تصدير العقار المصري بين الفرص والمحاذير

طرحت الدولة العديد من الآليات التي من شأنها جذب حصيلة دولارية للسوق المحلية، فتبنت الدولة تطبيق برنامج الطروحات الحكومية، وطرحت عدة مبادرات للمصريين بالخارج من بينها مبادرة إعفاء سيارات المصريين المقيمين في الخارج من الجمارك، وتم إطلاق وثيقة معاش تقاعد بالدولار للمصريين بالخارج، وكذلك مبادرة توفيق أوضاع المواطنين الذين تخلفوا عن أداء الخدمة العسكرية، كما تم طرح شهادات دولارية بعائد تنافسي. وجاء من بين خطط الدولة للتعامل مع الأزمة الاقتصادية إعادة طرح فكرة تصدير العقار والتي يقصد بها عملية جذب رؤوس الأموال الأجنبية للأصول العقارية بالعملة الأجنبية، سواء من قبل المشتريين الأجانب أو المصريين بالخارج، بما ينعكس على الأوضاع الاقتصادية بشكل عام والسوق العقارية بشكل خاص.

ومن الجدير بالذكر أن فكرة تصدير العقار ليست جديدة أو مستحدثة؛ إذ تم طرحها في مصر منذ نحو خمسة عشر عامًا، ويتم تنفيذها في عدد من الدول مثل: الإمارات، اليونان، إسبانيا، البرتغال، كولومبيا، ومالطا، وغيرها من الدول. ومع زيادة حدة الضغوط والتحديات الاقتصادية التي شهدتها الفترة الماضية كان من الضروري بحث كافة الفرص التي تمكّن من تعزيز الاستفادة القصوى من موارد الدولة، فتم إعادة إحياء فكرة تصدير العقار، خاصة في ظل جاذبية العقارات المصرية داخليًا وخارجيًا، إذ تتسم العقارات بأنها أكثر الأصول استقرارًا، وقد استطاع قطاع العقارات المصرية أن يكون ضمن أبرز القطاعات التي حققت مكاسب في ظل الأزمات. وقد دفع رواج سوق العقارات بالشركات العقارية لتعظيم مكاسبها من خلال توسعة السوق والاستفادة من الفرص بالسوق العالمية الأكبر، وقد كان مشروع إسكان “بيت الوطن” أول المشروعات التي نفذت فكرة تصدير العقار من خلال استهداف المصريين المغتربين بالخارج والراغبين في الحصول على عقار في مصر والدفع بالعملة الأجنبية.

استحوذ ملف تصدير العقار على اهتمام الدولة خلال المرحلة الحالية، وتم تيسير إجراءات تملك الأجانب للعقارات المصرية، كما تم طرح عددٍ من المحفزات لتعزيز نجاح تصدير العقار، منها فرص الحصول على الجنسية والإقامة عند تملك عقار في مصر.

فأمّا بالنسبة لمنح الجنسية، فقد تقرر منح الجنسية المصرية لمن يشتري عقارًا بمبلغ لا يقل عن 300 ألف دولار، أو يجمّد وديعة بنكية بقيمة 500 ألف دولار لمدة 3 سنوات دون فوائد، على أن تسترد بعد انتهاء المدة بالعملة المصرية، وذلك وفقًا لقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 876 لسنة 2023 والمعدل للقرار رقم 3099 لسنة 2019، والذي كان يحدد شرط منح الجنسية بشراء عقار بمبلغ أكبر يساوي 500 ألف دولار.

وعلى صعيد منح الإقامة، فقد تقرر منح الإقامة للأجانب لمدة خمس سنين قابلة للتجديد لمن يتملك عقارًا أو أكثر بمبلغ لا يقل عن 200 ألف دولار أمريكي، والإقامة لمدة ثلاث سنين قابلة للتجديد لمن يتملك عقارًا أو أكثر بجمهورية مصر العربيـة بمبلغ لا يقل عن 100 ألف دولار أمريكي، والإقامة لمدة سنة قابلة للتجديد لمن يتملك عقارًا أو أكثـر بجمهوريـة مـصر العربيـة بمبلغ لا يقل عن 50 ألف دولار أمريكي. وذلك بجانب الموافقة على منح الإقامة للأجانب لمدة ثلاث سنين بموجب وديعة بنكية بقيمة 100 ألف دولار أمريكي أو ما يعادلـه بالعملات الأجنبية الأخرى، ولمدة سنة بموجب وديعة بنكية بقيمة 50 ألف دولار أمريكي أو مـا يعادلـه بالعملات الأجنبية الأخرى. وجاءت تلك القرارات أيضًا تعديلًا لقرارات أخرى صادرة منذ عام 2017 بعد إضافة تيسيرات عليها وتخفيض قيمة العقار المطلوب شراؤه للحصول على الإقامة، كما تضمنت أيضًا إتاحة بيع العقارات بدون حد أقصى للأجانب بدلًا من عقارين فقط، تماشيًا مع قرارات المجلس الأعلى للاستثمار.

وتدرس الدولة عددًا من المقترحات التي من شأنها تنشيط سوق العقارات بصفة عامة، من بينها إنشاء صندوق عقاري لتملك أصول إدارية وتجارية مُدرّة للدخل، ومقترحًا آخر لتداول العقارات في البورصة المصرية، وكذلك فكرة لإنشاء البورصة العقارية، والتي ستمثل منصة تُمكِّن المستثمرين والشركات العقارية من شراء وبيع حصص في الأصول العقارية، والاستثمار فيها، وتكون مكملة للأسواق العقارية التقليدية، وتوفر فرصًا للتداول اللحظي، وتتيح فرصة أكبر لتوفير السيولة التي تُعد أحد معوقات الأصول العقارية.

وبجانب جهود ومبادرات الدولة، فقد ساعد قرار تحرير سعر الصرف على تشجيع فكرة تصدير العقار في مصر؛ فمع تراجع قيمة الجنيه المصري أصبحت الأصول العقارية أكثر تنافسية للمستثمر الأجنبي والمصريين العاملين بالخارج. وعلى الجانب الآخر، فإن رواج بعض القطاعات يدعم فكرة تصدير العقار، فيعتبر نشاط قطاع السياحة أحد عوامل جذب وتحفيز تصدير العقار. وكذلك بالنسبة لقطاع التعليم، فمع وفود الطلاب للدراسة في مصر تسعى أسرهم لتملك عقار طوال مدة الدراسة، ومن ثم تنعكس جهود الدولة المعنية بتلك القطاعات على تنشيط عملية تصدير العقارات.

تتعدد وتتنوع الثروة العقارية في مصر، فتضم التجمعات السكنية والسياحية والترفيهية والإدارية والتجارية وغيرها، كما تتنوع المناطق الجغرافية مع اتساع حدود الدولة والنهضة العمرانية التي شهدتها مصر طيلة السنوات القليلة الماضية، فتتوفر العقارات بمنطقة البحر المتوسط والساحل الشمالي وكذلك على ساحل البحر الأحمر، بالإضافة للمدن الجديدة ومدن الجيل الرابع ذات ناطحات السحاب مثل مشروعات العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة ومدينة الجلالة وغيرها من المدن الجديدة بالمحافظات المختلفة، وتتنوع العقارات أيضًا من حيث الجهات المنفذة للمشروعات المختلفة، سواء جهات تابعة للقطاع الخاص أو جهات حكومية. وتساعد تلك الثروة العقارية وتنوعها على تعزيز التوجه نحو تصدير العقار، وتوفير مختلف المتطلبات التي تتناسب مع رغبات المشترين المحتملين على اختلافها.

ويتيح تصدير العقار عددًا من الفرص بالنسبة لقطاع العقارات التي تنعكس بلا شك على الاقتصاد المصري بصفة عامة. فأما بالنسبة لقطاع العقارات، فسوف يسهم تصدير العقار في تحسين ربحية الشركات العقارية بعد توسعة السوق بضم المشترين المحتملين من مختلف دول العالم، بالإضافة لجذب العاملين المصريين بالخارج، بما يزيد من حجم المبيعات ومن ثم الأرباح، ويسمح بدخول شركات جديدة للسوق المصري ويزيد من التنافسية، ويعزز من فرص تحسين نوعيه المنتج العقاري وتطوير قطاع العقارات بصفة عامة. وعلى مستوى الاقتصاد، يعزز تصدير العقار فرص توفير النقد الأجنبي للدولة، خاصة بعد تطوير الدولة للبنية التحتية في كافة أنحاء الجمهورية، وإنشاء شبكة الطرق والكباري لتسهيل التنقل بين أطراف الدولة، ثم تم التوجه نحو إفساح المجال للقطاع الخاص بما يمكن شركات القطاع الخاص العقارية من توفير المنتجات العقارية المتوافقة مع احتياجات المستثمرين الأجانب والعاملين المصريين بالخارج. ومع زيادة حجم الطلب على العقارات يدفع ذلك بدخول شركات عقارية جديدة للسوق المصرية، بما يزيد من حجم الاستثمار الخاص المباشر، ويرفع معدلات النمو الاقتصادي، ويوفر فرصًا أكبر للعمالة.

على الرغم من وجود عددٍ من الفرص التي يُتيحها تصدير العقار، إلا أنه من الناحية العملية هناك عدد من التحديات التي تواجه تلك الآلية، وتؤثر على فاعليتها في تحقيق أهدافها، ومن أهم تلك التحديات اضطراب أسعار العملة المحلية واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر بالسوق الموازية، والذي يدفع المشتري إلى تحويل العملة الأجنبية بالسوق الموازية للاستفادة من فرق العملة ثم شراء العقار بالعملة المصرية، ولم تعد ميزة الحصول على الإقامة أو الجنسية من محفزات شراء العقار بالعملة الأجنبية بالنسبة للمواطنين المصريين العاملين بالخارج، الأمر الذي يتطلب وجود محفزات حقيقية للتخلي عن العملة الصعبة مقابل شراء العقار المصري. ومن جهة أخرى، تعد أزمة تسجيل العقارات أحد تحديات فكرة تصدير العقار، الأمر الذي يتطلب ضرورة اتخاذ إجراءات تيسير التسجيل العقاري وتفعيل منظومة الرقم القومي لكافة العقارات.

وعلى مستوى سوق العقارات، يُلاحظ أن الشركات العقارية تواجه تحديات الارتفاع والتقلب الشديد في أسعار مواد البناء، فضلًا عن تحديات استيراد المواد الخام وتراجع قيمة العملة المحلية، مما ترتب عليه تعطل تنفيذ بعض المشروعات وعدم القدرة على حساب التكاليف ومن ثم صعوبة تسعير الوحدات. وعلى مستوى المنافسة الدولية، يلاحظ اتساع حجم سوق تصدير العقار عالميًا والذي يقدر بنحو 300 مليار دولار سنويًا، إلا أن نصيب مصر من ذلك السوق يعد ضئيلًا جدًا، الأمر الذي يتطلب إعداد خطة ترويجية جيدة لتسويق المنتج العقاري المصري، وخلق طلب جديد من خلال الوجود على المنصات العقارية العالمية، وتدشين حملات ترويجية للعقار المصري، وتسهيل الحكومة المصرية إجراءات تملك المستثمرين العرب والأجانب للعقارات المصرية، مع ضرورة وضوح إجراءات وشروط منح الجنسية والإقامة وتحديد آليات إعادة البيع عند الحاجة، ومراعاة الأبعاد الأمنية المرتبطة بتصدير العقار، ودراسة فكرة الإيجار نظير الإقامة لمدة محددة، ودعم الصناعات الوطنية المكملة لقطاع التشييد والبناء، مع أهمية قيام المطورين العقاريين بتوظيف أحدث التقنيات الحديثة لإنشاء منازل ذكية صديقة للبيئة بما يتوافق مع حاجة المشتري المحتمل. ولعل من أبرز متطلبات السوق العقارية توفير آليات نافذة لضبط السوق العقارية، وإنهاء النزاعات بين المشتري والمطور لزيادة الثقة بالسوق المصرية، وجذب مزيد من المشترين. ويأتي ضمن المخاطر المحتملة لتصدير العقار، التأثير المحتمل على حركة الأسعار، لا سيما في ظل إقبال المواطنين بالدولة على شراء العقار كمخزن للقيمة مع تراجع قيمة العملة في ظل الأزمات الاقتصادية، وعند النجاح في جذب المزيد من الطلب على سوق العقار يتوقع المزيد من ارتفاع الأسعار والمضاربة في سوق العقارات، بما يؤثر على قدرة المواطن المصري على إشباع الحاجة إلى المسكن بأسعار مناسبة وبالعملة المحلية.

المصدر : https://ecss.com.eg/38831/

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M