مكاسب داخلية: الموقف الايراني من الحرب الروسية الأوكرانية؟

علي عاطف

 

منذ اليوم الأول لاندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، في 24 فبراير 2022، كان موقف الحكومة الإيرانية واضحًا بشأن هذا الحدث الكبير، حيث مثّل انعكاسًا لنهج سياستها الخارجية التي تتبناها منذ عقود. ولم يكن هذا الموقف غريبًا في حد ذاته، بل كان متوقعًا؛ إلا أن الإعلان عنه جاء سريعًا للغاية. إن دوافع تبني طهران وبشكل مباشر ناحية توجه محدد فيما يتعلق بالأزمة الروسية الأوكرانية يمكن تفسيرها من خلال النظر في طبيعة تحالفاتها وعلاقاتها الدولية من ناحية، ورؤية نظامها السياسي الأيديولوجية داخليًا وخارجيًا من ناحية أخرى. وبقدر ما كان رد الفعل الإيراني سريعًا، كان مجال توظيف إيران لهذه الأزمة على المستوى المحلي واسعًا وبارزًا أيضًا، في محاولة للاستفادة منها في ملفات عدة نظرية وعملياتية عسكرية أو حتى لدعم شعبية النظام السياسي في الداخل.

تفاعل الداخل الإيراني مع اندلاع الحرب

ألقى وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، في تغريدة له على تويتر نُشرت يوم اندلاع الهجوم الروسي ضد أوكرانيا، باللوم على حلف شمال الأطلنطي “الناتو” بشأن قيام هذه الحرب قائلًا إن “أصل الأزمة الأوكرانية ينبع من استفزازات الناتو”، حسب وصفه. وجاءت تغريدة عبد اللهيان بعد ساعات قليلة من خطاب الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يوم 24 فبراير الذي أعلن فيه بدء الهجوم على أوكرانيا، مما يُعد تفاعلًا وردة فعل سريعة على الحدث، وفي اليوم التالي للحرب حمّل الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، الدول الغربية بشكل مباشر مسئولية التصعيد، قائلًا إن الحرب الروسية الأوكرانية تتعلق بـ”الأمن القومي للدول”، وإن الحرب اندلعت “لمواجهة استراتيجية الغرب”، على حد تعبيره، أما في اليوم السادس للحرب الموافق الأول من مارس، فقد أكد المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، في خطاب له على نهج إيران إزاء الأزمة حين وصف أوكرانيا بأنها “ضحية السياسة الأمريكية”. لقد اتهم خامنئي الولايات المتحدة بأنها هي التي “جرّت أوكرانيا إلى هذه النقطة”، ولكنه قال أيضًا إن بلاده “تعارض الحرب في أي مكان بالعالم” وإنها تدعم إيقاف الحرب. وواصل خامنئي عرض رؤيته، أو رؤية بلاده، لأبعاد الحرب، حيث ذهب إلى أن “معالجة أية أزمة أمر ممكن إذا ما عُرف أصلها. وجذر الأزمة الأوكرانية يكمن في سياسات الولايات المتحدة”.
وحَمَلَ خطاب خامنئي المُشار إليه انتقادًا أكثر وضوحًا لأوكرانيا حين قال، في إشارة إلى التطورات العسكرية الأخيرة، إنه “لو كان الشعب الأوكراني منخرطًا ومشاركًا، لما أصبح وضع الحكومة والشعب الأوكرانيين هكذا اليوم. فالناس لم يكونوا مشاركين لأنهم لم يكونوا راضين عن الحكومة”. ويقصد خامنئي بالمشاركة هنا دعم الشعب للحكومة.

أما الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، فقام من جانبه بالاتصال بنظيره الروسي بوتين معبرًا له عن أمله في أن “ينتهي ما يحدث لصالح الشعوب والمنطقة”. وذهب مسئولون آخرون في طهران إلى أن “مخاوف روسيا التي قادت إلى الهجوم على أوكرانيا يمكن تفهمُها”، طبقًا لما كتبه النائب السياسي لمكتب رئيس الجمهورية الإيرانية “محمد جمشيدي” في إحدى الصحف المحلية. ومع ذلك، رفض بعض السياسيين الإيرانيين وجهات النظر الرسمية واعتبروا الهجوم الروسي ضد أوكرانيا “ليس في صالح إيران”.

واتبعت وسائل الإعلام التي تبث من طهران نهجًا مشابهًا أيضًا للموقف الرسمي، ولكنه يتناول تحليلاتٍ لأبعاد الحرب المختلفة حسب وجهة نظر أصحابه. حيث دأبت وسائل الإعلام الإيرانية في هذا الصدد على مهاجمة سياسات واشنطن والغرب، خاصة في المنطقة. فعلى سبيل المثال، قالت صحيفة “كيهان” المقربة من المرشد الأعلى في عددها الصادر يوم السبت 26 فبراير الماضي، إن “القوات الأوكرانية لم تستطع الاستمرار أمام الهجوم الروسي لأكثر من 48 ساعة”، منتقدة رد الفعل الأمريكي إزاء الهجوم. ولكن جلب توجهُ وسائل الإعلام الإيرانية، فيما يخص الحرب، انتقاداتٍ من مواطنين إيرانيين على شبكات التواصل الاجتماعية، خاصة ضد صحيفة “جام جم” التابعة لمؤسسة الإذاعة والتليفزيون الإيرانية.

وبشكل عام، غَلَبَ على وسائل الإعلام المحافظة في إيران اتخاذ مواقف شبيهة للغاية بمواقف الحكومة الرسمية، أي دعم روسيا، ما كان على النقيض من الصحف الموالية للإصلاحيين، الذين كانوا يشكلون الحكومة السابقة بزعامة حسن روحاني، حيث تضمنت وسائل الإعلام التابعة لهم انتقادات لروسيا. ومثال على ذلك، حذّرت صحيفة “اعتماد” الإصلاحية في عددها الصادر يوم الخميس 3 مارس 2022 من “إمكانية ظهور كارثة إنسانية” في أوكرانيا إذا ما تطور استخدام القوة العسكرية هناك. بل إن الصحيفة الإيرانية تطرقت في التقرير نفسه للمعارضين للحرب الروسية الأوكرانية.

gf.PNG

(عدد صحيفة “وطن امروز” المحافظة الصادر في 2 مارس: “دروس الحرب الأوكرانية”)

وإجمالًا، يمكن تقسيم توجهات وسائل الإعلام الإيرانية إزاء الحرب الروسية الأوكرانية إلى 3 أقسام:

– المجموعة الأولى: تشمل الوسائل الإعلامية الحكومية، وقد اتخذت مواقف داعمة مباشرة لروسيا.

– المجموعة الثانية: تبنت آراء غير داعمة للحرب، ولكنها في الوقت نفسه توجه انتقادات للسياسيين الأوكرانيين.

– المجموعة الثالثة: يُعد موقفها محايدًا بشكل كبير إزاء الحرب في أوكرانيا، وإن كان تعداد منافذها الإعلامية أقل بكثير من المجموعتين السابقتين، فهي لا توجه انتقادات لأي طرف في الحرب.

وعلى أي حال، يمكن استنادًا لما سبق استنتاج أنه على الرغم من عدم ذكر المسئولين “الرسميين” الإيرانيين صراحة اسم روسيا في تصريحاتهم التي جاءت على مستويات عدة كما رأينا، إلا أن طهران لا تدعم الطرف الأوكراني وتقف إلى جانب موسكو، حتى إنها أعلنت عدم التزامها بالعقوبات الأخيرة المفروضة على الاتحاد الروسي في أعقاب بدء الحرب.

لماذا تدعم إيران الجانب الروسي؟

إن الموقف الإيراني من الحرب الروسية الأوكرانية لا يدور بعيدًا عن فلك السياسة الخارجية لطهران، ولذا فقد كانت تصريحات قادتها متوقعة مثلما تم توضيحه، ولتفسير أسباب هذا التوجه الإيراني إزاء الحرب الروسية الأوكرانية، يمكن التطرق إلى ما يلي:

1.البعد الاستراتيجي في العلاقات الإيرانية الروسية: 

يشمل البعد الاستراتيجي التعاون الاستراتيجي في المجالات التالية:

أ– المجال السياسي: يُعد الاتحاد الروسي، إلى جانب جمهورية الصين الشعبية، من أهم حلفاء الجمهورية الإسلامية سياسيًا على المستوى الدولي، وهذا التحالف يلقى دعمًا شخصيًا من المرشد الأعلى خامنئي. ولطالما استفادت الحكومة الإيرانية من هذا الدعم في المنظمات الدولية، لعل آخرها دعم موسكو للمسار الإيراني في المفاوضات النووية التي لا تزال جارية في النمسا. وفي الشرق الأوسط، كان التحالف الإيراني الروسي قويًا في سوريا لدعم حكومة الرئيس بشار الأسد، خاصة قبل إلحاق هزائم كبرى بالتنظيمات الإرهابية مثل “داعش”، ومثلما تتشارك طهران وموسكو وجهات النظر في بعض قضايا الشرق الأوسط، تتقارب رؤى الطرفين في ملفات سياسية أخرى خارج هذا الإقليم، من بينها ما يخص الصراع ما بين أذربيجان وأرمينيا حول أبعاد أزمة إقليم “ناجورني قرة باغ” في منطقة القوقاز، حيث يتفق الطرفان بشأن مخاطر تفاقم الدور الأذري في ذلك الإقليم على حساب دور أرمينيا؛ لأنهما يتشاركان الرأي أن حلفاء باكو في المنطقة منافسون لهما.

ب- المجال العسكري: عسكريًا، قادت علاقاتُ إيران المضطربة مع الغرب خلال العقود الماضية إلى توجهها نحو موسكو وبكين من أجل شراء الأسلحة، أي إنهما أهم مُصدّري السلاح لطهران بدون منافس، خاصة الأولى.

ج- المجال الاقتصادي: تُعد روسيا أحد أبرز شركاء إيران الاقتصاديين خلال السنوات الأخيرة، بحجم تبادل قُدِّر بحوالي 4 مليارات دولار العام الماضي 2021. وكان البلدان يخططان لحذف الدولار من معاملاتهما التجارية وإحلاله بالعملات المحلية (الريال والروبل)، كما كانا يدرسان مع بداية عام 2022 رفع حجم التبادل الاقتصادي بينهما إلى 20 مليار دولار، حسب تصريح رئيس اللجنة الاقتصادية في البرلمان الإيراني “محمد رضا بورابراهيمي”.

ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد بالنسبة للجانبين، حيث كانا يدرسان خططًا شاملة وطويلة المدى وطموحة للغاية فيما يخص تعاونهما كانا –ولا يزالان- يريدان تنفيذها من خلال التوصل إلى اتفاقية لمدة 20 عامًا يندرج تحتها تعاون وتبادل اقتصادي وعسكري وأمني، أي إن هذه الخطة بمثابة “خطوات” للأمام في مجال التعاون الاستراتيجي.

2. بعد التحالفات الدولية وطبيعة العلاقات الإيرانية مع الغرب: 

منذ الثورة الأوكرانية عام 2014، شرعت حكومات كييف في التقارب بشكل أكبر مع الدول الغربية بعد أن كانت موالية لروسيا خلال الفترة التي تلت سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991. ومنذ ذلك الوقت، صنفت موسكو حكومات أوكرانيا المتعاقبة على أنها موالية للدول الأوروبية والولايات المتحدة. وتفاقمت التوترات مع صعود المرشح فلاديمير زيلينسكي عام 2019 إلى سدة الحكم، إثر فوزه على سلفه بيترو بوروشينكو في الانتخابات الرئاسية، ودعوته إلى انضمام كييف إلى حلف شمال الأطلنطي “الناتو” والاتحاد الأوروبي، والذي كان له الأثر الأكبر في قيام موسكو في 24 فبراير 2022 بتنفيذ هجوم موسع ضد أوكرانيا. وهكذا، تنظر موسكو إلى كييف على أن حكومتها موالية للغرب، وهكذا أيضًا تبعتها إيران.

وفي ظل التكتل الروسي الصيني الإيراني ضد الولايات المتحدة وأوروبا، تم تفسير ذلك على أن أوكرانيا أصبحت في معسكر الدول الغربية وضد المعسكر الشرقي، مما يفسر بالتبعية عدم تأييد إيران لحكومة كييف وانتقاد إعلام طهران المستمر للرئيس زيلينسكي فيما يتعلق بتوقعه وقوف الكتلة الغربية عسكريًا أمام روسيا بعد عملياتها العسكرية الأخيرة.

يمكننا رؤية هذا الانتقاد على صفحات الصحف الإيرانية، على سبيل المثال، بعد بدء الهجوم الروسي الذي وصل في بعض الأحيان إلى “السخرية” من التصریحات أو التوجهات السياسية لزيلينسكي الذي كثيرًا ما وصفته وسائل الإعلام الإيرانية بأنه “ممثل كوميدي”.

(تقرير وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية، إيرنا، في 28 فبراير تحت عنوان: “الجوّال أكثر أسلحة زيلينسكي فعالية”)

ومن ناحية أخرى، نجد أن علاقات حكومة زيلينسكي مع الولايات المتحدة على وجه الخصوص، خصم إيران، كان لها دور ثانوي آخر في تبلور موقف طهران إزاء الحرب الروسية الأوكرانية.

3. تدهور العلاقات الإيرانية الأوكرانية منذ عام 2020:

في 8 يناير 2020، أسقط صاروخ للحرس الثوري الإيراني طائرة الركاب الأوكرانية الرحلة رقم 752، مما أدى إلى مقتل جميع المسافرين الذين كانوا على متنها ويبلغ تعدادهم 176 شخصًا. لقد أعلنت طهران أن الحادث وقع عن طريق الخطأ حينما ظن المسئولون العسكريون في إيران أن الطائرة صاروخٌ أمريكي، حيث حلقت الرحلة آنذاك في ظل أجواء أمنية وسياسية وعسكرية متوترة بعد 5 أيام فقط من مقتل قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني في غارة جوية بالقرب من مطار بغداد الدولي. وكانت سقوط هذه الطائرة أسوأ حادثة تواجهها الخطوط الجوية الدولية الأوكرانية منذ بدء تشغيلها عام 1992.

وقاد الحادث إلى إيجاد موجة من السخط لدى المواطنين الأوكرانيين، خاصة عائلات الضحايا الذين لا يزالون يحيون كل عام ذكرى وقوعه وسقوط ضحاياه، كما أنه قاد إلى توتر سياسي رسمي كبير في العلاقات بين طهران وكييف. ولطالما انتقد مسئولون أوكرانيون عدم إفصاح طهران عن المزيد من المعلومات بشأن الحادث، كما أن وزير الخارجية الأوكراني الحالي “ديمترو كوليبا” قد اتهم طهران العام الماضي بأنها “تحاول بطريقة مثيرة للسخرية إخفاء الأسباب الحقيقية لإسقاط طائرتنا”.

وقد ساهم هذا التوتر السياسي الذي أعقب سقوط الطائرة في مزيد من التباعد بين حكومتي البلدين وأن يسود جو من التوتر بينهما، برغم أن علاقات طهران-كييف لم تكن متوترة قبل ذلك وكانت إيران قد اعترفت باستقلال أوكرانيا في 25 ديسمبر 1991 وحاولا تعزيز العلاقات الاقتصادية لاحقًا عن طريق تدشين اللجنة المشتركة للتعاون الاقتصادي والتجاري التي عقدت أولى جلساتها في طهران عام 2015 والثانية في كييف عام 2017.

4.عقدة إيرانية مماثلة في أذربيجان:

يبدو أن رد الفعل الإيراني بشأن الهجوم الروسي ضد أوكرانيا له جذور تاريخية أيضًا. فإذا كانت روسيا تخشى من توسع نفوذ حلف “الناتو” غرب حدودها مع دول شرق أوروبا، فإن لإيران رواية مماثلة نجدها في أذربيجان. فطهران، ومع اختلاف أنظمتها السياسية، ترى أنها خسرت تاريخيًا أراضي في القوقاز ممثلة في أذربيجان الحالية.

وتعود إيران في ذلك إلى معاهدتي “جلستان” و”تركمانجاي” الموقعتين عامي 1813 و1828 ميلاديًا على التوالي بين الإمبراطورية الفارسية ويمثلها القاجاريون والإمبراطورية الروسية آنذاك، حيث مثلتا نهاية للحروب الفارسية الروسية التي انتهت بانتصار الثانية.

ومثلما تقاربت أوكرانيا مع الكتلة المعادية لروسيا، تقاربت إسرائيل، خصم إيران، مع أذربيجان وهو ما برز خلال الحرب الأذربيجانية الأرمينية عام 2020 على إقليم ناجورني قرة باغ. لذا، فإن مرور إيران بتجربة (واحدة على الأقل) شبيهة قد ساهم ضمنيًا في تحول دعمها للموقف الروسي.

كيف توظف إيران الحرب الروسية الأوكرانية داخليًا؟

لقد مثلت الحرب الروسية الأوكرانية فرصة مناسبة وكبيرة للنظام والحكومة الإيرانية من أجل أن تعزز عددًا من أطروحاتها النظرية وأن تدعم أيضًا رؤيتها أمام الداخل الإيراني، على وجه الخصوص، بشأن عدد من الملفات الأخرى التي يجري تداولها والتباحث بشأنها وتحاول أيضًا مفاوضات النمسا النووية التطرق إليها في ظل رفض إيراني.

إن المؤيدين للحكومة في طهران ومنذ نهاية اليوم الأول للحرب الأوكرانية، 24 فبراير، دأبوا بشكل مستمر على توظيف هذه الحرب في مسعى منهم لتأييد وجهات نظرهم أمام الجمهوري الإيراني.

وكانت أبرز القضايا التي سعت وسائل الإعلام الإيرانية والمقربون من الحكومة في طهران للتأكيد عليها في ظل الحرب ما يلي:

1.تعزيز وجهة نظر النظام التي تتركز حول “عدم الثقة بالغرب”: 

يُعد هذا أبرز ما تسعى الحكومة في طهران إلى إثباته في الوقت الراهن، وهو ما يتضح جليًا عبر وسائل الإعلام الحكومية أو المقربة منها. فهي تحاول توظيف مسألة عدم إقدام الدول الغربية ذات العلاقة الوثيقة بالرئيس الأوكراني، فلاديمير زيلينسكي، على مساندته بشكل بارز أمام الغزو الروسي لصالحها، وذلك من خلال محاولة التأكيد على أن وجهة نظر القائمين على النظام السياسي الإيراني بشأن عدم التقارب مع الغرب منذ اليوم الأول لانتصار الثورة عام 1979 كانت صحيحة، حسب اعتقادهم. وشمل الانتقاد أيضًا حلف “الناتو”.

ولذلك، نجد أن الصفحات الأولى لبعض أعداد الصحف الإيرانية الصادرة خلال اليومين اللذين تليا بدء الهجوم الروسي على وجه التحديد احتوت على العناوين التالية:

  • كيهان“: “الولايات المتحدة تخلت مرة أخرى عن حليفها: ليعتبر الموالون للغرب”، “أوكرانيا سقطت في البئر”.
  • وطن أمروز“: “عندما يكون الناتو صديقك”، “إيران لاعب حكيم”.
  • جام جم“: “كيف جعل فلاديمير زيلينسكي بلاده أسيرة لحرب مدمرة؟”، “أوكرانيا على شفا الانقسام”.
  • خراسان“: “نتيجة الثقة”، “دعم زيلينسكي قطرة بقطرة”.

ونلاحظ هنا أن جميع هذه الصحف تابعة للتيار المحافظ في إيران، حيث إن صحف الإصلاحيين تقل حدتُها بشأن انتقاد الغرب عن هذه اللهجة. وعلى أي حال، يحاول المنظّرون المؤيدون للحكومة في طهران في ظل الحرب الأوكرانية تعزيز وجهات نظرهم الخاصة حول قطعهم للعلاقات مع الولايات المتحدة أو حتى تخفيض مستواها مع بعض الدول الأوروبية الأخرى. وفي هذا الصدد، نجد أن وسائل الإعلام الحكومية في طهران لا تكاد تخلو عند الحديث عن الحرب الأوكرانية من كلمات مثل “درس” أو “عبرة”.

2. مهاجمة المحافظين لأطروحات التيار الإصلاحي: 

ويرتبط هذا التوجه بالنقطة السابقة. حيث استغل المحافظون في إيران مسألة عدم تدخل الدول الأوروبية أو الولايات المتحدة بشكل مباشر في الحرب الروسية الأوكرانية لمهاجمة الإصلاحيين في الداخل، الذين لطالما يصفونهم بأنهم “موالون للغرب/ غربگرايان”، بشأن رغبتهم ودعهم لإقامة علاقات وثيقة مع الدول الغربية والانفتاح عليها، مثلما حدث أثناء فترة رئاسة الرئيس الأسبق محمد خاتمي (1997-2005)، وذلك على النقيض من المتشددين والمحافظين الذين لا يدعمون هذا التوجه.

وإلى جانب وسائل الإعلام، تحدث علي خامنئي صراحة عن هذا الأمر في خطابه المُشار إليه في الأول من مارس، وفي تغريدة على صفحته بتويتر في اليوم ذاته.

3.الترويج داخليًا لأهمية توسيع الصناعات العسكرية، خاصة “الدرونز”: 

برغم الدعم الواضح لموسكو، إلا أن عددًا كبيرًا من وسائل الإعلام في طهران، سواء رسمية أو غيرها، فسّرت الحرب على أنها إشارة لأهمية تعزيز الصناعات العسكرية محليًا، وخاصة صناعة الصواريخ والطائرات المسيرة من دون طيار (درونز).

وربطت وسائل إعلام إيرانية موالية للحكومة بين عملية الترويج هذه والقضية الأولى المُشار إليها آنفًا في حديثنا، حيث جادلت بأنه لو كان لدى الأوكرانيين صناعة عسكرية قوية لتغير الموقف. إن أبرز مثال لهذا التوجه يمكننا أن نجده في العنوان الرئيس لصحيفة “وطن امروز-الوطن اليوم” الإيرانية في عددها الصادر في اليوم الثالث للحرب، حيث كان “نعم! إنه عالم الصواريخ”.

sdfsfd.PNG
(وطن أمروز، عدد 26 فبراير)

وتساءلت صحيفة “همشهري-المواطنة” أيضًا في عددها الصادر يوم 26 فبراير قائلة “أوكرانيا، عصر الصواريخ وليس الأقاويل: لماذا أصبحت أوكرانيا مكبلة الأيدي أمام الهجوم الروسي؟”.

ومع بروز دور الطائرات التركية المسيرة “بيرقدار” في معارك أوكرانيا بعد اندلاع الحرب، اندفع الكثيرون من الكتاب والمعنيين في إيران داعين إلى تعزيز صناعة الدرونز محليًا، خاصة وأن إيران قد قطعت شوطًا كبيرًا في هذا المضمار. وليس ببعيد عن أبعاد هذه الدعوات جاء تصريحُ قائد مقر “خاتم الأنبياء” المشترك للدفاع الجوي” في إيران قادر رحيم زادة، يوم 25 فبراير 2022 الذي طالب فيه بضرورة “استعداد القوات المسلحة لحروب محتملة”، مضيفًا أن “طبيعة هجمات اليوم تختلف عن الماضي”.

4.ماذا عن الحرب الأوكرانية والمفاوضات النووية؟ 

مع أن المحافظين الإيرانيين قد امتنعوا كلية عن طرح الملف الصاروخي لبلادهم على مائدة المفاوضات النووية في فيينا وبات هذا الامتناع واضحًا، إلا أنهم عادوا وحاولوا في أعقاب الحرب الأوكرانية الدعاية لآرائهم وتعزيزها أمام الداخل الإيراني. ولذا، فإن هذه القضية لا تنفصل كلية عما سبقها من نقاط.

5.محاولة الترويج لـ”خروج الولايات المتحدة من المنطقة”:

إن المرشد الإيراني الأعلى خامنئي قد أعاد طرح هذه المسألة في خطابه المذكور آنفاَ، حيث رأى، حسب تعبيره، أن سبب اندلاع الحرب في أوكرانيا يعود إلى طبيعة علاقات كييف مع الولايات المتحدة ودور الأخيرة بها. ولذا، فقد حاول المرشد، ويحاول المحافظون الإيرانيون، تكثيف دعواتهم بهذا الصدد في الوقت الحالي عن طريق توظيف الأزمة الأوكرانية.

هل يغير موقف موسكو إزاء المحادثات النووية توجه طهران؟

على الرغم من هذا التوجه الإيراني إزاء الحرب الروسية الأوكرانية، إلا أن الإيرانيين بدأوا مؤخرًا يُظهرون انتقاداتٍ للموقف الروسي إزاء المفاوضات النووية الجارية في العاصمة النمساوية فيينا. إذ تطالب روسيا الأمريكيين والأوروبيين بأن يضمن الاتفاقُ النووي المرتقب مواصلة استمرار تجارتها مع إيران؛ وذلك إثر فرض الدول الغربية عقوبات واسعة على الاتحاد الروسي بعد اندلاع حربه مع أوكرانيا.

لقد فرضت هذه المستجدات عثرة جديدة أمام التوصل إلى اتفاق نووي بعد أشهر طويلة، بعد أن كان الإيرانيون يطمحون إلى التوقيع عليه قريبًا. وهذه العثرة الجديدة هي ذاتها التي دفعت الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، إلى أن يصرح في السابع من مارس الجاري قائلًا إن “تفاعلاتنا مع مجموعة 4+1 تنبعث فقط من مصالح شعبنا. ولذا، فإننا نقوم بتقييم المستجدات التي تؤثر على المفاوضات، وسنبحث بالتالي عن طرق مبتكرة للإسراع في إيجاد حل”.

وعليه، فإن سعي الإيرانيين الحثيث للتوصل لاتفاق لإنقاذ الاقتصاد المحلي في ظل المطلب الروسي الجديد المفاجئ قد يدفع قريبًا إلى حدوث خلافات بارزة بين الطرفين، قد ترقى إلى مطالبة الغربيين والإيرانيين معًا بتنحي الروس عن مسار المفاوضات، مما قد يقود بالتزامن معه إلى تطور أكثر أهمية وهو تحول التوجه الإيراني إزاء الحرب الروسية الأوكرانية إلى النقيض من المُشار إليه.

ختامًا، برغم الجدل الدائر داخل إيران حول تأثير الحرب الأوكرانية على العلاقات التجارية مع روسيا، أو حتى بعض المخاوف بشأن انخراط المنطقة في حرب أكثر شمولًا، إلا أن هذه الحرب تصب بشكل غير مباشر في صالح المحافظين داخل إيران، حيث يحاولون توظيفها من خلال الترويج لأنفسهم كما سبق إيضاحه، وهذا يعني تقوية جبهتهم أمام الإصلاحيين، علاوة على احتمالات كبرى تشير إلى أن العسكريين الإيرانيين قد ينخرطون بشكل موسع في تطوير صناعات عسكرية محلية خلال الفترة المقبلة في ضوء هذه الحرب، خاصة في مجالي الصواريخ والطائرات من دون طيار.

 

.

رابط المصدر:

https://ecss.com.eg/18819/

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M