تجاه الدول المعادية من أجل تدعيم أمنها فى قلب منطقة مليئة بالصراعات الرافضة لمثل هذا الوجود الإسرائيلي ، فركزت إسرائيل على تطوير التكنولوجي فى الفضاء الخارجي لها ، من أجل خلق جيل إسرائيلي معلوماتي قادر على ربط أمن إسرائيل بالكوكبة الرقمية ، والتصدى لأى اعتداءات خارجية خاصة إيران العدو الأخطر لإسرائيل فى الشرق الأوسط ، ونستطيع القول بأن الصراع بين إيران وإسرائيل سيزداد حدة من خلال الاستمرار فى أساليب الحرب السيبرانية التي تستخدمها كل من طرفي الصراع تجاه بعضهما البعض  بسبب التفوق السيبراني الهائل والإمكانيات التي تؤهل كل من الدولتين لخوض هجمات سيبرانية مرتدة تجاه الآخر ، فأرى أن التقارب الإيراني الإسرائيلي بالطرق الدبلوماسية بعيداً كل البعد عن الواقع الذى يعيشه العالم وخاصة ما يحدث فى هذا العام من توالي الهجمات السيبرانية تجاه بعضهم ، حيث أن الأطراف المتنازعة تسعي لتحقيق أهدافها ، وعدم قبول غلبة الآخر عليه مهما بلغ الأمر.

 وهو ما أدى إلى مجموعة من النتائج الختامية منها :

  • تبحث الدول بشكل مستمر عن زيادة عناصر وأشكال قوتها ، بشكل لا يتوقف حتي وإن وصلت أعلى درجات القوة ، وعند ظهور مفهوم جديد للقوة ( القوة السيبرانية) فإن ذلك لا يلغي ما سبقها من أشكال وعناصر ، وأصبح الفضاء السيبراني ساحة جديدة للصراع، مما يجعل الأمن السيبراني على رأس الأوليات فى العقيدة الأمنية للدول.
  • تمتلك إسرائيل فضاء إلكترونياً عالي التطور والحصانة ، وتعمل منذ زمن على تطوير إمكانياتها فى المجال الإلكتروني والرقمي ، ونجحت فى توظيف القوة السيبرانية فى سياستها الخارجيه مع الدول المحيطة ، وجعل ذلك منها قوة عالمية تستطيع فرض إرادتها على المجتمع الدولي ، فيجب الاستفادة من النجاح الذى حققه الإسرائيليون من خلال منظمتهم.
  • مُستقبل الحروب الإلكترونية مرهون بمدى التطورات التقنية والمعلوماتية التي تواكب عصرنا الحالي.
  • إن هناك جهوداً دولية وإقليمية لمكافحة سباق التسلح السيبراني والإلكتروني بين الدول ، من خلال المؤتمرات والاتفاقيات الدولية لمنع الجرائم السيبرانية .

وهو ما قد يبرز الحاجه إلى مجموعة من التوصيات منها:

  • ضرورة وضع وتحديث التشريعات القانونية التي تنظم الفضاء الإلكتروني خاصة قوانين مكافحة الجرائم السيبرانية ، وبوصفها جرائم عابرة للحدود لا تحقق مكافحتها إلا من خلال التعاون الدولي على المستوى الإجرائي الجنائي، وتشديد العقوبات على عمليات الإرهاب السيبراني.
  • ينبغي متابعة مستجدات الفضاء السيبراني والتطورات التي تحققها إسرائيل على الصعيدين المدني والظهور مكري، من أجل تجنب احتمالات استهداف أى منشأة أو أنظمة إلكترونية عبر برامج التجسس والاختراق.
  • العمل على تفعيل التعاون الدولي ، ودور المعاهدات الدولية ، ومبدأ المساعدة القانونية والقضائية والأمنية المتبادلة في مجال القوة السيبرانية .
  • مساعدة الجمهور العام في زيادة الوعي بالفضاء الإلكتروني ، وتطوير قدراته في الدفاع السيبراني .
  • ضرورة إرساء بنية تحتية عربية ، من أجل صناعة البرمجيات عالية التقنية ، لمنافسة الدول العالمية وتشجيع مجالات البحث العلمي والاطلاع على التجارب العالمية الناجحة في المجال السيبراني ، وتبني العقول العربية النابغة ، وخاصة في مجال البرمجيات وصناعة التكنولوجيا داخل المؤسسات العربية.

قائمة المراجع :

  • المراجع باللغة العربية / أولاً: الكتب
  • إبراهيم أنيس وآخرون. (2004). المعجم الوسيط ، مجمع اللغة العربية، مكتبة الشروق الدولية ، مجلد 1 ، طبعة 4، https://archive.org/details/WAQmowa
  • إيهاب خليفة.(2014). القوة الإلكترونية وأبعاد التحول في خصائص القوة، مكتبة الأسكندرية :وحدة الدراسات المستقبلية.
  • جميل حسين طويلة.(2016).البرمجيات الخبيثة، سوريا، المشاع الإبداعي ، kutub.info
  • عادل عبد الصادق .(2016).أسلحة الفضاء الألكتروني في ضوء القانون الدولى الإنسانى . القاهرة . وحدة الدراسات المستقبلية. مكتبة الإسكندرية.
  • عامر نزار أبو علي.(1994). فيروسات الكمبيوتر، مصر، دار النشر والتوزيع . https://hip.jopuls.org.jo
  • فضل الله محمد إسماعيل .(2014). فلسفة القوة: أصولها وتطورها فى الفكر السياسي الغربي وآثارها فى عالم السياسة، مصر، مكتبة بستان المعرفة ، noor-book.com
  • مي محي عجلان .(2020 ). القوة الناعمة ، الموسوعة السياسية ، https://political-encyclopedia.org
  • ثانياً: الرسائل العلمية:
  • إياد خلف عمر الكعود.(2016). ” استراتيجية القوة الناعمة ودورها في تنفيذ اهداف السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة العربية”، (رسالة ماجستير)، جامعة الشرق الأوسط: كلية الآداب والعلوم.
  • إيمان قديح .(2018).” تحول مفهوم القوة في العلاقات الدولية بعد نهاية الحرب الباردة”، (رسالة ماجستير)، جامعة محمد بوضياف: كلية الحقوق والعلوم السياسية.
  • إيهاب عبد الحميد خليفة عبد العال.(2015).” استخدام القوة الإلكترونية في إدارة التفاعلات الدولية ” الولايات المتحدة الأمريكية نموذجاً خلال الفترة من 2012:2001″ ،( رسالة ماجستير) ، جامعة القاهرة: كلية الأقتصاد والعلوم السياسية.
  • باسل خليل خضر .(2014). “أثر التحول في مفهوم القوة على العلاقات الدولية:الصراع الفلسطيني الإسرائيلي نموذجاً “، ( رسالة ماجستير) ، جامعة الأزهر-غزة : كلية الأقتصاد والعلوم السياسية .
  • جمال منصور حسن منصور.(2012).” دور المؤسسة العسكرية في صنع السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه أفريقيا بعد انتهاء الحرب الباردة عام1991″،( رسالة ماجستير)، جامعة القاهرة: كلية الأقتصاد والعلوم السياسية.
  • رائد عبد الرحيم عاصي.(2009).” القوة في القرآن الكريم “،( رسالة ماجستير)، جامعة النجاح الوطنية : كلية الدراسات العليا.
  • سماح عبد الصبور عبد الحي .(2013). “القوة الذكية في السياسة الخارجية: دراسة في أدوات السياسة الخارجية الإيرانية تجاه لبنان منذ 2005” ،( رسالة ماجستير)، جامعة القاهرة: كلية الأقتصاد والعلوم السياسية .
  • عادل علي سليمان موسى العقيبي .(2018). “مفهوم القوة في العلاقات الدولية 1991: 2017المنظور الأمريكي: دراسة حالة”، (رسالة ماجستير)، جامعة الشرق الأوسط: كلية الآداب والعلوم.
  • غادة محمد أحمد زيان.(2014). “السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه منطقة القرن الإفريقي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001″،( رسالة ماجستير)، جامعة القاهرة : كلية الأقتصاد والعلوم السياسية .
  • فريدة طاجين .(2017).” تأثير القوة السيبرانية على الإستراتيجيات الأمنية للدول الكبرى: دراسة حالة الصين”، (رسالة ماجستير)، جامعة قاصدي مرباح ورقلة: كلية الحقوق والعلوم السياسية.
  • محمد بلال- محمود صلاح جاد.(2012). “الصراع النووى الإيراني الإسرائيلي _ المخاطر والتحديات “،(بحث تخرج)، الجامعة الإسلامية-غزة ، كلية التجارة ، poliltcs-dz.com
  • محمد داود إسماعيل الجماصي .(2017). “العلاقات الأمريكية الإسرائيلية وتأثيرها علي الأمن القومي الإسرائيلي 2003:  2009″، ( رسالة ماجستير)، جامعة الأقصى: أكاديمية الإدارة والسياسة للدراسات العليا.
  • ميلود وضاحي. (2014). “السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه دول إفريقيا : دراسة حالة القرن الإفريقي1990: 2013″، ( رسالة ماجستير)، جامعة محمد بوضياف بالمسيلة: كلية الحقوق والعلوم السياسية .
  • نفطية محمد .(2016). “القوة الناعمة في العلاقات الدولية: دراسة حالة تركيا 2002: 2017 “، (رسالة ماجستير) ، جامعة الشهيد حمه لخضر-الوادي: كلية الحقوق والعلوم السياسية.
  • نورا محمد ماهر.( 2015). “تأثير الأصولية اليهودية في السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه مصر منذ عام1991 “،       (رسالة ماجستير)، جامعة القاهرة: كلية الأقتصاد والعلوم السياسية.
  • نوران شفيق علي.(2014). “الفضاء الإلكتروني وأنماط التفاعلات الدولية: دراسة في أبعاد الأمن الإلكتروني” ،                         ( رسالة ماجستير) ، جامعة القاهرة: كلية الأقتصاد والعلوم السياسية.
  • وليد غسان سعيد جعلود.(2013).” دور الحرب الإلكترونية فى الصراع العربي الإسرائيلي”،( رسالة ماجستير) ،  جامعة النجاح الوطنية ، كلية الدراسات العليا.

ثالثاُ: الدوريات العلمية:

  • إسماعيل زروقة. (2019) . ” الفضاء السيبرانى والتحول في مفاهيم القوة والصراع “. مجلة العلوم القانونية والسياسية، المجلد 10 ، العدد51.
  • إيهاب خليفة.(2015). “نمط جديد لممارسة التأثيرات غير التقليدية فى العلاقات الدولية”، مجلة إتجاهات الأحداث، العدد رقم 06
  • جهاد أبو سعدة.(2018). “إسرائيل واستراتيجية مواجهة البرنامج النووي الإيراني “، المعهد الدولى للدراسات الإيرانية ، مجلة الدراسات الإيرانية، العدد 7 ، rasanah-iiis.org
  • جهاد أبو سعدة.(2018). “إسرائيل واستراتيجية مواجهة البرنامج النووي الإيراني “، مجلة الدراسات الإيرانية، السنة الثانية ، العدد السابع
  • جيل برعام .(2013). “تأثير تطور تكنولوجيا الحرب السبرانية على بناء القوة فى إسرائيل “، معهد دراسات الأمن القومي ، جامعة تل أبيب ، المجلد 5 ، العدد1 ، http://www.insss.org
  • عادل عبد الصادق)2012). “القوة الإلكترونية: أسلحة الانتشار الشامل في عصر الفضاء الإلكتروني “، مجلة السياسة الدولية ، العدد 188
  • عادل عبد الصادق.(2012). “القوة الإلكترونية: أسلحة الانتشار الشامل في عصر الفضاء الإلكتروني” ، مجلة السياسة الدولية ، العدد 188

 عطا القيمري.(1993). “الخطر الإيراني فى الرؤية الإسرائيلية ، مجلة الدراسات الفلسطينية “، المجلد4 ، العدد 14 ، palestine.studies.org

  • نوره شلوش.)2017). “القرصنة الإلكترونية فى الفضاء السيبراني: التهديدات المتصاعدة لأمن الدول” ، مجلة بابل للدراسات الإنسانية ، المجلد رقم 8، العدد 02 ، https://www.iasj.net/iasj?func=search&query

رابعاُ:الدراسات و التقارير:

  • إيهاب خليفة.(2019). الردع بالانتقام: دلالات أول هجوم إسرائيلي على الفلسطينيين لذريعة سيبرانية،المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة .
  • بوفراش يعقوب.(2017). السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه دول القارة الإفريقية، جامعة الجزائر: المركز الديمقراطي العربي.
  • التجاني صلاح عبدالله .(2019). مفهوم القوة والقوة الإلهية ، المركز الديمقراطي العربي : الدراسات الإستراتيجية والسياسية والإقتصادية ، https://democraticac.de/?p=63446
  • خالد وليد محمود .(2013). الهجمات عبر الأنترنت: ساحة الصراع الإلكتروني الجديدة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
  • ربيع محمد يحيي .(2013). إسرائيل وخطوات الهيمنة على ساحة الفضاء السيبراني في الشرق الأوسط: دراسة حول استعدادات ومحاور عمل الدولة العبرية في عصر الأنترنت (2013-2020)، رؤى استراتيجية.
  • رغدة البهي .(2020). الهجوم السيبراني الأكبر على إيران : الدلالات والتداعيات ، وحدة الأمن السيبراني، المركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية ، https://www.ecsstudies.com
  • شادى محمد .(2020). القوة السيبرانية: بُعد جديد في المواجهة بين إيران وإسرائيل ، وحدة الأمن السيبراني، المركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية ، https://www.ecsstudies.com
  • صباح عبد الصبور .(2016). إستخدام القوة الإلكترونية فى التفاعلات الدولية: تنظيم القاعدة نموذجاً ، الجزء الثاني ، http://eipss-eg.org/wp.content/uploads/2016/11/11.pdf
  • عبيد الحليمي.(2020). تطور مفهوم القوة في العلاقات الدولية المعاصرة ، المركز الديمقراطي العربي: الدراسات الإستراتيجية والسياسية والإقتصادية ، https://democraticac.de/?p=67404
  • فادي نحاس.(2020). دليل إسرائيل العام 2020 – المؤسسة الأمنية والعسكرية ، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، https://WWW.paslestine-studies.org/ar/node/1650197
  • محمود محارب .(2011). إسرائيل والحربالإلكترونية ، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ، معهد الدوحة ، dohainstitute.org
  • مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية.(2020). قدرات القرصنة السيبرانية الإيرانية ، تقرير خاص، kfcris.com
  • نسرين الشحات الصباحى على.(2016). الأبعاد العسكرية للقوة السيبرانية على الأمن القومي للدول ” دراسة حالة إسرائيل” منذ عام2010 ، المركز الديمقراطي العربي .
  • نيري زيلبر.(2018). ظهور المرتزقة فى المجال السيبراني ، معهد واشنطن لسياسية الشرق الأدني.
  • هدير أبو زيد.(2020). السيادة الإلكترونية: اتجاهات تشكيل مناطق سيبرانية تحت سيطرة الدول والشركات، المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة.
  • ياسمين السيد احمد عبدالسلام محمد.(2016(. أثر المتغيرات الإقليمية علي السياسة الخارجية الإسرائيلية 2011 : 2016، المركز الديمقراطي العربي .

المصدر : https://democraticac.de/?p=93046

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M