دلالات التوقيت: سياقات الحرب السابعة في غزة

تختلف الحرب هذه المرة في دلالات توقيتها وسياقاتها سواء في إسرائيل أو على المستويين الإقليمي والدولي، إذ يمكن تقدير السياقات والاعتبارات التي تؤشر إلى دلالات التوقيت على النحو التالي:

(1) مزامنة الحرب مع الأعياد اليهودية المهمة مثل “سمحات هاتوراه” التي تصادف معها طلب عدد كبير من القادة العسكريين الإسرائيليين الإجازة والتوقف عن العمل.

(2) استمرار التظاهرات الشعبية الإسرائيلية على مشروع الإصلاح القضائي التي شارك فيها على استحياء ضباط وجنود احتياط حتى ولو كانت على شكل عرائض ومذكرات انتقاد وخطابات تهديد بعدم التدرب؛ مما خلّف تقديرًا بحدوث صدع عميق داخل الجيش الإسرائيلي.

(3) اتّساع الهوة السياسية في إسرائيل على مستوى اليمين المتطرف وباقي الطيف السياسي، وعلى مستوى السلطة والمجتمع التي انعكست في تزايد أعداد هجرة الإسرائيليين إلى الخارج، وعلى مستوى الحكومة والجاليات اليهودية في الخارج، وعلى مستوى حزب الليكود وبقية الأحزاب الدينية في الائتلاف الحكومي بسبب قانون تجنيد الحريديم، وعلى مستوى الحكومة والجيش (العلاقات المدنية العسكرية)، وعلى مستوى إسرائيل والخارج وبالتحديد الولايات المتحدة التي ضاقت ذرعًا بسبب سياسات اليمين المتطرف التي تهدد القيم الديمقراطية.

(4) تفاقم الاحتدام على المستوى الاقتصادي الإسرائيلي، سواء فيما يتعلق بنسبة تدفق الاستثمارات الأجنبية، أو سعر الصرف، أو الخلل الذي أحدثته الاعتبارات السياسية على تحديد بنود الميزانية، وضمان دعمها للإنفاق الحكومي وتحديث الجيش الإسرائيلي.

(5) تُشير البيانات واستطلاعات الرأي الفلسطينية إلى تدهور شعبية حماس بين سكان غزة مما يؤثر على حكمها للقطاع، ورمزيتها كحركة مقاومة (لا سيما وأنه مر عامان كاملان على آخر صراع مباشر اشتركت فيه حماس ضد إسرائيل)، وعلى نسب فوزها في حال عقد انتخابات فلسطينية عامة أو رئاسية.

(6) منذ مارس 2021، تسعى إسرائيل للقضاء على البنية التحتية لحماس في الضفة الغربية، وبالتحديد جهة شمال الضفة في جنين ونابلس، حتى استشعرت حماس الخطر من احتمالية تحقق المسعى الإسرائيلي؛ لذلك يمكن تفسير هذه الحرب المنطلقة من غزة بأنها محاولة من حماس لصرف انتباه إسرائيل عن شمال الضفة، وربما تدرك إسرائيل تلك المحاولة، لذلك تستكمل سياستها في الضفة عبر مداهمة المخيمات وتحييد عناصر حماس.

(7) لوحظ في العامين الماضيين تركيز إيران على دعم وكيلها الأقرب “الجهاد الإسلامي”، سواء كان ماليًا أو فنيًا أو سياسيًا؛ مما ولّد تقديرًا لدى حماس بضرورة استعادة المكانة مع إيران تنسيقًا مع وكلائها الاستراتيجيين في المنطقة وعلى رأسهم حزب الله اللبناني.

(8) تزايد فرص اندماج إسرائيل في المنطقة على حساب إنهاء الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي والذي تمثل مؤخرًا في مشروع الممر الهندي الأوروبي، الذي روّج له رئيس الوزراء الإسرائيلي في الجمعية العامة للأمم المتحدة (سبتمبر 2023).

(9) تزايد فرص إتمام اتفاق التطبيع الإبراهيمي بين السعودية وإسرائيل برعاية أمريكية، والتي كان يُقدر أن يتم توقيعها في شهر نوفمبر حسب أكثر التقديرات تفاؤلًا، أو في شهر يونيو من العام القادم 2024 حسب أكثر التقديرات تشاؤمًا.

(10) تراكم المؤشرات القائلة بحدوث أزمة إقليمية متعددة الجبهات، مثل: استئناف القتال على الجبهة اليمنية ضد التحالف العربي، وتواتر الأزمات السياسية والأمنية بين حزب الله وإسرائيل فيما عُرف باسم “أزمة الخيم”، وكذلك الحال في الجبهة السورية التي تتصدى لبعض المقاتلات الإسرائيلية وترد بضربات صاروخية من خلال صمت روسي. وربما راهنت حماس على ذلك المشهد المتأزم إقليميًا.

(11) اتساع التوتر السياسي بين إسرائيل برئاسة نتنياهو والإدارة الديمقراطية الأمريكية برئاسة بايدن؛ لعدة أسباب كان من بينها الموقف الإسرائيلي من الحرب الروسية الأوكرانية، واتجاه الحكومة الإسرائيلية إلى تبني هوية يمينية متطرفة بعيدة عن القيم الديمقراطية الأمريكية.

(12) تركيز الانتباه الأمريكي على الجبهة الروسية الأوكرانية مما نتج عنه خلافات سياسية داخل الولايات المتحدة بشأن حجم الدعم المطلوب تقديمه للجيش والشعب الأوكرانيين وأولويات الإنفاق الأمريكي.

(13) لا يمكن استبعاد الهدف الأوروبي في البحث عن عدة مراكز إقليمية في ملف الطاقة (الغاز الطبيعي) في الشرق الأوسط لكسر الاحتكار الروسي على تصدير الغاز الطبيعي. يتسق ذلك مع الطموح الإيراني بدفع أنابيب الغاز الطبيعي إلى أوروبا عبر تركيا. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى التأثر السلبي الشديد لدول منطقة شرق المتوسط في ملف توريد الغاز إلى أوروبا نتيجة معايير السلامة التي فرضت وقف الإنتاج والتصدير بسبب تداعيات الحرب واحتمالات توسيع رقعة الصراع.

ختامًا، يمكن القول إن هناك سياقات ارتسمت في شكل رهانات لحركة حماس في شن عمليتها العسكرية في ذلك التوقيت، وهو ما يستدعي السؤال حول دقة الحسابات السياسية والعسكرية لحركة حماس في مواجهة الطرف الآخر.

المصدر : https://ecss.com.eg/38329/

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M