النزاعات في أفريقيا وإدارتها

ملخصات عن المواضيع المتبقية في إطار الأعمال الموجهة

السنة الثانية ماستر : دراسات أفريقية

المقياس : النزاعات في أفريقيا وإدارتها

من إعداد الأستاذة: سعيدة سلامة

المحور الأول: منهجية تحليل النزاع في إفريقيا : إسهامات نظرية

اكتسب تحليل النزاعات أهمية زائدة في العقد الماضي ضمن سلة الأدوات المستخدمة في معنويات التنمية والإغاثة الإنسانية وعمليات دعم السلم. وكان نشر تحليل النزاعات في الممارسات اليومية لعديد من الهيئات العاملة في بيئات ما قبل النزاع وفي أثناء النزاع وما بعد النزاع إنجازا كبيرا له نتائج غاية في الأهمية فيما يتصل بالحيلولة دون وقوع النزاع العنيف وإدارته وفضه، وكذا مدى فعالية المساعدة ويبين تطور أطر تحليل النزاع وتطبيقاتها الفوائد العملية المتحققة من خلال الجهود المشتركة للممارسين والباحثين عبر سنوات من البحث المتعددة الأفرع، ويستعرض هذا الفصل بعضا من الإسهامات والآراء التي غالبا ما تنسى نظرا للضغوط اليومية التي تواجهها الهيئات والأفراد المشركين في العملية . والغرض من هذا الاستعراض تأمل بعض التحديات والفرص التي تعن بتطبيق هذه الأدوات التحليلية على السياقات الأفريقية .

ويظل التركيز على نظرية تحليل النزاع- وإمكاناتها كجزء من الحيلولة دون وقوع النزاع العنيف وإدارته وفضه في السياقات الأفريقية- أمرا ضروريا وملجأ فهو ملح نظرا للحدة الشديدة التي يؤثر بها النزاع على حياة ملايين الأفارقة وعيشهم، وشهدت أفريقيا عشرة نزاعات كبرى على مدار السنوات الخمس والعشرين الماضية بخسائر تتراوح بين 4و6 ملايين نمن البشر وحوالي 155 مليون أفريقي تأثروا بالحروب بشكل مباشر وغير مباشر ، وعلى الرغم من وصولها متأخرة فإن مكانة أفريقيا محفوظة كمشارك نشط فيها سماه إريك هويسبوم” عصر الكوارث” – أي القرن العشرون بما اتسم به من عنف وسفك دماء ، فاجتاحت الحروب الأهلية والإقليمية والمدولة مناطق واسعة من القارة منذ الاستقلال ، بل كثرت الحالات التي كانت الأنظمة الحاكمة هي التي تمارس العنف فيها ضد مواطنيها من خلال الإبادة والقتل العام( فيما أوجزه رودولف رومل بعبارة “إبادة شعوب” democide، وفي هذا  العقد الول وحده من القرن الحادي والعشرين لا تزال الحروب الهلية في كوت ديفوار وجمهورية الكونغو الديمقراطية وبورندي والسودان(دارفور وجنوب غرب النيل)  والصومال وغينيا بسساو، والنزاعات المتوسطة الحدة في جمهورية أفريقيا الوسطى ونيجريا (دلتا نهر النيجر) ، وحاليا في تشاد تذكرنا بتأثير النزاع العنيف على التنمية الاقتصادية الاجتماعية في أفريقيا، كما ان هشاشة الانتقال من الحرب للسلم في بلاد كسيير اليون وليبريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وأنجولا (على سبيل المثال لا الحصر) تتطلب عناية مستمرة من كل العناصر المشاركة.

ومعدل التدمير الذي أحدثه العنف في النسيج الاقتصادي الاجتماعي لدول كانت تعد حتى وقت غير بعيد “دولا هادئة” (كزيمبابوي والحالة الحديثة كينيا) يذكرنا بالضرورة الحتمية لمنع ومعالجة المواقف قبل تفاقمها والتدخل السلمي للمصافحة فإضافة إلى التكاليف البشرية والمادية للحرب (في سياقات يكون المدنيون والبنية التحتية المدنية فيها مستهدفين بشكل مباشر)  يأتي العنف بمتغيرات ذات طبيعة نفسية (منها دوامات الثأر والانتقام مثلا) تتطلب عمليات مصالحة مطولة وطويلة المدى في المجتمعات المعنية وبعد سكوت المدافع بآماد طويلة. [1]

وتعد مراجعة نظرية تحليل النزاع  وتطبيقاتها أمرا ضروريا في وقت بدأ فيه عديد من الهيئات الناشطة في مجال منع النزاع وإدارته وفضه(بدءا بالاتحاد الأفريقي وانتهاء بالتجمعات الاقتصادية الإقليمية، ومن الهيئات المانحة إلى الجمعيات الأهلية المحلية، ومن ورش عمل البحث في السياسات إلى الأقسام الجامعية) في استخدام نوع ما أو غيره مما يعرف  بأدوات تقويم النزاع في سعيها لفهم استجابة حالات عدم الاستقرار في القارة وتفسيرها وتطويرها ، وهذا هو الحال بصفة خاصة في تشغيل عديد من أنظمة الإنذار المبكر للنزعات في أفريقيا، ومنها على سبيل المثال لا الحصر “نظام الإنذار المبكر القاري، (CEWS) بالاتحاد الأفريقي، أو “سيوارن” في “هيئة التنمية بين الحكومات” (إيجاد) و”ايمزوران” في التجمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا ” (ايكواس).

ويهدف هذا الفصل إلى تقديم عرض نقدي لانتشار تحليل النزاع وأطر تقويمه ، وتقديم فكرة مبدئية عن بعض التحديات التي يمثلها تطبيق هذه الطر في السياقات الأفريقية، وسنسعى فيه قدر المستطاع وكلما لزم الأمر لسد  الفجوة بين النظرية والتطبيق بالاستعانة بنتائج ذات طبيعة نظرية من مبحث النزاع ودراسات السلم والعلاقات الدولية، وعلى مستوى قاعدي تماما وفي محاولة لاستكشاف مجال لا يزال تفسيره مستحضرا في سبب واحد(أو في افتراضات بالحتمية) لانتشار النزاعات في القارة يفترض في هذا الفصل أن يثير أذهاننا حول كيفية تناول التعقيد

الذي يصاحب حدوث العنف. اما بالنسبة لفرضية حتمية النزاع في افريقيا فتذكرنا بمقولة الصحفية والكاتبة شارلين هنتر جولت :” لو كنتم لا تسمعون عاما بعد عام الا ان الجوع والجفاف والامراش والنزاع فان الناس يستنتجون ان مشكلات افريقيا عصية على الحل والا شيء في افريقيا يتغير”.

وفي كتابها  بعنوان اخبار جديدة من افريقا كشف النقاب عن النهضة الافريقية (the African Renaissance Charlayne Hunter-Gault.New  News Out of Africa :Uncovring).

تقدم شارلين رد فعل قوى تجاه الراي السائد والمفاهيم العامة عن كل شيء في افريقيا،في محاولة منها لموازنة السمات الاربع التي تسود كثيرا من لغة الخطاب حول افريقيا وهي الموت والمرض والكوارث والياس .

ويرى مؤلف هذه الصفحات ان هذا يتطلب في جزء منه مناقشة الفريقين الكبيرين اللذين كما يقول باتريك تشابال ميزا فكرة انتشار العنف في القارة فمن الاراء ما يربط “العنف بالالام الاجتماعية والسياسية للتنمية” في ان “ترسيخ دعائم الدولة وتحويل المجتمع لا يتحققان الا بالقوة ” وهناك فريق اخر يوهم بانه يفسر انتشار النزاعات في افريقيا بربط وقوعه” بسمات تحديث القارة والتي تعرضها لدرجة من العنف تفوق المتوقع” وغالبا ما يركن الفريق الاول الى مقارنات بسائر مناطق العالم ويجنح الى تاويل النزاع في افريقيا بانه النتيجة المحتومة للعمليات التاريخية لبناء الدول وفي هذه الحالة اصبحت اكثر تحديا بسبب ارث قرون من حكم الاستعمار ومن انصار هذا الراي محمد ايوب في كتابه “مأزق الامن في العالم الثالث (The Third World Security Predicament) حيث يربط جهود بناء الدولة في حقبة ما بعد الاستعمار وسائر دول الجنوب بحتمية النزاع وهذه الدول في رايه تعاني مازقا امنيا ناجما عن الضغوط المتلازمة لبناء الدولة وتاخر لحاق العالم الثالث بنظام الدولة. وبالتالي فما يحدث في افريقيا فيما يتصل بالعنف السياسي ليس نوعيا بالضرورة ،فهو متبع في عديد من مناطق عالم مابعد الاستعمار.

ونوعية التجربة الافريقية ابان الاستعمار وبعده(بابعادها السياسية وااقتصادية والتنموية والاجتماعية والامنية) هي جذر العمف لدى الفريق الاخر-أي الطرق المعقدة والتي يحددها الموقف والتي تؤثر على دول بعينها مدرجة ضمن مجموعة اكبر من الآراء حول طبيعة السلطة السياسية والنزعة التوارثية المحدثة ونظام الحكم والهوية والتفتت العرقي اللغوي وندرة الموارد وانعدام المسواة وعوامل اخرى. [2]

التطبيق والنهج: منهجية تحليل النزاع

تمهيد تحولت مهمة تحليل النزاع لدى عديد من الهيات والافراد العاملين في افريقا الى مرادف للاستعانة باداة ونهج بعينه بتنويعات طفيفة حسب المهمة الموكلة للهيئات المعنية واهدافها . ونتذكر انه منذ عقد من السنين كانت الموضة من كل من الاوساط العلمية ودوائر السياسات التحذير من تباعد الهوة بين النظرية والتطبيق وان منهجت تحليل النزاع –على الرغم من بعض الشراك الحتمية المرتبطة بها يعد امرا رائعا. ويستحسن تجديد اطر بعض خلفيات هذه التطورات. فحين وجه عدد كبير من العلماء انتباههم في السنوات الاخيرة من الحرب الباردة نحو فهم وتاويل الحروب التي بدات اخيرا تحضى باهتمام (اي الحروب الداخلية والاهلية والمجتمعية) وتخلصوا من تركيزهم المرضي على الحروب المنظمة وفيما بين الدول ،بدات الجدران التي كانت تفصل بين مختلف الاتجاهات العلمية تتصدع والتامت الفجوة التي كانت تميز التفاعلات بين البحث العلمي ودوائر التطبيق،[3]

ونتذكر أن دراسة الحروب والنزاعات المسلحة داخل الأوساط العلمية ظلت لسنوات ممزقة بين الحدود بين المباحث الدراسية (العلاقات الدولية والدراسات الإستراتيجية وعلم الاجتماع والتاريخ ودراسات السلم وبحث النزاعات)، وهو تمزق أدى بالضرورة إلى نشأة نظريات وجداول أعمال متضاربة وحصرية وربما إلى غياب واضح للتكامل المعرفي من خلال المباحث المشتركة بين الأفرع الدراسية، وكان الوضع أكثر هشاشة فيما يتعلق بالصلات بين البحث العلمي ودوائر التطبيق العاملة في البلاد والمناطق التي تجتاحها الحروب (باستثناء الدراسات التنموية وجال فض النزاعات التطبيقي الناشئ آنذاك).

من ثم فلا غرو أن جاءت قوة الدفع الولية لإيجاد نوع من التكامل (ونقصد هنا اطر تحليل النزاع) من ممارسين من هيئات وخلفيات شتى، وكان الممارسون سواء من يعمل منهم في ميادين حروب ما بعد الحرب الباردة في البوسنة والهرسك وناجورنو قره باغ وكرجيا أو في حروب أفريقيا في انجولا والسودان واوغندة وزائير والكونغو الديمقراطية بحاجة لمجموعات أدوات تساعدهم على مزيد من فهم هذه الأوضاع والتخطيط والإعداد لها ، ومع نزول الستار على الفصل الخير من الباردة – تفكك السوفيتي في عام 1991- كانت الحروب التقليدية بين الدول أصبحت الاستثناء لا القاعدة، ومع ذلك ففيما يتعلق بدراسات العلاقات الدولية والإستراتيجية السائدة كانت دراسة الحروب بصورة عامة تركز على “الحروب الكبرى” وبنتائج قلبت الموازين كانت كافة النزعات الأخرى تعتبر “حروبا بالوكالة” أو “حروبا محدودة” نزاعات ضعيفة الحدة” ، وفي ظل سيادة الفكر الواقعي والواقعى المحدث اتجه التركيز إلى قضايا الدراسات الإستراتيجية كالمن القومي والدولي والردع النووي وتوازنات القوى والتحالفات  وسباقات التسلح وكذلك إلى وقوع الحروب بين الدول وتكرارها ومدتها ، ومن الاستثناءات المهمة في ذلك كما سنشرح فيما بعد ما ظهر على شكل إسهامات ثورية فعلا لمبحث دراسات السلم والنزاعات في أعمال أصبحت كلاسيكية حاليا لجون بيرتون ويهان جالتونج وإدوارد عازر وهربرت كلمان وتد جور ولويس كريسبرج أو لرواد من أمثال جورج سيمل أو كوينسي رايت وغيرهما.

وفيما بين 1989و2006 كما أشار أربوم وفالنستين مؤخرا فمن مجموع 122 نزاع على مستوى العالم لم يزد عدد النزاعات بين الدول عن سبعة و19 نزاع داخلي و26 منها اعتبرت نزاعات دولية داخلية (تتلقى فيها الحكومات أو المعارضة أو كلاهما دعما عسكريا من حكومات أخرى) ، وفي أفريقيا أدى استئناف حرب أهلية واسعة النطاق في أنجولا عقب انتخابات 1992 والاندحار الأمريكي في الصومال في عام 1993 وفشل المجتمع الدولي في اتخاذ موقف من الإبادة الجمعية في روانده في عام 1994إلى استقطاب مزيد من الانتباه العام، ومن الغريب أن هذه “الحروب الجديدة” كما تسمى حاليا أو “الحروب من النوع الثالث” كما يسميها كل من كالدور وهولستي لم تنشأ فجاة  فالتوجه كان موجودا بالطبع لعقود عدة لكن العالم كان يركز على المستوى الاستراتيجي ولم يكن يولي اهتماما للتخريب الخفي الدائر في تلك الحقبة وفرضت النزاعات الداخلية والأهلية والعرقية و الاجتماعية والحروب الجديدة والضرورات الإنسانية المعقدة نفسها على ساحة دولية لم تعد قادرة على نبذها بوصفها غير ذات صلة بالمعادلة الإستراتيجية ، وفي العالم الجديد المائج بالاضطرابات والأقل استقرارا بعد الحرب الباردة  بات واضحا ان بوني ودي مسكيتا كان على حق في تحذيره من مخاطر حصر الاهتمام في الحروب المنظمة الدولية  وكان تحذيره أصدق ما يكون في القارة الأفريقية حيث لم تنج أية منطقة فيها من دمار الحروب في أواخر التسعينات (في غرب أفريقيا ليبريا ، سييراليون، غينيا بيساو، وفي القرن الأفريقي إثيوبيا – إريتريا، الصومال ، وفي منطقة البحيرات أوغندة، الكونغو الديمقراطية ، بورندى، وفي الجنوب الإفريقي أنجولا)،

وكانت النتيجة تحول جوهري وعاجل في تحليل الحروب والنزاعات المسلحة ، وأصبحت هذه هي النزاعات المهمة، فهي قد تهدد السلم والاستقرار العالمي والإقليمي بجنوحها نحو الانتشار إلى بلاد مجاورة، بل إنها أدت إلى مستويات غير مسبوقة من الدمار البشري والمادي.

وكانت الأوساط البحثية ودوائر رسم السياسات تركز إلى حد كبير على الحروب بين الدول ولم تكن مستعدة لمهمة تفسير نزاعات اجتماعية كهذه ، وكانت أدوات الدراسات الإستراتيجية ودراسات الحروب تبدو منبتة الصلة عن تفسير النزاعات القومية – العرقية والحروب الدينية والانحطاط البيئي وندرة الموارد والدبلوماسية الوقائية والتدخل الإنساني.[4]

كما ينبغي أخذ زيادة فرص إقرار السلم من جانب هيئة الأمم المتحدة والهيئات الإقليمية والنشطاء السياسيين في البلاد التي تمزقها الحرب بعين الاتبار ، لا سيما أن فرصة موافقة مجلس الأمن التابع للمم المتحدة على التصرف أدت إلى نمو ملحوظ في التدخل من جانب المجتمع الدولي – وهي تدخلات واجهت تحديات كبرى تتعلق بأفضل سبل العمل في بيئات النزاع.

وكانت بيئات النزاع هذه بمثابة صيحة كبرى من الإدارة المنظمة للحرب التقليدية – أدت بعديد من الكتاب إلى التقدم باقتراح بتغيير هيكلي للحرب، فوجه كل من مارتن فان كريفلد وكاليفي هولستى وماري كالدور وغيرهم اهتماما كبيرا لهذه النزاعات المحدودة أو الحروب من النوع الثالث أو الحروب الجديدة على التوالي ، ومما أضفى على هذه النزاعات طبيعة معقدة إدارة الحرب في سياقات تتسم بالفقر والتخلف (في دول ضعيفة في الغالب )، ولا سيما استهداف المدنيين وتعدد أطراف النزاع المختلفة(تتراوح بين لواءات متمركزين محليا وخلايا عشوائية ) والأسباب (تدور عادة حول سياسات الهوية) أو التعايش مع الجريمة المنظمة والاعتماد على اقتصاديات الحرب وصلاتها بالاقتصاد العلمي.

والجمعيات الأهلية سواء كعمليات حفظ اسم أو إغاثة إنسانية تعمل في بيئة نزاع تعمل جاهدة في مشروعات لحفظ السلم أو فض النزاعات وتسعى للعمل مباشرة على النزاع ، ويواجه القائمون عليها تحديات ذات طبيعة مماثلة تحتاج إلى أدوات تحليلية محددة، وكيف يتم تحليل نزاعات تنشب في سياقات تنشط فيها عشرات العناصر وتتدخل فيها عوامل شديدة التعقيد ذات طبيعة سياسية وعرقية وعسكرية واقتصادية وإنسانية؟ وهل يمكن للوساطات أن تتفاقم أو أن تفاقم النزاعات؟ وما التأثير المرتقب لنشوب نزاع أو تصعيد أو تهدئة على التدخلات التنموية؟ وأخيرا ما الأدوات التحليلية والبرامجية المتوفرة حتى تسهم التدخلات بصورة فعالة في منع النزاع أو إدارته أو فضه وتحد من الأخطار وتعظم الأثر؟هذه التساؤلات أثارت حوارا جديدا بين راسمي السياسات وممارسيها والباحثين سعيا إلى وضع مناهج وأطر من شانها أن تزيد من فرص النجاح في أنشطة منع النزاع وإدارته وفضه بشكل مباشر، وبشكل غير مباشر من خلال التنمية والمساعدات الإنسانية ، ومن محاور هذا النهج المتبع في هذه الأطر التحليلية ما أصبح يعرف “بحساسية النزاع” ، أي الإقرار بأن المعونات قد تؤدي أيضا إلى عواقب سلبية، والحقيقة أن افتراض ماري أندرسون أدى إلى إدراك أن المساعدات الإنسانية تساعد أحيانا على تأجيج النزاع لا على تهدئته وأن المعونات التنموية تفاقم التوترات في بعض الحالات، فأحال بذلك حساسية النزاع – فكرة أخذ التأثير الإيجابي والسلبي للتدخلات في الحسبان وبالعكس، أي تأثير هذه السياقات على التدخلات- إلى مبدأ جوهري في المساعدة، يقول بربوليه (Barbolet et al)

“تعزى فكرة حساسية النزاع إلى حد كبير لأدبيات مختلفة وفكر متباين عن تقويم تأثيرات السلم والنزاع، ولو أن هذا الخير ليس المصدر الفكري والتجريبي الأوحد الذي أثر على تطور مقاربات حساسية النزاع، كما أن كتاب ماري أندرسون بعنوان “لا تؤذ” (Do No Harm)، ومهمة تقويم النزعات الكبرى التي اضطلعت بها هيئة المعونة الأمريكية والبنك الدولي وغيرهما من الجهات المانحة ، وكتابات جوناثان جودهاند، وأكثر من ثلاثين عاما من الحوار العلمي حول السلم والتنمية ، كلها تطرح رؤى لها شأنها”.

وسنركز في الصفحات التالية على مهمة تقويم النزاعات الكبرى التي سبقت الإشارة إليها وذلك لأني أشارك سائر الكتا اعتقادهم بأن إيجاد تجربة حساسية النزاع يعتبر تحليلا دقيقا ودائم التحديث للنزاع، إنه ركن الزاوية الذي يجب ربط تخطيط المشروعات وتنفيذها ومراقبتها وتقويمها به ، وأهمية تحليل النزاع كأساس لسلسلة من السياسات تبنيها المم المتحدة بأوضح عبارة فيما يلي : ” من المهم أن تصب التوصيات (من تحليل النزاع) في سائر أطر التخطيط المتاحة لنظام المم المتحدة في البلاد الانتقالية ، ومنها عملية الالتماسات المدمجة(CAP) ، وإطار التقويم العام للبلاد والمعونات التنموية (UNDAF) وعملية إستراتيجية الحد من الفقر (PRSP) وكذلك في خطط التنمية الوطنية ،وعلى أية حال فالباحثون في مجال بحوث النزاعات  يركزون منذ مدة طويلة على أهمية تحليل النزاع كشرط أساسي لفض النزاع المعياري ، يقول دنيس ساندول:

“……..لكل تحول دون نشوب نزاعات مسلحة وحروب أو نتعامل معها لابد أن نعرف شيئا عن العوامل الكامنة وراءها كهوياتها وتسلسلها وثقلها النسبي وتركيباتها وتفاعلاتها ، أي أننا بحاجة إلى نظرية تساعدنا على تفسير هذه العمليات كهدف علمي له قيمته ،وكشرط لمحاولة إدارتها أو السيطرة عليها أو منعها أو التعامل معها”.[5]

ولابد من توجيه تحذير في هذه المرحلة ، فالمناقشات الجارية تجنح إلى التركيز على نظرية حساسية النزاع وتطبيقها وتقدير التأثير أو الطريقة في مقابل النهج فإننا نركز في هذا الفصل وبشكل محدد على مجموعة أدوات هي أدوات تحليل النزاع، ونرى ضرورة توجيه هذا التحذير وذلك لوجود قدر كبير من اللبس بين طرق تحليل النزاع وممارسة حساسية النزاع، ونحن في ذلك نشارك دان سميث رأيه بأن:

” مسألة التحليل مبهمة بسبب التجاهل الشائع لمصطلحين ومفهومين مختلفين هما تقدير تأثير السلم والنزاع، وتحليل النزاع (أو تقويم النزاع)….. وهما مفهومان متقاربان ، وكل تقدير تأثير السلم والنزاع، يتضمن تحليلا للنزاع ،دقيقا ، لكنهما مختلفان وتحليل النزاع لا يشتمل بالضرورة على تقدير تأثير السلم والنزاع”.

نهج مشترك لتحليل النزاع؟ من أمثلة أطر تحليل النزاع المنهجية الإستراتيجية لتقويم النزاع التي وضعها جوناث جودهاند وطوني فو روبرت ووكر لوزارة التنمية الدولية البريطانية ، وإرشادات لتحليل النزاع لتخطيط المشروعات وإدارتها التي وضعتها مانويلا ليونهارت لهيئة التعاون التقني الألمانية ، وإطار تحليل النزاع الذي وضعه فريق منع النزاعات وإعادة البناء التابع للبنط الدولي ، وإطار تحليل النزاع في حالات التحول المشترك بين هيئات مختلفة تابعة للمم المتحدة ، وكما تشير ليونهارت فتجارب الهيئات الناشطة في مجال الحد من النزاعات المسلحة وتحويل مسارتها ، كهيئة الإنذار الدولي والتعامل مع النزاعات ومقرها المملكة المتحدة تسهم بدور كبير في هذه الجهود .

إن أطر تحليل النزاع التي سبقت الإشارة إليها تتشابه إلى حد كبير ، وتبين أم إجماعا في الأنواع ظهر على مستوى السياسات ، أما إلى أي مدى يعكس ذلك (بل ينبع من) ما طرأ على دراسات السلم وأبحاث النزاع من تطورات فهذا ما سنركز عليه فيما يلي من هذا الفصل، هناك ثلاثة أفرع تحليلية عادة ما تعرضها هذه الأطر، هي :

تحليل النزاع.

تحليل ردود الفعل المطردة.

التوصيات الإستراتيجية والتخطيطية .

وعلينا أن نتبع خطى ليونهارت في ملاحظة أن هذه المنهجيات إجرائية التوجه، وبالتالي فهناك اهتمام كبير بالمرحلتين الثنية و الثالثة، (خارج نطاق هذا الفصل) اللتين تركزان على ردود الفعل المطردة وصوغ السياسات والخيارات العلمية ، والغرض من تحليل النزاع كما أشارت هذه الكتابة” هو تحقيق مزيد من فهم مناطق المشكلة التي يمكن للهيئات الخارجية أن تقدم فيها إسهاما فعليا بالحد من احتمالات النزاع وتطوير عملية بناء السلم”.

وسواء أكان تركيزنا منصبا على تحليل الوضع الراهن في دارفور أو على  ما يعرف بأزمة ما بعد الانتخابات في كينيا أو محاولة الانقلاب في تشاد أو أزمة زيمبابوي فإن المرحلة الأولى أو تحليل النزاع نفسه تركز على ثلاثة  أفرع متداخلة هي: تحليل نقدي واستعراض للأبعاد الهيكلية للنزاع (متعددة المستويات ويقوم على الموضوع) مترادف مع تحليل للمصادر المتقاربة للنزاع ( متعدد المستويات ويقوم على الموضوع بالقدر نفسه) ، تحليل للعناصر الناشطة في النزاع أو الممسكين برهان النزاع، وتحليل القوى المحركة للنزاع، وتحديد هوية العوامل الهيكلية والظروف التي تعد ذات صلة سعيا إلى فهم شامل ونقدي للأبعاد الكامنة لوضع ما – سواء على مستوى سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو عسكري امني أو ثقافي أو ديني وعلى مستويات شتى من الأطياف الاجتماعية أيضا : محلي (المجتمع) أو إقليمي أو قومي أو شبه إقليمي أو دولي –  يتم بصورة متلازمة مع تحليل للعوامل المتقاربة التي أدت إلى نشوب النزاع ، وفي حالة أوضاع ما بعد الانتخابات في كينيا في آواخر ديسمبر 2008 يستلزم ذلك تقديرا للإرهاصات المباشرة لتفجر العنف (بما في ذلك الانتخابات والنزاع الانتخابي ولكن ليس قصرا عليهما) وتقص نقدي لما يعتبره جوناثان ” العوامل الطويلة المدى الكامنة وراء النزاع العنيف ” أو ” المصادر الرئيسية للتوتر والتي أدت أو قد تؤدي إلى نزاع معلن” هذه الظروف تصاغ بصيع متباينة في الأدبيات البحثية منها الأسباب الكامنة  وظروف نشأة النزاع عند دينيس ساندول ،والعناصر الهيكلية  عند تشارلز كينج(King 1997 :29) أو “الأسباب الكامنة وراء الحرب، عند كينيث والتر، وهي تعد انقسامات في النطاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تتم على أساسها تعبئة الأفراد والجماعات للنزاع العنيف في الغالب .[6]

هذه المصادر الرئيسية للتوترات قد نجدها في المن والبنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية في المجتمع المعنى، ويعزى بناء التحليل على التفرقة الفكرية بين الأسبابا الهيكلية والمتقاربة( مصطنعة في الغالب ولكنها لا تقل فائدة عند كاتب هذا الفصل) غلى تأملات نابعة من دراسات السلم وأبحاث النزاع على مدائر عقود عدة ، منها تفرقة جالتونج بين السلم الإيجابي والسلبي والمفهوم المحوري للعنف الهيكلي ،والأهم ان تحديد هوية الانقسامات الهيكلية في المجتمع لديه إمكانية تحديد مناطق أولوية التدخل ، لا سيما فيما يتعلق بمنع النزاع وبناء السلم.

وعلى سبيل سياسي قد تشمل المصادر الهيكلية للنزاع نظاما سياسيا غير نيابي ضعيفا ، عدم وجود جهاز قضائي مستق، الفساد، ضعف الأحزاب ، غياب المشاركة الشعبية في الحكم أو الاستغلال السياسي للاختلافات العرقية الدينية ، على مستوى اقتصادي قد تشمل الفقر أو التخلف أو النظم الاقتصادية القائمة على التفرقة ، والإدارة تعقيد المصادر الهيكلية لمرتقبة قد تنقسم المقاربات موضوعيا حول الأفرع كتلك التي وضعها البنك الدولي وتشمل المؤسسات العرقية ومؤسسات الحكم السياسية وحقوق الإنسان والأمن والبنية والأداء الاقتصاديين والبيئة والموارد الطبيعية وأخيرا العوامل الخارجية ، وإذا أخذنا مثالا مجموعة متغيرات الحكم والمؤسسات السياسية فإن تحليل المسائل الهيكلية لابد أن يتبعه تقويم لمعادلة الحكم والمؤسسات السياسية “الاستقرار والمؤسسات السياسية” معادلة القانون والجهاز القضائي و”الصلات بين الحكومة ومواطنيها .

ومن الأمور ذات الصلة بعديد من الأطر اقتراح وضع خريطة لمصادر النزاع الهيكلية وفقا لمختلف مجالات المسألة وحسب مختلف مستويات التحليل (محلي ، قومي، إقليمي ، دولي) وبعد استكشاف الصلات بين مستويات التوتر وأنواعه عنصرا حيويا في التحليل ، وهناك كما سنشير فيما بعد مجموعة مهمة نظريا  من الآراء تؤيد التحليل المتعدد المستويات، وينبغي إدراك أن هذا مطلوب في تنفيذ البرامج نظرا لميل الهيئات المنفذة للعمل على مستويات متباينة في الوقت نفسه (محلية وقومية مثلا) ، وإذا اعتبرت العوامل الهيكلية عوامل وفروقا متغلغلة وثابتة تتحول إلى جزء من سياسات المجتمع وبناه وثقافته وقد تهيئ الظروف اللازمة لنشوب النزاع المسلح فإن عوامل النزاع المباشرة يمكن اعتبارها عوامل قد تساعد على إيجاد مناخ موات للنزاع العنيف او لتفاقمه ، وفي بعض الحالات عرضنا لمشكلات أكبر ، وبذلك فبينما يمكن اعتبار الحكم غير المشروع أو غياب المشاركة السياسية عوامل هيكلية فإن تزايد انتهاكات حقوق الإنسان أو تدفق اللاجئين أو النزوح المكثف للسكان أو تزوير الانتخابات يمكن اعتبارها عوامل مباشرة ، ويدفعنا هذا كما سنشير فيما بعد إلى إدراك أن توافر ظروف النزاع الهيكلية نفسه يعد شرطا لازما  ولكنه غير كاف لاندلاع العنف.

لتأخذ كمثال الانقسامات الحادة الاقتصادية الاجتماعية (والسياسية في الغالب) الناجمة عن الأنماط المنحرفة لتوزيع الأراضي في الجنوب الأفريقي – في أوضاع يغلب عليها ظروف اقتصادية واجتماعية واحدة في الغالب كالفقر والتخلف وعدم المساواة وانعدام القرض، فلماذا ينشب العنف في بلاد بعينها ودون غيرها حول حيازة الأرض واستخدامها؟ الشيء نفسه يصدق على العوامل المباشرة ، فعلى الرغم من أهميتها فهي لا تكفي لتفسير نشوب العنف ، ولماذا اندلع العنف في كينيا بهذه الصورة –  بسبب تزوير الانتخابات في الظاهر-  ولكنه لم يندلع في زمبابوي عقب انتخابات 2005 النيابية؟  وما أن يندلع العنف حتى يبدأ التركيز على الأحداث التي سبقت التصعيد مباشرة، والتي تبديها العناصر النشطة  لتبرير أفعالها ،والتي تخضع لتبريرات سريعة لأسباب مباشرة فتلقى اهتماما كبيرا باعتبارها مصادر للتوتر والنزاع، غلا أن هذا له نتائج كبيرة بالنسبة للممارسة اليومية للهيئات والأفراد الناشطين في منع النزاع وإدارته وفضه، وهذا سبب دمج كل من العوامل المباشرة والهيكلة معا في تحليل أي وضع بعينه  بأنه واضح بشكل كاف لدى الأمم المتحدة: ” فهم عوامل النزاع المباشرة أمر حيوي لضمان أن تعمل استراتيجيات تخطيط التحول ضد تأثير النزاع العنيف على المدى القصير ، وفي الوقت نفسه ينبغي تزويد تخطيط التحول بتحليل لعوامل النزاع الهيكلية وذلك لضمان أن تصبح مدخلاته أصولا لبناء السلم والتنمية الطويلي المدى”.

وما إن تتضح معالم  وضع ما من حيث حساسيته الهيكلية وتتحدد العوامل المباشرة فالخطوة التالية تحليل العناصر الفاعلة فيه أو الممسكين برهان النزاع، ويتم تحديد مصالح مختلف العناصر الفاعلة وجداول أعمالها ودوافعها ومواردها وقدراتها ومناقشة العلاقات فيما بينها ، وتفرق ليونهارت بين ممسكي الرهان الأساسيين (الأطراف المتورطة في النزاع ووحداتهم النشطة – السياسة أو المسلحة مثر، وممسكي الرهان الثانويين ) من يؤدون دور الوسطاء وتتوفر لهم وسائل شتى للتأثير على مسار النزاع )،[7]

وممسكي الرهان الخارجيين (غير المتورطين بشكل مباشر في النزاع ولكن لهم مصالح معينة * كالدول لمجاورة مثلا والحكومات المانحة وغيرها) ، وبفهم الأفراد والجماعات والمؤسسات الداخلة في النزاع والمتاثرة به أيضا يمكن “للمخاطر المرتقبة المرتبطة بالتوريط مع العناصر الفاعلة الداخلية والخارجية أن تساعد على تناول مسألة “المفاوضين” والشركاء” الذين تتفاعل معهم جهات الدعم من الناحيتين الإنسانية والتنموية” ويرتبط ذلك بشكل وثيق بما يسمى “إمكانيات السلم- أي البنى والآليات والعمليات والمؤسسات الموجودة في المجتمع لإدارة النزاع سلميا.

والخطورة الأخيرة في تحليل النزاع تنطوي عادة على ما يعرف بتحليل القوى المحركة للنزاع حيث يتم تحديد الأنماط والتوجهات واستكشاف من يعملون على تأجيج العنف، وبذلك يصبح من الممكن وضع تصورات للقوى المحركة للنزاع، فهل من المرجح أن يتفاقم النزاع أم يهدأ أو يظل على مستواه من الحدة؟ هلا لاندلاع العنف علاقة ببعض الجهات التي تعمل على تصعيد العنف؟ وما التوجهات الطويلة المدى التي يمكن ملاحظتها في بعض التطورات؟ وقيمة تحليل القوى المحركة للنزاع ومسار السيناريو (على المدى القصير والمتوسط والطويل) تعد دالة مباشرة على شمولية الخطوتين السابقتين له (التحليل الهيكلي والمباشر، وتحليل العناصر الفاعلة) ، ويساعد كل من تحديد هوية من يعملون على تأجيج العنف ووضع التصور على كشف النقاب عن عديد من المؤشرات أو العوامل الأساسية التي يتحتم مراقبتها ، وأي العوامل يرجح أن تؤجج القوى المحركة للنزاع أو تهدئتها؟ وأي المؤسسات أو العمليات يمكن أن تساعد على تهدئة التوترات أو إدارتها ؟ وما التصور الأرجح أن يحدث ولم؟

تؤكد الهيئات المشاركة في تطوير أطر التحليل على الحاجة لإعداد المنهج لأوضاع بعينها ولغايات محددة بدلا من تطبيقها وعميانيا أو دون حساسية للسياق وهناك من يرى أن “القصد من تطبيق هذا الإطار يجب ألا يكون مجرد تسديد خانات، بل تنظيم عملية تساعد على التوصل لقدر من فهم العناصر التحليلية الأساسية ” ،كما يحذر آخرون من ان المنهجية ينبغي ألا تعتبر نسقا وأنها يجب أن:

تتكيف مع احتياجات المستفيد النهائي وأهدافه .

تتطور وفقا لطبيعة النزاع ومرحلته .

تطور أنماط مرنة للتحليل .

تشجع على التحليل المترابط.

وتؤكد المم المتحدة على أن العملية ينبغي أن تصل إلى “فهم مشترك لأسباب النزاع العنيف ونتائجه” وأن هذا ما يجعل إطارها “يضع رؤية مشتركة لأسباب النزاع الكامنة ونتائجه كمدخل لإيجاد إستراتيجية تحول وتخطيط” .

نتائج : تحديات التطبيق ومآزقه في إفريقيا

على مدار السنوات الخمس الأخيرة تولى عملية تقويم النزاعات عدد كبير من الهيئات (ربما كان أبرزها هيئات التنمية الدولية في أفريقيا كهيئة المعونة الأمريكية وغيرها وهيئات التعاون الفني كهيئات المم المتحدة وأيضا وهو الهم هيئات وورش عمل وجمعيات أهلية إقليمية افريقية)، وشيئا فشيئا تحولت إدارة تقويم النزاع باعتبارها مؤشرات لتخطيط التنمية والعون الإنساني وتدخلات إدارة النزاع( سواء ما يرتبط منها بمهام حفظ السلم أو نزع التسلح وتسريح الميليشات وخطط إعادة الدمج، او بوصفها أداة لتقويم الخطر الاستراتيجي) إلى جزء لا يجزأ من العمليات اليومية للهيئات في أفريقيا، وفي حين تبدو الطر لأول وهلة بسيطة  بصورة خادعة بتركيزها على “كيفية العمل” ، وطموحة في الموارد (الوقت والقدرات الإنسانية) المطلوبة فإن نظرة إلى العدد المتزايد من عمليات التقويم لبلاد أفريقيا (نيجريا وموزمبيق وروندا وجنوب أفريقيا) ومناطقها (البحيرات العظمى والقرن الأفريقي) تكشف عن تنامي استخدام هذه التقويمات والاعتماد عليها ، ومقاربات تحليل النزاع التي سبق تناولها نثير عديدا من التساؤلات المهمة وتطرح تحديات التطبيق في البيئة الأفريقية ، لذا تصبح مناقشة الفرضيات التي تقوم عليها هذه الأطر أمرا ذا صلة.[8]

أسباب النزاع:  تتعلق أولى هذه الفرضيات بمسألة العلية- فالباحث لا يستدرج في أية مرحلة إلى خط بحثي بعينه وفقا لمجموعة محددة سلفا من أسباب النزاع أو نمطية الأسباب والمفاهيم المعطاة هي مفاهيم لأسباب هيكلية ومباشرة والقضايا التي يتم تناولها متباينة ومعقدة والمجال مجال تحليل متعدد المستويات ، ما يحرر الفرد من القيد الذي تفرضه الأسباب ، ويمثل ذلك خروجا مهما عن هيمنة التفسيرات أحادية السبب للنزاع التي أعقبت الحرب الباردة ، وشهد “طغيان” السبب الواحد تغيرات يسميها ديفيد سينجر “المتهمين المعتادين” أي الأرض أو الإيديولوجيا أو الدين أو اللغة أو العرق أو تقرير المصير أو الموارد أو الأسواق أو الهيمنة أو المساواة أو الثأر .

وكما أشرنا في موضع آخر فإن أمثلة التفسيرات أحادية العوامل وانماط النزاع تشمل نمط “النزاع العرقي” ونمط “حرب الموارد” وتلصق هذه التصنيفات في الغالب بصورة سطحية غير نقدية ،والنتيجة عرقلة خيارات حسن إدارة النزاع وفضه وبناء السلم. وغا كنا في تحليل النزاع المعاصر  في المنظور سلطنا الضوء على فرضية الجشع في جذر نظرية الجشع في مقابل الظلم فإننا سنركز في هذا الفصل وبإيجاز على النزاع العرقي كأحد أنماط النزاع- بل نمط أصبح في أوائل تسعينيات القرن العشرين أكثر المصطلحات رواجا وآخر معاقل تفسير النزاعات الاجتماعية المعاصرة.

وهل هناك ما يترتب على تحليل الأحداث الخيرة في كينيا أو الحرب الأهلية في روانده أو العنف في إيتوراى (شرف جمهورية الكنغو الديمقراطية) أو الحرب الأهلية في أنجولا والتي انتهت في عام 2002 كنزاعات عرقية؟ وإذا كان كذلك فإلى أي مدى يختلف التحليل باختلاف الرؤى حول العرقية؟ وماذا يترتب على فهم أوضاع النزاع المسماة “عرقية” لو اعتبرت “العرقية” سمة جماعية أساسية أو متأصلة ذات أساسا بيولوجي ؟ (مثلا دن بيرج 1981) ومن ناحية أخرى ما النتائج لو تم تناول العرقية كجانب من الهوية فضفاض ومتغير حسب السياق أو ” أداة يستعين بها الأفراد أو الجماعات أو النخب لتحقيق غاية مادية أكبر “.

ومع أن التفرقة بين هذين الرأيين المتعارضين في الظاهر قد تبدو علمية للوهلة الأولى فإن “مدى اعتبار الباحثين العرقية مباشرة وفطرية في مقابل الناشئ اجتماعيا يؤثر على المعتقدات عن نوعية النظم السياسية التي يمكن أن تعدل النزاع على أسس عرقية ، وفي التوجه القائم على البدائية تعتبر العرقية سمة ثابتة لدى الأفراد والجماعات ، فالعرقية امتدد جوهري للصلة التي توحد بين القارب ، فهي حتمية بمعنى أن “هويات الجماعات العرقية تتدفق من صلة قربى ممتدة وسلوكيات عامة مشتركة وتوارث المعايير والعادات الأساسية أو الثقافة العرقية عبر الأجيال ، ويؤدي ذلك بالكتاب من أنصار الأصالة إلى اعتبار الهوية العرقية شكلا مستقلا وفائقا من أشكال الهوية، ونتائج مثل هذا التوجه قوية، فإما تتحول النزاعات إلى نمط محدد تماما من النزاع لا صلة بين سماته وسائر النزاعات الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية ،والتوجه القائم على البدائية إذ يرى التقسيمات العرقية أمرا حتميا متأصلا في السمات البيولوجية وتدعمها قرون من ممارسات الماضي التي لا يسع الأفراد والجماعات الان أن يغيرونها فإنه يعتبر “النزاع نابعا من اختلافات عرقية وبالتالي فهو ليس بالضرورة بحاجة لتفسير ” والسبب في ذلك أن أنصار البدائية يرون أم قليلا من السمات الأخرى لدى الأفراد أو الجماعات ما يتسم بالثبات كالعرقية أو مصدر نزاع بالضرورة مثلها” .

ويتناول الموقف الذرائعي الهوية العرقية بشكل مختلف تماما فالعرقية فيه “أداة يستغلها الأفراد أو الجماعات أو النخب للوصول إلى غاية مادية أكبر” .

وهذه الرؤية الذرائعية للعرقية لدى سيسك ترى أن الهوية العرقية ” ذات نشأة اجتماعية غالبا ما توجدها أو تثبطها النخب السياسية الساعية للسلطة في أنساق اقتصادية واجتماعية محتومة تاريخيا”، وفيما يتصل بتحليل النزاع تنطوي هذه المعادلة بطبيعة الحال على عنصرين حرجين، هما دور النخب الساعية للسلطة في تعبئة الناس حول الهوية العرقية (وهو لا سبيل لفهمه بصورة صحيحة إلا من خلال تحليل شامل للعناصر الفاعلة وشبكاتهم، ومرجعية “الأنساق” الاقتصادية والاجتماعية – أي الأسباب الهيكلية والمباشرة في بحثنا هنا.

وإضفاء الطابع الذرائعي على الهوية من جانب العناصر الفاعلة (وهو المبدأ الأساسي للتوجهات الذرائعية ) يفترض سلفا أن الهوية باعتبارها أكثر من مجرد عامل ثابت تنصاع للبناء والاستغلال الاجتماعيين وبالتالي تتأثر بالأنماط نفسها التي تميز تعبئة الجماعات على مستويات أخرى ولأغراض شتى والحقيقة أن الهوية كما تشير الجابري هي الصلة الأساسية بين التعبئة الفردية والجماعية من أجل النزاع ، سواء أكانت هوية مع الجماعة أو المجتمع أو الدولة ، حيث يجتمع ممثلوها على اللجوء للقوة في التعامل مع النزاع.[9]

ونرى من جانبنا وتبعا لرأي سيسك أن الهوية لا سيما في علاقتها باندلاع ما يعرف بالنزاعات العرقية يمكن فهمها بشكل واضح في منتصف المسافة بين التوجه القائم على البدائية والتوجه الذرائعي ، وبذلك فبصوغ الهوية العرقية برؤية قائمة على البدائية والذرائعية تكون في وضع أفضل لفهم دورها ومكانتها وتطورها وطبيعتها الدينامية في مواقف النزاع المسلح، فتوجه كهذا يدفعنا مثلا إلى انتقاد نمط تفسير الضغائن القديمة” والذي يقارن بتفسير الإبادة الجماعية كما في رونداه وبوروندي ، كما أنه يضيع العنف الجاري في كينيا والنزاعات الخفيفة المستمرة في إثيوبيا أو محاولة الانقلاب في تشاد في منظور يصعب تحديده بدقة، من ثم يتحتم على الباحث في النزاعات أن يحلل نقديا   الأوضاع التي يمكن للمشاركين فيها والمراقبين لها أن يصفوها “بنزاعات عرقية” ويؤدي هذا إلى اعتبار أن الهوية العرقية وإن كانت حاجة إنسانية أساسية فهي فضفاضة وطيعة وناشئة ومتغيرة ، وفي يحن أن الهوية الثقافية قد تكون أقوى وأكثر احتمالا من معظم الهويات الجمعية الأخرى (كالإيديولوجية والطبقية) كما  يقول جور فالأرجح أن توجد أساسا للتعبئة السياسية والنزاع بإيجادها الأساس للتفرقة السلبية بين الشعوب (عدم المساواة بين الجماعات الثقافية في المكانة والرخاء الاقتصادي والوصول للسلطة السياسية) والتي تترسخ عن عمد من خلال السياسات العامة والممارسة الاجتماعية.

هنا تصبح الكتابات الكلاسيكية لجيمس دايفييز وتدروبرت جور عن الحرمان النسبي ذات صلة نشأ نهج الحرمان النسبي لتفسير العنف الفردي والجماعي، ويعتبر هذا النهج الشعور النسبي بالحرمان أهم عوامل التذمر وتعبئة الناس للسلوك النزاعي ، وفي قلب التذمر  الفردي والجماعي تكمن فكرة التوقعات التي يستحيل تحقيقها ، ويرى ديفيز أن العنف السياسي ينجم عن هوة غير محتملة بين ما يريد الناس وما يحصلون عليه عن الفارق بين التوقع والإشباع ، وهذا التناقض يعد تجربة محبطة وجادة بما يكفي لأن تؤدي إلى تمرد أو ثورة.

وفي هذا الصدد يوجهنا تطبيق النهج الهيكلي على تحليل النزاع من جانب الجابري في كتابها بعنوان “مقالات في العنف” (Discourses on voilence)  الوجهة الصحيحة، فهي تقول إن العلاقة بين العناصر الفاعلة ولغات خطابهم وتصرفاتهم هي التي تظهر فيها مسألة الهوية وبالتالي الهوية العرقية ، فإذا كانت السمة الغالبة على الهوية وامتدادها الهوية العرقية التعارض أو الاختلاف بمعنى أن هويتي تصاغ في تعارض مع نقيضها فعلينا أن نحدد موقع فهم هذا النوع من الوسائط من خلال الممارسات التي تشكل مثل هذه التفسيرات وتدعيمها ، معنى هذا أن البحث لا ينبغي أن يركز على مفهوم مباشر وغير نقدي وصريح “للجماعة العرقية” (الفاعل) باعتباره منشئ الممارسة الاجتماعية )النزاع العرقي في مفهومنا) ولكن لا ينبغي أيضا أن ينطوي على التخلي عن الجماعة العرقية باعتبارها الفاعل أو على إلغائها ، ولهذا المر صلة وثيقة بتحليل النزاع لأنه يسمح بتفسير دينامي للأحداث وذو فائدة خاصة في فهم جماعات النزاع وتطورها والدور الحيوي للتعبئة وأنماطها .

وباشتراط تقويم العلية على شتى مستويات الطيف الاجتماعي وعلاقته بمختلف مجالات القضية تسمح المناهج التي تناقشها بإتباع نهج أشمل في تناول أسباب الحرب، نهج يقوم على حقيقة فحواها أن أي نزاع له أكثر من سبب وأن الأسباب يمكن العثور عليها في أكثر من نوع من المواقع ، من ثم يجب تحاشي تفسيرات الحرب القائمة على سبب واحد أو عمل واحد لأنها تؤدي إلى تبسيط ظاهرة معقدة الوجه ، وهو مطلب تؤكد عليه فيفيان الجابري حيث تقول إن “تاريخ العنف السياسي البشري يبين أنه لا يسعنا أن ننتج تفسيرات أحادية السبب للحروب” في حين يرى مايكل براون أن “أفضل الدراسات العلمية للنزاع الداخلي تستمد قوتها من عدم ركونها إلى تفسيرات أحادية العوامل، بل تسعى لنسج عوامل عدة في تناول أعقد” وهو ما يقصده جوناثان جودهاند بقوله:

” من ثم فدعم منهجية تقويم النزاع يتمثل في افتراض أن ليس ثم إطار تفسيري واحد لتناول مثل هذه الأنساق النزاعية المعقدة ،والتحدي هو مزج عناصر فكرية متباينة …. وتكمن قيمة التحليل في إدراك الصلات والتدخلات بين مصادر التوتر في شتى القطاعات وعلى مختلف الصعد” .

المستويات والعناصر الفاعلة والتعبئة ، إن تحويل التركيز الذي يشمله التحول عن المستوى الكلي إلى تحليلات تركز على العناصر الفاعلة المحلية والأوضاع المحلية يفسر جزئيا أهمية التحليل المتعدد المستويات في الطر التي سبق أن تناولنا ،وفي مجال العلاقات الدولية يجنح تناول أسباب الحروب بصفة  عامة إلى إتباع ما يسمى بتوجيه ” مستوى التحليل ” ومستويات التحليل ” وضعها أصلا كينيت والتس في كتابهç الكبير ” الإنسان والدولة والحرب” [10]

ويرى التس أن من الطرق المناسبة لتناول وفرة المناهج والنظريات حول أسباب الحرب تقسيمها حسب الموقع الذي تضع  فيه البؤرة الأصلية لأسباب الحرب في الطيف الاجتماعي ، ومن بين وفرة ما كتب عن أسباب الحروب يشر والتس إلى ثلاثة توجيهات رئيسة عن السبب الحاسم للحرب لدى كل من الكتاب الذين تناولنا،وبإطلاقه عبارة العلاقات الدولية ” على هذه التوجهات يقسم والتس الأدبيات الغريزة المشار إليها إلى ثلاثة عناوين هي مفهوم الفرد” ” ومفهوم الدولة القومية ” ومفهوم نظام الدولة”.

والنقطة المهمة في كتاب “الإنسان والدولة والحرب” تتعلق بفرضية والتس بأن المفاهيم الثلاثة جميعا ضرورية لفهم أسباب الحرب ، فيقول هو نفسه إن  ” مزيجا من مفاهيمنا الثلاثة لا أحدها دون غيره ضروري لفهم العلاقات الدولية فهما دقيقا…. أي أن فهم النتائج المحتملة لأي سبب بعينه قد يتوقف على فهم علاقته بسائر الأسباب ” وتتضح أهمية أخذ المفاهيم الثلاثة في الاعتبار في الفقرة التالية: ” لابد من إدراك أهمية الإنسان والدولة ونظام الدولة في أية محاولة لفهم العلاقات الدولية، وهو نادرا ما يدركه المحللون حيث يركزون على أحدها ويتجاهلون الزاخرين ” ويقول إن “شعبية أي مفهوم تختلف حسب الزمان والمكان ، لكن مفهوما واحدا لا يكفي” ، وإن نتيجة  التركيز على مفهوم واحد قد تفسد تفسير غيره ” وكان والتس يدرك أن الحرب والنزاع المسلح لهما أكثر من سبب وأن “الأسباب يمكن العثور عليها في أكثر من نوع واحد من الأماكن” وقد يبدأ المحلل من أحد المستويات المحددة في حين أن اخذ المفاهيم الثلاثة جميعا في الحسبان يعد ضروريا لأن “الوصفات التي تستفي من مفهوم واحد مباشرة تعتبر منقوصة ، لأنها تقوم على تحليلات جزئية ،والسمة الجزئية لكل مفهوم تخلق توترا يدفع المرء إلى إدراج الاخرين” .

والهوية محورية بالنسبة لمعظم الجماعات المتورطة في الحروب المعاصرة في كفاحها من أجل تقرير المصير أو الاستقلال أو الحكم الذاتي أو الانفصال أو المشاركة في الحكم ، وتحليل النزاع المعاصر يبدأ عند بعض الكتاب على مستوى الوحدة بالنظر إلى جماعات النزاع نفسها، وهذا التركيز يتبع خطى إدوارد عازر وهو من رواد مبحث النزاع، وكان يرى أن ” أكثر وحدات التحليل فائدة في حالات النزاع الاجتماعي المطول ” هي جماعة الهوية – العرقية والعنصرية والدينية والثقافية وغيرها ، ويتوسع عازر في موقف جون بيرتون من مركزية الاحتياجات الإنسانية الأساسية في نظرية النزاع معتبرا أن الاحتياجات الأساسية في نظرية النزاع معتبرا أن الاحتياجات الأساسية كالمن والاعتراف الجمعي وعدالة التوزيع أصلية وبالتالي ثابتة ومؤكدا على أن هذه الاحتياجات يتم التعبير عنها عبر الهوية الجمعية الدينية أو الثقافية أو العرقية ويقر بوضوح أن المشكلة تكمن في صوغ النزاعات المعاصرة في إطار المصالح المادية كالامتيازات التجارية أو تملك الموارد ، في حين أن الشواهد العلمية تبين أنها “ليست كذلك” .

من المهم إذن فهم الطريقة التي تنظم الجماعات بها نفسها حين تعي أنها في موقف مواجهة مع جماعة أخرى، وبذلك فالجماعة لا تحددها المصلحة المشتركة وحدها فلا بد للتعريف أن يقوم على التواصل والتفاعل، ولفهم الطرق التي تشكل بها الجماعات نوعا من الكيانات الجمعية وتصبح على وعي بذلك من خلال التشارك في قدر من الظلم والسخط، لابد من نهج سلوكي أو تفاعلي لديناميات النزاع وكما يشير ميتشل “فالنزاعات ليست ظواهر جامدة ، وبالتالي فالجوانب الدينامية للنزاع والتي تغير بنيتها وعلاقاتها وتفاعلاتها بمرور الزمن تعد جوانب أساسية لأي تحليل رصين”

إذن فدمج الديناميات في تحليل النزاعات أمر أساسي ، وفي هذا الصدد يقدم كتاب لويس كريسبرج الذي أصبح من الكلاسيكيات الآن بعنوان “النزاعات الاجتماعية” رؤية سلوكية باعتبار النزاعات الاجتماعية علاقات اجتماعية.

“”…… في كل مرحلة من النزاع تتفاعل الأطراف اجتماعيا ، فيؤثر كل طرف على الطريقة التي  يتصرف بها غيره ويبدي رد فعل تجاه غيره ويستبق (كذا) ردود فعل غيره، حتى الغايات التي يسعى إليها كل طرف تنشأ عبر التفاعل مع الخصوم”.

كما يؤكد كريسبرج على أن أي موقف نزاعي يكون ناجما عن تزعمات متشابكة عدة، ووجود نزاعات متشابكة متعددة يؤدي إلى التواصل بين مختلف المراحل بمعنى أن كل نزاع يعد جزءا من نزاع أكبر وتصاحبه نزاعات أخرى، حتى أن كل نزاعية قد تكون في مرحلة بعينها ضمن النزاع الرئيس ، ولكنها في مرحلة أخرى تكون ضمن نزاعات أخرى متصلة غير بؤرية ، فعمليتا التوقع والتغذية الارتجاعية مثلا تؤثران على كل من مراحل النزاع وتوجد تواصلا واعتمادا متبادلا بين المراحل ، وعمليتا التوقع والتغذية الارتجاعية في دورات النزاع أدتان لما يسميه ساندول عمليتي نزاع استثارة الذات وتخليد الذات، وبذلك فقد تفسر التصرفات الدفاعية كتهديد (ما يعرف ب المأزق المني) ما يساعد على إيجاد تفاعلات ودورات نزاعية .[11]

كما أن من السمات الثابتة لعمليات النزاع ما يعرف بسوء فهم قدرات الخصوم والدول الثالثة ونواياهم كما يقول ليفاي.

ولحجم جماعات النزاع وتكوينها ولا سيما رؤيتها الإيديولوجية أهميتها حيث تساعد على تفسير اختياراتها نهجا بعينه في النزاع ، فحجم الجماعة ومعايير مشاركتها وتجربتها في المحاولات السابقة لإصلاح أوجه كلها سمات مهمة . وجماعات النزاع تبدي درجات شتى من التنظيم ووضوح  الحدود. ففي حين تكون لدولة ما حدود واضحة ومرسمة قد تبدي جماعة عرقية ما درجة أقل وضوح الحدود ، وهذا أمر  له أهميته في فهم الطريقة التي يتم بها تعبئة الأطراف في  مختلف جماعات النزاع والأساس الذي تتم تعبئتها عليه وتنظيمها من أجل السلوك النزاعي والشيء نفسه يصدق على درجة التنظيم حيث تتفاوت بدرجة هائلة من جماعة أو طرف نزاعي محتمل وآخر، بل إن درجة تنظيم جماعة نزاع ما تساعد أيضا على تفسير عملية التجنيد سواء الفعلية أو المراقبة،والتنويعات في مواقف القادة من ثم فمن المهم فهم تكوين جماعات النزاع وما تعتبره إجحافا وطريقة صوغها أهدافها وما تتبع من سبل لتحقيقها.

ولابد أيضا من النظر إلى قرارات النخب وتصرفاتها ، فيرى براون أن ” لعديد من النزاعات الداخلية تنجم عن عوامل داخلية على مستوى القاعدة ، ومع ذلك فإن غالبيتها الساحقة تنتج عن عوامل داخلية على مستوى النخب” ، ويضيف أن الزعماء غير الأسوياء هم المشكلة الأكبر ” ، وسواء أكان الزعماء يركنون في تصرفاتهم إلى المعتقدات الإيديولوجية (الخاصة بتنظيم الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية في بلد ما) ، وسواء أكانت تصرفاتهم ناجمة في جوهرها عن صراعات على السلطة بما قد يؤدي إلى تعديات على سيادة الدولة فإن للزعماء الفرادى وجماعات النخب دورا لا مجال لإنكاره في نشأة النزاعات وتفاقمها ، وهذا النهج في الاستدلال ينظر إلى الطرق التي تؤجج بها النخب السياسية النزاع ” في أوقات القلاقل السياسية والاقتصادية بهدف صد منافسيهم في الداخل ” .

وفي أي نزاع عنيف تتأثر العلاقات بين الخصوم بآليات اجتماعية نفسية كالخوف والبغض والشك.  وبمعاناة الطرفين نتاج السلوك النزاعي تزداد شكوكهم في الخصم وتنشأ حواجز التواصل .و” ….بتفاقم الصراع تجنح وسائل الصراع إلى الزوال من النزاع الأساسي ، وبذلك قد يعتبر النزاع ذا مكونات “غير واقعية” .

وما أن ينشب العنف حتى تبدأ القضايا المتنازع عليها في التضخم وتبرز إلى السطح سائر القضايا الأخلاقية المرتقبة أيضا ، ويرى كريسبرج أن هذا التمدد في القضايا قد يؤدي إلى تضخيم الأهداف الفرعية التي تصبح ذات صلة مضافة  لطرفي النزاع : “….. وما أن يبلغ السلوك النزاعي نقطة يبدأ عندها اللجوء إلى التهديدات والتصرفات القهرية الحادة تكون هناك دينامية تفاعلية تساعد على توسيع نطاق القضية المتنازع عليها”.

ومن المتغيرات الأخرى في العلاقات بين جماعات النزاع النسق الاجتماعي الذي تشكله أو الذي تنتمي إليه ، ونظرا لأن السياق الاجتماعي الذي تعيش فيه أكراف النزاع يعد من مصادر سخطهم والقناة التي يستمدون منها تصرفاتهم في آن معا فمن المهم التحرك لأعلى لمستوى واحد من مستوى جماعات النزاع . وعلى المرء أن يتذكر أن النزاعات الاجتماعية المطولة لها عند عازر شروط تتمثل في أربع مجموعات من المتغيرات هي: المضمون الجمعي، والحرمان من الاحتياجات الإنسانية ، والحكم ودور الدولة ، والارتباطات الدولية. وللانتقال لمستوى واحد أعلى في تحليل النزاع لتأمل دور الدولة أهميته لأن “العلاقة بين جماعات الهوية والدول التي تحتل قلب المشكلة ” .

وعلينا الآن أن نتحول إلى مستوى  الدولة لفهم الظروف الضمنية  والمباشرة لنشوب النزاع ، تنشب غالبية النزاعات المسلحة المعاصرة في بلدان متخلفة ربما تمر بعمليات تحديث سريعة أو تحولات سياسية  وكذا في بلدان تتسم الدولة فيها بالضعف والاضمحلال ، ومشكلة ضعف الدولة وفشلها يجب النظر إليها من منظور الشرعية السياسية  وما إذا كانت لديها مؤسسات حكم قادرة على فرض سيطرتها على سكاتها وكامل  الأراضي الخاضعة لنطاق سلطتها ، ومسألتا الشرعية والكفاءة تتسمان بدقة خاصة . فكما يشير كل من فان دي جور وروسينغ وسيارون “ينبغي الرجوع بظاهرتي الدولة الضعيفة أو الفاشلة في “العالم الثالث ” إلى العلاقات بين الدول وقدرة الدولة – الحكومة المركزية – على الحفاظ على بنية الدولة” كما أن مشكلات ضعف الدولة تبدو متوطنة في البلدان المتخلفة والمستعمرة سابقا، فالبلدان ذات الخلفية الاستعمارية والتحديد العشوائي للحدود من قبل قوى خارجية وانعدام التماسك وحداثة اتخاذ الوضع القانوني للدولة والتخلف كلها عرضة للنزاع، وفي حالات كهذه لا مفر من أن تكون عمليات بناء الدولة  نزاعية ، وتزيد احتمالات النزاع بمحاولات بناء الأمة.[12]

والحالات التي تتسم بإرث استعماري وبما يسميه عازر “المجتمعات الضعيفة” (تفسح الصلة بين الدولة والمجتمع) يعتبرها ميال ” ملازمة لانتشار النزاع لا سيما في الدول غير المتجانسة حيث لا وجود لإرث من المواطنة المشتركة والمتساوية قانونيا” ، وتؤكد التفسيرات التي تركز على الإرث الاستعماري أن المأزق بعد الاستعماري كما تعبر عنه محاولات بناء دولة ما بعد الاستقلال من الأسباب الرئيسة للرخاء المعاصر. ويشتما هذا المأزق مثلا على بنى للسلطة من ابتكار الحكام الاستعماريين السابقين وتقوم عادة على بنى موحدة تسيطر على تنويعة من الشعوب الإقليمية أو الجماعات العرقية والقبلية أو حيثما كانت السلطة الاستعمارية السابقة تدعم جماعة عرقية بعينها ، أو فراغ السلطة الناجم عن جلاء متعجل للاستعمار بما يؤدي إلى تناحر على السلطة والسيطرة على الموارد الطبيعية والأرض بين الأطراف المتناحرة أو الشعوب أو أو الجماعات العرقية.

وفي الحالات التي تعجز بنى الدولة فيها عن تلبية الحاجات الأساسية (المن المادي والوصول إلى المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتقبل الهوية الجمعية) يميل الأفراد إلى العودة للوسائل البديلة لتلبيتها ، وسبق أن رأينا أن الوعي بذات ككل وكشرط لنشأة الجماعة يتوقف على وجود انقسامات تشكل أساس لتعريف بالذات للجمعية ، كما تناولنا كيف يمكن لهذه الانقسامات والتقسيمات أن تقوم على القومية أو العرق أو الإيديولوجيا أو الطبقة أو الديانة أو العمر أو الجنس، إلخ . وسواء أتفاقم أحد النزاعات إلى درجة اللجوء للعنف أم لا فهو أوثق صلة بالنظام السياسي ولا سيما بمدى ما تتسم به مؤسسات الحكم من تفرقة أو بقيامها على إيديولوجيات إقصائية ، وكما يشير إدوارد عازر فإن ” ….معظم  الدول في البلدان التي تعاني نزاعات اجتماعية مطوية ليست محايدة ” في أن ” “السلطة السياسية تحتكرها جماعة هوية سائدة أو تحالف من جماعات هوية ” و” هذه الجماعات تستغل الدولة كأداة لتعظيم مصالحها على حساب غيرها…. ووسائل تلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية موزعة دون تساو فتزيد فرص النزاعات الاجتماعية المطولة”.

لذا فتحليل النظام السياسي يعد ضروريا للتوصل إلى فهم تام لأية حالة نزاع، فنوعية نظام الحكم والنظام السياسي وأسسه الإيديولوجية وما يتمتع به من شرعية ونيابية كلها تؤثر بشدة على أنماط العلاقات بسائر العناصر الفاعلة في المجتمع. وفي النظام الشمولية القمعية الاقصائية تزداد احتمالات الانشقاق ، وبالتالي يزداد الميل للنزاع . والأسس الإيديولوجية لنظام ما تؤثر على نمط علاقته بمختلف جماعات المجتمع وسبل فض النزاعات، وتساعد إيديولوجيات النظم الإقصائية القائمة على التمييز العرقي والديني والسياسي والطبقي على التفرقة بين قطاعات المجتمع بمنع ” الدولة من تلبية احتياجات مختلف عناصرها “. وبالتالي تؤجج السخط.

والعوامل الاقتصادية أساسية أيضا بالنسبة لفهم الأسباب المباشرة للنزاع ، فكما يشير ميال إلى أنه من “الصعب مرة أخرى دحض مقولة عازر بأن النزاع الاجتماعي المطول يرتبط بأنماط التخلف أو التنمية غير المتساوية ” . وتساعد التحولات المتعجلة وسط الفقر والإقصاء الاجتماعي وارتفاع معدلات البطالة والركون إلى صادرات السلع الواحدة على زيادة احتمالات النزاع المسلحن وإضافة إلى النزاعات القائمة على سوء التوزيع داخل المجتمعات والمرتبط بندرة الموارد فوجود الموارد الطبيعية التي يسهل استخراجها ومقايضتها (الخشب ، المعادن، النفط) يقوي احتمالات نشوب النزاعات ، يقول مايكل برلون : “….تساعد البطالة والتضخم والتنافس على الموارد ولا سيما على الأرض على زيادة الإحباطات والتوترات الاجتماعية ويمكن أن تمهد الساحة للنزاع . و الإصلاح الاقتصادي لا يساعد دائما وقد تفاقم  المشكلة على المدى القصير، لا سيما إذا اشتدت حدة الصدمات الاقتصادية وتوقف الدعم الحكومي للغذاء وسائر السلع والخدمات الأساسية والرعاية الاجتماعية ” .

ويشتد تأثير العوامل الاقتصادية بخاصة حين ترتبط بأنماط التوزيع بين الجماعات ، فإحساس بعض الجماعات بوجود تفرقة واضحة في الفرص الاقتصادية والوصول إلى الموارد والفوارق الشاسعة في مستويات المعيشة بين الجماعات يساعد على الشعور بالظلم ، كما أن عمليات التحديث المتعجلة قد تزيد من فرص  النزاع  في مجتمع ما بما قد يترتب عليها من تغييرات هيكلية عميقة –  كالهجرة والتحول الحضري وغيرهما ، كما تؤثر أنماط التفرقة هذه على الجماعات ثقافيا واجتماعيا . ففرص التعليم والاعتراف بلغات الأقليات وعاداتها والتنميط الاجتماعي وإلقاء اللوم على الغير بناء على الخصائص الثقافية والاجتماعية للجماعات – كلها تساعد على تدهور العلاقات بين مختلف فئات المجتمع وتزيد من فرص نشوب النزاع .[13]

وأخيرا فلا بد أيضا لتحليل النزاع من ان يأخذ في الحسبان المستويات الإقليمية والدولية وتأثيرها على بعض النزاعات، وهو ما يسميه إدوارد عازر “الصلات الدولية ” والذي يعد من الأفرع الرئيسة الأربع للمتغيرات التي تسهم في نشوب النزاعات الاجتماعية المطولة ، وكما يقول ما يكل براون “فمع أن الدول المجاورة والتنمية في الدول المجاورة نادرا ما تشغل حروبا أهلية شاملة فإن النزاعات الداخلية كلها تقريبا تزج بالدول المجاورة فيها بصورة أو بأخرى ” ، وبالتالي فتورط طرف ثالث بما يؤدي إلى التصعيد أو التهدئة يعد مهما في تحليل معظم النزاعات المسلحة المعاصرة ، فالأطراف الثالثة قد تؤجج صراعا بدعم الأطراف المتنازعة ، او تهدئ صراعا من خلال بذل مساع لفض النزاع سلميا.

“….. الأطراف الخارجية لسيوا مجرد موالين محتملين ثم فعليين فتدخلهم وتورطهم النشط أعقد من مجرد اختيار أحد الأطراف لنصرته ، وتدخلهم يغير أبعاد النزاع والنتائج الممكنة لكافة الأطراف …. للأطراف الخارجية مصالحها الخاصة وهذه المصالح تؤثر على تصرفهم في أي نزاع ، وإذا كان الطرف الخارجي على قدر كاف من القوة بالنسبة للمتنازعين فقد يتمكن من فرض شروطه على أطراف النزاع ………”

وماذا عن المستوى الدولي؟ يوضح ميال ورامزبوتان وودهاوس ثلاثة اتجاهات متداخلة تشير على مستوى عالمي إلى مصادر للنزاعات المعاصرة :

“…. أشكال عدم المساواة العميقة والثابتة في التوزيع العالمي للثروة والقوة الاقتصادية ،والقيود البيئية الناجمة عن أفعال البشر وتتفاقم نتيجة للإفراط في استهلاك الطاقة في العالم المتقدم والنمو السكاني في العالم المتخلف ، ما يجعل من الصعب تحسن الرخاء البشري عن طريق النمو الاقتصادي التقليدي، والمستمرة للعلاقات الأمنية ومنها انتشار أسلحة الدمار …..”

كلمة ختامية “…. اثبت البحث بوضوح أي العوامل أهم في دراسة النزاع العنيف . والنزاعات تاريخية ودينامية ومتعددة بعضها غير متوقع وغير مقصود، كما أنها تشتمل على عدد كبير من العناصر الفاعلة ويجب تناولها من مستويات متباينة من التحليل والتدخل ….”

يعد تطور تحليل النزاع وأطر تقويمه والتوسع في تطبيقهما إنجازا مهما يشهد بفوائد الحوار المتعدد المباحث بين الباحثين والممارسين ، ومن الافتراضات الكامنة وراء إيجاد هذه الطر ما صار جزءا من أدبيات مباحث عدة منذ فترة ، إلا أن تطبيقها في الواقع العملي لاسيما في أفريقيا ظل ضعيفا إلى وقت قريب ، ونود أن نختتم هذه الصفحات بالنظر في تحد إضافي واحد يواجه التطبيق . فتحليل النزاع لأغراض التقويم الاستراتيجي والسلم وقياس تاثير النزاع أو كفاية التدخلات التنموية وكما طورته هيئات عديدة في بيئات  متباينة لا ينبغي اعتباره ممارسات فردية، بل يجب في الأنشطة اليومية للهيئات ، وينطبق ذلك بصفة خاصة على المؤسسات المشاركة في منع النزاعات وإدارتها وفضها –  ونشير هنا غلى البعد القارى( الاتحاد الأفريقي) والبعد الإقليمي (التجمعات الاقتصادية الإقليمية ) .

وكما تبين في كل من دارفور والصومال وشرق الكونغو (شمال كيفو بخاصة) هناك حاجة ماسة للمراقبة المستمرة وتحليل الحالات المتغيرة .

ولكن إذا كان تحليل الأحداث اليومية في هذه المناطق ولا سيما ظهور استراتيجيات استجابة مناسبة يهدف إلى تجاوز الهدف إلى إطفاء النيران” ، والمشاركة بشكل مباشر من أجل إيجاد سلم ثابت وادائم فإن فهم الظروف الهيكلية الكامنة وراء نشوب النزاع يمثل ضرورة ، ونرى من جانبنا أن لهذه الأطر دور مهم في هذا الصدد، إذ تساعد على التعمق في فهم التفاعل بين ما يسميه ساندول “النزاع كطرف طارئ ”  و”النزاع كعملية ” .  ولا سبيل لقياس التوازن الدقيق بينهما في أية مرحلة من تطور النزاع إلا بالتحليل الدقيق والشامل . وكما يشير ساندول : ” ليس التحديد الثابت للمتغيرات وما قد يستحق النظر فيه منها –  النزاع كطرف طارئ- هو الذي يتخطى ظروف البدء هذه ، بل تحديد العمليات الدينامية : النزاع كعملية …..” . وفيما يتعلق بمراحل النزاع أجدني أتفق مع فرضية ساندول بأنه ” ما أن يصل المر إلى توصيف النزاع فليس  المهم كيف بدأ النزاع (أو متى) ” و النتيجة أن ” ظروف البدء على اختلافها يمكن أن تؤدي إلى العملية نفسها (اندلاع ، تصعيد ، استمرار منضبط) ” ولا شك في رأينا أن السلم الإيجابي لا مجال لتحقيقه إلا بتناول  الأبعاد الهيكلية التي تميز أية حالة عنف ، ولابد من فهمها لتحقيقها . من ثم فلابد من التركيز على العملية قدر التركيز على ظروف البدء ، وبطريقة تربطها بظروف البدء، وبالتالي يظل بناء السلم الهيكلي والثقافي هو الهدف الأسمى بتعبير جولتانج. [14]

المحــــور الثاني : فهم قضايا النزاع ونماذج عن النزاعات في أفريقيا

لدراسة فض النزاع وتطبيقاتها أهمية بالغة لأفريقيا وذلك لأن كثرة النزاعات المسلحة والحروب في القارة في عهود ما بعد الاستعمار جعلت لأفريقيا سمعة سيئة كأحد أفقر مناطق العالم وأكثرها اضطرابا . وشهدت نهاية الحرب الباردة ولا سيما تسعينات القرن العشرين ومطلع الحادي والعشرين تزايدا في نشوب النزاعات داخل الدول في أفريقيا – أفقيا بين مختلف الكتل الاجتماعية العرقية والثقافية داخل الأراضي القومية للدولة الواحدة، ورأسيا بين جماعات تشعر بالإقصاء والتهميش من بنى السلطة القائمة من ناحية والسلطة المركزية من ناحية أخرى ، وكما تبين تجارب تمرد التواريخ في منطقة الساحل والنزاعات في حوض مانو وجمهورية الكونغو الديمقراطية فإن العديد من النزاعات التي نشبت محركات داخلية أو حروب أهلية انتشرت دون قصد إلى سائر البلدان المجاورة أو انتهى أمرها بجر نوع ما من التدخل او التواطؤ من الدول المجاورة والقوميات العرقية عبر الحدود الدولية.

أدى التاريخ المأساوي ودورة انهيار الدول والحروب والنزاعات المسلحة في شتى بقاع أفريقيا- وإن طرأ تحسن كبير في الموقف في السنوات الأخيرة مع بزوغ فجر الألفية الجديدة- إلى إحياء الجدل حول كيفية منع النزاعات المسلحة وإدارتها وفضها وتحويل مسارها في القارة. وهذا الفصل يستكشف مفهوم فض النزاع وتطبيقاته في أفريقيا . فما السبل المختلفة المطبقة في محاولة فض النزاعات المسلحة أو إدارتها أو منعها في أفريقيا ، وما التحديات والفرص العملية التي تفرزها؟

مناقشات نظرية حول فض النزاع :

يأتي فض النزاع ولا سيما النموذج التقليدي أو السائد منه بفرضية أساسية حول نظرية النزاعات وعليتها  وهي فرضية تضرب بجذورها في الفكرة الواقعية والسلوكية الكلاسيكية (علم النفس السلوكي بخاصة) والتي تقول بأن السلوك البشري- وبالتبعية سلوك التنظيمات البشرية والمؤسسات والدول- تحركه المصالح الخاصة. ويؤدي تضارب المصالح بين العناصر الفاعلة بالضرورة إلى نزاعات، وقد تنقلب النزاعات إلى صدمات عنيفة إذا لم يكن هناك رادع وهو ما يحدث في الغالب حسب المسائل المتنازع عليها وسعيا إلى تحقيق المصالح. وبتفاقم الارتكاس السلوكي إلى نزاع عنيف نتيجة لخلل في معادلة القوة، ما يمد العناصر الفاعلة بفرصة نهائية لاستكشاف الوسائل القهرية سعيا لتحقيق مصالحهم ، ومن هذا المنطلق الواقعي تعتبر النزاعات العنيفة خيارات منطقية لعناصر فاعلة منطقية في عالم يتسم بمحدودية الموارد والتنافس على المصالح . فهي استجابة نفسية منطقية (خيار ذاتي) لعالم تنافسي تحركه المصالح ومحدودية الموارد (واقع موضوعي) .

ويرى المؤيدون أن الميل النفسي لدى العناصر الفاعلة الاجتماعية للجوء للنزاع تعززه التنشئة (تجارب التأميم) والطبيعة(العدوانية الفطرية والميل الوراثي للعنف نتيجة الحرمان من احتياجات وجودية معينة) .

ويرى الواقعيون (الجدد) والسلوكيون أن النزاعات العنيفة محتومة ، إلا أن المعارضين ينقسمون حول معنى فض النزاع والغرض منه ، ويرى معظم المعارضين أنه نظرا لاحتدام التناحر على الموارد النادرة وبنية القوة غير المتماثلة في المجتمع فلا مجال إلا للسيطرة على النزاعات (العنيفة) وإدارتها واحتوائها وتهدئتها ولكن لا سبيل لفضها تماما، أو بمعنى أدق يستحيل فضها أو يكاد ، ويرى هيو ميال أن مفكري إدارة النزاع يرون في النزاع العنيف نتيجة متأصلة لاختلافات في القيم والمصالح داخل الجماعات وفيما بينها …. وفض نزاعات كهذه عندهم امر غير واقعي، وخير ما يمكن عمله إدارتها واحتوائها والتوصل أحيانا إلى تسوية تاريخية تتم فيه تنحية العنف جانبا ومواصلة السياسات المعتادة .

ويعبر زارتمان  عن خطاب سلوكي فيقول : ” يمكن منع النزاع في بعض الحالات وإدارته في غيرها ، ولكن لا سبيل لفضها إلا إذا اخذ اللفظ بمعنى تلبية المطالب الظاهرة دون الاستئصال الكلي للمشاعر الكامنة والذكريات والمصالح ، والزمن وحده كفيل بفض النزاعات وحتى الجروح التي يبرئها تترك وراءها ندبا كمرجع مستقبلي ، ولكن بغير هذا البرء التام هناك الكثير مما يمكن عمله للحد من النزاع وبالتالي توفير الطاقة المطلوبة لما هو أجدى “.[15]

أدت الافتراضات حول استحالة فض النزعات العنيفة أو استئصالها بالعديد من المؤيدين إلى توجيه طاقاتهم إلى ما يرون فيه بديلا أكثر واقعية، ألا وهو إدارة النزاع- وهو مصطلح يتداول عادة لوصف الظواهر المتصلة بتهدئة النزاع واحتوائه عبر سبل بناءة تهدف إلى تعزيز الحوار والتغيير السلوكي الإيجابي والحد من العنف والتسوية السياسية .

وتعبر النظرية النقديية لفض النزاع عن رؤية بديلة تدحض افتراضات الواقعيين والسلوكيين حول حتمية النزاعات العنيفة واستحالة فضها، فيرى المفكرون النقديون أن قائمة أولويات إدارة النزاع لدى الواقعيين والسلوكيين تعطي ميزة للتباينات القائمة على الأمر اواقع في توزيع السلطة والمصالح المرتبطة بها ، ويقولون إن فض النزاع ممكن في بعض الحالات، بل إنه ضروري ومطلوب من أجل التغيير والتحرر والتحول، وخطاب “التحول التحرري” يؤدي في الحقيقة إلى التفرقة الحاسمة التي يقول بها المفكرون النقديون بين فض النزاع وتحويل النزاع، ففض النزاع يهدف إلى تناول أسباب النزاع ويسعى لبناء علاقات جديدة طويلة المدى بين الأطراف المتناحرة من خلال مساعدتهم على استكشاف مواقفهم ومصالحهم  وتحليلها وطرحها وإعادة صوغها ، وهو يحيل الأطراف المتنازعة من أنماط النزاع المدمرة بين فائز وخاسر إلى نتائج بناءة إيجابية ، وتحويل النزاع من ناحية أخرى عملية تتعاطى مع بنى اجتماعية واقتصادية وسياسية أوسع نطاقا في صلب نزاع ما  وتحويلها، وتشمل ضمنا تحويل العلاقات والمصالح والخطاب بل تركيبة المجتمع التي تدعم استمرار النزاع نفسها إن لزم الأمر ، وإذا كان فض النزاع يناسب حل النزاعات المعلنة فإن تحويل النزاع يلائم معالجة النزاعات المعلنة والمستترة / السطحية معا. ويؤكد المفكرون النقديون على دور طرف ثالث يتحلى بالبراعة والقوة لمساعدة الطرفين على تحقيق نتائج بناءة في فض النزاع أو تحويله .

ولإيضاح التعريف: ” النزاع المعلن متأصل وسافر تماما وقد يتطلب إجراءات تعالج كلا من الأسباب الجذرية والنتائج الملموسة ،والنزاع المستتر فينشب في الخفاء أو تحت السطح وقد يحتاج لإخراجه لحيز العلن قبل معالجته بفعالية، أم النزاع السطحي فهو ضحل وبلا جذور وقد لا يزيد عن سوء فهم للمقاصد ويمكن معالجته عن طريق التواصل “.

هذا التعريف للنزاع (معلن وسطحي ومستتر) يمكن أيضا صوغه في سياق تفرقة يوهان جولتاج (Johan Gultang1990° الشهيرة للعنف الهيكلي عن الأنماط المعلنة والسافرة للعنف المباشر أو النزاع العنيف، كالحرب والاضطرابات المدنية، ويستخدم جولتاج مصطلح العنف الهيكلي في إشارة إلى العنف ذي الطبيعة الخفية، كالعلاقات الاستغلالية والقمعية المتأصلة في البنى الاجتماعية المتباينة ومؤسسات المجتمع. وأنماط النزاع ومستوياته تتطلب طرقا متباينة لفضها. فالعنف المباشر مثلا يمكن فضه بتغيير سلوكيات النزاع، والعنف الهيكلي بإزالة التناقضات الهيكلية والظلم، والعنف الثقافي بتغيير المواقف ، وبتركيز المفكرين النقديين على تحويل البنى الدفينة التي تولد النزاع في المجتمع كالبنى الاقتصادية والاجتماعية والقانونية والسياسية الفاسدة يدمجون تفسيرات الاقتصاد السياسي لأسباب النزاعات المتأصلة والمسببة للخلاف والعنيفة .

 طبيعة النزاعات في أفريقيا : بعض الرؤى الفكرية

سيكتشف هذا الفصل تحليل النزاعات الأفريقية وتحميصها كما وردت في النظريات السائدة والرؤى التفسيرية وذلك بغرض إيجاد رؤية فكرية عن طبيعة النزاعات في أفريقيا، فعلى أساس تحليلات الأسباب والمحفزات الرئيسية يركز العديد من الدراسات الحديثة ومدارس الفكر الرائدة على النزاعات ذات الأهمية والنتائج المتباينة داخل عدد من دول أفريقيا المتجاورة وفيما بينها.

البدائية : هناك نموذج غربي مركزي إلى حد كبير ومؤثر يرى في انتشار النزاعات المسلحة والحروب في أفريقيا حتمية أصلية أو نزعة ارتجاعية تضرب بجذورها في السمات الظواهرية الكامنة والفوارق بين التجمعات المتباينة العناصر والجماعات العرقية الثقافية الإقليمية التي ربطت معا في حزم من قبل حاكم استعماري مطلق لتشكل دولا مستقلة، وبعض التجمعات والجماعات العرقية الموحدة في أفريقيا كما يرى أنصار البدائية تمثل خصوما بينهم عدوات تاريخية قديمة ترجع إلى حروب الغزو والسيادة قبل الاستعمار بين مختلف القبائل والعشائر والممالك والإمبراطوريات الأفريقية .وبالتالي فالحروب والنزاعات المسلحة المعاصرة في أفريقيا يفسرها المؤيدون بأنها بعث للروح والغرائز الحربية الطليقة وعقلية الماضي، ونظرا للميل الوراثي للتعبئة السياسية والتناحر في معظم دول أفريقيا بناء على سمات بدائية متأصلة فإن النزاعات العنيفة تصبح حتمية ومزمنة على ما يبدو.[16]

الذرائعية: هي مدرسة فكرية رائدة أخرى يمكن تسميتها النهج الذرائعي ، وتركز على موقع الهويات البدائية في النزاعات الأفريقية ولكن في علاقاتها بالبنى السياسية المحلية ودور الهيئات الإنسانية، وفي حين يعترف الذرائعيون بوجود ما يعرف بالسمات البدائية – القبلية والثقافية والديانة العريقتان- فإنهم يرون أن هذه السمات في حد ذاتها لا تؤدي بصورة طبيعية إلى نزاعات عنيفة. فالعوامل البدائية  لا تثير النزاعات إلا بقدر الذي تستغل به وتسيس من قبل العناصر الفاعلة والنخب المحلية ولخدمة مصالحهم عادة، أي أن الخلافات الذاتية بين الجماعات القبلية أو العرقية أو الدينية ليست هي التي تترجم بشكل حتمي إلى نزاعات بدائية أو نزاعات هوة، بل “الاختيار الذاتي” للاعبي السلطة المهيمنة والنخب المحلية ، وتسييس الهوية البدائية وإضفاء طابع عاطفي عليها عن طريق التصرفات الواعية وخطاب الوسطاء ، يخدمان أغراضنا ذرائعية نفعية بمعنى أنهما يساعدان الآخرين على الفوز بشعبية وانتصارات انتخابية رخيصة وعلى وضع جداول أعمال سياساتهم المنتقلة في دوائرهم الانتخابية المختلفة ، ويلقى باحثون من امثال لويس (Lews 1996) وجروجل(Grugel 2002) باللائمة في هذا التوجه على الطبيعة الوراثية المحدثة للسياسة في معظم دول أفريقيا، ما يعكس السمات الخارجية للدول الإدارية ، في حين يعملون بمقتضى علاقات بين الراعي وتابعه وفي مسارات تضرب جذورها في الأنماط التاريخية للسلطة والتضامن الاجتماعي ، والسياسة الوراثية المحدثة تشوش التفرقة الحداثية بين الدنيوي والمقدس ، بين الرسمي والعامي، والأهم  بين الموارد العامة والخاصة. والحقيقة أن الوراثية تشوش التفرقة القانونية المعاصرة بين المنصب العام وشاغله والموارد العامة ، لذا فمسؤولو الدولة لا يجدون ما يردعهم عن استغلال المناصب العامة لتعظيم مكانتهم ولتمييز أصدقائهم وأقاربهم وأنصارهم العرقيين ممن يتولون في العادة مواقع استراتيجية لضمان بقاء النظام. تنشأ النزاعات من المنظور الذرائعي بتناحر الساسة والنخب المحلية حول سلطة الدولة ومواردها ، وغالبا بتجنيد ميليشات  وجيوش خاصة من دوائرهم العرقية القومية لتحدي “الدولة الفخرية” أو خلعها أو الحول محلها ، وليس بالضرورة لتحسينها أو تغييرها . فتنشب نزاعات ضعيفة أو متوسطة أو حادة حسب قدرات اللاعبين الأساسيين ومدى خبثهم ، وتتصاعد في النهاية لتشكل ظواهر لفشل الدولة وانهيارها والتفتت الاجتماعي.

البيئة السياسية  ونظريات جدوى النزاع

يركز بعض المفكرين على البيئة الاستنزافية غير المتوازنة لمعظم اقتصاديات ما بعد الاستعمار وهشاشتها ويؤكدون على التناحر من أجل السيطرة على الموارد الطبيعية بين الجماعات السياسية المحلية كعامل أساسي لنشوب النزاعات المسلحة والحروب أو تأجيجها في أفريقيا ، ومن الحالات التي يستشهد بها المعارضون لدعم نظريتهم تمرد يوهان سافيمبي في أنجولا ولا سيما مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وحرب “الجبهة الثورية المتحدة” في سيراليون، وتمرد “الجبهة الوطنية القومية الليبرالية” في ليبيريا ، ونزاع دلتا نهر النيجر في نيجيريا ، والحرب الطاحنة الطويلة في جمهورية الكونغو الديمقراطية ، ومن المعروف أن معظم اقتصاديات عوائد ضعيفة تقوم على استغلال أحد الموارد الطبيعية أو مجموعة منها وتصديرها كالماس والذهب واليوارنيوم والكوبالت والنحاس والفوسفات والخشب والنفط، ورواد مدرسة النزاع القائم على الموارد من أمثال هومر – ديكسون ( Homer – Dixon) وكارل (Karl1997)  وواتس (Watts1999) وكوليير وهوفلر(Collier and Hoefller2000) وروس (Ross2003) يصوغون النزاعات الأفريقية كنزاعات ضاربة بينما تعمل سياسة من يسيطر على الموارد الطبيعية الاستراتيجية والعوائد المتحصلة منها إما كعامل مثير للنزاع أو محفز رئيس له، يؤكد هومر – ديكسون على سبيل المثال في تفسير بينى هيكلي سوء التنافس بين الجماعات وبين الدول حول “الموارد البيئية النادرة ” وكيف تعجل ابلنزاعات ، ويرى كوليير وهوفلر أن “الجشع والفرص (الاقتصادية) لا الظلم الحقيقي، هو سبب انتشار الجماعات المتحاربة في عديد من البلدان المصابة بالنزاعات في أفريقيا والعالم الثالث، وأن انتشار الموارد الطبيعية القابلة للنهب كالماس والكوبالت وغيره يرجح أن تزيد من استمرارية النزاعات المسلحة وحدتها ومن فرص الارتكاس إلى الحرب في نظام ما بعد النزاع، ويتوسع روس إلى الحرب في نظام ما بعد النزاع ، ويتوسع روس في نظرية جدوى النزاع فيقول إن الدول ذات العوائد والتي تعتمد على الموارد الطبيعية أقرب للشمولية منها للديمقراطية لأن الإنفاق العام فيها يقوم على تحصيل الضرائب بل على العوائد، وبذلك فالحكومة ليست مضطرة لاعتناق مبادئ التمثيل النيابي والمحاسبة والتي تعتبر سمة الحكم [17]الديمقراطي ، أما كارل وواتس فيقدمان تفسيرا بعد بنيوي ويؤكدان على دور الشركات العالمية والبنى المفتوحة لتراكم رأس المال في الإسهام في إثارة النزاعات وبدرجة أكبر في تأجيجها في أفريقيا والجنوب.

نقد للنظريات التفسيرية السائدة:

هناك مزايا وعيوب في هذه النماذج التفسيرية ، فالنهج الذرائعي مثلا يعرض تفسيرا  عميقا لاختلال الاقتصاديات السياسية لعديد من دول أفريقيا ما بعد الاستعمار ودور النخب المحلية في التدهور المطرد في العلاقات بين الجماعات (لا الجماعات البدائية وحدها ، بل الطبقات الاجتماعية والجنسين أيضا) وتفاقم النزاعات العنيفة، أما النهج البدائي ونظرية جدوى النزاع – الجشع في مقابل الظلم – فيتقدم رؤية مرضية حتمية إلى حد كبير لدول أفريقيا باعتبارها معرضة بالفطرة لنزاعات ضاربة غير منطقية ، وهذا النموذج الاستطرادي  هو الذي جعل من أفريقيا ولسنوات عديدة بؤرة حروب قبلية وجماعية  في وسائل الإعلام الدولية، وإذا كانت مظاهر الشراسة والعداء العرقي متوفرة فمن المهم التأكيد على أنها عوامل ثانوية يشجعها ويصاحبها اضمحلال توريثي محدث وفشل الدولة. ويتعرض كبار أنصار نظرية الجشع في مقابل الظلم من أمثال كوليير وهوفلر بصورة خاصة للنقد لإيجادهم نظرية نخبوية محدثة تتمحور حول التمرد تتجاهل الدور الحاسم للسلوك غير المسؤول من جانب الدولة ( استشراء الفساد والقمع) في إثارة حركات التمرد والعصيان في المقام الأول من ثم فإذا كان للحروب والنزعات المسلحة الأفريقية بعد يتصل بالجشع كما يزعم المعارضون فإن جشع النخب (تشويه السلطة والموارد العامة) ربما كانت له قيمة تفسيرية أكبر مما يسمى جشع المرءوسين والمتأصل في النظريات السائدة .

غن المشكلة الحقيقية في النظريات التي تغزو الأسباب للطبيعة البدائية والشراسة وما إلى ذلك من التفسيرات الغربية هي أنه نظرا لتاصل ما يسمى بالسمات البدائية في أفريقيا مثلا والمقترنة بعجز معظم دول افريقيا عن مسايرة الفكر الليبرالي الحديث لبنية الدول فإن هذه النظريات تساير التوجه الذي يعاقب كافة دول أفريقيا باعتبارها عرضة للنزاع وغارقة فيه ولا يرجى لها صلاح.

والهم أن التحليلات من هذا النوع لا تقدم علاجا مناسبا وبناء بالتدخل في النزاعات . وليس بمستغرب ان بعض الباحثين الليبراليين المحدثين وأنصار التوصيف المرضى لنزاعات الأفريقية في الغرب من أمثال لينكليتر وهلمان ورانتر وفي إشارة إلى الدول الفاشلة في أفريقيا عرضوا اقتراحات بإعادة الاستعمار الحميد،فيوصي لينكليتر(Linklater 1996) بإصلاح الاستقلال من خلال أدوات جديدة للإشراف العالمي ، أو بعض أشكال الحكم الدولي تشبه نظام الانتداب الذي أقرته عصبة الأمم على الدول الفاشلة والمعرضة للفشل والضعيفة ، العاجزة عن الوقوف على أقدامها في النظام الدولي ، ويرى هلمان وراتنر (Helman and Rantner) أن هذه الأشكال من “الوصاية” تمثل ” إستجابة عامة لتشر ذم العائلات والدوار العقلية أو البدنية أو العسر الاقتصادي ” . فيجب فرضها على مأزق الدول الفاشلة ويستحسن ان يكون ذلك من جانب الأمم المتحدة.

ويكفي القول إن النزاعات الأفريقية جزء من التحديات التي تواجه بناء الدول، ونظرا لمحدودية تاريخ الدول المستقلة في أفريقيا فإن تحويل الدول الأفريقية من دول تابعة انشأها المستعمرون للغزو إلى دول تطورية تتمحور حول الشعوب  ليس بالمهمة اليسيرة ، وكان يمكن للتاريخ والتحول أن يكونا أيسر كثيرا في عديدي من الدول. ومن المهم في هذا السياق ان ندرك أن بناء الدولة تطور عبر القرون في أوروبا ، في حين أن مشروع وستفاليا للحكم الاعتباري ( في مقابل الحكم الفعلي) الذي فرض على أفريقيا عند الاستقلال لم يمض عليه سوى ستة عقود ونشأ في ظل مناخ دولي مختلف تماما واسهمت قوى العولمة المعاصرة والإشراف والحكم الاستعماري الذي يحدد المناخ الدولي الذي تعمل فيه الدول بعد الاستعمارية في الاعتلال السياسي والاقتصادي لهذه الدول الأقل حظا وبطرق شتى.

ومن النقاط الأخرى ذات الصلة أن معظم الحروب والنزاعات المسلحة المعاصرة في أفريقيا أعقد بكثير مما تصور بعض النظريات السائدة نظرا للطبيعة المتعددة الأسباب والأبعاد والمتشابكة لهذه النزاعات.[18]

فتشير ماري كالدور (Kaldor 2006) إلى الحورب الأفريقية بعد الحرب الباردة بسمى الحروب الجديدة ، التي تتسم بالغموض في التمييز بين الحروب (التقليدية) والجريمة المنظمة وانتهاك حقوق الإنسان على نطاق واسع أو على حد تعبير روبرت كالدور (1994) الفوضى افجرامية . وفي اوائل تسعينات القرن العشرين وصفت الأمم المتحدة الحروب الجديدة، بانها أزمات سياسية معقدة وهو مفهوم تداولته المم المتحدة لوصف انتشار الأزمات الكبرى في المجتمعات المتحولة والتي كانت معظمها نزاعات داخل الدول وتتسم بتعدد الأسباب و تتطلب ردود فعل دولية متعددة الأبعاد منها مزيج من التدخل العسكري وعمليات دعم السلم وخطط افغاثة الإنانية والدخل السياسي والدبلوماسية الرفيعة المستوى . وربما كانت هناك بعض التعميمات من حيث طبيعة الحروب والنزاعات المسلحة الأفريقية وديناميتها ، إلا أن مفهوم الأزمات السياسية المعقدة يقر بالحاجة لفهم النزاعات في كل من سياقها المحدد وأصدائها الإقليمية كشرط لازم لإعلان التدخل الملائم واتخاذ إجراءات الحل.

 تطبيق فض النزاعات في أفريقيا المعاصرة

جرت في الفصول  السابقة محاولات لبلورة فض النزاع وطبيعة المنازعات في أفريقيا ، وسنركز في هذا الفصل على تطبيق هذا الفن في أفريقيا – كيف تدار النزاعات الواقعية وكيف تتم تهدئتها وإقرارها وفضها إن امكن . ومن المهم أن ندرك أن كثيرا مما يطلق عليه فض نزاعات ليست في الحقيقة سوى بدع وحيل اعتباطية ناشئة عن تصورات سائدة . ومن عناصر هذه التصورات كما سبقت الإشارة فكرة صعوبة فض النزاعات تماما بل استحالته. وأن النزاع في أحسن الأحوال لا سبيل إلا للسيطرة عليه وإدارته وتهدئته وإقراره ، أما فضه ففيما ندر.

هناك بعدان لتطبيق فض النزاع المعاصر في أفريقيا ، الحديث والتقليدي ، ولو أنهما ليسا حصريين . ولأغراضنا التحليلية يمكن أن نتناول كلا من النمطين على حدة مع الإشارة إلى نقاط التقاطع المعقدة بينهما ، وللقيام بذلك بصورة فعالة  علينا أن نتناول بالتقويم والتحليل بعضا من النزاعات المعاصرة في أفريقيا وجهود فضها.

النزاعات حول الدولة والطرق السائدة لإدارة النزاعات

يلاحظ أن معظم النزاعات الكبرى في أفريقيا المعاصرة تتمحور حول الدولة بما يوحى بأنها نزاعات تتحدى سيادة الدولة (بالمعنيين إقليمي والاعتباري) أو السلطة القانونية والأخلاقية للحكومة القائمة – أي أزمات الشرعية . والدولة عنصر أساسي في هذه النزاعات وبالتالي لا مجال للثقة بأن تلعب دور الطرف الثالث أو الحكم القادر على الخروج بحل فعال للنزاع . و معظم النزاعات الحديثة التي تتمحور حول الدولة في أفريقيا لا سيما منذ نهاية الحرب الباردة عبارة عن حركات عصيان وحروب أهلية. ومن الأمثلة الواضحة عليها الحروب الأهلية في كل من ليبيريا وسييراليون وكوت ديفوار وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومالي والسودان والصومال وغينيا بيساو وأنجولا وبوروندي وتشاد ومنطقة كازامانس بالسنغال وشكال أوغنده، وحركات عصيان الميليشات العرقية بدلتا نهر النيجر ونيجريا وحركات الإسلاميين في الجزائر ، ويتخذ الطعن في السيادة الإقليمية والاعتبارية شكل حملات انفصالية ، وخير مثال الحرب الإريترية المطولة للاستقلال عن إثيوبيا والتي بلغت ذروتها بقيام دولة إريتريا في عام 1993.

وعموما فمعظم النزاعات المسلحة التي تتمحور حول الدولة في أفريقيا تعزى لضعف الأداء الاقتصادي والتخلف والفساد الحكومي وسوء الحكم والإقصاء السياسي والتهميش(سواء أكان حقيقيا أو وهميا أم مبالغا فيه) للجماعات والتعسف واصطناعية بنى الدولة الاستعمارية وحدودها.

السيطرة على النزاع بالانتقام العسكري

من سمات المحاولات الأولية لمعالجة النزاعات التي تتمحور حول الدولة في أفريقيا السيطرة على النزاع العنيف – اللجوء للانتقام العسكري من جانب الدولة لقمع الاحتجاج والبطش بالمتمردين ممن يعزلون عادة باعتبارهم متبرمين أو منشقين أو متمردين أو عناصر إجرامية ، وغالبا ما يؤدي لجوء الدولة للبطش عسكريا ورفض دوافع المتمردين باعتبارها واهية ولا أساسا لها غلى تأجيج النزاع عسكريا ورفض دوافع المتمردين باعتبارها واهية ولا أساس لها إلى تأجيج النزاع بالإبقاء على الدعم  المحلي والخارجي لأزمة السكان العزل الذين يدعى المتمردين المضطهدون أنهم يمثلونهم ، وبالتالي فإجراءات السيطرة على النزاع من جانب الدولة غالبا ما تنفذ بصورة نزقة ، ما يؤدي إلى خسائر مدنية هائلة تضاعف من الشعور باليأس لدى قطاعات من السكان المدنيين والخزى الدولي.[19]

حين عبر تشارلز تايلور حدود كوت ديفوار وغزا ليبيريا من مقاطعة نيما الشمالية الشرقية بأقل من مئتي مقاتل  من المتمردين في ديسمبر 1989 في مهمة ظاهرها تحرير الليبيريين من نظام صموديا دو المستبدة، جاء رد الرئيس دو سريعا وقاسيا(Global Security) :

“” تم تجريد القوات الليبيراية وقوات الأمن المحلية إلى مقاطعة نيمبا لمواجهة العصيان وقتلت المدنييين الليبيريين دون تفرقة بين المقاتلين منهم والعزل ….. وشن الرئيس دو موجة ضاربة من العنف ضد سكان مقاطعة نيميا ، وقدرت التقارير الإعلامية وتنظيمات حقوق الإنسان الدولية الضحايا من أفراد جماعتي مانو وجيو العرقيتين بحوالي المئتين على يد قوات الحكومة الليبيرية في الحملة على التمرد””.

وتم تبرير هجمات صمويل دو الوحشية على جماعتي مانو وجيو العرقيتين بزعم أنهما شكلتا أوائل مجندي حركة تايلور المتمردة التي تسمى “الجبهة الوطنية القومية الليبيرية” . وكان دافع جماعتي مانو وجيو (تشكل كلتاهما حوالي خمسة عشر بالمائة من سكان ليبيريا ) للانضمام للتمرد على نظام دو ما شهدتا  من معاناة إبان إنقلاب 1985 الذي جاء بدو إلى سدة الحكم (Tellewoyan et al. 2000).

وأدى رد دو الوحشي وقتله العديد من الأبرياء من جماعتي مانو وجيو العرقيتين إلى تصاعد التذمر بين السكان المحليين وأثار رد فعل دولي معاد، وانضمت أعداد كبيرة من الشباب الليبري المتعطل لصفوف المنشقين .

وانتهج العسكري للسيطرة على النزاع منتشر في تاريخ أفريقيا السياسي بعد الاستقلال ، ويكفي تناول بضع حالات منه.

بطش الرئيس موبوتو مرارا باحتجاجات السخط الشعبي ضد نظامه وبالحركات الانفصالية في إقليمي كاساي وكاتانجا الغنيين بالمعادن إبان حكمه الشمولي الذي دام ثلاثين عاما في جمهورية الكونغو الديمقراطية (1965-1997).

ادى بطش حكومة السنغال بالمتظاهرين المسالمين (معظمهم من النساء) في زيجينكور في ديسمبر 1982 إلى تأجيج المشاعر الانفصالية في منطقة كازامانس وتطور الأمور إلى حرب انفصالية ضاربة استمرت اثنين وعشرين عاما (1982-2004) وخرج المتظاهرون من الأقلية من جماعة ديولا العرقية بمنطقة كازامانس المعزولة جغرافيا نسبيا في تظاهرة سلمية ضد الإصلاح الزراعي الحكومي الذي قضى على حقوقهم المتوارثة في الأراضي وزاد من هجرة المستثمرين الزراعيين من جماعة الوولوف العرقية الغنية (الجماعة العرقية الأكبر في السنغال) من أشكال البلاد القاحل إلى ريف كازامانس الخصيب. وفي أثناء محادثات 2004 لإقرار السلم والتي أدت إلى انتهاء الحرب الأهلية اعترف الرئيس عبد الله واد بأن بطش الحكومة بتظاهرة النساء السلمية في ديسمبر 1982 والتي راح ضحيتها أكثر من عشرين واعتقل المئات كان “خطأ” هيأ الساحة لما تلا عصيان (Harsch 14 :2015) .

لجأ الرئيس بول بيا مرارا للعنف العسكري ضد السخط والاحتجاج المتزايد من في منطقة القلية الناطقة بالإنجليزية في الكاميرون لا سيما منذ انتخابات 1992 التي كانت أول انتخابات تعددية والتي منعت فيها الجبهة الديمقراطية الاجتماعية ” المعارضة بزعامة جون فور ندى والتي تلقى دعما كبيرا في المنطقة الناطقة بالانجليزية من حصد الأصوات بأعمال عنف واسعة النطاق بتدبير من الدولة . ووقعت حوادث ناجمة عن الإقصاء الجماعي ونشبت احتجاجات شعبية (واضطرابات انفصالية) قوبلت بالقمع من جانب الدولة في القطاع الناطق بالانجليزية من الكاميون عقب التزوير الانتخابي الكبير في عام 1992، وهكذا فسدت الانتخابات الديمقراطية نتيجة للعنف وأعمال الشغب وزادت التوترات السياسية في أنحاء البلاد، وزادت الضغوط من أجل مزيد من الاستقلال عن الطائفة الناطقة بالانجليزية ، ونادت بعض الفئات الراديكالية بالانفصال التام وتكوين جمهورية أمبازونيا .[20]

اشتعلت الحرب الأهلية في الجزائر في عام 1992 عقب انقلاب عسكري حظي ظاهريا بدعم غربي فألغي الانتخابات التشريعية فاز بها الحزب الإسلامي الراديكالي الذي كان من المتوقع أن يفوز أيضا بانتخابات الرئاسة . ولجأت الحكومة العسكرية ونظام عبد العزيز بوتفليقة المدني الذي أقامته انتخابات 1999المعيبة إلى العنف العسكري لقمع الحزب افسلامي الذي لجأ بدوره إلى حرب العصابات . ولقي أكثر من مئة وخمسين ألفا مصرعهم في الجزائر في الحرب الأهلية الضروس التي أعقبت الانتخابات الملغاة (1994-1999) حتى المرحلة الراهنة من هجمات الميليشات على كبار مسؤولي الدولة والجيش الجزائري وأهداف وسياح غربيين (منذ 2000).

لجأت حكومة نيجيريا العسكرية إلى القمع لعسكري ضد المتظاهرين المسالمين المنادين بالديمقراطية ممن احتجوا على إلغاء انتخابات الرئاسة في يونيه 1993 والتي يفترض أن فاز بها مسعود أبيولا رجل العمال الكبير من جماعة يوربا بجنوب غرب البلاد. ويبدو أن الانتخابات ألغيت لمنع تولي رئيس جنوبي في بلد تسيطر فيه أقلية عرقية عسكرية شمالية قوية على الدولة والجيش ، وأدى نشوب احتجاجات سلمية ضد النفط منطقة دلتا نهر النيجر بينيجريا في أوائل التسعينات إلى قمع لا هوادة  فيه من الحكومة العسكرية ، وساد جو من الاعتقالات والمحاكمات وإعدام كن سارو ويوا ناشط من دلتا نهر النيجر البيئي الشهير وثمانية من رفاقه الناشطين من “حركة  بقاء شعب أوجوني في عام 1995. ومما لا شك فيه أن هذا القمع العنيف هو الذي هيأ الساحة لتمرد الجماعات بمناطق النفط ومنه الانتشار الراهن للحركات العرقية للمساحة التي تهدد العمليات النفطية والأمن في منطقة النفط المتوترة .

حركات عصيان “الخطة المناهضة للتعديل الهيكلي” التي اجتاحت بلدانا أفريقية عديدة كالإعصار في أواخر الثمانينات والتسعينات، وقاد فيها ائتلاف من الجماعات المدنية ( طلاب ونقابات وجماعات نسائية واتحادات مهيبة وغيرها) تظاهرات شعبية ومسيرات جماهيرية مناهضة للنظام احتجاجا على التدهور المتسارع في مستويات المعيشة وتزايد التضخم عقب فرض “خطط التعديل الهيكلي” الصارمة الخاصة بالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي من جانب حكومتهم ، وقوبلت الاحتجاجات بانتقام عسكري من جانب الدولة.

إن محاولة السيطرة على النزاع بالانتقام العسكري والقمع تؤدي دائما إلى تأجيج النزاع ، وأثبتت جماعات المعارضة الأفريقية أنها تتحدى ترهيب الدولة وسيطرتها الشمولية لا سيما حين تكون احتجاجاتهم تبرما مشروعا من ظلم كبار مسؤولي الدولة، فاللجوء للانتقام العسكري من جانب الدولة لقمع المعارضة وسط ظروف مشحونة بالظلم ضد (قطاعات من ) الشعب أشبه بمحاولة استخدام الجازولين لإطفاء حريق.

استقطاب النخبة:

استقطاب النخبة أحد سبل إقرار النزاع التي تتبعها دول توارثية محدثة عدة في أفريقيا وتستخدمها بفعالية لإضعاف المعارضة وإعادة بناء شكل الإجماع يهدف إلى الحفاظ على الأمر الواقع واستمراره، وباستقطاب النخبة تهدف النظم السياسية الأفريقية إلى تهدئة جماعات الضغط أو تشتيت صفوفها أو إسكانها أو إضعافها بإغراء الأفراد المؤثرين داخل هذه الجماعات بضمهم إلى الدوائر الحاكمة بمناصب إستراتيجية وعقود حكومية ومزايا أخرى ملموسة لدمجهم في شبكة رعاية الدولة. وفي المقابل يتوقع من النشطاء المختارين تخفيف عدائهم للدولة بل قد تناشد أنصارهم ان يحذوا حذوهم. واستقطاب النخبة يعد في جزء منه مظهرا لعدم التسامح تجاه المعارضة (تشتهر به دول افريقية عديدة) ولا ينبع دائما عن روح مصالحة أو استرضاء ، وتقوم الدوافع احيانا عى المصلحة والعمالة وبقاء النظام.[21]

في سنوات الشمولية العسكرية المظلمة في نيجيريا (1984-1999) تحول استقطاب المنشقين وزعماء جماعات الضغط الصاخبين (نقابات العمال والمحامين والأطباء وأساتذة الجامعة وسائر الكيانات المهنية) إلى عادة سياسية ثابتة، وعرفت العادة شعبيا باسم “سياسة التسوية ” (بم يوحي بحالة من الأمن الاسترضائي) في ظل نظام بابانجيده حيث بلغت الظاهرة ذروة الانتهازية . وتم اللجوء لاستقطاب النخب الصاخبة لتحقيق ثلاثة أهداف مهمة من جانب حكومات نيجيريا العسكرية، أولها إسكات المعارضة وإضعافها ونزع فتيل أي تذمر مرتبط بها، وثانيها كسب شرعية مطلوبة بإلحاح حيث كان معظم النقاد الاجتماعيين والنشطاء المستقطبين أفراد إذ يحظون بقدر كبير من الاحترام في بلادهم وفي الخارج على السواء ، ومن الأمثلة الواضحة تعيين الناقد الاجتماعي الشهير والحائز على جائزة نوبل الأستاذ ووله سوينيكا مديرا  لهيئة أمن الطرق الاتحادية من قبل إدارة بابانجيده. وكان الهدف الثالث السعي لتشويه النزاهة الأخلاقية ، وتم فيما بعد ابتزاز بعض من كبار قادة الرأي والنقاد ممن استأجرهم نظام بابانجيده وخرجوا بصورة مهينة بتهم فساد (حقيقية ومصطنعة على السواء) . ويعزو ويليامز(َAdebayo Williams998) الخسة المشهورة التي أبداها عديد من المفكرين والنقاد الاجتماعيين ممن عينوا في مواقع حكومية بمقتضى التوجه العسكري الماكر للنظام السياسي بتوريط هؤلاء المعينين إلى “شذوذ ما بعد الاستعمار” .

ويبين آيلي ترتب (Aili Tripp2004) كيف سعت حكومة الرئيس موسوفيني شبه الشمولية في أوغنده للجوء للإستقطاب لتهدئة الحركة النسائية وإضعافها باتخاذ إجراءات منها تعيين النسوة من صاحبات الصوت المسموع في مناصب حكومية رفيعة وحجز مقاعد للنساء في المجلس التشريعي والحكم وإنشاء مجالس للمرأة “كبنى إدارية” ( لكن النقاد يصفونها بأنها “بنى سياسية موالية للحكومة) لرعاية شؤون المرأة . وفي دراسة ذات صلة تبين جيزيلا جايزلر (Giscla Geisler2004) في تحليلها للإستراتيجيات الأساسية التي اتبعتها الحركات النسوية لكسب موطئ قدم في السياسة في مختلف بلدان أفريقيا الجنوبية( جنوب أفريقيا وزامبياوزيمبابوي وبوتسوانا ونامبيا) العلاقة المتوترة بين الحركات النسوية والدولة وبين الناشطات والسياسات حيث ساومن على الاستقطاب ولضم والإقصاء . فالاستقطاب على حد قول الكاتبة أداة مفيدة لفتح الفضاء السياسي أما المرأة وتعيين عديد من الناشطات في مناصب حكومية رفيعة سواء عن طريق الانتخاب الديمقراطي (بالتنازل عن بعض المقاعد النيابية في الانتخابات الحزبية الولية للمرأة ) أو التعيينات السياسية.

ويرى واجونا ماكوبا (Wagona Makoba 1999) أنه في عام 1990عندما كانت معظم بلدان أفريقيا تمر بتدهور سياسي واقتصادي شديد وكان الاحتجاج الشعبي من أجل التغيير السياسي يبشر بموجة جديدة من التحول الديمقراطي سعت بعض الحكومات (كحكومتي كينيا والكاميرون) لصد عملية التحول الديمقراطي باللجوء إلى الاستقطاب والقمع واستغلال حركات المعارضة لصالحها. ففي كينيا مثلا تشبثت حكومة أراب موى الشمولية بدستور الحزب الواحد بين 1979 و 1990 ، بينما واصلت الحكومة الاستعانة بمزيج من الاستقطاب والقمع والاستغلال لكبح المعارضة في حقبة التسعينات التعددية ، ما اعان موى علا الاحتفاظ بالسلطة ، ولم يتنح موى عن السلطة إلا في انتخابات 2002 بعد أن استنفذ عن الحد الأقصى لفترتي رئاسة في ظل الدستور التعددي الجديد، وانتخبت نواى كيبايكى رئيسا في ظل شعار تحالف التنوع القومي” المعارض وفي حالة الكاميرون كانت “الحركة الديمقراطية لشعب الكاميرون” الحاكمة برئاسة الرئيس بول بيا الحزب الوحيد المسجل قانونيا في البلاد حتى ديسمبر 1990، ومنذ بدء الانتخابات التعددية كل سبع سنوات في عام 1992 احتفظ بالسلطة بالاستقطاب والقمع واستغلال المعارضة وكذا بالتلاعب بصناديق الاقتراع . والنتيجة أن الرئيس بيا وعلى الرغم من السخط الجماهيري وانخفاض شعبيته ظل في السلطة منذ 1982 وقد يواصل البقاء فيها لمدة طويلة قادمة.

وفي زيمبابوي كان اندماج ‘اتحاد زيمبابوي القومي الإفريقي ” برئاسة الرئيس روبرت موجابي و”اتحاد زيمبابوي للشعب الأفريقي” بزعامة الراحل جوشوا نكومو ليشكلا معا “اتحاد زيمبابوي القومي الإفريقي – لجبهة الوطنية ” عقب اتفاق الوحدة لعام 1987 والذي وضع نهاية للحرب الأهلية المنخفضة الحدة بين الجماعتين بعد الاستقلال شكلا من الإجماع الكبير. إلا أن قلة من الباحثين فسروا الظاهرة بأنها أقرب إلى استقطاب كبير ” خفف من رغبة الرئيس موجابي في إسكات المعارضة والحفاظ على تماسك النخبة وبقاء سيطرته الأحادية في ظل دولة الحزب الواحد . [22]

إلا أن دولة إتحاد زيمبابوي القومي الإفريقي – الجبهة الوطنية” ذات الحزب الواحد كانت قصيرة الجل وذلك لظهور حركة معارضة جديدة هي “حركة التغيير الديمقراطي “في عام 1999بزعامة النقابي السابق مورجان سفانجيراى. وشهدت العلاقة بين “اتحاد زمبابوي القومي الأفريقي – الجبهة الوطنية ” وحركة التغيير الديمقراطي ” استقطابا محدودا للغاية (إلى الحزب الحاكم) وتعاونا محدودا في حين بدت منها قسوة شديدة واتهامات مضادة وعنف.

بعد استقطاب بعض عناصر المعارضة بصورة عامة- والذي اقترن غالبا بالاضطهاد والقمع في تطبيقه – نوعا من التسوية “السلمية السلبية” يساعد النخب الحاكمة الأفريقية على خفض ما يتهدد احتفاظهم بالسلطة من أخطار الفوران الثوري وتفتت النخب السياسية ، ولكن نظرا لكونه أداة تخدم النخبة فإنه لا يلبي الاحتياجات المشروعة وتظلمات الجماهير. لذا فإن عددا كبيرا من النزاعات المنخفضة الحدة وحوادث العنف الحضري في أفريقيا اليوم يقودها شباب مقهورون ثائرون وميليشات بلا قانون وعشوائية تعبر إلى حد كبير عن سخط دموع الشعب وعجزهم.

 

المـــــــــــحــــور الــــثــــالــــث : إدارة وحل النزاع في أفريقيا (الطرف الثالث في النزاعات والحروب الواسعة النطاق)

يحدث تدخل الطرف الثالث حين يتجاوز النزاع قدرة طرفية المباشرين أو الأطراف المتحاربة على إدخال طرف خارجي (كوسيط أو مراقب أو حكم أو فريق لفرض السلم وغير ذلك) والأطراف الثالثة تأتي لعملية النزاع بموارد إضافية ومهارات ورؤى ، وغالبا ما يغير وجودها البنية المنطقية للنزاع ودينامياته المادية ونتائجه ، وكافة خطط الوساطة في النزاع ومنعه وإدارته  وفضه وتسويته وتحويله تدخل ضمن ظاهرة الطرف الثالث. وهناك عشرات من النزاعات المسلحة والحروب بشتى درجات الحدة في تاريخ أفريقيا بعد الاستعمار تمثل مسرحا لظلال شتى من الأطراف الثالثة والممسكين بالرهان- عناصر من حكومات إقليمية وقوى استعمارية سابقة وعناصر من حكومات دولية وهيئات إقليمية ودولية وجمعيات أهلية محلية ودولية وشركات خاصة عسكرية ومتعددة الجنسية ومؤسسات متعددة الأطراف وأفراد وجهات غير حكومية بارزة. وتتباين طرق التدخل و تتداخل ، وتتراوح بين التفاوض والتحكيم والوساطة وحفظ السلم والدعم الإنساني والمصالحة والدبلوماسية الوقائية .

وللإيضاح يمكن تعريف الدبلوماسية الوقائية بصورة عامة بأنها مجموعة تصرفات سياسية ودبلوماسية تهدف إلى منع النزاعات العنيفة من النشوب بين الأطراف وإلى تخفيف أو الحيلولة دون احتمالات تفاقم النزاعات القائمة إلى نزاعات مفتوحة وإلى الحد من إنتشار النزاعات العنيفة إذا نشبت (Boutros Ghali1995) ونشأت الدبلوماسية الوقائية تاريخيا على مسارات ثلاثة تشتمل على مجموعات شتى من العناصر الفاعلة. المسار الأول وهو أقدم النماذج ينطبق على دبلوماسية ما بين الدول ومبادرات تخفيف حدة النزاع . وينطبق المسار الثاني على الهيئات بين الحكومات كالتجمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا (إيكواس) و” هيئة التنمية ” (إيجاد) في القرن الأفريقي و “هيئة التنمية الأفريقية الجنوبية ” (سادك) و”الاتحاد الأفريقي” وهيئات المم المتحدة ، والمسار الثالث هو دبلوماسية الجمعيات الأهلية المحلية والدولية (منها السلم الأخضر ، حقوق البيئة ، أوكسفام، الحذر الدولية، سانت إيجيديو، الخ ) والتي ينشط عدد كبير منها في مجال فض النزاعات في أفريقيا . وهناك تطبيق بناء للمسارات الثلاثة بعد التطبيق المميز في معظم النزاعات المسلحة المعاصرة ويعرف بالدبلوماسية المتعددة المسارات. والتحدي الأكبر الذي يواجه الدبلوماسية المتعددة المسارات هو كيفية التنسيق بين أنشطة مختلف الأطراف الثالثة، وهو تحد يزداد صعوبة إذا ما اشتمل التدخل على عناصر خارجية قوية تمثل مصالح قومية أو مؤسسية أو مشتركة خفية .

ومحصلة تدخل الأطراف الثالثة في النزاعات الأفريقية مختلطة. ومن العوامل التي تؤثر إيجابا أو سلبا على المحصلة طبيعة النزاع ومدى فهم المتدخل له ودوافعه  وصدقيته ومدى قبوله لدى الأطراف المتنازعة وتوقيت التدخل وملاءمته والاستخدام الفعال للأموال وسائر عناصر الطرف الثالث وعلاقتها بالمتدخل.

وهناك كم هائل من الأدبيات حول مختلف جوانب تدخل الطرف الثالث وشعبه في النزاعات الأفريقية ، ويكفي في هذا الفصل أن نركز على أنشطة الهيئات الإقليمية الأفريقية والمم المتحدة مع اهتمام خاص بحفظ السلم نظرا للآثار المرتقبة للديناميات المتغيرة لحفظ السلم منذ تسعينيات القرن العشرين (أهمها مشاركة الهيئات الإقليمية وظهور حفظ السلم المتعدد الأبعاد) على فض النزاعات في أفريقيا .[23]

يلاحظ أن التجمعات الاقتصادية الإقليمية الأفريقية تولت منذ التسعينيات قيادة توسيع نطاق المشروع الإقليمي إلى نطاق السلم والمن. وهو أمر واضح سواء لمن ينظر إلى سياسة التوجه الإقليمي في “التجمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا ” (ايكواس) أو “هيئة التنمية ” (إيجاد) أو ” هيئة التنمية الأفريقية الجنوبية ” (سادك) . أما الكيان القاري الأكبر – الاتحاد الأفريقي- فبدأ متأخرا نسبيا في هذا المجال. وهناك عوامل عدة للمشروعات الإقليمية الواسعة النطاق ، إلا أنها بصورة عامة ترتبط بظواهر منها السياقات السياسية والتاريخية الجغرافية – السكانية والبيئية لمختلف المناطق.

كان مد نطاق المشروع الإقليمي ليشمل السلم والمن وإدارة النزاعات في “التجمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا” (ايكوس)في منطقة غرب أفريقيا أمرا دعى إليه انتشار الحروب الأهلية وحركات العصيان المسلح في دول كليبيريا وسييراليون ومالي وغينيا بيساو وكوت ديفوار. ونظرا للصلات العرقية – السكانية والجغرافية المعقدة بين دول غرب أفريقيا فإن معظم النزاعات المسلحة الحديثة كانت لها أصداء إقليمية بعيدة المدى نتيجة لتدفق اللاجئين واستخدام المرتزقة وانتشار الأسلحة الصغيرة والخفيفة واستغلال “اقتصاديات الحرب” وغير ذلك. من ثم فتحت هيمنة نيجريا الإقليمية الفرعية تشكلت “مجموعة ايكواس لمراقبة وقف إطلاق النار” (إيكوموج) ونشرت في بعض نقاط النزاع كقوة إقليمية لحفظ السلم والتدخل. واشتملت آلية إيكوموج لفض النزاعات حفظ سلم متعدد الأبعاد (أي حفظ سلم تقليدي من خلال مراقبة تنفيذ اتفاقات السلم التي تم التوصل إليها بين الأطراف المتنازعة وتطبيق السلم أو “حفظ السلم بالقوة ” ونزع السلاح وتسريح ميليشيات المتمردين وسائر القوات غير المحترفة وإعادة دمجهم وحماية السكان المدنيين وتوفير المآوى الآمنة والمعونات الإنسانية….) اعتمادا على تفويض الهيئة الإقليمية ومقرها أبوجا. وتكمن أهمية إيكومود في كونهاا أول قوة انتشار كبرى لحفظ السلم تابعة لتجمع اقتصادي في العالم .

وإضافة إلى القوة التابعة لإيكوموج أثبتت إيكواس فعاليتها أيضا في معظم حالات دبلوماسية الوساطة في المنازعات واتفاقات قرار السلم في كافة الحروب الأهلية الحديثة بغرب أفريقيا. ومع ان قوة الإيكواس لحفظ السلم بدأت أصلا بلجنة إطفاء متخصصة محدودة الموارد في أغسطس 1990 فغنها تطورت في السنوات الأخيرة لتصبح كيانا أمنيا متماسكا بتبني الدول أعضاء الإيكواس بروتوكول 1999 الخاص بآلية منع النزاعات وإدارتها وفضها وحفظ السلم والأمن. ويجيز بروتوكول 1999 الذي يمثل الإطار الأساسي للكيان الأمني الجديد التابع للإيكواس إنشاء أدوات وآليات مؤسسية مختلفة للمنع الجماعي للنزاع وإدارته وفضه وبناء السلم في غرب أفريقيا. وشهدت الإيكواس ولا تزال تحولات مهمة فيما يتعلق بقضايا الأمن الجماعي منذ 2006 .

إيجاد ترتبط نشأة تجمع “إيجاد” وتطوره  وتوسعه المطرد بالحاجة لآلية إقليمية منظمة لمواجهة التحديات البيئية (المجاعات والجفاف والتصحر) والسياسية و التنموية للدول الأعضاء في إطار إقليمي . فالنزاعات الأهلية الطويلة في السودان والصومال وأوغندة والحرب بين إثيوبيا وإرتريا دفعت تجمع “إيجاد” منذ أواسط التسعينات لوضع خطط سلمية وأمنية إقليمية وتنفيذها وتشمل بنية “للإنذار المبكر بالنزاعات وآلية للاستجابة ” تعرف باسم “سيوران” . وأنشأت الإيجاد منذ أوائل التسعينيات عديدا من البنى السياسية للتعامل مع منع النزاعات وإدارتها وفضها في القرن الفريقي الشديد التوتر . ويواجه هذا الكيان الإقليمي تحديات كبرى نظرا لأن “” هذه المنطقة تضم ثلاثين نزاعا مرتقبا ،ودولة منهارة نتيجة للنزاعات الداخلية ، وحربا حديثة بين دولتين من أعضائه ، وعددا كبيرا النزاعات الرعوية العنيفة المزمنة عبر الحدود، وخطرا مستمرا بنشوب حروب بين الدول نتيجة للنزاعات بين الجماعات وفي داخلها عبر الحدود”” .  وهناك نزاعان في السودان والصومال يتحديان أكثر من غيرهما مبادرات الإيجاد وقدرة أعضائه على العمل بشكل مستقل . وبذل هذا التجمع جهودا نشطة لحل النزاعين ولكنه واجه تحديات رهيبة . ففي حالة السودان عقد الإيجاد اجتماعات وساطة عديدة تمخضت عن الإجماع على ” إعلان مبادئ” اتفق فيه الطرفان المتنازعان- الحكومة المركزية في الخرطوم ” وجيش حركة تحرير الشعب السوداني – على مبدأ حق تقرير المصير للجنوب السوداني . وتنفيذ هذا الاتفاق مستمر ولو أن هناك مخاوف تتصل بما إذا كانت حكومة الخرطوم ستذعن بإجراء استفتاء على الاستقلال التام وما إذا كانت ستقبل بنتيجة مثل هذا الاستفتاء كما اقترح في “اتفاقية السلم الشامل” الهشة في يناير 2005 ومما يذكر أن كثيرا من النفط والموارد المعدنية الحيوية السودانية موجودة في أراضي جنوب السودان التي يسيطر عليها “جيش حركة تحرير الشعب السوداني” بالجنوب.[24]

كما عقدت إيجاد اجتماعا وشاركت في عديد من محادثات السلم لفض النزاعات في دولة الصومال المنهارة. ولعل أجرأ مبادرات إيجاد لفض المنازعات بشأن الصومال كان اقتراحها بنشر عشرة آلاف من قوات لحفط السلم تحت مسمى ” مهمة إيجاد لدعم السلم في الصومال ” (إيجاسوم) . ولقى هذا الاقتراح تأييد الاتحاد الأفريقي ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، إلا أن هذه المهمة لم تتحقق لأسباب لوجستية عديدة أهمها نقص التمويل ، وعدم وجود سيطرة إقليمية حاسمة في منطقة القرن ، وانقسام بعض أعضاء إيجاد حول تداخل التجمعات الإقليمية كتجمع شرق أفريقيا والكوميسا. من ثم فإن العديد من أعضاء إيجاد يدعمون حركات التمرد  ومختلف الجماعات المتحاربة في دول أخرى أعضاء ، وبالتالي فمصالحهم في بعض النزاعات تضعف إرادتهم لسياسية لاتخاذ إجراء جماعي جذري  من قبيل التدخل لحفظ السلم.

سادك. أنشئت أصلا في عام 1980 كمؤتمر التعاون التنموي الأفريقي الجنوبي للمساعدة في مواجهة بعض التحديات الأمنية والتنموية في الجنوب الأفريقي ، ثم تحول الكيان الإقليمي إلى “سادك” (هيئة التنمية الأفريقية الجنوبية) في عام  1992 بهدف إنشاء سوق مشتركة . وعقب تدخل دول شرق أفريقيا اوغندة وتوانده وبوروندي في الحرب الأهلية في جمهورية الكونغو الديمقراطية قامت ثلاث دول من أعضاء سادك هي زيمبابوى وناميبيا وأنجولا بتعبئة “قوات سادك المسلحة المتحالفة” في البلد الذي مزقته الحرب في أغسطس 1998. ونظرا للطبيعة الرهيبة للتعبئة فغن العديد من النقاد وصفوا “قوات سادك المسلحة المتحالفة” بأنها  “تحالف لدول تسعى لمصالح أمنية وعسكرية واقتصادية إستراتيجية ” . ومما يذكر أن القوة الاقتصادية الكبرى في منطقة سادك وهي جنوب أفريقيا (التي توصف غالبا بأنها مهيمنة رغم أنفها) لم تكن جزءا من قوات حفظ السلم في جمهورية الكونغو الديمقراطية . واختارت جنوب أفريقيا أن تؤيد “إجراء مفاوضات من اجل  التسوية في جمهورية الكونغو الديمقراطي ، ولكن بعد أقل من شهر من إرسال  “قوات سادك المسلحة المتحالفة” قامت جنوب أفريقيا وبوتسوانا  بإرسال  حوالي  ستمئة جندي ومئتين على التوالي إلى ليسوتو لإخماد عصيان قامت به مجموعة من قوات البلاد ومنع الفوضى والحيلولة دون قيام انقلاب عسكري مرتقب في تلك الدولة المدينة الصغيرة بالجنوب الأفريقي (Santh2000) . وكان العصيان جزءا من الفوضى التي عجلت بها انتخابات 1998 التشريعية التعددية المثيرة للجدل والتي يعتقد الكثيرون أن الحزب الحاكم تلاعب بها لكي يحتفظ بالسلطة. وصدق سادك على كل من تدخل جنوب أفريقيا وبوتسوانا في ليسوتو وإرسال زيمبابوي ونامبيا وأنجولا قوات إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية ، بيد أن التدخل في الكونغو لم يلق سوى تفويض بأثر رجعي من الكيان الإقليمي . وكان يعتقد أن كلا التدخلين تما بدعوة من حكومتي البلدين اللتين  تستعدان للحرب. وتكمن التدخل الذي قادته جنوب أفريقيا من إعادة النظام والاستقرار السياسي في ليسوتو بسرعة ، أما الحرب في جمهورية الكونغو الديمقراطية فكانت شأنا أعقد يستدعى صنوفا من التدخلات الخارجية الأخرى أولها من فرنسا والأمم المتحدة.

الاتحاد الأفريقي . تحول ” منظمة الوحدة الأفريقية” منذ أواخر التسعينيات إلى “الاتحاد الأفريقي ” في عام 2002 واتسعت واقترحت عددا من الآليات المؤسسية والهيكل التنظيمية بهدف توسيع نطاقها وملفها المني . وشملت هذه الآليات ” مجلس السلم والمن ” والشراكة الجديدة من أجل التنمية الأفريقية” (نيباد) وآلية  المراجعة الأفريقية ، ومجلس إدارة السلم  و المن ، ويعد إلغاء بند عدم التدخل من ميثاق الاتحاد الأفريقي الملغى ومما تلا من تمكين الاتحاد الأفريقي من التدخل  في الشؤون الداخلية لدولة من أعضائه في حالات  الإبادة  الجماعية وجرائم الحرب ضد الإنسانية تطورا مهما في تحول ” منظمة الوحدة الأفريقية” إلى ” الاتحاد الأفريقي” ن وكذلك في تطورات فض المنازعات وحفظ السلم في أفريقيا .

وفي ظل منظمة الوحدة الأفريقية السابقة كانت جهود التجمع القاري في فض النزاعات تقوم في معظمها على الوساطة والتحكيم والمصالحة اعتمادا على كل من آليات المنظمة المؤسسية وحسن نوايا كبار الدول الأعضاء ورجال الدولة . وتزامن إنشاء الاتحاد الأفريقي مع التحول الجاري  فعليا لإطار السلم و الأمن داخل الكيان الإقليمي لتولي مهمة حفظ سلم متعدد الأبعاد. وكانت أولى مهام حفظ السلم للاحاد الأفريقي-  “مهمة الاتحاد الأفريقي في بوروندى” (أميب) – في أبريل 2003 لإقرار الأوضاع تمهيدا لتدخل أممس. وكانت “اميب” بكامل قوتها تتكون من 3335 جنديا من جنوب أفريقيا وإثيوبيا وموزمبيق إلى جانب مراقبين عسكريين من بوركينافاسو والجابون وتوجو وتونس  . وتم فيما بعد دمج “اميب” رسميا في المهمة الأممية في بوروندي في يونيه 2003.[25]

وقام الاتحاد الأفريقي مؤخرا أيضا بإرسال مهما حفظ سلم في منطقة دارفور السودانية التي مزقتها الحرب- “مهمة الاتحاد الأفريقي في السودان “(أميس) – منذ يوليه 2004 وكذلك في الصومال – مهمة الاتحاد الأفريقي في الصومال (اميسوم) – في يناير 2007 لتحل مهمة إيجاد لحفظ السلم والتي لم تكن فعالة كما كان متصورا. وواجهت مهمتي الاتحاد الأفريقي لحفظ السلم في السودان والصومال تحديات كبرى نظرا لتعقيد النزاعات فيهما وتضارب المصالح المحلية والإقليمية والدولية ، والقيود المالية واللوجستية التي تواجه الاتحاد .

أدى توسيع نطاق المشروعات الإقليمية المختلفة لتشمل السلم والأمن وإدارة النزاعات إلى ظهور عديد من التحديات والفرص التي تشكل أساس التعاون والشراكة الدولية والإقليمية البناءة . ومن المتوقع للشركات الناشئة أن تساعد في النهاية على دعم القدرات المؤسسية والفنية والتنفيذية للكيانات الإقليمية في أفريقيا للقيام بمهام التدخل في المنازعات ودعم السلم.

نشأت مهمة حفظ السلم في الأمم المتحدة في عام 1948 عقب إنشاء المنظمة الأممية للإشراف على الهدنة لمراقبة وقف إطلاق النار بين الإسرائيليين والدول العربية في الحرب التي تلت قيام “إسرائيل” ومن الأصل الأممي لمهمة “حفظ السلم التقليدي أو الجبل الأول” كما تصورها الباحثون فيما بعد جاء نشر قوة تدخل متعددة الجنسيات تقوم على موافقة الأطراف المتنازعة للمساعدة في مراقبة وقف إطلاق النار وتطبيق التسويات السلمية الشاملة ، ولضمان تأمين المعونات الإنسانية ، وينص ميثاق المم المتحدة الذي يفوض لمجلس الأمن مسؤولية المبادرة بالعمل الجماعي لحفظ السلم والأمن الدولتين على إيجاد الإطار القانوني اللازم لاضطلاع الكيان الدولي بمهام حفظ السلم. وكانت أولى مهام حفظ السلم الأممية في أفريقيا “مهمة الأمم المتحدة في الكونغو” بغرض تفادي نشوب حرب أهلية فيما كان يعرف آنذاك بالكونغو برازافيل ، وضمان انسحاب كامل القوات العسكرية الأجنبية غير الأممية التي ساعد وجودها على تعقيد النزاعات الأهلية في الدولة الحديثة الاستقلال . وكانت هناك مهمة أممية سابقة في قناة السويس لمراقبة وقف إطلاق النار لعام 1957 في الحرب بين مصر (تدعمها البلدان العربية) وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل حول حق عبور القناة.

أدت نهاية الحرب الباردة وما تلاها من انتشار الحروب والاضطرابات السياسية المعقدة والمتعددة الأبعاد في أفريقيا بين أواخر الثمانينات و 1999 بالأمم المتحدة إلى التحول جذريا من حفظ السلم التقليدي إلى حفظ السلم المتعدد الأبعاد أو “الجيل الثاني” من مهام حفظ السلم لمواجهة الضرورات المتغيرة والتدخل في النزاع ، وتتضمن مهام حفظ السلم المتعدد الأبعاد والأكثر طموحا وتنوعا عددا كبيرا  من الأطقم العسكرية والمدنية للقيام بمهام متعددة منها:

” الإشراف على وقف إطلاق النار وتسريح القوات وإعادة دمجها في الحياة المدنية وتدمير الأسلحة ، ووضع خطط غزالة الألغام و تنفيذها ، وعودة اللاجئين والمشردين ، وتقديم المعونات الإنسانية والإشراف على البنى الإدارية القائمة وإنشاء قوات شرطة جديدة وضمان احترام حقوق الإنسان وتنفيذ الإصلاحات الدستورية والقضائية والانتخابية والإشراف عليها ومراقبة تنظيم الانتخابات وإدارتها والإشراف عليها وتنسيق دعم إعادة التأهيل وإعادة البناء الاقتصادي”

وفيما بين 1989 و 1999 نشبت في أفريقيا ثلاثين حربا متباينة الحدة (حروب أهلية في معظمها) أرسلت إليها ست عشرة مهمة حفظ سلم أممية، وكان عدد كبير من مهام التسعينيات إما مهام حفظ سلم متعددة الأبعاد من بدايتها أو في مرحلة لاحقة (كمهام ناميبيا وموزمبيق وانجولا وبورندي وسيراليون وليبيريا وغيرها) ، ومن مهام حفظ السلم الأممية المتعددة الأبعاد الأكثر تحديا مهمة جمهورية الكونغو الديمقراطية حيث تورطت في النزاع في ذروته في ذروته في عام 1998 قوات مسلحة لتسعة لاعبين إقليميين ودوليين وحوالي خمس وعشرين ميليشل من المتمردين والمدنيين . ونظرا لحدة النزاعات والاهتمام بجدوى النزاع وتنوع أطراف الحرب والتدخل وصف العديد من المحللين النزاع بأنه “حرب أفريقيا العالمية الولى” .[26]

تعرضت المم المتحدة لانتقادات واسعة النطاق لإخفاقاتها في مهام حفظ السلم والتدخل في النزاع في الحرب الأهلية في الصومال في عام 1993 والإبادة الجماعية في روانده في عام 1994 – وهما كارثتان أسهمتا فيما بعد في إنشاء “مجلس الخبراء” لمراجعة مهام المم المتحدة السلمية والذي رفع تقريره (تقرير الإبراهيمي الشهير) للجمعية العامة في عام 2000 مع توصيات حول كيفية تغيير قدرات الأمم المتحدة المؤسسية والوظيفية لحفظ السلم. كما تأثرت مهام حفظ السلم الأممية في أفريقيا بصورة عكسية بإجحام البلدان الغربية المتقدمة عن إرسال قواتها الوطنية إلى أفريقيا بتفويض أممي ، وجاء هذا التطور عقب كارثة حفظ السلم في الصومال في عام 1993 والتي قتل فيها ستة عشر من القوات الأمريكية على يد الميليشات المحلية، ما أدى إلى رد فعل عنيف من الرأي العام في الولايات المتحدة وانسحاب القوات الأمريكية. وأدى انسحاب القوات الأمريكية المفاجئ إلى حل المهمة الأممية في ذلك البلد الذي عصفت به الحرب وظل منذ ذلك الحين رمزا لفشل حفظ السلم الأممي وعدم اكتراث الغرب استراتيجيا بالمشاركة في مهام حفظ السلم الأممية في أفريقيا. وبعد الصومال لجأت بعض القوى الكبرى الغربية إلى آلية غامضة بعض الشيء تتمثل في التدخل في النزاع بمعزل عن الأمم المتحدة. وحدث ذلك في التدخل البريطاني الثنائي لحفظ السلم في سيراليون ، وفرنسا في كوت ديفوار، والتورط الأمريكي في ليبيريا ، والتدخل الفرنسي البلجيكي في جمهورية الكونغو الديمقراطية ، ومن الملاحظ أن الفشل المشهود في كل من الصومال وروانده اخذ يلقى بظلاله على نجاح الكيان العالمي في بلدان كناميبيا وموزمبيق حيث فعالية حفظ السلم الأممي المتعدد الأبعاد في إعادة السلم وبنائه في البلدين اللذين دمرتهما الحروب في التسعينات .

وفي الوقت الحاضر هناك ست مهام أممية لحفظ السلم في أفريقيا: المهمة الأممية في السودان (UNMIS) المهمة الأممية في كوت ديفوار (UNOCI)، المهمة الأممية في ليبيريا (UNMIL) المهمة الأممية في جمهورية الكونغو الديمقراطية (MONUC) ، المهمة الأممية في إثيوبيا وإريتريا (UNMEE) المهمة الأممية في استفتاء الصحراء الغربية(MINURSO) وهي المهمة الأقدم للأمم المتحدة في القارة .

وينبغي التنويه إلى أن المم المتحدة في عديد من مهامها شاركت في عمليات حفظ سلم مشتركة (منها مهام المراقبة العسكرية) مع التجمعات الإقليمية الأفريقية وأهمها إيكواس (في ليبيريا وسيراليون وكوت ديفوار) والاتحاد الأفريقي (في بوروندي والسودان) والتعاون بين الأمم المتحدة والكيانات الإقليمية الأفريقية يواجه تحديات التنسيق والتبعية والقيادة والسيطرة على القوات وتوزيع المهام والمهام المشتركة ومسائل التوافق حول استيعاب القوات الإقليمية في مهام المم المتحدة فيما درج بعض العسكريين على تسميته “تغيير قبعة القوات الإقليمية لتصبح قوات أممية”.

النهج الإفريقي التقليدي لفض النزاعات :

منذ ما قبل الحقبة الاستعمارية كانت لدى مختلف مجتمعات أفريقيا توجهاتها التقليدية والعرفية الخاصة ولها أساليبها في منع النزاعات وإدارتها وفضها . وكانت هذه العراف التقليدية وما يرتبط من طرق (ولا تزال) متأصلة في ثقافة الناس ورؤيتهم الكونية التي تشتمل بدورها على مضمون ديني عميق – فلسفة الأولهية والحياة والجماعة والوجود . وقبل الاتصال بالغرب كانت الديانات الأفريقية التقليدية والإسلام تشكل الثقافة ورؤية العالم والحضارة ككل في شتى بقاع القارة ولو أن جيوبا من التراث المسيحي الأرثوذكسي ترجع إلى القرن الأول الميلادي وجدت في مصر وإلى درجة أكبر في إثيوبيا . كما أدى الغزو الأول والتجار الهولنديون في منطقة الجنوب الأفريقي الساحلية وقبل الاستعمار في أواخر القرن التاسع عشر إلى إنشاء الكنيسة المسيحية الإصلاحية الهولندية في تلك لبقعة من أفريقيا.

وكان لدمج أفريقيا في النظام العالمي من خلال الاستعمار الغربي تأثيرات بالغة على طبيعة النزاعات في أفريقيا وعلى أعراف فض النزاعات . والنتيجة سحق العراف الأفريقية التقليدية وإزاحة التقاليد المرتبطة بها أو تغييرها تحت ضغط حضارة الغرب ولازماتها من ليبرالية متعددة الأوجه وعلمنة ثقافية ، ونظرا للطبيعة الراديكالية للتأثير الثقافي الغربي على دول أفريقيا ومجتمعاتها فإن العديد من النقاد المعاصرين يشككون في موقع العراف التقليدية الأفريقية في مواجهة تعقيد البنى الاجتماعية الحديثة وما تفرز من نزاعات في أفريقيا. وهناك من يرى أن العراف التقليدية لفض النزاعات

يجب قصرها على المجتمعات المحلية بينما ينبغي تطبيق البدائل الغربية الحديثة على المدن ومؤسسات القطاع الرسمي ونظم الدولة. وهذه التفرقة النوعية تبدو مشكوكا فيها فكريا وعمليا نظرا لما يتسم به التراث الأفريقي من تنوع هائل وديناميات متشابكة.

إن أفريقيا ما بعد الاستعمار تعكس تنوعا في الرؤى الثقافية والدينية والتقاليد والممارسات ونطاقا واسعا من الأنماط التراثية التي نجت من الحملة الاستعمارية والتغريبية الضاربة. وتتميز الثقافات الأفريقية التي تشكل أساس أعراف فض المنازعات بدرجة كبيرة من التباين والدينامية. ولكن لا يزال هناك قدر كبير من الميول والممارسات تتداخل وتتقاطع في عدد كبير من المجتمعات والمناطق.[27]

والفلسفة الأهم التي تشكل أساس الأعراف التقليدية الأفريقية الخاصة بفض النزاع تتخلص في مفهوم الوبونتو السواحيلي (البانتو أصلا). والأوبونتو فلسفة إنسانية (ليس لها مرادف إنجليزي) تعني “الشخصية الجماعية” وتلخصها الأقوال الماثورة عند الزولو : “المرء مرء من خلال غيره من الناس ” إنسانيتي ترتبط بإنسانيتك ارتباطا لا انفصام له . فهي فلسفة مسيطرة ومتعددة البعاد تستحضر معاني التعاون الجماعي والسخاء والتسامح والاحترام والمشاركة والتضامن والعفو والتصالح .

والإوبونتو يشمل التفسير الأفريقي للسلم “الإيجابي” على السواء ، واعتباره مفهوما محليا لمنع النزاع وبناء السلم فهو يتضمن فكرة الإقرار بالذنب وابداء الندم ممن اقترف إثما فيطلب العفو ويؤدي الدية أو العوض كمقدمة للتصالح والتعايش السلمي . ويتجاوز الأوبونتو مفهوم فض النزاع وتطبيقه لينقل فلسفة “الإنسانية” الأفريقية، وهي مفهوم له أصداؤه الثقافية في مختلف المجتمعات الأفريقية وإن كان أكثر انتشارا في جنوب القارة ووسطها وشرقها . وفلسفة الوبونتو تسير عكس فكرة استحالة فض النزاع المتأصلة في بعض النظريات الغربية السائدة لا سيما الواقعية والسلوكية.

وما يذكر أن منظومة العدل التقليدية المطبقة في جنوب أفريقيا ما بعد التمييز العنصري –  “لجنة الحق والمصالحة”القائمة على العدل والتي طبق بدرجات متفاوتة فيما بعد في مختلف المجتمعات الأفريقية المنقسمة بعد الحروب  (كسييراليون وليبيريا ونيجريا وبوروندى) – كانت مستمدة فلسفيا من عرف الأوبونتو. وكذلك منظومة العدل المعروفة باسم “جاككا” التي اشتهرت في روانده ما بعد الإبادة الجماعية ، وهي تجمع بين العدل الجزائي والشافي والعرف الأفريقي والقوانين المدنية الغربية ، فهي في مضمونها تعبير عن الأوبونتو.

وفي السياق الفلسفي للأبونتو والأعراف المماثلة له في سائر بقاع أفريقيا تكمن العراف التقليدية الأفريقية المتعلقة بفض النزاعات. وفيما يتصل بالطرق يذكر أن التفاوض والوساطة والتحكيم والمصالحة تطورت منذ تاريخ ما قبل الاستعمار إلى مستويات مختلفة وتطبق في مجتمعات افريقية عديدة . وفي كثير من المجتمعات ولا سيما النظم السياسية المركزية والهرمية يشمل التطبيق تدخل الشيوخ العدول سواء بمبادرة منهم أو بدعوة من طرف ثالث مهتم أو من طرفي النزاع (أو أطرافه) . وهذا النهج في تسوية النزاعات يعتمد على السياق إلى حد كبير ، وينتظر من أطراف النزاع أن يحترموا النتائج والأحكام التي تكون ملزمة في قليل أو كثير حسب علاقات السلطة وأعراف الجماعة. كما أن هناك خصومات شبه رسمية يمكن لأحد طرفيها أن يقاضي الآخر في محكمة ملكية أو عرفية، حسب الدعوى . وفي هذه الحالة يتولى البت فيها حاكم تقليدي بعون من مستشارين قانونيين أو بدونه. ومما يلاحظ ان الشيوخ يلقون في معظم الأعراف الأفريقية احتراما بالغا باعتبارهم مستودعات الحكمة والحنكة العملية للجامعة ، ومن ثم يولون مكان الصدارة في قيادة الجماعة وفي تسوية المنازعات . وهذه الفلسفة التقليدية هي المنطق وراء إنشاء “مجلس الحكماء ” في الاتحاد الأفريقي ويشمل فريقا من خمسة أو سبعة من أعلام أفريقيا لدعم مساعي التدخل في المنازعات من جانب الكيان الإقليمي عن طريق الدبلوماسية الوقائية والمصالحة .

وفي كثير من المجتمعات المحلية بجنوب الصحراء الأفريقية لا سيما في النظم السياسية الأقل مركزية ( كالماى في كينيا والإيبو في نيجريا والكبيله في ليبيريا والفانتى بغانا والأورمو بإثيوبيا وغيرهم) هناك عرف لتسوية النزاعات يعرف باسم “موخ الحوار” وهو عرف تقليدي للتسوية النشطة عن طريق الحوار ويشمل التفاوض –  يقترن أحيانا بالوساطة والتحكيم-  وتشارك فيه كافة أطراف النزاع بالمناقشة إلى أن يتم التوصل لوفاق . وتسوية النزاع لا تتم بالضرورة في كوخ كما يوحى المسمى ، بل يتم في قاعة عامة أو في ميدان القرية أو تحت شجرة ظليلة حسب الحالة . وفي مجتمعات كالكبيلة في ليبيريا يعمل عرف “كوخ حوار” جنبا مع القضاء العرفي والتحكيم الذي تتولى فيه بعض المحاكم العامة إصدار الأحكام وتنفيذها . وفي مجتمع ندينديوله بتنزانيا يمتزج نهجا الوساطة والتحكيم في منظومة واحدة ، فيلعب الوسطاء دورا نشطا بعرض اتفاق بل بالضغط على الطرفين لقبوله .[28]

وهناك شكل أخص من عرف “كوخ الحوار” لتسوية النزاعات هو نظام ال” جورتي” (حرفيا الشيوخ) في صوماليلاند، وفيه تخول السلطة العليا لاتخاذ القرار والمصالحة والبت في دعوى المتخاصمين لمجلس من شيوخ الجماعة يستعبد منه النساء والشباب والأقليات الاجتماعية داخل العشيرة. وتم دمج نظام الجورتي في نظام الإدارة السياسي لدولة صوماليلاند ذات السيادة واقعيا. ومن خلال سلسلة من جلسات الجورتي العرفية وبعون لا يكاد يذكر من العالم الخارجي أفلحت صوماليلاند التي كانت خاضعة للوصاية البريطانية والتي تأثرت بالحرب في تسوية النزاعات القبلية وحل الميلشيات القبلية وإنشاء نظام حكم بدائي ولكنه فعال- وهو عمل قد عجزت عن تحقيقه الصومال التي مزقتها الحرب في الجنوب .

وأخيرا فمع أن كثيرا من النزاعات قد تنتهي بتسوية ودية وإقرار بالذنب والعفو فهناك حالات تطبق فيها عقوبات طفيفة أو قاسية حسب معايير الجماعة المعنية . وقد تتراوح العقوبات بين إعادة المسروقات ( في حالة السرقة) والغرامة والنفي والثأر والإبعاد والإعدام واستجلاب غضب الآلهة على الآثم وأشكال شتى من التجريس . وفي بعض الجماعات يتم اللجوء للتهكم لفضح من اتى سلوكا غير اجتماعي ومثير للنزاعات ، لا سيما في سياقات يكون سبب النزاع فيها واضحا وعرف السخرية من الآثمين مقبولا . وكثيرا ما يوجه النقد للأعراف الأفريقية الخاصة بتسوية النزاعات لطبيعتها العشوائية وعدم انتساب عقوباتها مع حجم الجرم. إلا أن هذه الأعراف في مجملها تؤكد الدور المهم للثقافة في إدارة المنازعات وفضها.

 نتائج :

يتضح من هذا الفصل أن النزاعات في أفريقيا أعقد كثيرا مما يصوره كثير من المقالات التقليدية . والعوامل التي تساعد على تصعيد النزاعات المسلحة المعاصرة تتسم بتعدد الأبعاد بقدر ما تتسم العناصر الفاعلة والمصالح والأطراف المحايدة فيها بالتنوع والدينامية. وكما تبين الدراسة فتطبيق فض النزاعات في أفريقيا لا سيما فيما يتصل بحوادث  النزاع المسلح الواسع النطاق والحروب تغلب عليه إلى حد كبير الرؤى الواقعية والسلوكية السائدة لتحليل النزاع والقائمة على فرض أن النزاعات يمكن السيطرة عليها وإدارتها وتهدئتها وتسويتها ، ولكن يستحيل فضها. إلا ان هذه الرؤى السائدة تسير عكس النظرية النقدية والتوجهات الأفريقية حيال فض النزاعات والمستلهمة جزئيا من فلسفة مفادها أن النزاعات يمكن فضها بشكل بناء ودائم. وبالنظر إلى استراتيجيات إدارة النزاعات في أفريقيا من منظور النماذج السائدة يتبين أن الفروق بينها لا تكاد تذكر، ما يعكس الطبيعة المعقدة للنزاعات والمصالح والعناصر الفاعلة فيها، ولكنها تعكس أيضا تعقيد نظم ما بعد الاستعمار وسياساتها في ساحة عالمية السيادة فيها لدول الغرب الصناعية المتقدمة.[29]

الهوامش

[1] ديفيد ج فرانسيس ،”منهجية تحليل النزاع في افريقيا إسهامات نظرية”ترجمة  عبد الوهاب علوب فيخواو جوميس بورتو (محرر)، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،2010)،ص  ص 75-77.

[2] ديفيد ج فرانسيس ،المرجع نفسه، ص 77.

[3] ديفيد ج فرانسيس  ، المرجع نفسه،ص  ص 78-79.

[4] ديفيد ج فرانسيس،المرجع نفسه، ص  ص 80-81.

[5] ديفيد ج فرانسيس، المرجع نفسه ، ص  ص 81-86.

[6] ديفيد ج فرانسيس، المرجع نفسه ، ص  ص 86-88.

[7] ديفيد ج فرانسيس، المرجع نفسه ، ص  ص 89-91.

[8] ديفيد ج فرانسيس، المرجع نفسه ، ص  ص 91-93.

[9] ديفيد ج فرانسيس، المرجع نفسه ، ص  ص 93-95.

[10] ديفيد ج فرانسيس، المرجع نفسه ، ص  ص 96-99.

[11] ديفيد ج فرانسيس، المرجع نفسه ، ص  ص 99-102.

[12] ديفيد ج فرانسيس، المرجع نفسه ، ص  ص 103—106.

[13] ديفيد ج فرانسيس، المرجع نفسه ، ص  ص 106-109.

[14] ديفيد ج فرانسيس، المرجع نفسه ، ص  ص 110-111.

[15] ديفيد ج فرانسيس ،”فهم فض النزاع في افريقيا”ترجمة  عبد الوهاب علوب فيكينيت أوميجه (محرر)، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،2010)،ص  ص 113-

[16] ديفيد ج فرانسيس ،المرجع نفسه، ص ص. 114-115.

[17] ديفيد ج فرانسيس ،المرجع نفسه، ص ص. 116-117.

[18] ديفيد ج فرانسيس ،المرجع نفسه، ص ص.116-117.

[19] ديفيد ج فرانسيس ،المرجع نفسه، ص ص. 118-120.

[20] ديفيد ج فرانسيس ،المرجع نفسه، ص ص. 121-125.

[21] ديفيد ج فرانسيس ،المرجع نفسه، ص ص. 126-128.

[22] ديفيد ج فرانسيس ،المرجع نفسه، ص ص.129-131..

[23] ديفيد ج فرانسيس ،المرجع نفسه، ص ص. 131-134.

[24] ديفيد ج فرانسيس ،المرجع نفسه، ص ص.135-137.

[25] ديفيد ج فرانسيس ،المرجع نفسه، ص ص.138-139..

[26] ديفيد ج فرانسيس ،المرجع نفسه، ص ص. 139-140.

[27] ديفيد ج فرانسيس ،المرجع نفسه، ص ص. 140-141.

[28] ديفيد ج فرانسيس ،المرجع نفسه، ص ص. 141-142.

[29] ديفيد ج فرانسيس ،المرجع نفسه،ص.143.

رابط المصدر:

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M