السنغال.. هل تنهار آخر معاقل الديمقراطية في غرب إفريقيا؟

روضة علي عبد الغفار

صحفية متخصصة بالشأن الإفريقي

 يقول المثل الإفريقي “كلما كانت الصداقة أكثر قربًا، كانت العداوة أشد فتكًا”، وقد انفرد السنغال في محيطه الاقليمي بتداول سلمي للسلطة كان حديث الساحة السياسية في عام 2024م؛ عندما فاز الرئيس ديوماي فاي الذي كان معتقلا سياسيًا خرج لتوه من السجن وسرعان ما توجه إلى قصر الرئاسة، في حدث فريد من نوعه تصل فيه المعارضة إلى رأس السلطة في بلد يواجه الكثير من الأزمات والتحديات.. لكن مواجهة التحديات والأطماع الخارجية كانت أهون عند فاي من مواجهة رفيق الكفاح وصاحب السجن عثمان سونكو.

وهو ما يجعل السنغال يقف الآن أمام منعطف مصيري يهدد مستقبل الديمقراطية به.. في سياق الخلافات بين الرئيس السنغالي ورئيس وزراءه السابق تطرح “قراءات إفريقية” في هذا التحقيق: حقيقة الأزمة المتصاعدة بين فاي وسونكو، وكيف يراها الشارع السنغالي؟ وسيناريوهات الأزمة، وتأثيرها على مكانة السنغال في منطقة غرب إفريقيا..

السنغال بين الثورة والسلطة

في 2024م سعى عثمان سونكو للرئاسة بكل قوته بينما ساقتها الأقدار إلى رفيقه ديوماي فاي، وقد تعاهد الرفيقان على انفاذ مشروعهما الذي ناضلا من أجله ليكونا وجهان لعملة واحدة، لكن ميادين الثورة ليست كأروقة القصر، وكفاح المعارضة ليس كـتحديات الحكم وإدارة الدولة.

فالتحالف الذي بدا متماسكًا في البداية بدأ يتصدع بعد وصول الرجلين إلى السلطة، وظهرت خلافات حول طريقة إدارة الدولة وأولويات الإصلاح والسياسات الاقتصادية، خاصة في ظل أزمة الديون والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي. ومع الوقت تحول الاختلاف في الرؤى إلى تنافس واضح على النفوذ والقيادة داخل المشروع السياسي الذي أوصلهما إلى الحكم.

وبلغ الخلاف ذروته في مايو 2026، عندما أقال الرئيس عثمان سونوكو من منصب رئيس الوزراء وحلَّ الحكومة، إلا ان سونوكو لم يفقد نفوذه السياسي؛ إذ احتفظ بقيادته لحزب «باستيف» وأصبح رئيسًا للجمعية الوطنية ليظل لاعبًا رئيسيًا في المشهد السياسي السنغالي.

وفي المقابل، بدأ معسكر فاي في بناء مسار سياسي مستقل عن حزب باستيف، حيث أعلن فاي تأسيس حزب جديد في يوليو الماضي وهو حزب كيراي- الوطنيون الجمهوريون.

يقول الصحفي السنغالي، محمد الأمين، لـ “قراءات إفريقية” أن الخلاف بين الرئيس فاي ورئيس وزرائه السابق عثمان سونكو يدور في إطار اللعبة السياسية، ولم يتحول إلى أزمة مؤسساتية أو يعرقل نمط إدارة الدولة، إلا أن هذه القطيعة كانت مفاجأة للبعض نظرًا للصداقة التاريخية التي جمعت الرجلين أثناء عملهما في إدارة الضرائب ثم المعتقل وصولًا للسلطة.

ويضيف “الأمين” أن الصراع السياسي بين رئيس الدولة وحليفه ليس الأول من نوعه في تاريخ السنغال؛ حيث شهدت البلاد سيناريوهات مشابهة مثل الخلاف بين ليوبولد سنغور ومامادو ديا (الذي انتهى باعتقال الأخير)، والخلاف بين عبد الله واد وإدريس سيك (الذي سُجن أيضًا بتهم متعددة).

الصحفي السنغالي محمد الأمين

وأكد “الأمين” أن حزب باستيف شهد حالة من الانقسام الفعلي؛ حيث أعلن عدد من المسؤولين تضامنهم مع سونكو مما أدى لاستبعادهم من الحكومة، في المقابل انحاز عدد من قيادات الحزب الكبيرة والشباب إلى جانب الرئيس ديوماي فاي.

وعن اهتمامات المواطن السنغالي فإنه بحسب “الأمين” لا يولي اهتمامًا كبيرًا لهذه الخلافات السياسية؛ إذ يضع على رأس اولوياته الوضع الاقتصادي وكسب قوته اليومي وتوفير فرص العمل وتخفيض الأسعار، وأضاف أن عدم اهتمام أغلب المواطنين بالسياسة يظهر في المشاركة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة حيث لم يتجاوز عدد المصوتين 3 ملايين ناخب من أصل 7 ملايين ناخب مسجلين في القوائم الانتخابية.

وأشار “الأمين” أن هناك خيبة أمل شديدة بين الشباب السنغالي؛ الذين يرون أن فاي لم يلتزم بتنفيذ البرنامج السياسي للتحالف الذي أوصله للسلطة بدعم من سونكو، وتراجع عن وعود جوهرية منها: فتح محاكمات للمتورطين في أحداث الاضطرابات السياسية في 2021: 2024، وإعادة النظر في العقود والموارد الوطنية (كالنفط والغاز) لإنهاء الهيمنة الأجنبية، كما أن التقارب مع النظام السابق زاد من خيبة أمل الشباب بسبب إبداء الرئيس فاي اهتمامًا ودعمًا لسلفه ماكي سال.

مُصالحة أم مواجهة مفتوحة؟

لا يمكن اختزال ما تشهده السنغال اليوم أنه مجرد خلاف بين رئيس الجمهورية ورئيس وزرائه السابق، إذ يبدو أن الأزمة تعكس صراعًا أعمق حول طبيعة ممارسة السلطة ومستقبل التجربة الديمقراطية في البلاد.

في حديثه لـ “قراءات إفريقية” يرى الباحث في العلوم السياسية بجامعة الشيخ أنتا ديوب في داكار، د. توماني تراوري، أن إقالة سونوكو من رئاسة الحكومة لا يمكن اعتبارها خلافًا شخصيًا بين الرجلين، فكلاهما ينتمي إلى نفس المدرسة السياسية والفكرية، غير أن الوصول إلى السلطة كشف عن اختلافات جوهرية في طريقة ممارسة الحكم، فبينما اتجه فاي إلى الاستقرار المؤسسي باعتباره شرطًا مسبقًا لتنفيذ الإصلاحات، حافظ سونوكو على خطاب القطيعة مع ممارسات الماضي، معتبرًا أن تحقيق العدالة والإصلاح يجب أن يسبقا أي مسار للمصالحة السياسية.

ويعتبر “تراوري” أن هذا الخلاف هو انعكاس لتوتر مؤسسي داخل نظام رئاسي يمنح الرئيس الدور الأساسي في تحديد سياسة الدولة، وفي مثل هذا النظام فإن وجود رئيس وزراء يتمتع بشرعية سياسية وشعبية مستقلة سيكون مصدرًا دائمًا للتوتر داخل السلطة.

وعن الطرف المستفيد من هذا الخلاف قال “تراوري” أن سونوكو يمتلك شرعية سياسية وشعبية تشكلت قبل توليه أي منصب رسمي، وترتبط صورته بالزعيم المعارض الذي قاد مرحلة طويلة من المواجهة مع النظام السابق، في المقابل يعتمد جزء كبير من المحيط السياسي للرئيس فاي على المظلة الانتخابية والتنظيمية لحزب باستيف، من دون أن يمتلك جميع أفراده بالضرورة قاعدة سياسية أو نفوذًا محليًا مستقلًا.

ويطرح “تراوري” سيناريوهين رئيسيين لهذه الأزمة: السيناريو الأول هو استمرار الصراع وصولًا إلى مواجهة سياسية عميقة بين الرجلين، ويستند هذا الاحتمال إلى سوابق إفريقية عديدة شهدت انهيار تحالفات سياسية جمعت في البداية بين شخصيات تنتمي إلى المشروع نفسه، قبل أن تتحول المنافسة على السلطة إلى صراع مفتوح.

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في انتقال الخلاف إلى منافسة سياسية يتم حسمها عبر صناديق الاقتراع، ويرى “تراوري” أن هذا السيناريو يظل ممكنًا إذا أدرك الطرفان أهمية الحفاظ على الطابع الديمقراطي للتجربة السنغالية؛ فالسنغال تحتفظ بمكانة استثنائية في منطقة الساحل وغرب إفريقيا في ظل الاضطرابات السياسية والانقلابات العسكرية التي شهدتها دول مجاورة.

د. توماني تراوري الباحث في العلوم السياسية

ومن ثم فإن الحفاظ على مؤسسات الدولة وعلى آليات التنافس الديمقراطي يمثل مصلحة مشتركة لكل من فاي وسونوكو، لكن قدرة المؤسسات على احتواء الخلاف ستكون عاملًا حاسمًا، خصوصًا المجلس الدستوري والمجتمع المدني ووسائل الإعلام المستقلة؛ التي يمكن أن تؤدي دورًا في منع تحول المنافسة السياسية إلى أزمة مؤسسية مفتوحة.

وبالسؤال عن سيناريو المُصالحة لا يستبعد “تراوري” إمكانية عودة فاي وسونوكو إلى التوافق، معتبرًا أن السياسة لا تقوم دائمًا على العلاقات الشخصية، وإنما على موازين القوى والمصالح المتغيرة، وأشار إلى أن عودة التوافق ستكون في النهاية مكسبًا لحزب باستيف، لأنها ستسمح له بالحفاظ على قاعدته الشعبية والتنظيمية، في حين أن استمرار الانقسام قد يمنح المعارضة التقليدية فرصة لإعادة بناء نفوذها قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة في 2029م.

هل تنتقل عدوى الانقلابات؟

يكمن التخوف الحقيقي في فقدان السنغال مكانتها في منطقة الساحل أو انتقال عدوى الانقلابات إليها كما في دول مجاورة وخروجها عن النظام الديمقراطي، في هذا الصدد يقول أستاذ العلوم السياسية، د. محمد تورشين، لـ “قراءات إفريقية” أنه رغم حدة الخلاف بين فاي وسونوكو إلا أن الأزمة لا تزال محكومة بإطار المؤسسات الدستورية، ولا تمثل حتى الآن تهديدًا مباشرًا لاستقرار السنغال أو مكانتها في غرب إفريقيا.

ويضع “تورشين” الخلاف في سياق أوسع يتعلق بطبيعة التجربة السياسية السنغالية؛ فالبلاد تتمتع بتاريخ طويل من الممارسة الديمقراطية منذ الاستقلال، وتُعد من الدول الإفريقية القليلة التي لم تشهد انقلابات عسكرية، وبالتالي فإن انتقال الصراع بين أطراف السلطة إلى المؤسسات الدستورية، بدلًا من الشارع أو الوسائل غير القانونية، يمثل عاملًا مهمًا في الحفاظ على استقرار التجربة السنغالية.

بل ويرى “تورشين” أن الأزمة إذا تمت إدارتها من خلال المؤسسات، قد تتحول إلى فرصة لتعزيز المشاركة السياسية وترسيخ التجربة الديمقراطية، بدلًا من دفع السنغال نحو نموذج الانقلابات العسكرية الذي شهدته دول أخرى في منطقة الساحل وغرب إفريقيا.

اقرأ أيضا

 حكاية سرديتين.. وماذا بعد سد النهضة والتصعيد الخطابي؟

جوليوس نيريري.. مواليمو “الأوجاما” وأول فصول أزمة النيل

6 ملايين تحت وطأة الجوع في الصومال: كيف يفاقم نقص التمويل الأزمة؟

أما على المستوى الإقليمي والدولي يستبعد “تورشين” أن يكون الانقسام داخل السلطة السنغالية فرصة سهلة للقوى الخارجية لإعادة تشكيل المشهد السياسي بما يخدم مصالحها، ويستند في ذلك إلى ما يعتبره رصيدًا تاريخيًا من الاستقرار السياسي، إلى جانب الموقع الجيوسياسي والوزن الاقتصادي للسنغال في غرب إفريقيا.

د. محمد تورشين باحث متخصص في الشئون الأفريقية واستاذ العلوم السياسية

فالسنغال، بحسب “تورشين”، لا تتحرك فقط للحفاظ على استقرارها الداخلي، وإنما تسعى أيضًا إلى تعزيز موقعها الاقتصادي والإقليمي، في ظل منافسة اقتصادات كبرى مثل نيجيريا وغانا وكوت ديفوار، كما تسعى إلى تعزيز حضورها داخل المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس”.

ويرى أن أي اضطراب كبير في السنغال لن ينعكس عليها وحدها، بل سيمتد إلى الدول والقوى المرتبطة بها اقتصاديًا وأمنيًا وسياسيًا، وهو ما يجعل الحفاظ على استقرارها مصلحة مشتركة داخل الإقليم.

وبعيدًا عن التنافس على النفوذ السياسي، يربط “تورشين” الخلاف بين فاي وسونوكو بملفات أكثر عمقًا، على رأسها السيادة الوطنية والوجود العسكري الأجنبي، إلى جانب إدارة الاقتصاد والديون الخارجية والعلاقة مع صندوق النقد الدولي

ويشير إلى اختلاف في المقاربة بين الرجلين؛ فسونوكو يتبنى خطابًا أكثر تركيزًا على التحرر والسيادة الوطنية وتقليص مظاهر الوجود الأجنبي، بينما ينظر فاي إلى الملفات الاقتصادية من زاوية بناء القدرات الاقتصادية وإعادة ترتيب أو جدولة الديون بما يسمح بتحقيق أهداف التنمية.

وبذلك لا يبدو الخلاف، في قراءة “تورشين”، مجرد تنافس شخصي على السلطة وإنما اختلاف في أولويات إدارة المرحلة المقبلة: بين رؤية تضع السيادة والقطيعة مع بعض ممارسات الماضي في المقدمة، وأخرى تركز على الاستقرار المؤسسي وإدارة الاقتصاد وتحقيق نتائج ملموسة خلال فترة الحكم.

وفيما يتعلق بالمستقبل، يرى “تورشين” أن الرئيس فاي سيحاول التركيز خلال الفترة المقبلة على إنجاز ملفات اقتصادية وتنموية وسياسية ملموسة، بما يسمح له ببناء إرث سياسي يمكن أن يشكل قاعدة لإعادة انتخابه، وأكد أن استمرار التنافس السياسي إذا ظل محكومًا بالمؤسسات والانتخابات، قد يصب في صالح التداول السلمي للسلطة، خلافًا للسيناريوهات القاتمة التي تربط أي انقسام سياسي في المنطقة بعدم الاستقرار أو الانقلاب.

وختامًا.. فإن أزمة فاي وسونوكو هي اختبار لمستقبل المشروع الذي أوصلهما معًا إلى السلطة، وهل يستطيع حزب “باستيف” الانتقال من حركة معارضة ذات خطاب تعبوي إلى حزب حاكم قادر على إدارة الخلافات داخل مؤسسات الدولة؟ وهل تستطيع السنغال الحفاظ على صورتها كنموذج ديمقراطي في منطقة غرب إفريقيا التي تواجه واحدة من أكثر مراحلها السياسية اضطرابًا؟ هذا ما تكشفه الأيام القادمة.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M