فرنسا ومأزق الخطاب المتطرف

سامية بن يحي

 

هل ستصدر فرنسا رؤية جديدة للقيم العلمانية وحرية التعبير؟ إن الحديث عن حرية التعبير وفق المنطق الليبرالي العلماني يجعلك تتوقع أنك قادر على قول وفعل كل ما يخطر ببالك، لكن هل تصورنا يوما ما شكل هذه الحرية التي تصل إلى حد الإساءة إلى الأنبياء -وبالتحديد نبي الإسلام محمد عليه أفضل الصلاة والسلام- وهل فعلا يمتلك الغرب حرية مطلقة؟

بالمقابل من السهل إلقاء اللوم على ديانة معينة أو اعتقاد ما، لكن من غير المعقول الانجراف بنفس القدرة إلى تحليل كل أشكال العنف المتطرف الذي يشهده عالمنا المعاصر والمعولم على أنه تصدير من طرف دين واحد وهو الإسلام، فكثيرا ما شكل الإسلاموفوبيا مفهوما خصبا لتبرئة دوائر العنف الإنساني خاصة عند الغرب، بل أصبح الإسلام مصدرا لصراع حضاري “ما يسمى بأطروحة صدام الحضارات التي تبلورت معالمه أكثر مع نهاية الحرب الباردة، وهذا يجعلنا أمام عديد الأسئلة التي تحتاج إلى إعادة تحليل منطقي أبرزها: هل تعتبر البيئة الإسلامية سببا للجوء إلى العنف؟ لماذا يركز المحللون الغرب على إبراز العنف في المجتمعات المسلمة أكثر من المجتمعات الغربية؟ لماذا يتم شيطنة الديانة الإسلامية؟ كيف تساهم الانقسامات العرقية في الدول العربية والإسلامية في تصدير وتعزيز رؤية الإسلاموفوبيا؟ هل فعلا يوجد صراع حضارات؟ هل فعلا يشهد الإسلام أزمة وفق تصريح الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون؟ ماذا يمكن أن تحمل مرحلة ما بعد كورونا لوضع المسلمين في أوروبا؟

بلا شك أثار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حفيظة المسلمين في جميع أنحاء العالم بعد دفاعه عن الحق في نشر الرسوم الكاريكاتورية الدينية بحجة حرية التعبير، وإعلانه بمحاربة “الانفصالية الإسلامية” حتى ظهر ماكرون للعالم المدافع والراعي الأول لحرية التعبير والقيم العلمانية مصرحا أنها “محمية بموجب الحق في حرية التعبير، هذا الدفاع يفرض علينا استعراض أبرز القوانين التي تجيز حرية التعبير في فرنسا وأوروبا بشكل عام، إذ تعد حرية التعبير “حرية أساسية” في فرنسا بموجب الدستور الفرنسي، والإتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تنص على أن “لكل فرد الحق في حرية التعبير”، بما في ذلك حرية اعتناق الآراء وتلقي ونقل المعلومات والأفكار دون تدخل من السلطة العامة بغض النظر عن الحدود، وبالتالي حرية التعبير محمية بموجب إعلان 1789 لحقوق الإنسان والحقوق المدنية، والذي تم تضمينه في الدستور الفرنسي، كما أن هذه الحرية محمية بموجب الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، والتي تعد فرنسا طرفا فيها.

ومع ذلك، بينما يعتبر القانون الفرنسي حرية التعبير مكونًا أساسيًا في المجتمع الديمقراطي، إلا أنه لا يُنظر إليها على أنها مطلقة، حيث يسعى المشرعون الفرنسيون والمحاكم الفرنسية إلى تحقيق التوازن بين حرية الكلام والضرورات الأخرى، مثل الحريات والحقوق الأخرى، والنظام العام، حيث يتم تقييد حرية التعبير من أجل حماية الخصوصية وحماية افتراض البراءة ومنع التشهير والسب، بالمقابل يمكن تقييد حرية التعبير أيضًا من أجل حماية النظام العام، كما يحظر القانون الفرنسي أيضًا خطاب الكراهية، والتشهير بالمؤسسات الحكومية وأصحاب المناصب، فضلاً عن عدم احترام النشيد الوطني والعلم في سياق الأحداث العامة التي تنظمها أو تنظمها السلطات العامة.

وبالتالي وفق إعلان 1789 لحقوق الإنسان والحقوق المدنية لا يمكن اعتبار حرية التعبير مطلقة، بل تخضع لحدود، حيث تنص المادة 10 على أنه “لا يجوز إزعاج أي شخص بسبب آرائه، حتى الدينية منها، طالما أن إظهار هذه الآراء لا يتعارض مع القانون والنظام المعمول بهما” بينما تنص المادة 11 على أن “يجوز لأي مواطن التحدث والكتابة والنشر بحرية، باستثناء ما هو بمثابة انتهاك لهذه الحرية في الحالات التي يحددها القانون، وبالمثل تنص عليه الإتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، في حين يحظر قانون 1881 -بشأن حرية الصحافة- التشهير والسب الكتابي واللفظي، علاوة على ذلك يحظر القانون الفرنسي “خطاب الكراهية” الذي يُعرَّف بأنه “تحريض على التمييز أو الكراهية أو العنف ضد شخص أو مجموعة من الأشخاص بسبب أصولهم أو لأنهم ينتمون أو لا ينتمون إلى عرق أو أمة أو عرق أو دين معين”

إذن علينا أن نكون أكثر موضوعية في تقديم إجابات للأسئلة الآنفة الذكر لفهم هذه التصريحات العدائية والهجمة الفرنسية على الإسلام كما وصف ماكرون الإسلام بأنه دين “يمر بأزمة” في جميع أنحاء العالم معلنا أن الحكومة ستقدم مشروع قانون في ديسمبر لتعزيز قانون 1905 الذي يفصل رسميًا بين الكنيسة والدولة في فرنسا، وتشديد الرقابة على التعليم وتحسين السيطرة على التمويل الأجنبي للمساجد، وهذا يحتم علينا أيضا العودة إلى أحداث 2011 التي كانت بمثابة شرارة إعلان ما يسمى “الحرب على الإرهاب” وازدياد الكراهية ضد المسلمين، حتى أصبح التطرف الإسلامي عنوانا لكل أنماط العنف التي يشهدها العالم الغربي رغم أن الدول العربية والإسلامية كثيرا ما أدانت وقدمت صورا مغايرة عن الروايات الغربية حول تعاليم الإسلام الصحيحة، وأن الإسلام دين التسامح والتعايش ينبذ العنف والتطرف بكل أشكاله، لكن يأبى الغرب وبالتحديد صناع القرار السياسي عن الإصغاء وفق حجة “الغاية تبرر الوسيلة” حتى اقترن حفظ السلم والأمن الدوليين بفرضية مكافحة الإرهاب الإسلامي تحت مسميات عديدة، الإسلام الراديكالي، الجماعات المتطرفة، المنظمات الإرهابية، وغيرها، ومما لا يدع مجالا للشك أن هذه الحرب المزعومة على الإرهاب في جوهرها لم تكن إلا إستراتيجية غربية خبيثة تحمل في طياتها شكلا من أشكال التطرف، وإقصاء الآخر باسم حقوق الإنسان يخدم البراغماتية الغربية بامتياز.

بالمقابل فإن الإسلام بريء براءة الذئب من دم يوسف من الفكر المتطرف، وكل من يتبنى العنف والإرهاب تحت لواء الدين الإسلامي، بل ينبذ كل التشوهات الفكرية العنصرية المقيتة، ومن هدي القول أن تاريخ الإسلام يثبت مدى إقراره للاختلاف والتنوع الثقافي واحترام كل الديانات والحريات، ويدعو إلى تقارب الشعوب، غير أن الكثير من الجدل الحاصل اليوم حول من المسؤول عن هذا التشويه: هل الغرب أم المسلمون أنفسهم وفق منطق المؤامرة الغربية التي تطفوا كلما هبت ريح إنكار إخفاقاتهم؟

حقيقة إن فهم الإسلام يحتاج إلى تمحيص وشرح عميق، وتطبيق تعاليمه جملة واحدة وليس وفق ما يتوافق مع الأهواء، وبالتالي فالمعالجة الأكثر تعقيدا لظاهرة الإرهاب وفكرة الإسلاموفوبيا، والإسلام الراديكالي وفق وصف الرئيس الفرنسي لا تنطلق من زاوية واحدة فقط، بل من الخطأ الفادح استنتاج أن كل العمليات الإرهابية تمثل الإسلام، حتى الكثير من المسيحيين واليهود والعلمانيين يحملون فكرا متطرفا، لكن هل يعترف الغرب بذلك؟

بطبيعة الحال ثلة قليلة منهم من يملك جرأة الاعتراف والإنصاف الفكري، والتاريخي لأن الثقافة الغربية، ووسائل الإعلام الغربي تسعى جاهدة نحو فرض نمط ثقافي فكري واحد يجمل الأفكار الليبرالية العلمانية، ويقدمها في أرقى الصور بالمقابل عرض أسوأ المشاهد السلبية في المجتمعات الإسلامية وطمس كل الفضائل ببساطة لأنها تخدم أجندة معينة، بينما العرب والمسلمون ينأون عن تقديم المشاهد المشرقة للحضارة الإسلامية، فما يفرقهم ويمزقهم أكثر مما يجمعهم، وبالتالي هم أيضا ساهموا في تمييع فطرة الثقافة الإسلامية الصحيحة، فغالبية الحوادث الإرهابية العنيفة يصدّق الغرب أنها تحدث وتأتي من المسلمين والدول الإسلامية رغم أن الغالبية العظمى من المسلمين تعارض وترفض هذا الاعتقاد، وسيظل التيار الغربي المتطرف يتبنى تبريراته المتجذرة في إديولوجية كراهة الآخر بينما الجماعات الإسلامية المتطرفة ستعمق نفس الكره.

فاليوم تخطط حكومة ماكرون لمشروع قانون جديد لمكافحة “الانفصالية الإسلامية” إنطلاقا من فرضية أن العلمانية أساسية للهوية الوطنية الفرنسية، ولا يمكن بحسب تصريحات ماكرون أن تقيد الدولة حرية التعبير لحماية مشاعر مجتمع معين يقوض وحدة البلاد، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على حملة جديدة ستضاف إلى حملات تضييق الخناق على المسلمين في فرنسا، وهذا بدوره سيثير الجدل القديم المتجدد حول دور الإسلام في فرنسا، وأوروبا عامة، وبالتالي فالمشكلة لا تمكن في رغبة ماكرون حماية العلمانية وحرية التعبير فقط بل أكثر من ذلك، وهو وضع حد لانتشار الإسلام وإعادة بناء إسلام في فرنسا يمكن أن يكون إسلامًا للتنوير -كما صرح ماكرون-إذ لا تزال مساعي الغرب في تجسير الهوة وتقريب قيم الليبرالية الجديدة كوصفة ملهمة للشعوب خاصة العربية والاسلامية المضطهدة الحقوق والحريات في قالب جديد تمنح من خلاله كل الحقوق الكاملة للديمقراطية والسوق الحرة، تحت اسم عولمة النموذج الديمقراطي الغربي العلماني، من جهة إعادة ضبط الهجرة، ومحاولة إسكات منتقديه خاصة من اليمين المتطرف قبيل الانتخابات الرئاسية، حيث وضح الرئيس الفرنسي بالتفصيل إستراتيجيته لمواجهة ما وصفه بالطرق التي تغلغل بها الإسلام الراديكالي في المجتمع الفرنسي، وتحدث عن إجراءات ملموسة مثل تدريب الأئمة في فرنسا والحد من التعليم المنزلي وتأثير الدول الأجنبية على السكان المسلمين في فرنسا.

وبهذا الصدد يقول برونو تيرتريس -نائب مدير مؤسسة الأبحاث الإستراتيجية في باريس- “إن السيد ماكرون بحاجة إلى توخي الحذر أيضًا حتى لا يظهر كمدافع عن أوروبا المسيحية، وإن كان هذا التصور غير متعمد” في حين اعتبر البعض أن الأمر يتعلق بأمن الغرب واقتصاده في النظام العالمي بعد الوباء.

ورغم أن ماكرون حاول تبرير موقفه في قوله: “نحن نحترم جميع الاختلافات بروح السلام، و لن نقبل أبدًا خطاب الكراهية، وندافع عن مناقشة معقولة، وأضاف “نحن نضع أنفسنا دائمًا في صف الكرامة الإنسانية والقيم العالمية”، إلا أن تبريراته غير مقبولة، وتثير انقسامات جديدة وتصاعد حدة التطرف الديني، حيث يتوقع أن تتفاقم الاحتجاجات سواء داخل فرنسا، أو خارجها، وستتوسع جدلية الإسلام والتطرف لتأخذ منحى جديد بعد مرحلة ما بعد كورونا، قد تكون محاربة الإسلام من أبرز أولوياتها.

إذن في ختام مقالتنا نجزم كل الجزم أن الإسلام بريء من كل أشكال التطرف، طبعا هذا لا يعني أن المسلمين معصومين عن السلوكيات العدوانية المتطرفة، وهذا يعود لأسباب كثيرة لا يسعنا المقام ذكرها جميعا، إنما نعدد بعضا منها تتجلى في الظروف المعيشية وقمع الحريات في مجتمعاتهم بالإضافة إلى التشوهات التي تلحق بالاعتقاد، لذلك فمن المهم جدا أن نتصالح مع أنفسنا كمسلمين نمثل الإسلام من خلال العودة إلى تطبيق تعاليم الدين الإسلامي كما هي، ثم نصحح كل الاعتقادات المشوهة التي أعطت صورة سلبية للغرب عن الإسلام، وهذا لا يتم إلا بنبذ العنف ونشر ثقافة السلام وشجب كل أشكال التطرف الديني، ومحاربة من يتخذ من الدين غطاء لفكره واعتقاده المتطرف، كما يجب على الحكومات العربية والإسلامية السير نحو تغليب ثقافة التعايش بين الشعوب، وتعزيز قيم الحريات، والديموقراطية.

 

رابط المصدر:

https://annabaa.org/arabic/authorsarticles/25279

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M