تكديس الأسلحة.. هل تؤثر المساعدات الغربية العسكرية لأوكرانيا على مسار الحرب؟

أحمد السيد

 

تشهد الحرب الروسية الأوكرانية تطورات كبيرة، وخاصة مع تنامي المساعدات العسكرية الغربية لكييف، عقب إعلان واشنطن بأنها ستقدم لأوكرانيا مُساعدات عسكرية إضافية بقيمة (2.2) مليار دولار تتضمن صواريخ دقيقة التصويب يبلغ مداها ضعف مدى الصواريخ التي تستخدمها كييف حاليًا ضد القوات الروسية، فيما أعلنت باريس وروما تقديم منظومة دفاع أرض-جو متوسطة المدى من نوع “مامبا” في الربيع المقبل لكييف، وذلك بعد أيام من موافقة الحكومة الألمانية على إمداد كييف بدبابات “ليوبارد”. وفي هذا السياق، دفع تكديس الدول الغربية للأسلحة في أوكرانيا روسيا إلى طلب عقد اجتماع لمجلس الأمن الدولي لمناقشة “آفاق السلام” في أوكرانيا.

الطلب الروسي تم تقديمه عبر “مالطا” التي تتبوأ مقعدًا عير دائم في مجلس الأمن، وتتولى رئاسة المجلس عن شهر فبراير. وفي هذا السياق، أكدت المندوبة الدائمة لمالطا لدى الأمم المتحدة “فانيسا فرايزر” أن روسيا طلبت عقد اجتماع لمجلس الأمن الدولي لبحث أزمة أوكرانيا في الـ 8 من فبراير الجاري. لكن الجلسة الخاصة بالمباحثات حول أوكرانيا تقرّرت في الـ 24 من فبراير، في إطار برنامج عمل المجلس لهذا الشهر، ولم يتم تقديم أي تفاصيل أخرى حول الاجتماع او المشاركين فيه.

وأعلن النائب الأول للمثل الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة “دميتري بوليانسكي” إن الطلب الروسي بشأن عقد اجتماع لمجلس الأمن، يأتي من رغبة روسيا في مناقشة اّفاق السلام، في ضوء تكديس الدول الغربية للأسلحة في أوكرانيا.  جدير بالذكر أن كييف قد حصلت مؤخرًا على دبابات “ليوبارد” الألمانية، وتسعى إلى الحصول على دبابات قتالية أخرى لمحاربة القوات الروسية، وتطالب الغرب بإمدادها بصواريخ بعيدة المدى وطائرات مقاتلة. والسؤال هنا هل يدفع تكديس الدول الغربية للأسلحة في أوكرانيا إلى إيجاد حل سياسي أو خفض تصعيد للأزمة الروسية الأوكرانية؟ 

المساعدات الأمريكية والغربية لكييف

بدلًا من التفكير بخيار السلام لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه، تواصل الدول الغربية الزج بأوكرانيا في اَتون الحرب المُشتعلة مُنذ ما يقرب من عام مع روسيا، فإرسال مزيد من الدبابات الغربية إلى ساحات المعركة لا ريب أنه سيزيد من قدرة أوكرانيا على مقاومة التقدم الروسي في بعض مناطقها، وسيُلحق خسائر بالجيش الروسي، ولكنَه سيقود أيضًا إلى خسائر فادحة بالعمق الأوكراني، بما يعني مزيدًا من الدمار للبنية التحتية، والمزيد من القتل في صفوف المدنيين، وتشريد الاَلاف منهم.

مُنذ بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا أواخر فبراير من العام الماضي، أرسلت الولايات المتحدة الأمريكية ما يقرب من (27.2) مليار دولار من المساعدات العسكرية إلى كييف. والآن، تستعد واشنطن للإعلان عن حِزمة مساعدات عسكرية بقيمة (2.2) مليار دولار لأوكرانيا من المتوقع أن تشمل صواريخ بعيدة المدى –لأول مرة-وذخائر وأسلحة أخرى، ومن المتوقع أن تشمل أيضًا معدات لأنظمة الدفاع الجوي “باتريوت” وذخائر دقيقة التوجيه وأسلحة “جافلين” المضادة للدبابات.

ووفقًا لمسؤولين أمريكيين، فإن جزءًا من حزمة المساعدات المتوقع أن يكون (1.725) مليار دولار، سيأتي من صندوق يُعرف باسم “مبادرة المساعدة الأمنية الأوكرانية” (USAI)، والتي تسمح لإدارة الرئيس “جو بايدن” بالحصول على أسلحة من الشركات بدلًا من مخزونات الأسلحة الأمريكية.  في السياق ذاته، وافق البيت الأبيض على إرسال 31 دبابة من طراز “أبرامز” أمريكية الصنع إلى أوكرانيا، في خطوة وصفها الرئيس الأمريكي “جو بايدن” بأنها ستعزز قدرة أوكرانيا على الدفاع عن أراضيها وتحقيق أهدافها الاستراتيجية.

لكن وعلى الرغم من الدعم الأمريكي الكبير لكييف، فإن الولايات المتحدة لا تريد أن تستمر الحرب إلى الأبد، ذلك أن الحرب من شأنها تحويل الكثير من أوكرانيا إلى أرض قاحلة، بينما ستؤثر سلبًا على سندات الخزانة الغربية والترسانات الحربية لهم. لذلك يهدف “بايدن” إلى مساعدة أوكرانيا على زيادة الضغط على القوات الروسية، وربما تحويل الخطوط أكثر لصالحها، كطريق للمفاوضات بعد انتهاء المرحلة التالية من القتال، خاصة وأن إطالة أمد الحرب أضر بكثير من الدول الأوروبية، وأثر على مستويات الاستقرار والرفاهية التي كانت تنعم بها لعقود.

وأوروبيًا، وبعد أسابيع من تردد برلين، وافقت الحكومة الألمانية على إرسال دبابات “ليوبارد” القتالية إلى القوات الأوكرانية. وأعلن المستشار الألماني “أولاف شولتز” أن بلاده سترسل 14 دبابة “ليوبارد 2” المتقدمة إلى كييف، وسيسمح للدول الأوروبية التي اشترت تلك الدبابات من ألمانيا بإرسالها أيضًا للقوات الأوكرانية. وفي هذا السياق، أعلنت كل من النرويج وسلوفاكيا وبريطانيا وفرنسا وبولندا عزمها تزيد كييف بالدبابات القتالية المتقدمة.

المساعدات الأمريكية والأوروبية الأخيرة لكييف جاءت عقب تقارير تُفيد بتحضيرات روسية لشن هجوم واسع في الربيع المقبل، فضلًا عن إلحاح السلطات الأوكرانية، وضغط بعض الحلفاء الأوروبيين؛ دفع “برلين” إلى اتخاذ قرارها، علمًا بأن توريد تلك الدبابات قد يستغرق عدة أشهر.

في محاولة لكسب الوقت.. روسيا تلجأ لمجلس الأمن

لأول مرة مُنذ بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، قال الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” إن روسيا تتعرض للتهديد مرة أخرى من قِبل دبابات “ليوبارد” الألمانية. وذلك خلال كلمته في مدينة ” ستالينجراد” الجنوبية لإحياء الذكرى الثمانين لانتصار قوات السوفييت في معركة “ستالينجراد”. وشبه بوتين “العملية العسكرية الخاصة” الروسية في أوكرانيا بالحرب ضد ألمانيا النازية في 1941-1945، مدعيًا أن القوات الروسية مستعدة للذهاب في هذه الحرب حتى “حتى النهاية”.

إذًا، ربما تسعى روسيا من خلال دعوتها لعقد اجتماع لمجلس الأمن لمناقشة التطورات الأخيرة “لكسب الوقت”، لكنها تستمر وبقوة في استراتيجيتها التي تبنتها مُنذ بدء العلية العسكرية والذهاب بعيدًا حتى تُحقق أهدافها، فالرئيس “بوتين” ربما يعتقد أن “الوقت” هو أفضل حليف له؛ لأنه إذا كان بإمكانه الاستمرار في ضرب البنية التحتية لأوكرانيا بينما يحتفظ على الأقل بما لديه في ساحة المعركة، فربما يمكنه إنشاء معركة طويلة الاَمد تكون فيها القوى العاملة الروسية المتفوقة حاسمة، خاصة مع زيادة أعداد القوات العسكرية الروسية، ووصول الإنتاج الدفاعي الروسي لمستوى عالِ، وعلى أمل أيضًا أن يتبدد الدعم الغربي لـ “كييف”.

ومع اقتراب الذكرى السنوية للحرب الروسية الأوكرانية، تُعزز روسيا نفوذها العسكري في الشرق الأوكراني، وذلك بنشر مزيد من الاحتياطات الروسية وإدخال المزيد من العتاد العسكري والذخيرة.  في السياق ذاته وصلت الحرب لنقطة محورية؛ إذ لم تعد أوكرانيا تُحقق مكاسب، مثلما فعلت في النصف الثاني من عام 2022، بينما تدفع روسيا بمئات الاَلاف من قوات الاحتياط التي حشدتها.  في السياق ذاته تروج أوكرانيا لهجوم روسي كبير مع اقتراب الذكرى الأولى للحرب. وتخطط كييف لشن هجوم في الربيع لاستعادة الأراضي المفقودة، لكنها تنتظر أن تقوم الدول الغربية بتسليمها ما تعهدت به من صواريخ بعيدة المدى ودبابات قتالية.

هل تؤثر الإمدادات الغربية لأوكرانيا على مسار الحرب؟

على الرغم من التدفق المستمر للأسلحة والذخيرة، تضغط القوات الروسية على القوات الأوكرانية في منطقة “دونيتسك الشرقية” التي أصبحت الآن مركز القتال. وتحاول موسكو السيطرة على مدينة “باخموت” منذ شهور، وربما هذه المعركة هي الأطول مُنذ بدء الغزو، وأكثرها دموية. وإذا استمر الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا بكثافة، فقد يسعى الرئيس “بوتين” هذه المرة لاستخدام السلاح النووي ولكن بدرجة محدودة، لتحقيق انتصار محدود، وإرسال رسالة للغرب بأن روسيا لن تتوانى عن استخدام الأسلحة النووية إذا اضطرت لذلك.

لكن سيظل ذلك الخيار رهنًا بتحول دفة الحرب لصالح كييف نتيجة الدعم الغربي العسكري المتزايد لها، وهذا قد يدفع واشنطن والغرب إلى التفكير بدرجة عقلانية أكبر فيما قد تؤول إليه الأمور في كييف. وقد أوضح “بوتين” أن روسيا لديها ما ترد به، ولن يقتصر الأمر على استخدام المدرعات، ومُحذرًا الجميع من اتباع سياسات قد لا تُحمد عُقباها، وأن الحرب الحديثة مع روسيا مُختلفة تمامًا عن أي حروب سابقة.

في الأخير، وبعد مرور ما يقرب من عام على الحرب، أصبح عدم اليقين بشأن مسارها أكبر من أي وقت مضى؛ فخلال الأشهر الستة الأولى، كانت لدى روسيا المبادرة، وكانت الأسئلة الرئيسة هي متى وأين وما هو النجاح الذي ستحققه؟ وعلى مدى الأشهر الخمسة التالية، حصلت أوكرانيا على المبادرة نتيجة للدعم العسكري الغربي لها. والآن بات من الصعب معرفة ما سيأتي بعد ذلك ومن يمتلك الأفضلية، فقد يكون كلا الجانبين يستعد لهجمات جديدة، ويتعامل كلا الجانبين مع مزيج من الخسائر في ساحة المعركة خاصة مع تنامي قُدرات الطرفين مما يجعل من الصعوبة التمييز بين نقاط قوتهما النسبية.

 

.

رابط المصدر:

https://marsad.ecss.com.eg/75481/

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M